جمال سعد محمد
10-11-2003, 12:16 am
- أحمد محمد عبده و ( نقش فى عيون موسى ) (8) :
يعتمد ( أحمد محمد عبده ) فى عملية القص على طبيعة الحكي ، وشفاهية اللغة ، وأعنى الحكى بلغة الناس المتداولة فى الحياة اليومية بعد أن يعطيها شكلها اللغوى الفصيح ، وتأتي الشفاهية هنا فى الابتعاد عن الترتيب المنطقى للغة أعني أن التقديم والتأخير فى أركان الجملة يبعدها عن نمطية التكوين ، ومنطقية الترتيب ، وهو بذلك يحكي القصة ولا يكتبها (9)، هو يقلد شفاهية اللغة الفصيحة التى لابد أن تبعد عن صوت المؤلف وتترك له - فقط لغة السرد . وحينما تصبح الكتابة - على هذا النحو - عملاً شفاهياً تلقائياً يتحول الحوار إلي سياق إنسانى حى يحمل طزاجة الحوار ، وحيوية المعجم وعصريته ، بل يشير إلى الشرائح الاجتماعية الخاصة التى تتميز فى لغتها ، ومن ثم يتحول القاص من كاتب فني إلى راو يروى من خارج العمل ، لا يتدخل فى لغة شخصياته ، كما تتحول شخصياته من شخوص إلى إناس حقيقين ، فيحتفظ بدفء الحوار وجدة المعجم وتميزه وعمق الشخصية بصرف النظر عن الحدث أو الموضوع ، لأنه وسيلة اختبار الشخصية وبيان زمانها ومكانها وتركيبها .
وفى مجموعة ( نقش فى عيون موسى ) يقسم ( أحمد عبده ) قصصه إلى ثلاث أقسام الأول بعنوان ( أنا أمة وحدى ) يضم عشر قصص والثانى ( كان العار أن نظل فى العار ) ويضم ست قصص ، والثالث ( ولولا قلبك الحساس .. ) ويضم ثلاث عشرة قصة ، وفى القسمين الأول والثانى يؤكد ( أحمد عبده ) أن الكتابة هي فعل المقاومة الذى يمارسه الكاتب حينما يشعر بالخطر ، ويتحول لديه القلم إلى سلاح لا يقل أبداً عن البندقية ، أو المدفع : ( وحينما جاءت لحظة الصفر ، ورحت أضغط بإصبعي على الزر الذى سوف يفجرني خفت ألا يستجيب الزر لى ، فأنا لا أحب أن أساق إلى حبل المشنقة ) قصة فدائى (1) ص 11 .
ويعتمد ( أحمد محمد عبده ) فى بنية حكاياته /قصصه فى هذين القسمين على الواقع الحى الذى تعيشه الأغلبية المهمشة اجتماعياً وسياسياً وهناك الواقع الافتراضى الذى يشتبك بصور شتى مع الواقع الموضوعي بحيث يصيران واقعا واحداً لا يختلفان إلا فى ضآلة فرص التحقق على أرض الواقع ، ومن ناحية التقنية المستخدمة فى سرد الحكاية استعمل عدداً من التقنيات يجمع بينها الابتعاد الواضح عن طريقة السرد الخيطى المنطلق من بداية ما إلى نهاية ما بل كان جل اعتماده على تقنية عرض اللقطة المؤثرة بشئ من السرعة الخاطفة ، بحيث تتوزع القصص فى عدد من اللقطات المكثفة الحارة ، وتجتمع فيما بينها على طريقة تجميع قطع البلاط ، ويحاول بذلك احترام وعى المتلقى ومن أجل رفع مستوى المشاركة والفعالية فى العمل :
( تحزمت .. توكلت .. احتسبت نفسى عند الله .. كنت أحب الحياة فى صفحة النهر .. أحببت الموت حين رأيته ) قصة توحد ص 20 .
