المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
بحر الفلسطيني والمعتقدات الشعبية
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > نـصـو ص مـفـتـو حــة
زكي العيلة
البحر الفلسطيني والمعتقدات الشعبية

بقلم: زكي العيلة *

يزخر الوجدان الشعبي الفلسطيني المتصل بظاهرة البحر بالعديد من التكوينات النفسية والاجتماعية المتباينة المتغلغلة في الكثير من معارفه وعاداته ومعتقداته الشعبية، والأسطورية المتشعبة والتي يمكن اعتبارها "عنصراً من عناصر الكيان الفكري والعاطفي عند جمهور الشعب، انخرطت إليه من الماضي السحيق وأعانها على البقاء إن الإنسان عامة لم يبرح بعيداً عن تطبيق العلم على الطبيعة وبعيداً عن أن يسيطر على غوامضها وأسرارها " (1) فكثير من المعتقدات انبثقت من فهم الإنسان البدائي، ففي كل مكان من العالم الشاسع الغامض الذي كان يحيط به نجد أنه كان شديد الإحساس بالقوى الظاهرة والخفية، ورغم أنه كان يشعر بتأثيرها من حوله فإنه لم يكن يستطيع أن يفهمها فهماً واضحاً (2) وهذا الهامش المجهول هو التربة الخصبة لنمو الوهم وبقائه، وذلك فضلاً عن الأسباب الاجتماعية الأخرى الناجمة عن تشجيع الطبقات الحاكمة لكثير من المفاهيم الأسطورية غير المرتبطة بالواقع الزماني أو المكاني في محاولة لمنع اتخاذ مواقف حاسمة إزاء القضايا الاجتماعية المثارة.

يقول فيشر : "إننا لنخطئ أفدح الخطأ إذا سخرنا من اعتقاد الإنسان بالخرافات أو من سعيه لترويض الطبيعة عن طريق المحاكاة والعرافة والحركات الإيقاعية الجماعية وما شاكلها.
ولا شك في أنه وهو المبتدئ في ملاحظة قوانين الطبيعة واكتشاف علاقة العلة والمعلول وإقامة عالم واع تؤلفه الرموز الاجتماعية والكلمات والمفاهيم والمصطلحات ، لا شك في أنه وصل إلى نتائج خاطئة لا تقع تحت حصر فكوَّن كثيراً من الأفكار المغلوطة من أساسها ـ وهي أفكار ما زال معظمها قائماً في لغتنا وفلسفتنا في صورة من الصور ـ ومع ذلك فهو عندما أوجد الفن كان قد اكتشف وسيلة حقيقية لزيادة قوته وإثراء حياته " (3).

هذه الترابط العضوي بين الذهن الشعبي والطبيعة ـ رمز المنح أو المنع ـ والمتكوكبة حول كثير من العلاقات الاعتقادية المبطنة بالعجز والتي لا يمكن لأحد أن يتجاهل تأثيرها على كافة أشكال السلوك البشري في مختلف الظروف والمواقف الحياتية ، تدلل على رغبة الإنسان في الارتباط بقوى غيبية يخضع لها ولا يستطيع الاستغناء عنها في سعيه الدائم نحو تحقيق غاياته وحاجياته.

" فالإنسان ككائن حي يخضع لمقتضيات البيئة و الوراثة و ضرورات الصراع بينه و بين الطبيعة من جانب و بينه و بين نفسه من جانب آخر ، لهذا كان التراث الإنساني كله تعبيراً عن حركة هذه المجموعة من المتناقضات التي يتجاور فيها السلب مع الإيجاب ، الفعل و رد الفعل ، التخلف و التقدم ، الشد والجذب ، المد والجزر إلى غير ذلك من أقطاب متصارعة في مختلف أشكال المادة الحية و الجامدة و مختلف أشكال الفكر و الصورة " (4) .

