المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
«أيام في الوحل»
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
د. حسين علي محمد
قراءة في رواية «أيام في الوحل»
للسيد إبراهيم

بقلم: أ. د. حسين علي محمد
.................................

(1)
منذ اللحظة الأولى تُقابلنا شخصية البطل في هذه الرواية، وهي شخصية قلقة، مستعدة للسقوط. إنها شخصية "العايقة" التي تتحدّث مع ابنتها عن حبها لابن عمها المندوه، والذي لم يتم مشروع زواجها منها لفقره والذي ذهب إلى القاهرة «ليُثبت لي وللجميع أنني الخاسرة، وأنني بعته وبعت نفسي بثمن بخس دراهم معدودة، وأن المستقبل له»( ).
والعايقة «تتذكّر حبيبها القديم رغم كرور السنين ومر الأيام: «وجدتني أعيش الماضي عذاباً وقلقاً وحبا ووجداً على الرغم من أنني زوجة وأم لفتاة جميلة رائعة، وولد رائع ذكي. وأصبح عندي «لواحظ» و«عبده» والزوج الطيب «المغاوري» الأب والأخ والصديق. ماذا أريد؟ لماذا أتعذّب؟ .. حبي يشتعل، أعماقي مضطربة. كنت أظن أن الجرح قد اندمل، ولكن الحقيقة أنني أعيش العذاب ألواناً وقلقاً وندماً وخوفاً»( ).
إننا في هذه الرواية أمام نموذج مختلف للبطل، إننا أمام المرأة / الأنثى / الشهوانية بطلاً، والتي لا يشغلها شاغل عن الحديث عن جمالها، وحبها لابن عمتها، حتى مع ابنتها: «كانت أمك العايقة عندما تخطر في شوارع البلدة تسحر الأعين بعودها الريان وجمالها الفتان، وخطواتها المثيرة. جمال بلا حدود .. الرجال يحسدون المغاوري الذي استطاع بماله أن يحصل على العايقة … ومازالت العايقة هي العايقة بنت أربعتاشر سنة .. تزوجت صغيرة، جمالي ازداد مع الأيام تألقاً، ومع النعمة والراحة أصبحت فاتنة ساحرة، أجذب الأنظار»( ).
ولعلنا لاحظنا في الفقرة السابقة أن المؤلف ينظر إلى البطلة الجميلة نظرته إلى السلعة «يحصل» ـ وهذا تعبيره نفسه ـ عليها الغني الذي يستطيع أن يدفع قيمتها، وإذا كان هناك أكثر من راغب فالذي يستطيع «الحصول عليها» هو الذي يستطيع أن يدفع أكثر!
ونظرة متدنية مثل هذه النظرة لا يُمكن أن تُنتج فنا جميلاً.
وطبيعي أن مثل هذا الكلام الذي تقوله «العايقة» أمام ابنتها «لواحظ» يؤثِّر فيها، ويجعلها صورة من أمها. تقول لواحظ:
«أحبك يا أمي .. أنا نسخة مكررة منك. أنا جزء من العايقة الجميلة الحلوة، فاتنة القرية التي تزداد جمالاً وحلاوة مع الأيام. أنا مثلك يا أمي ذكية وعملية … أنا لمن أحب وأهوى»( ).
وحينما يعود ابن عم العايقة المدعو «المندوه»، تكون العايقة بقشرتها الهشة واهتماماتها الصغيرة السطحية المنحصرة في الجمال والحب مستعدة للسقوط!:
«زغردت الفرحة في أعماقها … أخيراً جاء الحبيب. جاء ابن العم. أخيراً سنراه بعد العمر الطويل. هل تغيَّر؟ .. أنا لم أتغيَّر كثيراً. ازددتُ حلاوة كما يقولون. نضجت والعود استوى … مشتاقة أنا يا ابن العم»( ).