( الملامح والتقاطيع تشكيلة من كيزان الذرة على حبات باذنجان على بلحات نقرتها العصافير فى سباطة معلقة فى نخلة حياتى .. لو أعدتم عرض هذه التقاطيع على أمي قبل أن تدفنوا أشلائى .. فسوف تتعرف علىّ .. ) قصة الجندى المجهول (1) ص 22 .
وهناك الحوار الداخلى الذى تقدمه كل شخصية مع نفسها ، ويحتل هذا الحوار مساحة مماثلة للمساحة التى تحتلها اللقطات المؤثرة .. ويبقى القسم الأخير ( ولولا قلبك الحساس ما حسبتك فى عداد الناس ) ويتسم هذا القسم بتنوع الشخصيات من حيث الانتماء وطبيعة التكوين العضوى والنفسى ، فإذا تأملنا تلك الشخصيات مع بقية شخصيات المجموعة ككل نجدها ترتبط فيما بينها عبر ملامح أساسية يندر طمسها وأبرز هذه السمات :
1- التطرف الحسى أوالشعورى ، وحدة الطباع كما فى قصة أنا أمة وحدى ص 4 .
2- القوة الجسدية المميزة واتقان استعمال السلاح .. قصة فدائى1،2 .
3- الشجاعة الفائقة التى تبلغ حد التهور . قناعة ص 18 .
4- الإحساس بالعبثية واللامبالاة بالمصير الفردى وتنامى الشعور باللاجدوى من الحياة .
5- الوعي العميق الكافى للشعور بالغربة الاجتماعية ومقادير متفاوتة من الشقاء .
6- العلاقة المضطربة مع المرأة . قصة صورة الشهيد ص 61 .
7- الميل إلى الصمت والتكتم مما يجعل الشخصيات محاطة بهالة من الغموض والإثارة والتحريض .. قصة تعبئة ص 14 .
8- رسم ملامح دور الضحية .
وبعد فلقد شكل الميل إلى تكثيف العبارة والاقتصاد الملحوظ فى استهلاك الكلمات الملمح الأجمل فى ( نقوش فى عيون موسى ) لأحمد محمد عبده .
د. حسين علي محمد
13-01-2004, 01:50 pm
حجم القراءة ـ أو عدد القراء لكل مادة معروضة للقراءة في مندى نقد القصة ـ قليل، لماذا؟ .. لعل المنتدين ـ أو قرّاء المنتدى يدلون برأيهم في هذه القضية، مع أنني أرى المنتديات غير الأدبية قراؤها كُثر،،، لماذا؟ .. هل العيب في المادة الأدبية، أم أن المزاج العام مُعرض عن قراءة الأدب؟!
***
خلال شهرين لم يقرأ هذه المادة ـ التي بذل صاحبهل فيها جهداً مشكوراً ـ غير خمسة قراء!! .. هل هذا معقول؟!!
وائل وجدى
11-02-2004, 10:34 pm
أستاذى المفضال / المبدع الدكتور حسين على محمد
لا تضيق من عدم القراءة ؛ هذا هوحالنا لانهتم - عادة - بما يجب أن نضعه فى بؤرة شغفنا. وعلينا بالصبر.
ولك تحياتى . أيها الناقد الفارس دوماً.
وائـــل وجـــدى
abderrezakbadi
7-03-2004, 07:49 pm
سادتي الكرام إننا في عصر طغت فيه الأغنية ونوادي الدردشة على كل القيم وأصبح العري والتفسخ الخبر اليومي للكثير ، لهذا لا تبتأس يا صديقي من إعراض الناس عن القراءة ، شخصيا لقد أخذت الموضوع على قرص وأنا أقرأه بتأني وسأكتب ردا عليه في الأيام القادمة أتمنى صادقا أن نشترك في كل شيء لأننا أصحاب مصير واحد شئنا أم أبينا ، أخوكم عبد الرزاق بادي من الجزائر.
