المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
قراءة في مجموعة«عندما يموت الحب» لياسر علي
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
د. حسين علي محمد
قراءة في مجموعة«عندما يموت الحب» لياسر علي

بقلم: أ.د. حسين علي محمد
................................

(1)
هذه هي المجموعة القصصية الأولى لياسر علي وقد أصدرتها «ثقافة الشرقية» بالتعاون مع «بيت ثقافة ديرب نجم». وتضم المجموعة خمس عشرة قصة قصيرة، مع مقدمة للشاعر بدر بدير رئيس نادي الأدب بديرب نجم.
وتحمل المجموعة روح الشباب الجديد في مصر الذي تخرج في عقد التسعينيات، وتصور المجموعة صورة الحياة الكئيبة التي يُعاني منها جيل ياسر علي، ويرسم القاص واقع البطل وكأنه يرسم صورة جيل بأكمله، سُدَّت في وجهه الطرق. يقول في مطلع قصة «هل ستشرق الشمس؟!»:
«عاد وحيداً يجر قدمين كالجبال.
تثاقلت خطواته وهو يخترق هذه الأزقة الغضة. وطوارق الليل خلفه تعوي، وقد وجدت في أكوام الزبالة المتناثرة ملهى ومرتعاً.
غاصت قدمه في وحل الطريق، وتعثّرت الأخرى في إحدى نتوءاته. ألسنة الدخان الأزرق ترتفع من كل جانب .. لم يعد يحتمل رائحتها. أخرج يده من سترته المثقوبة بمنديل قد لطخت حواشيه ببقع خضراء قاتمة. وضع المنديل على أنفه، ثم مسح بضع قطرات تفصّدت من جبينه رغم برودة الجو. وتوقف فجأة .. أخرج من معطفه البالي لفافة من التبغ محشوة، ونفث دخانها الكثيف ببطء».
وأبطال قصص ياسر علي فقراء ومحبطون ومأزومون، ولكنهم يحبون الحياة، ويحلمون، ويجدون وقتاً ليصنعوا سعادتهم الخاصة حتى يتوهّموا أنهم يعيشون!؛ فها هو بائع الفل في قصة «أحلام بائع الفل» الذي ينتظر أحد الشباب ليشتري منه عقود الفل، ليُسهم مع والده الكوّاء في إعالة أمه وأخواته الثلاث ـ يحلم «إن لي أمنية واحدة يا أستاذ،أن أمتلك سيارة جميلة سوداء، أشق بها دروب الليل، أقف بها على هذا الكوبري وأشتري كل عقود الفل، وأنثرها على ماء النيل».
والشيخ الفلسطيني ذو الأعوام الستين، والذي هجره أولاده إلى العمل في «بلاد النفط» ـ في قصة «مفتاح العودة» ـ رغم معاناته الشديدة، وهجرته أرضه (التي اغتصبها الصهاينة) يحمل أملاً يقينيا لاشك فيه أنه سيعود: «أخرج من الحشية الجالس عليها مفتاحاً لم يُصنع في عهدنا. وفي صوت يزدحم بالذكريات: هذا مفتاح بيتي في الخليل .. مدينتي. سيعود حفيدي بعد قليل ليطهر المدينة».
***
وللزمن سطوته التي لا تُقاوم في نص ياسر علي السردي، ويستخدمه لإبراز التغيرات في المكان والشخصيات؛ فهاهو بطل قصة «دمعة فوق رصيف ساخن» يرصد التحولات التي حدثت للمكان بعد عشرة أعوام قضاها غريبا عن أرض الوطن «اللافتات كُتب عليها كلمات تطل في عناد … هل هبط الفن إلى هذه الدرجة؟»( )، وقد تحولت في غيبته المكتبة التي قرأ فيها روائع المعري وشوقي ويحيى حقي ويوسف إدريس إلى «نادي فيديو الفرجة»، وتحول مرسم الفنان إلى «مطعم فول وفلافل»!.
وفي القصة نفسها نرى سطوة الزمن من خلال التغيير الذي يُصيب الأشخاص؛ فها هي «سميرة» ـ التي كانت حبيبته منذ عشرة أعوام ـ «وجهها استعمرته التجاعيد الثقيلة، وتضخم جسدها، وفقدت خفة ظلها ورحابة روحها».