وحينما يجيء «المندوه» لزيارتها ـ وهي المتزوجة والأم ـ فإنها «تُعانقه، وتُلقي برأسها فوق صدره، وهي تبكي: نسيت المغاورى ونسيت نفسها، ولم تعد ترى سوى المندوه الذي أسعده الاستقبال، فأخذ يربت على ظهرها بحنان»( ).
ويُقنع «المندوه» العايقة وزوجها ببيع الأرض والسفر معه إلى القاهرة حيث العمل القليل والرزق الوفير والعيشة الرغدة الهنيئة الناعمة، فتتم الموافقة، وتُباع الأرض، وتذهب الأسرة إلى القاهرة لتُواجه قدرها الذي أراده المؤلف وخطط له.
لقد غادرت العايقة القرية وهي تقول «طظ في البلد وفي اللي فيها»( ) .. فهل تجد سعادتها وراحتها في القاهرة؟
إن «المندوه» أخذ هذه الأسرة معه إلى القاهرة ليشفي غليله منها: «الجميع في قبضته .. الكل يثق فيه .. سوف ينتقم لنفسه .. لا بد أن تدفع العايقة الثمن. لقد أذلته وعليه أن يرد الصاع صاعين. طعم الذل لا يُفارقه. حقده يتنامى مع الأيام، ومع استسلام العايقة وأسرتها لمشيئته»( ).
لقد جعل الكاتب العايقة دائماً مستعدة للسقوط، فها هي تصرح للمندوه حينما رأته ـ بعد غيبة طويلة ـ برغبتها فيه، وفي تقديم نفسها له:
«الدهن في العتاقي .. العايقة هي العايقة. الأيام الجاية أحلى. هنعوض اللي فات. الصبر يا مندوه «المغاوري» سلمك الجمل بما حمل»( ).
و «المندوه» تراوده الرغبة الشديدة في العايقة، ونفسه تحدثه أن «الخطة تسير عال العال … و«العايقة» الجميلة، الأكلة الدسمة في انتظاره»( ).
وفي القاهرة ـ المدينة «الكبيرة الغجرية التي بلا قلب»( ) يتوالى سقوط الأسرة:
*رب الأسرة (المغاوري) يسقط فريسة للمخدرات( ).
*ثم تسقط (العايقة) بتشجيع من (المغاوري) زوجها فريسة للمخدرات أولاً( )، ثم تسقط جنسيا مع (المندوه) حبيبها القديم، وتمارس معه الرذيلة( ).
*ويتتابع سقوط (لواحظ) و(عبده) في جب الجنس والشذوذ.
***
لقد سقطت (العايقة) لأنها كانت تحب السقوط، وتُخطط له؛ فهي التي استقبلت (المندوه) حبها القديم، وهي التي شجعته حتى سقطت معه. وحتى حينما نبهتها ابنتها (لواحظ) وقالت لها: «المندوه عدو مش حبيب .. اللي بيعمله دا انتقام مش حب»( ) فإنها زجرتها وقالت لها: «عيب يا لواحظ يا بنتي . المندوه ولد طيب. أخ والله»( ).
أما سقوط (عبده) و(لواحظ) فكان نتيجة تخطيط من جهات عربية ـ غير مصرية ومن «الموساد» الإسرائيلي!!( )، وحينما يُقبض على (لواحظ) فإن الواعظ / المؤلف يدين من يبعن أجسادهن مرتين: مرة على لسان الناس الذين رأوا مشهد القبض على الداعرات، ومرة على لسان الضابط الذي حقق معهن.
تروي (لواحظ) مشهد الإدانة الأول:
«خرج سكان العمارة يشيعوننا باللعنات وهم يصرخون قائلين في غضب: «ضيعتوا البلد وسمعة البلد. ضيعتوا أنفسكم وتريدون لأولادنا الضياع مثلكم. لعنة الله عليكم أنتم وأصحاب الشقق المفروشة. هذه البؤر الغضة الفاسدة التي تأكل الأخضر واليابس. هذه الشقق أوكار الأفاعي واللصوص والقتلة والجواسيس وتجار المخدرات، وفرق الإرهاب الملعونة» وهجم علينا الشباب محاولين ضربنا، ولولا حماية الشرطة لنا وسرعة تحركنا من أمام العمارة لحدث ما لا يُحمد عُقباه»( ).