وائل وجدى
8-03-2004, 12:30 am
الأستاذ الفاضل / عبد الرازق بادي.. أحييك على تواصلك - الحميم - وجديتك ... لك تحياتي ، واهتمامك بالقراءة ، التي قام بها - الصديق الكاتب والناقد / جمال سعد - وكذلك سعيك ؛ لتحقيق حلم : معجم القصة العربية.. وشكراً.
abderrezakbadi
20-03-2004, 09:22 pm
إن القص في الأصل هو الميل إلى البساطة ورصد الأحداث أو تصويرها بشكل يسهل تلقيه ، والإبداع فيعملية القصهو البحث عن الدهشةوالإنبهار فيالحدث وتداعياته وإضفاءطابع الغرائبية على موضوع القصة حتى تخلق في المتلقي أو القاريء رغبة الإكتشاف ، كما أن للسرد سلطة متفردة حيثأن الشد الذييحدث في النص السردي يجعل الطرف الآخر لا يستطيع التملص منه إلأا بعد الوصول إلى النهاية وهوما يريده القاص ويعتبره نجاحا على إعتبار أن قمة التوفيق هو أن يملك مشاعر القراءإلى النصالذييقدمه لهم.
مشكور على جهدك سيدي الفاضل لكن لايشعرك عدم التهافت على قراءة الموضوع ومناقشته ، فقد تعودنا المرور على الأشياء دون أن نعيرها الإهتمام الكافي ، فعزوف الناسعن القراءة يزداد في ظلثقافة الشات والكليب وهز الخصر ، نحن نقرأ
ويمكننا أن نتواصل رغم هذا الواقع لأننا سنكون مسؤولين أمام الله أو على الأقل أمام أنفسنا عن تهيئة جيل جديد يعيش غربتنا ويرفضهذا السقوط الحر ، تحياتي لكم جميعا.
abderrezakbadi
20-03-2004, 09:27 pm
أعتذرأيها الإخوة عن الخلل الوجود في التدخل السابق وإلتصاق الكلمات ببعضها البعض والسبب أكيدمعروف لديكم وتعانون منه أيضا وهو رداءة لوحة المفاتيح الموجودة بين يدي.عذرا.
جمال سعد محمد
21-03-2004, 12:20 pm
العزيز الفذ اسناذى \عبد الرازق بادى تحية ود وحب لك ولكل من تحب يا سيدى لاتنزعج مما نعانيه وسط هذا العالم المحبط والمهين فى ذات الوقت لكن يكفى البسطاء أمثالى ان يشد من أزرهم من هم مثلك فى خبرتك ودربتكم
خالص شكرى وتقديرى لهذا الود والحب الصادق
سمير الفيل
10-04-2004, 08:17 pm
الصديق جمال سعد محمد :
الجهد النقدى الذى تقدمه يستحق المؤازرة ، خاصة أن ثمة تيارا قصصيا يتشكل ويتخلق على نار هادئة ، ويستحق المعالجة النقدية الرصينة . أحييك على الجهد المبذول ، وقد صادف بحثك عن المروى إليه التفاتا واضحا ممن قرءوا البحث المقدم لمؤتمر إقليم شرق الدلتا الثقافى ( 7 ـ 9 إبريل 2004 ) . نتمنى ان نقرأه هنا قريبا . إلى اللقاء .
د. حسين علي محمد
21-04-2004, 06:21 am
يقوم الناقد جمال سعد محمد بدور جدير بالإشارة إليه ـ في تقديم الأصوات القصصية والشعرية المتميزة، التي تُعاني من الصمت والتجاهل، وهي أصوات متميزة، ومنها الصديق أحمد محمد عبده ـ الذي أعرفه من قرابة أربعين عاماًـ منذ كنا طلاباً في المرحلتين الإعدادية والثانية (هو بعدي بعام أو عامين، لا أذكر)، وقد بدأ أحمد محمد عبده في الأعوام الأخيرة يلفت إليه النظر، وهو من الكتاب المتميزين (ولا نقول الكلام جزافاً، أو مجاملةً) في القصة القصيرة.
شكراً جمال سعد محمد، أيها الناقد الذي ينتظرك مستقبل مشرق كبير.