***
وتمتاز هذه المجموعة بقدرة صاحبها الفائقة على الوصف الذي يُقوم بدور بنائي لا يُنكَر، فالقاص يملك عيناً خبيرة قادرة على الرؤية، ويملك بصيرةً قادرة على الاختزان، حتى يوظف ما يراه من صور في قصصه القصيرة التي تنحو نحو الواقعية المحزنة، وإن كانت في قصصه بعض ملامح رومانسية باهتة!
وتجد هذه الواقعية المُحزنة في قصصه جميعاً من خلال تصويره المكان والشخصيات الرئيسة، والأحداث التي تزخر بها قصصه، فهو يقول في قصة «المدينة مازالت نائمة»:
«كل شيء في الميدان الخالي مازال ساكناً، لم تستطع رنات الساعة المرهفة التي أعلنت السادسة منذ قليل أن توقظ أحداً، البرد يأكل (في) أجساد الجميع، والسكون يلتهم الشارع، ومعاطف قليلة تمر، تدثَّر بداخلها المسافرون، ينفخون في أيديهم علهم يواجهون هذا العملاق القارس».
ويقول في نهاية «أحزان بائع الفل»: «مازال واقفاً يتتبع السائرين في انتظار من يشتري الفل، وهبط البدر من صحن السماء، وكان على صابر أن يُلملم قروشه في جيبه، ويضع العقود الباقية في عنقه، ويجر أقدامه إلى الحي الذي يسكن فيه، ويدخل الحي مع أذان الفجر … مازال الحي يحتفظ بقليل من خيوط النور تتسرب هنا وهناك، وطوارق الليل تعوي في أكوام القمامة، وعلى المقاعد الخشبية القليلة جلس نفر من أعداء النوم»( ).
ويقول في قصة «عندما يموت الحب» مصوراً إحباط البطل في الفقرات الأولى من القصة:
«فتح جفونه المثقلة ببطء، انتزع رأسه من الوسادة بصعوبة، فشعر بصداع شديد. الحجرة غارقة في الضوء. تذكّر كوابيس الليلة الماضية التي جعلت نومه شوطاً من العذاب.
أمام مرآة الحمام وضع بعض الكريم على وجهه، حملق في المرآة. لم تكن عيناه غائرتين إلى هذا الحد منذ ثلاثة أيام، ولم يكن الشعر الأبيض منتصراً بهذه الغزارة. ماذا حدث؟ .. أيمكن للإنسان أن يتغيَّر بين يوم وليلة؟!
هل مازال في كابوس؟ .. مطَّ شفتيه إلى الأمام، ورفع حاجبيه، وهزَّ كتفيه، وغمغم محاولاً فتح الصنبور، ولكن ماء الصنبور ينزل دماً».
ولكن واقعية ياسر علي كواقعية الجاحظ قد «لا تقف عند تلك التفصيلات الدقيقة، بل تستند إلى تحليل نفسي واجتماعي، وتصوير لبعض الأحاسيس والعواطف».
***
ولغة ياسر علي في معظم قصص المجموعة موظفة جيداً لخدمة النص القصصي الذي يكتبه، وجمله قصيرة حادة تنقل لك الحدث الذي تريد القصة تقديمه في ثوب قشيب. (وليته يتخلّص من الترهُّل الذي أصاب بعض قصصه).
يقول في قصة «البوابة» معبراً عن لحظة خروج الأساتذة من مقار لجان التصحيح في الشهادات العامة (كالشهادتين الإعدادية والثانوية)، ويبدو أنه كتبها بعد أن أصبح هناك فصلان دراسيان في العام (في يناير، ويوليو). ونص هذه القصة:
ما أصعب يوم الحشر!
الساعة ركبها شيطان رجيم!
لا تُريد عقاربها الوقحة أن تقترب من الثانية والنصف!
الأجساد المتلاصقة اقتربت رائحتها من درجة العفونة.
عيون العشرات من الرجال المحترمين معلقة بالبوابة السمراء الضخمة التي تُشبه وحش الأساطير القديمة!