أما مشهد الإدانة الثاني، فيصوره المؤلف وكأنه خواطر مرّت بذهن الضابط حينما رأى السيدات والبنات اللاتي قُبِض عليهن في الشقق المفروشة:
«الشقق المفروشة هي سبب البلاء. هي كارثة مروعة! .. إن من فكّر في هذا النظام خائن لوطنه ودينه، ولأمته … لو كان الأمر بيدي لأصدرت أمراً بإلغاء الشقق المفروشة، ولوفّرتها لعشرات الآلاف من الشباب الذي يُريد الحلال: البيت الآمن، والزوجة الطيبة، ولا يستطيع التفكير في الزواج؛ لأنه لا يملك مقدم اللوكس والسوبر لوكس وتمليك شقق القطاع الخاص! والجميع يُتاجرون بمأساة الشباب، كلهم يُغالون في الأسعار، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر. ويضيع الشباب، وتضيع البلد. ولا يكسب إلا تجار الأعراض: عشاق الحرام، وأصحاب الشقق المفروشة، وهم بكل أسف باشوات الاشتراكية: اشتراكية الفقر والجوع والحرمان والنكسة والانحلال»( ).
لقد أراد المؤلف من خلال لغة تقريرية فجة أن يُدين عصراً بأكمله، ومن ثمَّ فقد لفَّق بعض الأحداث والشخصيات التي رسمها رسماً سريعاً ـ دون روية ـ لتكون مبرراً يُقدم من خلاله إدانته المباشرة ووعظه المستقبح وغير المؤثر؛ لأنه لا يقوم على بناء فني روائي سليم. ولم يع المؤلف أن لغة الإدانة والتقرير والوعظ ستكون مستقبحة عند القارئ، الذي يقرأ روايةً لا مقالاً أخلاقياَ. فلكل فن أدواته. وحينما يتوسّل الفن بأدوات فاسدة فإن ثمرته تكون فجة وغير ناضجة، حتى ولو كانت لشيء يتفق الناس على إدانته!
***
ربما أحسَّ الكاتب أنه «لوّث» شخصية البطلة «العايقة»، التي صنعها بيديه، وبث فيها الحياة، وجعلها بغيا، تكرر السقوط مع عشيقها «المندوه»، فلماذا لا يقوم بعملية تطهير له، ولفؤاد القارئ من هذا الرجس الذي ناء بكلكله على الصفحات البيضاء، فلوثها بمداد الإثم والرذيلة؟.
إنه يجعل بطلته تصحو من غفلتها، وتنهض من كبوتها، ليس بسبب وفاة زوجها، أو سقوط بنتها وتحولها إلى بغي، أو «شذوذ» ابنها الذي جعله المؤلف يتحدث به الركبان، وإنما لأن «المندوه» قال لها في لحظة نشوة وعربدة معها:
«أنتِ ساقطة. أنت لست ابنة عمي «العايقة» .. أنا ألهو بك فقط .. أنا صاحب الخطط الجهنمية»( ).
ولا ندري ما الذي جعله يقول ذلك ما دامت قد أصبحت ساقطة مثله، وطوع يديه، ومادام قد نفّذ خطته الجهنمية وأصبحت بين براثنه بتخطيط ـ ليس ذكيا ـ تفتق عنه ذهن المؤلف اللوذعي!