جمال سعد محمد
26-04-2004, 04:52 pm
الابالكبير قيمة وحجما وادبا وخلقا شكرى لايستيطع الوفاء بكرمكم فماذا اكتب
د. حسين علي محمد
11-05-2005, 12:20 am
«نقش في عيون موسى» لأحمد محمد عبده
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
أصدر القاص أحمد محمد عبده مجموعته الأولى «الجدار السابع» عام 1994م، وهذه هي المجموعة القصصية الثانية لـه، وقد صدرت في مايو 2002م عن سلسلة «أصوات معاصرة» (العدد 93)، وفي قصصها يقارب الواقع مقاربة حميمة من خلال العوالم التي يقدمها في فنه القصصي.
وتتألّف هذه المجموعة من تسع وعشرين قصة قصيرة، بعضها ينتمي إلى مصطلح القصة القصيرة جدا.
وتدور قصص أحمد محمد عبده حول الهموم السياسية والاجتماعية التي يُعاني منها الإنسان المصري بوجهٍ خاص والإنسان العربي بوجهٍ عام، وقد اتسعت دائرة هموم هذه القصص من الهم الذاتي الخاص إلى الهم العربي (السياسي العام).
1-قصص الانتفاضة:
يضم المحور الموضوعي الأول الذي يُمكن أن نسميه «قصص الانتفاضة» تسع قصص، تدور في عالم «انتفاضة الأقصى» التي انطلقت في سبتمبر 2000م، وتنتمي هذه القصص التسع إلى عالم المقاومة، مع شاعرية لا تخفى.
ويصور القاص في هذه القصص خيار الجهاد والمقاومة في عالمنا العربي والإسلامي من خلال المفارقة التصويرية؛ ففي القصة الأولى «أنا أمة وحدي»، يُقارب الواقع من خلال لغة مكثفة تصور الواقع من خلال مشاهد متضادة تكشف عن البطولة المفتقدة في واقع يلهث وراء صور خادعة، تكشف عن استغراقنا في اللحظة التي نعيشها، دون أن نرى ما خلف الواقع من تهديد لمصيرنا:
«لا تقوموا من أمام التلفاز.
فيعد فيلم «صلاح الدين» سوف تُشاهدون فتيات يتقصّعن لإبراز نكهة الكوكاكولا!
وبعد إعلان الكولا، إعادة لماتش (انتصر) فيه فريق عربي على إسرائيل!!
(ماتش ودي)
بعدها احتفالية تُقام لهذا الحدث غير المسبوق»( ).
تحاول القصة أن تبرز المفارقة بين الواقع المتخثر الذي يرسف في قيود الهزيمة النفسية والواقعية والبطولة التي نحتاجها في عالمنا العربي لمقاومة الهيمنة الإسرائيلية، ولكن وجود هذه البطولة أو تحققها ـ كما يرى القاص ـ بعيد .. بعيد!؛ فنحن نكتفي بمشاهدتها في فيلم عن البطل المجاهد صلاح الدين، دون أن نُمارسها عمليا، ويتكلم عن مباراة «ودية» ـ أي ود مع الغاصب المعتدي؟؟! ـ مع إسرائيل، ننتصر فيها (ولعل فريقها هو الذي تركنا ننتصر في اللعب! لنفرغ في ذلك النصر شحنتنا الانفعالية!!).
ثم هاهي فتياتنا تظهرن في صورة مقززة لا تعبر عن أمتنا العربية المسلمة، يستنزفهن إعلان عن سلعة لأمريكا، التي تُناصر العدو الإسرائيلي من دعمها لاقتصاده، إلى تزويده بالعدد الحربية التي يُجابهنا بها، إلى حمايته وهو يعتدي علينا صباحَ مساءَ بـ «الفيتو» في مجلس الأمن!!
وفي قصة «تعبئة»، وهي قصة تكشف عن شخصية المسلم المُجاهد ـ دون طنطنة أو ادعاء ـ هذا الذي يجعل من نفسه قنبلة بشرية، تُمزِّق العدو، يقول في نهايتها:
«نظرتُ إلى الأفق هنا وهناك
رأيْتُ البرهان!!