في مثل هذا الاستيعاب يمكن التعرض لبعض من الطقوس والمعتقدات الشعبية الفلسطينية المحكومة بخليط من الحيرة والضعف والرجاء مقابل إمكانيات البحر الهائلة ، الفائقة ، الحاسمة.
وهنا يمكن ملاحظة تشابه تلك المعتقدات ببعض التراثيات العربية المجاورة في كثير من المضامين والأساليب، ولعل ذلك راجع بالضرورة إلى "أن هناك أسساً مشتركة وتاريخاً مشتركاً نمت عليه الثقافة الشعبية العربية خلال مراحل طويلة من الزمن" (5).

مراسم أربعاء أيوب :
تعزو الذهنية الشعبية سبب شفاء النبي أيوب ، رمز الصبر ونموذج القدرة على تحمل الداء الذي أصابه، وورد ذكره عبر الكتب المقدسة إلى حقيقة اغتساله بماء البحر المطهر الشافي، و قد تغلغل هذا المثل الأعلى للصبر في الوجدان الشعبي الفلسطيني فاتخذ له موسماً سنوياً ، كما خلد ذكراه بإطلاق اسمه على العديد من الأماكن مثل : دير أيوب في منطقة الرملة و بئر أيوب في منطقة سلوان في القدس و عين أيوب في منطقة رام الله.

لذا لم يكن مستغرباً أن تنبع عادة استحمام إنساننا الشعبي بمياه البحر يوم أربعاء أيوب ، أو أربعاء العطاء والشفاء ، الذي يسبق من ناحية توقيتية أحد الفصح الخاص بالمسيحيين الشرقيين مباشرة حيث نلمح هذا الدعاء الاستغاثي ، المتزامن وتتابع الموج من قبل المصابين بأمراض جلدية أو قروح مستعصية :

يا للي بريت أيوب
أبرينا من هالداء
يا للي نجيته بالدعا
نجينا من هالبلاء
يا رب يا شافي
بحق سبع بحور
إرفع عذابك ومقتك
عن عبدك المغرور

بينما تردد الفتيات اللواتي يكاد يفوتهن قطار الزواج هذه الأغنية في أثناء اغتسالهن بماء أيوب أو ماء العطاء :

يا بحر جيتك زايرة
من كثر ما أنا بايرة
كل البنات تجوزت
وأنا ع شطك دايرة.

هذه المناشدة ، اللهفة ، تأصل لحقيقة التجاء الإنسان في لحظات عجزه المتمثل هنا في خلله الجسماني : (المرض أو خلله الاجتماعي والبيولوجي : (اللا ألفه وعدم الزواج ) إلى قوى خارقة يظن أنها " تغضب وترضى ، تعطي وتمنع ، تنفع وتضر ، من هنا ألبسها روحاً خاصة وأسند إليها إرادة كاملة وأخذ يحدد علاقته بها من حيث أنها كائن حي قادرعلى التدخل في حياته اليومية " (6).

طقوسيات العاقر :
التداخل ذاته يمكن استشفافه من خلال تلك الطقوسيات الخاصة بالمرأة العاقر ، والمتجلية في تغطيس رأسها بعد ربطه بمجموعة من الخرز في ماء البحر بعدد سبع موجات بواسطة سيدة متخصصة ، بكل ما يحمله العدد (7) من مدلولات متوارثة " توحي بالقداسة والكثرة والتشاؤم أحياناً نظراً لارتباط هذا العدد بالكثير من المخلوقات والظواهر الكونية والمراسيم الاعتقادية التي جاءت وفقه " (7).
مع ترديد هذه الأدعية المستنجدة بالأولياء أو الوسطاء.