وهنا تكون نهاية «المندوه» كتلك النهايات التي تنشرها صحافة الحوادث في الأعوام الأخيرة، ويبدو أن المؤلف يُدمن قراءة هذا النوع من الصحف، فنهاية «المندوه» جاءت على هذا النحو:
«احتضنته بشدة، وقبلته، ثم قدّمت له كأساً مترعة من الخمر، وكرّرت ذلك كثيراً حتى فقد وعيه تماماً، فأسرعت إلى باب الشقة، وأغلقته بإحكام، ثم أدارت شريطاً صاخباً، ثم توجهت إلى المطبخ وأحضرت السكين الذي أعدته لهذه المهمة، ثم طعنته في قلبه طعنة نجلاء .. فانفجر الدم وأغرق المكان، ولم تشعر بنفسها وهي تُكيل له الطعنات في جميع أجزاء جسمه حتى مزقته أرباً أرباً (كذا) في حقيبة كبيرة .. وأصيبت بلوثة، جعلتها ترقص وتغني وهي تشرب من دم القتيل، ثم أخذت في تقطيع الجثة حتى حولتها إلى كومة من اللحم الدامي، جمعته (كذا) في حقيبة كبيرة، ثم قامت بتنظيف المكان، وأزالت كل آثار الدماء، وذهبت إلى الحمّام … تخلع ملابسها، وترطب جسدها المرتجف بالماء البارد، واستغرقت في حمامها البارد وقتاً طويلاً، وهي سعيدة منتشية»( ).
وهكذا نفض المؤلف يديه من اللعبة الروائية التي شغلنا بها، ونفض يديه من تهمة تلويث بطلته. فها هو قد «طهّرها » بجريمة قتل العشيق، وبالماء البارد الذي سكبه عليها فترةً طويلةً في الحمّام!
لكن هل تكفي مياه هذا الحمّام في تطهير «العايقة» وإعادة السلام والسكينة إلى روحها، بل روح القارئ التي أُصيبت برذاذ العفن والسقوط الذي تطاير كثيراً على صفحات هذه الرواية؟
لا أظن أن هذا يقع في دائرة اهتمام المؤلف الذي جعل التعبير الشعبي «شرب الدم» ـ الذي يُمثل في المنطوق الشفاهي الشعبي المصري معنى الموت أو التهديد به ـ جعله حقيقة؛ فجعل بطلته «العايقة» تشرب دماء ابن عمها، وحبيبها القديم، وعشيقها «المندوه».
وكأن المؤلف ـ بهذه النهاية ـ غسل يديه من أوزار اللعبة الروائية التي أدخلنا فيها، وأعاد كل شيء إلى نصابه، وهذا ليس صحيحاً، فقد كسَّر في سبيل هذه اللعبة أشياء كثيرة:
أولها: روح القارئ، التي ستُصاب بخدوش كثيرة من جراء قراءة هذا العمل، الذي يُمجِّد السقوط في نصفه الأول، ثم يُدينه في نصفه الثاني، ويمزج الإدانة بالوعظ في أضرار السقوط!!
وثانيها: اللغة، وسوف يلحظ قارئ هذا النص (الروائي) أربعة أشياء:
1-الأخطاء اللغوية، وهذه بلا حصر ولا عد.
2-الأخطاء التحريرية والإملائية؛ فهو يستخدم النقطتين كثيراً (..)، ولا يبدو أنه يعرف شيئاً عن استخدام النقطة (.)، أو النقطتين (..)، أو الفاصلة (،) أو علامتي التنصيص (« »)، أو همزتي الوصل والقطع …إلخ. وهذا يجعل من القراءة عملية صعبة، تكاد تكون شبه مستحيلة، فالجمل تتداخل، والمعاني تختلط، وتتكرر.
3-استخدامه الألفاظ السوقية والمبتذلة، وهناك فرق كبير ـ لا أظن أن (الروائي) يفطن له بين لغة الشارع والحوار اليومي من جهة واللغة الفنية من جهة أخرى، ولا بد أن ندلل عليها هنا. لنرى كيف تسللت لغة الشارع إلى لغة الفن.