توكّلتُ على الله
نطقتُ بالشهادتين.
تمنيتُ لو ضربْتُ عصفوريْن بحجرٍ واحد
أنفجر، فيموتون
وأحيا؛ لأشاهدهم
ثم أنفجر ليموتوا، وأحيا ... ثم .. » ( ).
إن البطل يتمنى لو يمتلك أكثر من حياة، لينفجر شهيداً أكثر من مرة، وليقتل كما من أعداء الله وأعداء رسوله، الذين اغتصبوا فلسطين. وتمني العودة إلى الحياة مقترن بالعودة إلى الشهادة من جديد، وإثخان العدو بالموت، عساه يكتب النصر لأمته، فهو منتمٍ لهؤلاء الشهداء الذين يقول عنهم في قصة «قناعة»:
«لم تضق الدنيا في وجهي. السماوات يتسع لها أفقي!!
وسدرة المنتهى تحوم حول أسوارها روحي»( ).
إن البطل هنا حالم بالفردوس الأعلى، وطريقه الشهادة.
وفي قصة «توحد» نرى الفدائي المحب للحياة، يستشهد ـ في سبيل الله ـ دفاعاً عن وطنه الذي أحبه، وأحب طبيعته، وأشجاره، وناسه:
«كنتُ أحب الحياة في صفحة النهر
في عيون أمي، ابنتي، أختي
في أغصان شجر الزيتون، قبل أن يُصبح مبيتاً للغربان
لكنني أحببتُ الموت
حين رأيتُه في عيون أمي، ابنتي، أختي
عشقتهُ .. أدمنته
فليكن أنا الموت
تحزّمتُ، توكلتُ، احتسبتُ نفسي عند الله
فقد كنتُ أحبُّ الحياةَ عند صفحة النهر
لكنني أحببتُ الموتَ حين رأيته
في عيون أمي، ابنتي، أخوتي»( ).
إن البطل هنا يعشق الحياة، ولكنه مضطر للحرب حتى لا يرى الموت ماثلاً دائماً في عيون من تجب عليه حمايتهن، والذود عنهن: أمه، وابنته، وأخته.
وفي هذه القصة «المنولوج» نرى طرفين غائبين حاضرين: طرف الأحبة اللاتي يجب الدفاع عنهن لقرابتهن ضعفهن وقلة حيلتهن، وطرف العدو الذي يأبى إلا أن يُفسد علينا الحياة، ويجعل الموت (والغياب بالتالي) مُرادفاً لحضوره وهيمنته، ومن ثم فالطرفان فاعلان ومُهيمنان على النص رغم غياب صوتهما الظاهري.
وهذان الطرفان يمثلان الحياة الهانئة المستقرة (الأم والابنة والأخت)، في مقابل الموت (الغربان التي جعلت من أغصان شجر الزيتون مبيتاً)، ولاحظ الكلمة لم يقل بيتاً، فأبداً لم تكن ـ ولن تكون أرضنا سكناً (بمعنى الدعة والهدوء والاستقرار) لهم!!
وهكذا تكون ثنائية الحياة والموت مسيطرة على القسم الأول من قصص المجموعة التي يتقاطع فيها الوصف مع الشخصية، ونلاحظ هنا أن الوصف ذو صبغة حكائية أو حوارية، فهو يفترض الآخر الذي هو أنا وأنت، وكأنه يُحثنا على أن نأخذ خطوة في طريق حماية الحياة من أعداء الحياة.
والقصص لغتها مقطرة، تفيض بالشعرية التي تنسابُ بحضور الشخصية الرمزية التخيلية، التي تمتاح من تراثنا الإسلامي عطاءها وقدرتها على البذل، والتخلي عن تمكن الحياة منها، وتُفسح طريقاً للجهاد في سبيل الله والشهادة.
2-قصص الحرب:
وفي الدائرة الثانية دائرة قصص الحرب ـ نرى ست قصص تصور هذا العالم الذي أصبح أليفاً لنا، منذُ زرع الاستعمار إسرائيل جُرحاً لنا في هذه المنطقة من العالم.
