المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نكسة يونية 67 في قصة
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > نــــــــــــوافــــــــــــــذ
محمد عبد الله الهادي
عندما حدثت هزيمة يونية 1967 كنت طالباً في الصف الأول الإعدادي بمدرسة الصوفية الإعدادية ، كنت أتابع أخبار الحرب من خلال الصحف التي كأن أبي يأتي بها من فاقوس ، ومن خلال الراديو العتيق الذي كنت أتنقل بين محطاته ..
ورغم أنني كنت أحاول الكتابة وقتئذ ، فإنني لم أكتب عن هذه الحرب ، بل أذكر أنني كتبت ثلاث قصص هم ( نادية التي فقدت أمها ) و ( السكون والضجيج ) والثالثة لا أذكر اسمها الآن .. كانت مجرد محاولات لكتابة القصة لطفل يعشق الكتابة .. لكنهم أساتذتي العظام في ذلك الوقت ، تركوني أنشرها في مجلة حائط كنت أحررها بنفسي وأعلقها بالمدرسة ، مع مجموعة لوحات فنية .. فقد كنت أعشق الرسم أيضاً ..
لكن بعد عدة سنوات ، كتبت قصة عن فترة هزيمة يونية بعنوان ( سونة ) ، ونشرتها مع أول مجموعة قصصية تنشر لي عام 1979 م عن هيئة الكتاب بمصر بعنوان ( عيون الدهشة والحيرة )
تذكرت يونية .. وتذكرت القصة وعدت لها .. أستعيد أجواء تلك الأيام المريرة .
وعندما انتصرنا في أكتوبر 73 كتبت كثير من القصص والروايات عن هذا النصر .
لكنني رغم ذلك لم أنس ( سونة )
إليكم ( سونة ) بكل عفويتها
ــــــــــــــــــــــ
ســــــــــــــــونة
بقلم
محمد عبد الله الهادي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــ
(1 )
كان " الكلوب " الصيني ينشر ضوءه بوهج قوي ، زجاجه اللامع يجذب فراش وأبي دقيق الحقول ، تستميت محاولة الوصول لضوء " الرتينة " الباهر المغري ، ترفرف بأجنحة رهيفة وهشَّة ، تصطدم وتتهاوى محترقة ، لا جدوى ولا أمل أمام الحاجز الشفَّاف ، ووشيش الكلوب لا ينقطع ..
تبددتْ العتمة وتلاشت أمامي لمَّا أقبل الليل سريعاً ، كنا نجلس فوق حصير فُرش فوق أريكة عارية ، بحجرة مدرسنا الأستاذ " إبراهيم " ، نتبادل الكتب ، نحفظ ونصم وننتظره بحماس كي يراجع معنا الدروس ، فلقد كنا نستعـد لمسابقة " أوائل الطلبة " في الغـد ، وجاء الأستاذ ، لسويعات طوال غصنا في جوف الكتب ، ركضنا علي دروس المنهج ، استعرضنا بمهارة الشاذ والغريب من السؤال ، كادت رءوسنا الصغيرة أن تتورم في حجم ثمرة كبيرة ، واهتزت الأمخاخ في الجماجم كما يهتز البيض الفاسـد .
قبيل الانصراف شدد الأستاذ بتعليماته : النوم المباشر ، الراحة ، الاستيقاظ مبكراً ..
كانت عقارب الساعة تشير للحادية عشر مساءً ، ونحن نهم بالانصراف ، وتنبه لوجودي ،
ينبغي أن أقطـع مسافة خمسة كيلو مترات في الظلمة ، هي المسافة بين قريتي وقرية الأستاذ ، أمسك بساعـدي :
ـ " ابق معنا حتى الصباح يا محمود " .
ـ " شكراً .. لازم أروح " .
ـ " الطريق مظلم وطويل يا ولدي" .
ـ " لا يهم .. ما زال الوقت بدري ويمكنني الذهاب " .
ـ " لا تكن برأس جاف .. سوف أرسل معك أخي " .
ـ " لا شكراً .. لست بخائف " .
وانطلقت من وهج الكلوب ومضيت إلي ظلمة الشارع الكثيفة ، كان قلبي يتقافـز مرتجفاً ، وأنا أتحسس الطريق بقدميّ ..