ومنها على سبيل المثال ـ لا الحصر ـ هذه النماذج:
ـ «الرجال يحسدون «المغاوري» الذي استطاع بماله أن يحصل على «العايقة» النتاية السُّقع كما يقولون. ثم ضحكت وقالت يقولون عني إنني «مكنة ولا كل المكن» ..»( ).
ـ «النحس الدكر فارقه خلاص ..»( ).
ـ «ضحّت بالمندوه من أجل شيخ أصلع مهدود الحيل»( ).
ـ «إحنا في زمن الأرانب الدكر»( ).
ـ «أصبحت / أصبح … على سنجة عشرة»( ).
4-إهداره الحساسية الفنية للجملة العربية، ولشاعرية سياقها؛ فأسلوب المؤلف مترهل، غير مركز، يميل إلى التكرار، وعدم الدقة.
وثالثها: الواقع الاجتماعي الذي انبثق منه النص ونتج عنه، فنحن نرى في النص المنجز إشارات اجتماعية طيبة، لم يستطع الكاتب أن يفيد منها في عمله الإبداعي، أو يتعمّقها. وكثيرة هي تلك الجوانب ـ التي تضم هذه الإشارات ـ وكان يستطيع أن يُثري عمله بها، ومنها:
ـ المفارقة الاجتماعية بين الريف والقاهرة.
ـ أثر الاغتراب على شخصية البطلة «العايقة»، وكيف أنها ظلت تُمارس عشقها للحياة، دون أن يؤثر التغير المكاني عليها، بل كيف تحولت من امرأة جميلة إلى دمية، تبحث عن اللذة / الحرام، دون أن يترك ذلك رضوضاً في وجدانها أو شروخاً في نفسيتها.
ـ الأرض التي هجرها الفلاحون وسافروا إلى الخارج، وأثر ذلك في البناء الاجتماعي من خلال شخصيات الرواية التي تنتمي إلى الريف، وتتقاطع شخصياتها مع شخصية البطلة.
ورابعها: عدم إفادة القاص من الإنجازات الحديثة في تقنية الكتابة الروائية، فوجدناه يكتب روايته بأسلوب تقليدي هش، يتأخّر عن بدايات الرواية التي استُنبتت في التربة العربية منذ أكثر من قرن، وكأنه لم يقرأ إنجازات مُعاصريه بدءاً من نجيب محفوظ إلى بهاء طاهر، ومحمد جبريل، وجمال الغيطاني.
(2)
أما الشخصيات الأخرى في هذا النص الروائي فهي شخصيات كثيرة تزيد عن العشرة، وهي جميعاً شخصيات مسطحة بلا أعماق، سنتوقف أمام شخصيتين منها.
الشخصية الأولى: شخصية «المغاوري» زوج «العايقة» التي تزوّجته لغناه رغم حبها (للمندوه) ابن عمها، و«المغاوري» رغم معرفته أنها تحب «المندوه» ما إن يأتي المندوه لزيارة القرية حتى يُقابله بكل ترحاب، حتى حينما يرى «المندوه» يقبل زوجته ويُعانقها( )، وكأنه ليس فلاحاً مصريا يغضب لشرفه، وإنما صوَّره «خواجة» باريسيا.