الشمس رغم حرارتها الرقيقة تلسع الرؤوس المكتظة بدرجات التصحيح.
المنظر من أعلى سيكون أروع سخرية!
خاصة في الطابق الرابع، حين يشب ابن الخامسة وقد هاله منظر الواقفين أمام البوابة!
أمه بجانبه، تمضغ متعتها بهؤلاء المعذبين .. وقد تركت شعرها لنسيم يناير يعبث به، ويداها تستقران على رأس الصغير!
لسان حالها يقول:
أرجو .. ألا تكون مثل هؤلاء!».
وفي القصة مفارقة تصويرية طرفها الأول هؤلاء المدرسون المأزومون الذين انتهت فترة تصحيحهم، ومع هذا فمازالت البوابة السوداء الضخمة مغلقة، وطرفها الثاني هذه الأم الشابة التي تحمل طفلاً في الخامسة، وترجو له حين يكبر ألا يُصبح مدرساً كهؤلاء المدرسين.
وإن كانت عنده بعض الجمل القلقة، والأخطاء اللغوية القليلة، مثل قوله في مطلع قصته القصيرة جدا «سؤال مؤجل»: «على بعد مائتين متر في البحر، يقف هناك كالدمية»، والصواب «مائتي متر»، والتعبيرات غير الملائمة، مثل قوله في نهاية قصة «بالأمس قرؤوا الفاتحة»: «تركتني أنصهر .. مارسها الاحتضار»، فمن المفروض أنه هو الذي احتضر بعد أن سمع حبيبته تقول «بالأمس قرؤوا الفاتحة».
***
وفي نهاية هذه المقاربة النقدية نؤكِّد أن ياسر علي هو أحد الأصوات الجديدة في القصة المصرية القصيرة، وأنه يمتلك عالماً قصصيا خصباً، تتنوع فضاءاته بين القرية والمدينة، وتتنوّع شخصياته بين فتيات حالمات بالحب، وشباب يدخلون آفاق الحياة، ونساء مترعات بالحزن لفقد أحبابهن، ومطرودون يحلمون بالعودة إلى بيوتهم. وأن لغته قادرة على التعبير والإيحاء، وأن قصصه في سبيلها إلى الاكتمال، وإن كانت هناك بعض قصصه القصيرة جدا تبتعد عن فن القصة بقدر ما تقترب من فن الخاطرة!
......................................
*من كتاب "أصوات مصرية في الشعر والقصة القصيرة" لحسين علي محمد.
د. حسين علي محمد
للرفع، وإعادة العرض.
د. حسين علي محمد
للرفع .. مرة ثانية،
ولنسأل أحبة ياسر:
أين ذهب ياسر علي عبد العليم؟
وهل أصدر مجموعات أخرى؟!
مجدى محمود جعفر
شكرا للدكتور حسين وقد استمتعت بقراءة هذه الدراسة ، وياسر سافر إلى السعودية متعاقدا للعمل كمدرس لغة عربية ، ونشكر لك سؤالك واحتضانك لتلاميذك
د. حسين علي محمد
(مجدى محمود جعفر @ 15-09-2008, 02:05 am) *

شكرا للدكتور حسين وقد استمتعت بقراءة هذه الدراسة ، وياسر سافر إلى السعودية متعاقدا للعمل كمدرس لغة عربية ، ونشكر لك سؤالك واحتضانك لتلاميذك

نشرتُ قصة "البوابة" لياسر علي
في كتابي الجديد "المدخل إلى التحرير العربي"،
الذي صدر عن دار النشر الدولي بالرياض،
(بالمشاركة مع أ.د. خليل أبو ذياب)،
وتركت نسخة لياسر مع الشاعر الكبير بدر بدير.
مجدى محمود جعفر
شكرا للدكتور حسين على هذا الخبر الذي سيفرح المبدع الجميل ياسر ، أرجو أن أزف له هذا الخبر في أقرب وقت ، فظني أن مثل هذا الخبر قد يعيده إلى الحركة الأدبية بعد انقطاع ما يزيد عن العامين بسبب السف والإنشغال بالحياة والسعي وراء لقمة العيش ن شكرا لأستاذنا الدكتور
.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.