عيناي تعـتادان الظلمة رويدا رويدا ..
(2 )
علي الطريق الترابي الضيق المتعرج المؤدي لقريتي ، بدتْ الظلمة ملساء وناعمة ومخيفة تحت ندى الليـل ، تدثر الكون بعباءة قاتمة ، من ثناياها يركض الخوف ، يهاجمني بلا هوادة ، يمتطي كتفيّ فتئن قدماي ، وأنا أعـدو بخطو متعرج ، أقلب بصري بين الأشجار السوداء ، نباتات الحقول القائمة أو المحصودة ، السواقي الهامدة وقد انكفأت أنوفها فوق علبها ، مرتكزة علي المدارات الراسخة المتعبة من دوران الأظلاف التي لا تنقطع للمواشي المغماة العيون ، تبغي الوصول إلي نقطة لا نهائية دائرية لا تأتي أبداً ، صوت خرير الماء المتدفق في المساقي والقنوات ، يلطم الحواف الطينية وجذوع الحلفاء الشريرة خشنة الأوراق ، ولا أسمعه ، ارتوت الشراقي وابتلت وشربت النباتات وأوحلت الأحواض بماء راكد يأبى الانصراف ، لحقول الأرز رائحة عطنة تقتحم أنفي ، أشمها واعتاد عليها وهي تتسلل من بين كوادي الأرز والدنيبة وشواشي السمار اللامع ، الحظائر الطينية الخاوية ، المسقوفة بأفلاق النخيل ، تبدو الآن في قلب الغيطان كأوكار أزلية لأبناء الليل ومردة الجن ، شجيرات النخيل الباسقة مغروسة وقائمة ، لا تهتز تيجانها ، خالية الوفاض من الثمرات ، سعفها مندمج فوق جمار القلب الأبيض ، يرتمي في رشاقة قاتمة وصامتة ، لا أجرؤ النظر ورائي ، الأيادي المخلبية العمـلاقة تلاحق قفـاي ، الثواني تتهاوى بثقل بطئ وتمضي هامسة بوشوشات اللـيل ، مرقت بعض الطيور في العتمة و طمأنتني قليلاً وهي تصدح بلحن جميل ، أصيخ السمع لتقافز قراميط السمك فوق سطح الماء الجاري في الخلجان الصغيرة المتجاورة والملازمة لرحلة الطريق ، نقيق ذكور الضفدع الخشن يتواصل مع الخطو الوجل المتلهف ، صراصير الغيط السوداء بين المدر الجافة تصر باحتكاك الأفخاذ الرنانة للأرجل المفصلية ، الجرذان التي تبحث عن طعامها وتشم الطريق بخبث ولا تلبث أن تنسل مسرعة ومفسحة لقدميّ ، شقَّت نجمة بطن السماء بذيل محترق وتهاوت بوهج خاطف أخَّاذ للبصر ، انتفض قلبي ، رفرف بجناحين صغيرين كسيرين ، تذكرت وتمتمت بقول أمّي : سهم الله في عـدو الدين .. تنزل علي القوم الكافرين ، تظنها أمي تسقط علي بلاد وأناس كافرين ، وأنها تحرقهم وتبيدهم جزاء إثمهم ، قلت : وسوف يحترق الشيطان الشرير ، وأنا أدنو من الكوبري علي مصرف صان البحري ، توقفتُ ، جمدت في مكاني ، هوى قلبي وارتطم بحاجز الضلوع ، هل أصرخ بأعلى الصوت ؟ ، تحشرج الصوت في بطن الجوف ، قلت : أهي النهاية ؟ ، وأنا أرى تلك الهالة البيضاء غامضة المعالم تزحف بطيئة نحوي ، عفـير التربة اللزج يكلبش باطن حذائي القماش الكاوتشوك ، إذ بالصوت يناديني ، يخرجني من لجَّة عميقة :
ـ " تعال يا بني .. لا تخف .. من أنت ؟ " .
كان صوته الذي أعرفه : عمي " سليم " ، أكان يروي أرضه ليلاً ؟ ، هل تأخر في العـودة لـداره ؟ ..
ـ " محمود .. يخرب شيطانك ! " .