وحينما يعرض «المندوه» على «المغاوري» أن يُسافر بأسرته إلى القاهرة حيث العمل القليل والرزق الوفير، يرحب الأخير بالفكرة، وينبري للدفاع عنها وتبريرها، محملاً كلامه بعض النقد الاجتماعي الذي لن يُثيرنا، ولن يحرك فينا شيئاً، لأنه يصدر عن شخصية هشة، مسطحة، بلا أعماق:
«بصراحة يا مندوه يا خويا أنا كنت معارض الموضوع دا. وكنت لا ألتفت إلى كلام «العايقة». كنت باستمرار أقول مسيرها تعقل، وتنسى مصر وأهل مصر. لكن بصراحة لقيت الناس كلها هجت بر&
د. حسين علي محمد
وحينما يطلب «المندوه» من «المغاوري» ـ وهو غريمه! ـ أن يبيع أرضه لأنه سيوظفه في مصر، وسيجد له عملاً يدر عليه رزقاً، ويبيع أرضه بسهولة، ويتبعه ويسير وراءه. وهذا لا يوافق طبيعة الفلاح المصري المرتبط بالأرض، والذي روى الأرض بعرقه فأصبحت جزءاً منه. ولو عاش الكاتب فترة في الريف لعرف أن بيع قطعة صغيرة من الأرض يكون قاسياً على الفلاح، ويكون مبعثاً للتندر والهزء والسخرية. فكيف يكون بيع أرضه كلها. دون أن يؤثر فيه بيعها ومفارقتها والهجرة عنها إلى القاهرة؟.
هذه الأرض التي عاش فيها حياته حتى صار شيخاً كبيراً، والتي ورثها عن آبائه وأجداده. ألا يترك بيعها في نفسه أثراً؟ ربما لم نر أثراً لبيع الأرض على نفسية بائعها، لأن المؤلف ـ كما أعلم ـ قاهري، وليس من أبناء الفلاحين، فلا يعرف قيمة الأرض، ولا يعرف مكانتها عند الفلاح ومدى ارتباطه بها.
وحينما يصل «المغاوري» إلى القاهرة، ويذهب مع «المندوه» إلى مكان منعزل، تُديره امرأة للشمامين، فإن «المغاوري» ـ والمفترض أنه فلاح بسيط، متدين ـ يُشارك هؤلاء الشمامين فرحهم وانبساطهم كأنه منهم! ويتم سقوطه منذ الوهلة الأولى!
«تقدّمت المعلمة دلال مرحبة بهم، قائلة:
ـ أهلاً بالمندوه وضيوف المندوه. وشك ولا القمر. كنت فين يا واد. اتفضل يا سي السيد. اتفضل يا عمدة.
فقال المندوه:
ـ اسمه المغاوري.
فقالت ضاحكة، وهي تتثنّى وتتلوّى:
ـ كله عندنا سي السيد. اتفضل يا خويا. يوه. اتفضل يا عمدة.
وأجلستهما، وجلست بجوارهما، وبسرعة المرأة المجربة أخرجت لفافة صغيرة دستها في يد المندوه قائلة:
ـ أحسن صنف يا مندوه يا ملعب.
المندوه يضحك وهو يتناول اللفافة بأصابع مدربة، ثم يغمز لها بعينه، ويقول لها:
ـ على مهلك شوية. العمدة لسة خام قوي. دا حبيب وقريب ونسيب كمان.
فقالت وهي تضربه بدلال على ظهره بيدها البضة الطرية:
ـ يبقى جوز العايقة. أكيد. جوز الست.
فقال المندوه وقد فاجأه الرد:
ـ أيوة يا ستي. المغاوري جوز العايقة بنت عمي.
فضحك المغاوري، ثم قال:
ـ حتى بتوع مصر يعرفونا. ابن الأصول والله يا مندوه. لم تنس أصحابك.
فيضحك المندوه وهو يفتح اللفافة، ويمد أصابعه المدربة بداخلها، ثم يجذب قليلاً من مسحوق ناعم، ثم يضعه على ظهر يده، وينحني، ويأخذ شمة هائلة من المسحوق، ثم ثانية وثالثة ويغيب عن الوعي لحظات، وعندما يعود من رحلته الطويلة الطويلة يعود إليه حضوره، ويبتسم في بلاهة، ويتنهّد بارتياح، وتنفرج أساريره عن ضحكة مجلجلة، ثم يندمج في حديث هامس، تتخلله القفشات والضحكات مع المعلمة، ثم يلتفت للمغاوري، ويقدم له بعض المسحوق، ويدربه على كيفية استنشاقه، ويقول له:
ـ شم يا مغاوري، سوف تنسى الدنيا وما فيها. ملعون أي شيء يزعّل. دنيا فانية. شم يا مغاوري. شم يا أبو لواحظ.