لا كباس ولا باس
إلا أولاد زي أولاد الناس
بحياة الخضر وأبو العباس
رب البحر والسما تفك عسيرها
وتعطيها صبي يُنوّر حصيرها
رب البحر والسما تحل عقدتها
وتعطيها صبي يزين حارتها

هذه المنظومات المليئة بالقلق والتلهف على فك العسر العقدة ، الربط ـ العمل ـ تجسيد لرغبات متراكمة مرهونة (بنجدة) الإنجاب المأمول في مجتمع يفرق بين المرأة العاقر "الشجرة غير المثمرة " وبين المرأة "المثمرة " الولود ، ذات المكانة الأسرية الأهم نسبياً من جهة ، إضافة إلى تفريقه ما بين حضور البنت "موت البنات من المكرمات " وبين حضور الولد ، الصبي ، الذكر " يا ريت على هالطلق تجيب غلام "، والذي يمسح بمقدمه جميع الهموم والضغوطات النفسية والاجتماعية التي تتعرض لها المرأة العاقر أو المرأة ـ الخلل الاجتماعي والجسماني والنفسي ـ في نظر المجتمع.

يا بحر راسي عريانة بدي ولد يغطيها
وان ما جاني ولد لقد ثيابي وارميها
يا بحر جيتك مدهوشة بدي ولد وله شوشة
يا بحر جيتك عطشانة بدي ولد شوشته مرجانة
يا بحر جيتك مشتطة بدي ولد ع راسه حطة
يا بحر جيتك من دغشي بدي ولد يدحدح ويمشي (8)
يا رب تعطيني زي الصبايا يا رب الجبر يا رب "

وحالما تنتهي المرأة العاقر من ترديد تلك الأدعية تجلس على الرمل ووجها إلى البحر حيث يقذف أحد الصيادين فوقها شبكته ، إذ يسود الاعتقاد بأن لخيوط الغزل المجدول القدرة على دفع كافة المسببات التي أدت إلى ذلك اللاإخصاب " وتأخذ أسطورية غزل الخيوط منحاها من خلال وضوح علاقة جدل الحبال بالنفث في العقد وشحنها بالتعاويذ السحرية حتى أن بعض الناس كانوا يحملون قطعة من شبكة الصيد لدفع نفث الساحرين عنهم " (9) .
.. وبعد الانتهاء من كل المراسيم المحددة تعود المرأة ـ الطقوس ـ إلى بيتها من طريق أخر مخالف للطريق التي قدمت منها.

طقوسيات الولد المصاب :
يغسل الولد المتأخر النمو ، أو المصاب بالكبسة أو بتلبس القرين والروح الشريرة حسب المعتقد الشعبي في مياه البحر يوم أحد ولعل اختيار هذا اليوم عائد إلى تأثيرات دينية مختلطة متناقلة .
ويلي ذلك دفن المصاب في حفرة على الشاطئ حتى رقبته وسط ندب ذويه إلى أن يدهمه العرق بينما تندفع الزغاريد مشفوعة بالدعاء والتعاويذ :

يا رب تشفيه
وتبارك فيه
ومن القبر تعفيه

وإذا لم يعرق الولد فأنه يسحب ، حيث تُرمى عليه شبكة موزع على محيطها السفلي مجموعة مكثفة من قطع معدن الرصاص الكفيل بقهر ودحض العين الصائبة ، الروح الشريرة ، العمل وكل الأسباب الكامنة وراء الإصابة حسب الظن الشعبي السائد ـ مع المناداة في أثناء ذلك .
" يا بحر خذ ابنك وهات ابنا "

وهذه الصفة ـ المقايضة ـ التي يكتسب بها البحر خاصية التبديل تأكيد على المكانة الأسطورية التي يحملها الذهن الشعبي عن البحر ـ الجامع لرموز الأخذ والعطاء ، رموز الفناء والتجدد التي أصبحت جزءاً من التقاليد الاجتماعية (10) .
* * * *
الهوامش:

(1) أحمد رشدي صالح ـ الأدب الشعبي ـ مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة ـ طبقة ثالثة ـ 1971 ـ ص 92.
(2) فوزي العنتيل ـ الفولكلور ما هو ـ دار المعارف ـ القاهرة 1965 ـ ص 118 .
(3) أرنست فيشر ـ الاشتراكية والفن ـ ترجمة أسعد حليم ـ دار القلم ـ بيروت ـ 1972 ص 59.
(4) شكري غالي ـ التراث و الثورة ـ ط2 ـ دار الطليعة ـ بيروت ، 1979ـ ص45 .
(5) نبيل علقم- دراسة في التراث الشعبي، مجلة التراث والمجتمع، البيرة، العدد الأول، إبريل 1974، ص125.
(6) فريد كمال ـ مقتطفات من المعتقدات الشعبية في فلسطين مجلة التراث والمجتمع ـ البيرة ـ عد 5/1 كانون الثاني 1976 ـ ص 89 .
(7) لمزيد من المعرفة حول مدلولات العدد (7) انظر دراسة عبد لعزيز أبو هدبا ـ العدد (7) في التراث الشعبي الفلسطيني ـ مجلة التراث والمجتمع عدد 4/1 كانون ثاني 1975
(8) مشتطة : مهتمة ، دغشي : مبكرا ، يدحدح : ينتقل.
(9) أحمد خليل ـ مضمون الأسطورة في الفكر العربي ـ دار الأسوار ـ عكا 1979 ، ص 26 .
10) يرصد الباحث الشاعر (علي الخليلي) بعض الاعتقادات الخرافية التي ترسّخت في الوجدان الشعبي وأصبحت جزءاً من التقاليد الاجتماعية السائدة التي تتوارثها الأجيال وتصر على استمراريتها فإذا كان للبحر قدراته (الخيِّرة) فإن له قدرات شريرة أيضاً أبرزها تلك الجنيّة التي تتخطف الناس من الشواطئ ، وفي ذلك تلتقي المعتقدات الشعبية الفلسطينية مع غيرها ولعل في إسكان البحر بالعرائس والجان الأخيار و الأشرار تشابهاً يتكرر في تراثيات مختلفة.
انظر : علي الخليلي ـ الغول ـ ط1 ـ دار الرواد ـ القدس ـ 1982 .

• العديد من المعلومات الواردة حول المعتقدات الشعبية والبحر حصلت عليها بمساعدة الصيادين:
( حسن الهباش ـ محمد الهسي ـ عبد الله عياش ـ طالب العيماوي ).
الصديق : توفيق الحاج الذي أعلمني بخضوعه في طفولته لطقوسيات الولد المصاب .
ـ مجموعة من السيدات المتخصصات .
* * *
* موقع الكاتب http://zakiaila.net/
* بريد zakiaila@hotmail.com
خالد الجبور
أخي القاص الجميل زكي العيلة ..
قرأت دراستك المهمة التي توثق بعض معتقداتنا الشعبية المرتبطة بالبحر ، وقد وجدت فيها فائدة عظيمة ، خصوصاً وأنك قدمت لها تقديما علمياً رصيناً ، وقمت بتحليلها تحليلا موضوعياً عميقاً .

إننا في أعماق تكويننا لا يمكن أن ننفصل عن تلك الحكايات والأغنيات التي تتسرب إلى وجداننا منذ الطفولة ، وتتمركز عميقاً في ذواتنا .
في فهمها مدخل لفهم أنفسنا .
أشكرك على ما قدمته لنا في هذه الدراسة .

كل المودة والتقدير .
زكي العيلة
ربما تطمح مثل هذه الدراسة - ولو قليلاً - في تكريس الشخصية
الوطنيةالعربية الفلسطينية، وتجذيرها عبر التكريس العلمي
لمأثوراتنا الشعبية العربية الموغلة في الأصالة والعراقة
فالمعتقدات الشعبية والمثل الشعبي والأغنية الشعبية،
والألغاز والحزازير وأدوات إنساننا الشعبي؛ ثيابه، وصناعاته
الملفعة بالعراقة تتعرض الآن وبشكل ممنهج للمصادرة
والطمس والإدعاء والإبادة من قبل الاحتلال.

أخي الشاعر الناقد : خالد الجبور.
حروفك مميزة عميقة مشبعة بعبق الأرض الباقية أبداً.
دمت أخاً ومبدعاً ننتظره.
تحياتي ومحبتي.
زكي العيلة
.
Invision Power Board © 2001-2008 Invision Power Services, Inc.