سحبني من يدي ، تمتم غاضباً :
ـ " أي مدرسة ليلية هذه يا بني ؟ " .
لم أشرح أو أفسر المسألة ، مضيت صامتاً ومكابراً برجولة مزيفة هزمها الخوف .
نهرني أبي لتأخري ، أحاطت أمي رأسي بذراعيها ، أدارت قطعة " الشبة " زجاجية الملمح فوق رأسي ، تمتمت بترانيم مبهمة أزلية ومورثة : من عين فاطمة ورتيبة وسعدية .. ومن شر النفاثات في العقد .. ومن شر حاسد إذا حسد .. وكل اللِّي شافوني ولم يصلوا علي النـبي ..
تثاءبتْ بفم بلغ أقصى اتساعه ، دمعت عيناها قسراً وشهقت وألقت بـ " الشبة " في النار .
بينما كنت أغـفو علي صوت احتراقها وتحولها لمعـالم جيرية بيضاء وهشَّة لرءوس الحاسدات .
(3 )
لم تصح الشمس بعـد عندما ركبنا الديزل العجيب ، " السانت كروفت " كما ننسبه للشركة الأجنبية ، في الصبح نمضي لمدرسة قرية بعيدة اسمها " حانوت " .
هناك ، في الركن المعـد لنا جلسنا نحن الخمسة ، بين خمس مدارس أخرى في التصفية النهائية ، كان التلاميذ وأولياء الأمور يحدقون فيـنا بإعجاب وينتظرون .
عندما بدأت المسابقة كانوا يصفقون لكل إجابة صحيحة ، ونحن نُسأل في اللـغة والدين والتاريخ والحساب والثقافة وأسئلة الذكـاء ..
سُئلنا عن فلسطين ؟ : وقفت وصحت بصوت جهوري : إننا عائدون .. عائدون .
لوح الأستاذ " إبراهيم " لنا بقبضته مشجعاً من بين الحضور وهو يبتسم .
وعن جنوب أفريقيا ؟ : طوحت يدي في الهواء ، وصرخت قائلاً : إننا ندين هذا التمييز العنصري . صاح أحد الحضور من مدرسة أخرى : هذا الولد من الإعدادي ! ، ابتسمنا ثم ضحكنا بفرح . أحمل كأس الفوز بيد وقلم الحبر الهدية بيدي الأخرى ، ونحن نهتف :
ـ " يا محني ديل العصفورة .. وبلدنا هي المنصورة " .
انتصرت " الصوفية " التي رحنا نجوب شوارعها وحواريها وأزقتـها في زفَّة كبيرة ، وخرجت النسوة من الدور ، صفقن ، زغردن ، نثرن حبات الملح فوق الرءوس .
(4)
ـ " هذا الكتاب عن مصر .. هدية لك يا محمود ".
قال الناظر هذا وقبلني وأعطاني هديته وشدَّ علي يدي ، شكرته ، خرجت من مكتبه ، في الردهة رحت أتأمل الصاروخ " القاهر " المصنوع من الورق المقوَّى ، والمعلق بسلاسل نحاسية لامعة في سقف صالة مدخل المدرسة ، علي الجدران المواجهة بدت الأعلام زاهية ، أعلام عالمنا العربي ، وأعلام دول عدم الانحياز ، تحسستُ أجنحة الصاروخ البارزة ومقدمته المدببة فضية اللون ، شددت قامتي واحتضنت كتابي وعدت لفصلي مزهواً .
عندما دقَّ جرس الانصراف ، عرجت إلي محطة الديزل ، ابتعت مجلة القوات المسلحة لرخصها ، دسست ثمنها ـ كل مصروفي ـ في يد البائع " قرشين صاغ " .
(5 )
تحت الكافورة العملاقة بجوار الدار كنت أقلب صفحات المجلة بنهم ، لأوراقها وطباعتها رائحة خاصة تميزها أنفي ، بها أحببت " يوسف وهبي " وأدهشني مسرحه الذي لم أره طيلة حياتي ، تجولت مع " بوب هوب " الممثل العالمي حول بنايات الأهرام ، تحت صورة جندي فلاح مصري يتسـلق الصخور الوعرة بعافية وخفَّة ، أحد جنودنا باليمن : " نحن نحقق جميع رغباتكم " ، الجندي " عبد العال السيد " يطلب حفظ وظيفته لحين عودته ، الجندي " عمر علي " يرغب في نقل زوجته من طنطا إلي المحلة ..