ويشم مغاوري، يشم بغشم، فيضحك المندوه، وتضحك المعلمة.
ويدربه على كيفية الاستنشاق بنعومة وبلا خسائر، فالمسحوق ثمين. ويتسلطن المغاوري، ويغيب عن الواقع مخترقاً دنيا ثانية وعالماً خرافيا عجيباً يُنسيه كل شيء.
غادره تردده، وخجله، وريفيته. وتحول إلى إنسان آخر مبسوط، يمزح ويتجاوب مع أهل الكيف.
المعلمة تضحك، وتقول:
ـ صحيح يا واد يا مندوه. يا ما تحت السواهي دواهي. صاحبنا سي السيد أسطى بحق وحقيق. شمام ابن شمام. هئ. هئ»( ).
إن المؤلف يجعل الشخص يتحول تحولاً كاملاً في لحظة ـ أو في أقل من صفحتين من كتابته الروائية (!!) ـ ويجعل الشخص أسيراً لهذا الواقع الجديد أسراً كاملاً يفصله عن ماضيه، بل يجعله يصفع هذا الواقع بقسوة كلما يتذكره!!
«صحيح يا أولاد. داحنا كنا مدفونين بالحيا في البلد. ضاع العمر مع الجاموس والناموس وقلنا وقالوا»( ).
والشخصية حينما تكون مهزوزة وسطحية وأقرب إلى الكاريكاتورية منها إلى الشخصية السوية، فإنها بلا شك ستكون غير مؤثرة في السياق الروائي، وستكون غير مقنعة للقارئ الذي سيقف منها موقف الحذر والشك، وستكون شخصية روائية / كاذبة .. منفصلة عن الواقع، غير قادرة على التأثير والإضافة. وحتى حينما تسقط أو تموت في ظروف غير معتادة، فإن القارئ لن يشفق عليها أو يترحّم، لسبب بسيط، هو أنه لا يُحس بها أو يتجاوب معها.
ومثل شخصية «المغاوري» نرى شخصية «لواحظ»، فهي أيضاً شخصية مسطحة، بلا أعماق ولا رؤية!
«فلواحظ» التي تقول في بداية الرواية لأمها «أنا لمن أحب وأهوى. وأنا أحب يا أمي، وأمنى أن أستطيع أن أحتفظ بحبي وأعيش الحب»( ) والتي نعرف أنها تحب «راضي»( )، والذي «كم هو حبيب إلى نفسها، لصيق بوجدانها»( ).
راضي هذا، ما إن تطلب منها أمها نسيانه والبعد عنه حتى تستجيب لها. تقول الأم «للواحظ» وهما على أهبة السفر إلى القاهرة، وترْك القرية:
«ابنتي .. «راضي» حلم جميل وليس واقعاً، لستِ في حاجة إلى «مغاوري» آخر. حذارِ من الخوف. حذار من الشفقة. لا بد أن تفرحي. لقد تحقق الحلم. دعي قلبك يتخذ القرار بعيداً عن القلب وهمومه وأحزانه. لماذا الخوف ولماذا الحزن ولماذا القلق؟ حذارِ من الشفقة»( ).
لقد كنا نتوقع أن تُدافع «لواحظ» المراهقة العاشقة عن حبها، ولكن أمها التي صنعتها على عينيها وبيديها، وجعلتها شخصية مسطحة ذات صفحة واحدة جعلتنا لا نُفاجأ بتهلل «لواحظ» طرباً لما تقوله الأستاذة «العايقة» والدتها.
يقول المؤلف معلقاً: «وأدهش «لواحظ» أن كلمات أمها وجدت في نفسها صدىً كبيراً. ونزلت على قلبها برداً وسلاماً فاستجابت لها أعطافها، فتسلل إلى أعماقها فرح غامض لذيذ»( ).