وسنتوقف عند بعض قصص المجموعة التي تتناول الحرب، فصاحب المجموعة أحد أبناء القوات المسلحة، أمضى فيها قرابة ثلاثين عاماً، وهو من الأدباء المنتمين إلى خيارات هذه الأمة ـ في جهاد العدو ومقاومته ـ التي "كانت" (خير أمة أخرجت للناس).
في قصة «وليمة» يُصور لنا مأساة حرب 1967م التي تحوي مُفارقة ضخمة بين تصور الجنود الذين يظنون أنهم «المكلفون بإلقاء إسرائيل في البحر» وبين أيديهم المكبلة، وأرجلهم المقيَّدة ... حتى يفاجئهم العدو، فيفك القيود من أرجلهم، ويترك أياديهم مقيّدة، ثم يقودهم ـ أو يأخذهم أسرى ـ في عرباته المظلمة!
وفي قصة «الأشباح» يصور بطولة فرقة مصرية من الجيش، كان عليها تدمير صناديق الذخيرة التي تركها جيشنا في يونيو قبل أن ينسحب منها، ويتركها لإسرائيل.
وفي قصة «نقش في عيون موسى» يُرينا استحالة زرع نبات السلام بين مصر وإسرائيل، فكما يقول الروائي محمد جبريل «لا خيار، إما أن نكون أو يكونون»، فوجود أحدنا نفي للآخر، ونحن الذين سنبقى في هذه الأرض.
وفي لقطة جميلة مؤثرة يُرينا أطماع بني صهيون على لسان كهل إسرائيلي:
تحرّكوا .. ابتعدوا عنا قليلاً .. أخذوا لهم ركناً
قال رجل منهم، يبدو أنه أكبرهم سنا:
ـ عيون موسى .. إياكم أن يمر عليكم الاسم كأنه عنوان في جورنال!!
كانت أقوى تحصينات جيش الدفاع، اغتصبوها منا في يوم «كيبور» الأغبر.
وكأن الرجل قد استدرك خطاً صدر منه. سكت لحظات ثم راح يُتمتم.
ثم واصل حديثه، قال لطفل كان يمسك بيد امرأة:
ـ نهر النيل .. هل تعرفه؟ .. أهو قريب من هنا؟
قال الطفل:
ـ وأين الفرات يا أبي؟ ( ).
إن الإسرائيلي الكهل يرى أن المصريين اغتصبوا «عيون موسى»، والطفل يشير إلى مُلك إسرائيل الذي يمتد من النيل إلى الفرات، فهل نتنبّه لمغزى سلامهم؟
هكذا صوّر القاص السلام المستحيل بيننا وبينهم.
3-قصص للمهمّشين:
تضم قصص ما يُمكن أن نسميه «قصص مُقاربة واقع المهمشين» ثلاث عشرة قصة، تتحدّث عن سجين يلتقي أمه في زيارة شهرية (قصة «غرفة الزيارة»)، أو فقير يتوسّل للباشا أن يُساعده كي يُدخل ابنه كلية عسكرية (قصة «البالون»)، أو مظلوم يريد منه ظالمه أن ينطق بكلمة «أنا امرأة» (قصة «قهر») ... إلخ.
وقصص المهمشين ـ كقصص المقاومة وقصص الحرب ـ تحتفي بالمقاومة والثبات ـ رغم التعذيب ـ حتى لا يشعر الجلاد بانتصاره.
يقول في قصة «احتمال»:
«الكرابيج تشرخ جلدي .. والكلمات تخرم جسدي .. تنفذ إلى جوفي.
أشعر بحجارة من سجيل تكوي كبدي.
كاد اللحم يموت .. فلا يشعر بالكي.
أما هو فكان كلما أطلق كلمة أصابه سعال حاد، وكلما تمطّع في الهواء، وهوى بكرباجه على ظهري يقول آاااه.
أما أنا فلم أكن أزيد على صوت يخرج من بين شفاه مضمومة قائلاً:
ـ هممم» ( ).