أدهشني " جاجارين " أول رائد للفضاء ، صراع العملاقين علي الأرض وبعيداً عنـها ، وعن " بن بركة " ، المناضل المغربي ، كانوا قد خطفوه في شوارع باريس ، وعذَّبه " أوفقير " قبل أن يطلق عليه الرصاص ويصفيه جسدياً ..
وأخيراً ، أمضيت وقتاً طويلاً ، وأنا أتجول بين جنودنا في مواجهة إسرائيل المزعومة ، عند " القسيمة " و" الكونتيلا " ، رأيتهم يمشون في خنادق تشبه مصارف الحقل ، ورءوسهم تحت الخوذات بمحاذاة سطح الأرض ، كانوا ينظرون صوب الأرض المحتلة ، يتشوقون للحظة المعركة الفاصلة وتحرير فلسطين .
(6 )
أقبل العم " عبد العال " عامل المدرسة سعيداً :
ـ " مبروك يا محمود .. أنت الأول علي القبول بالمدرسة " .
فرحت أمي وزغردت ووزعت الشراب الأحمر علي الجيران .
أخذتنا الفرحة لأسابيع عديدة ، حتى اندلعت المعركة .
لزمت البيت استرق السمع لآخر الأنباء من كل إذاعات العالم من راديو ضخم " سييرا " يعمل ببطارية خضراء كبيرة .
لمَّا عاد أبي ومعه صحيفة الأهرام ، حدقت في صورة الطيَّار الإسرائيلي الملقاة علي الرمال ، كانت إذاعة العـدو تناشد سكان القرى :
" ارفعوا الأعلام البيضاء .. جيش الدفاع يتقدم نحوكم " .
حدثتني نفسي :
" أهو برنامجهم السخيف : أكاذيب وحقائق .. مرَّة أخرى ؟ "
لكن هاجساً هتف بي ، أقلقني ، زعزع الأمن في قلبي ، دعوت الله أن يكون نطقهم كذباً .
أدرت مكثف الراديو بضيق حتى توقف المؤشر عند " صوت العرب " : كانت قواتنا الباسلة تتقدم صوب تل أبيب ، تساءلت : أين القاهر ؟ ، لكني أزحت السؤال وتمتمت منتشياً مع
" فهد بلان " :
( نحن للسيف للسيف .. نحن للضيف للضيـف
نحن نعادي اللي يعادي .. ونسالم من يسالمنا )
(7 )
تحدث " عبد الناصر " بصوت محزون ومخنوق :
ـ " سأترك موقعي " .
بكى المذيع ، أطلت نهنهته من المذياع بحرقة ، هل أدركت المأساة فبكيت بدوري ؟ ، أخفيت دموعي وأنا أخرج من الدار ، أجر قدمي علي تراب الأرض ، مضطرم المشاعر ، مشتت الفكر .. ، أقبل الغروب خانقاً مغبراً ، يتخفى خلف غيوم زرقاء داكنة ، تتمطى علي صفحة السماء العالية ، تلطخ وجه الشفق ، تشوه حمرته النارية الغاضبة وهي تخبو متراجعة مهـزومة ، من شارع لآخر حتى الجـامع ودكان البقالة ، كان البقال " حسن " يداعب ويضاحك زوجته " سعـاد " .
الفلاحون العائدون المنهكون بعـد يوم من العمل الشاق ، يمتطون المطايا علي مراشح بلا برادع ، تتدلَّى سيقانهم السمراء طويلة وقوية ، يجرون مواشيهم ، يدخلونها للدور قبيل حلول الظـلام ..
هل أهتف أو أصرخ ؟ ، أيقولون إنني مجنون ؟ ، أيخونني صوتي ؟ .
يركبني الخجل المورث ، أبحث عن نفسي كي أحادثـها ولا أجـدها ..
أدخل الجامع وصوت المؤذن يدعو للصـلاة .
(8 )
انتظرت " السيد النجَّار " جارنا الجندي المجند ، أ يحدثني عما حدث ؟ .