و«لواحظ» التي تُناقش أخاها «عبده» ـ بعد وصولهم إلى القاهرة ـ أكثر من مرة في شكها في «المندوه»( ) وما يفعله في أبيها وأمها من تدمير لهما بإيقاعهما في بئر الإدمان، وتسويفه في إيجاد فرصة عمل لأفراد الأسرة، وعلاقته غير السوية «بالعايقة» ونظراته المشكوك فيها إلى «لواحظ» و«عبده». «لواحظ» التي تعرف كل هذا تقع ضحية «للمندوه» أيضاً، فتتزوّج من «الغريب» الذي يجعلها بغيا، حتى نسقط في أيدي شرطة الآداب.
وشخصيتا الفلاح الذي يترك أرضه، بل يبيعها غير آسف عليها، ويُقتَلع من جذوره جرياً وراء رغبات امرأته وتطلعاتها الطبقية، والفتاة الجميلة المُراهقة التي تتحول إلى بغي كانتا تحملان إمكانات فنية كبيرة أهدرها المؤلف ولم يتعمّقها، لأنه اختار أن يرصد السطح ويترك الأعماق، ويكتب رواية للتسلية، فجاءت الشخصيات مسطحة، هشة، لا تترك أثراً في قارئها!
(3)
أصدر السيد إبراهيم ـ مؤلف هذه الرواية ـ من قبل: أربع مجموعات قصصية وعشر روايات( )، وقد نشر عدداً من قصصه القصيرة في بعض الدوريات المصرية والعربية.
وهو يعرِّف روايته على غلافها الأخير بقوله: «الشقق المفروشة عالم خرافي، مليء بالإثم والعدوان والفجور، تحكمه مافيا الجنس والجريمة والمخدرات والإرهاب، وتحكمه تقاليد الغاب، وله زبانية وأعوان وقواد وأغوات وباشوات (كذا) يأتمر بأمرها الجميع».
«هذا العمل الكريه خطر على مصر كلها حكومةً وشعباً، فهو يقود شعبها وشبابها إلى الضياع والفساد والجريمة، هو عالم لا تأخذه شفقة أو رحمة بكل من يوقعه سوء الحظ في أيدي زبانيته. هذا العالم الشاذ حرب على القيم والأخلاق والمقدسات. هذا العالم المشوه حرب على تاريخنا وتراثنا ومثلنا العليا. هذا العالم المريض حرب على حاضرنا ومستقبلنا»( ).
هذه الجمل المقتطفة من تعريف الروائي بروايته تحدد عالم روايته الـ«مليء بالإثم والعدوان والفجور». كما ترينا المنطلق الوعظي ـ لا الفني ـ الذي انطلق منه. وتدابر الوعظ مع الفن، واعتراضهما وعدم تكاملهما هو الذي قلل من فنية هذه الرواية، وجعل البطلة فيها تسقط بين الإدانة والوعظ.
إنك تقرأ بعض الصفحات أحياناً فتحس أن المؤلف يعظ هنا وهناك. فرق كبير الذي له أسسه الفنية الخالصة، والعظة ـ غير البليغة ـ التي تُساق للناس ـ من غير المختصين في الوعظ الديني، فله أسسه ـ لتهديهم سواء السبيل!
ولعدم وعي الكاتب بالفارق بين الفن من جهة والعظة والإدانة من جهة أخرى، ولعدم وعيه بالمنجَز الروائي المصري ، وعدم قراءته واستيعابه جاءت رواية «أيام في الوحل» متداعية فنيا، وإن حاول صاحبها بين حين وآخر أن يسود فيها خطاب الإدانة والتقرير. وكأن خطاب الإدانة وحده من الممكن أن يصنع فنا روائياً راقيا!!
د. حسين علي محمد
للــــــــــرفــــــــــــــع
.
Invision Power Board © 2001-2008 Invision Power Services, Inc.