إن المظلوم الذي يذوق عذاباً لا يمكن لبشر أن يطيقه، وكأنه حجارة من سجيل، لا يجب أن يُشعر الظالم أنه انتصر عليه أو قهر روحه، لدرجة أن الظالم في القصة يخيب سعيه، ويقول في هزيمة ظاهرة:
«سأُعاود الكرّة مع الكرابيج غداً بعد أن أستريح .. سأعرف كيف أنتزع الاعتراف منك انتزاعاً» ( ).
وتوحي الجمل السابقة بهزيمة المتسلط، وعدم استطاعته ـ مع تسلحه بالقوة الغاشمة ـ على انتزاع اعتراف غير حقيقي بجريمة ملفقة!
التجربة وتوظيف مفردات الواقع:
قصص أحمد محمد عبده قصص ذات خصوصية، فهو ـ رغم أنه لم يصدر غير مجموعتيْن قصصيتين قادر على صوغ قصص فنية قادرة على حمل ملامحه الفنية، وأول ملامحه الفنية هو صدقه الفني؛ لأنه يكتب عن تجربة وإذا كان قد قيل عن التجربة الشعرية إنها «هي الحالة التي تلابس الشاعر وتوجه باصرته أو ذهنه أو بصيرته إلى موضوع ما من الموضوعات، أو واقعة من واقعات الدنيا، أو مرأى من مرائي الوجود، وتؤثر فيه تأثيراً قويا، تدفعه في وعي أو غير وعي إلى الإعراب عما يرى أو يشهد أو يتأمل" ( )، ولا بد للشاعر ـ الذي ينطلق من تجربة شعرية حقيقية وليسن مفتعلة ـ من "معايشة كاملة لإحساس معين من بدء ملاحظته، إلى تخلقه فنيا، إلى تشكُّله النهائي عالماً له وهجه واقتداره على الحلول فنيا بشكل معين يدفعنا دفعاً إلى خلقه في إطار فني"( ).
ومن التعريفات السابقة يتضح لنا أن التجربة الشعرية لا بد لها من مؤثر يؤثر تأثيراً عميقاً في نفس الشاعر فيدفعه إلى التعبير عنه وتصويره في صورة شعرية تطمح أن تؤثر قي القارئ، وتنقل له مشاعر الشاعر وأحاسيسه. وإذا كان الشاعر صادقاً في تمثل التجربة والاستجابة الحقيقية لها دون تضخيم أو تهويل استطاع إقناعنا بنصه المنجَز.
ولا يشترط في التجربة جلال الموضوع أو سمو الغرض، فقد تتجه التجربة نحو "الموضوع العادي ـ أو حتى الرديء ـ ولا تزال تنفذ في أقطاره من عمق إلى عمق حتى يصبح عالما غنيا، جليل الجمال، أو جميل الجلال"( ).
والتجربة في القصة لا تختلف ـ باعتبارها عملاً إبداعيا ـ عن التجربة في الشعر، وتكشف نصوص المجموعة عن صدق فني صنعه قاص يضع قلبه وعينه على نبض الإنسان المصري المهمّش، مما يكشف عن معايشة القاص الطويلة لإنسان هذا الوطن، وهذا جعل من كتابة القصة عند أحمد محمد عبده نوعاً من التقطير لعذابات هذا الإنسان وهمومه.
يقول في قصة «الجندي المجهول 1»:
«قالوا إنني مجهول.
...
ولو أنهم أعادوا تركيب البصمة، سيجدونها من شراقي أرض القمح.
...
ولو أنهم أعادوا تركيب البشرة .. سيجدونها من طمي النيل، أما الملامح والتقاطيع فهي تشكيلة من كيزان الذرة، على حبات باذنجان، على بلحات نقرتها العصافير في سباطة معلقة في نخلة حياني!»( ).
فهذا التعبير لا يُساق إلا من تجربة فنية صادقة لقاص ممتزج بذرات تراب هذا الوطن.
وتتضح قدرته على توظيف مفردات الواقع في ثلاثة أطر:
الإطار الأول: توظيف يعض الأغاني المشهورة، ففي قصة «شربات الفرح» يوظف عدداً من الأغاني منها «سينا يا سينا باسم الله باسم الله» ( )، و«سمينا وعدينا وشقينا طريق النصر» ( ) و«لفي البلاد يا صبية .. بلد بلد»( ).
وتوظيف الأغاني في نصوص قصصية يجعل الأسلوب يتراوح بين النثر بدرجاته والغنائية الشفيفة، ويُلقي عبئاً فنيا على القاص، إذ يتطلّب منه أن يكون كالنسّاج الماهر حتى لا تبدو الأغنية رقعة في الثوب القصصي، كما أنها تُلقي على القصة طابع التماس ـ ولا نقول التطابق ـ مع الواقع المصري الذي تنطلق منه.
الإطار الثاني: استخدم القاص اللهجة العامية في قصص قليلة، منها «غرفة الزيارة» في مثل قوله:
ـ يظهر إنك ما لقيتش حد تعيش معاه برة، جيت معايا هنا .. مش هنا أحسن؟( ).
و«أكيد كلاب بطنه هوهوت» ( ).
وهو هنا جعل الشخصيات السجينة تتحدّث يمستوياتها الثقافية المتباينة وقدراتها المتفاوتة، وهذا يُعطي الشخصية ميزة أكبر للارتباط بالواقع( ).
الإطار الثالث: الروح المصرية في القص والحكْي التي تجعل من القص سارداً، ومنك مستمعاً مُشاركاً في لعبة القص، ويتضح ذلك في عدد غير قليل من قصص المجموعة، لعلّ أبرزها قصة زمن.
***
قصص أحمد محمد عبده في مجموعته الثانية تنبئ عن قاص مقتدر، يضيف إلى القصة المصرية صوتاً متميزاً وجديداً.
إبتسام إبراهيم تريسي
12-05-2005, 12:34 am
تحية أخي جمال .
كلّما قرأت لك نقداً لمجموعة أو رواية ، أجد صوتا متفرداً في النقد يبحث في الزوايا المعتمة عن الجديد ، ليخرج بقراءة متميزة .
مودتي .
سمير الفيل
16-09-2005, 09:46 am
للرفع ..
مادة نقدية مهمة قدمها الزميل جمال سعد محمد ..
تحياتي ، وواصل دورك النقدي فنحن في امس حاجة إليه ..
مجدى محمود جعفر
19-09-2005, 09:47 pm
الناقد الجميل جمال سعد
أشكرك على دراستك النقدية في مجموعة ( نقش في عيون موسى ) للقاص الصديق أحمد عبدة ، والمجموعة تستحق بالفعل حفاوة نقدية ، وكانت قد صدرت عن سلسلة أصوات معاصرة ، والجدير بالذكر ياصديقي أن أحمد عبدة انتهى من كتابة رواية بديعة ، سيدفع بها للنشر قريبا
جمال سعد محمد
20-09-2005, 12:03 pm
الحقيقة الكاتب الكبير احمد محمد عبده يستحق الكثير لكن لى عتب عليه وعلى المبدع مجدى جعفر اما عن احمد فلانه لم يرسل لى الان روايته الجديدة وعن مجدى لماذا لا تضع ما كتبته عن المبدعين الذين تصديت لابداعهم نقديا انت يا عمنا ناقد مهم فى الحركة الادبية فى مصر فلماذاتبخل علينا ايها الكريم وخالص الشكر لاستاذى سمير الفيل على هذا التشجيع ولجبير المليحان ننتظر على احر من الجمر الكتاب الثانى وليته ينفرد بالقراءات النقدية لقصص الموقع عامة - امل الا يطول انتظارى - فليس الكتاب الاول هو الهدف وحسب املنا كبيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر
مجدى محمود جعفر
23-10-2005, 10:48 pm
الناقد الجميل والمخترع العبقري / جمال سعد
يجلس معي آلان صديقنا أحمد عبده وهو يشكرك كثيرا على حفاوتك النقدية بأعماله