مرَّت أيام طوال كالدهر ، يطول الانتظار ولا يأتي .
بكت خالتي " أم السيد " وولولت عندما جاءت إشارة من المركز تقول :
" السيِّد النجار مفقود " ، لكنها قالت : السيد مات .. مات .
رأيته في آخر لقاء وهو يحكي عن صرامة " الميري " في الجيش ، إنهم يفتشون عن نظافة الأرجل والأظافر والملابس .. حتى شعر العانة ..
لكنه ذهب ولم يعـد .. مفـقود .
همست امرأة بدينة لجارتها :
ـ " مصيلحي ابن زينب عاد ليلاً .. وكان يحمل سلاحاً " .
تنقل الهمس ، فتجمهرنا أمام داره ، أطل علينا أخيراً بعينين منتفختين وجسد مرهق وقدمين متورمتين ، ولمَّا تكاثرنا حوله تخلص منا بضيق وحزن وشرود ، أوصد بابه الكبير في وجوهنا وتوارى خلفه ..
لم ينبس ببنت شفة .
(9 )
أصابني المرض خلال العطلة ، وأقبل العام الدراسي الجديد سريعاً ، سمعت أنهم عند حافة القناة . جاءت لقريتنا عائلات وافدة ، قيل عنهم " مهجرون " ، لعـائلة منهم بنت في مثل عمري اسمها " سـونة " ، طويلة وممشوقة وناعمة ولها شعر قصير ، ابتسامتها عذبة ورائعة ، دخلت معنا الفصـل .
بحثت عن أعـداد أخرى من المجلة التي أفضلها فلم أجدها ، اختفت .
أخذني حديث " سـونة " عن بيتهم الذي دكَّه المعتدون في " العرايشية " بالإسماعيلية ، عن أبيها الذي يعمل بشركة القناة ، وكيف كان ينقذ الجرحى العائدين من سيناء صوب الغرب ، عن الطائرات التي تحلق في السماء ، عن الناس التي تهرب من جحيم القصف إلي بلاد أكـثر أماناً ..
وتواترت الأنباء : انتحار " المشير " بعصير مسمم بالأكونيتين .. محاكمات في الجيش .. تطهير صفوف القوات وبناء جيش التحرير .. يد تبني وأخرى تحمل السلاح ..
وكانت كل الأصابع تشير بالاتهام : أميركـا والاستعمـار .
(10 )
صارت " سـونة " كل شيء في حياتي ، هل أحبها ؟ ، ما هو الحب إذاً ؟ .
بدت في عيني كملكة فرعونية صغيرة تتربع فوق عرش الجمال ، شعرها المقصوص علي جبهتها السمراء ، قوامها الفارع الممشوق بعناية ، نهداها الصغيران المندفعان تحت الثوب الضيق الناصع النظيف . شاركتني طريقي ذهاباً وإياباً للمدرسة ، وأنا أحوطها بعيني وقلبي . كنت أريد أن أقول لها إنني أحبك يا " سـونة " ، لكنني كنت أتلعثم ولا أستطيع البوح بمكنون قلبي ، وأداري خجلي وتوتر ذكورتي .
صارت صورتها لا تفارق مخيلتي ، صارت قضيتي هي كيف أستجمع شجاعتي وأنطق لها بالكلمة التي تؤرقني وتقض مضجعي :
أحبك يا " سـونة " .. يا بنت المدينة الجميلة .
(11 )
ـ " قيــام " .
في الفصل المدرسي وقفنا ، دهشنا ، دخل الفصل ففوجئنا به ، ضابط شاب ..
ـ " جلــوس " .
جلسنا ، تحدث عن نفسه متأثراً عن الجيش الذي سُرِّح منه ، بسبب وشاية ظالمة من أولاد الحرام ! ، لم يقل لنا من هم أولاد الحرام هؤلاء ..
أخيراً قال :
ـ " سأدرس لكم مادة الرياضيات إن شاء الله " .
همهمنا بضحك مكتوم ونحن نستبعد المسألة ، كيف لهذا الضابط الشاب أن يكون معلماً ؟ .
تجهم وغضب وعاقبنا ، أوقفنا بالفصل في طابور " أميري " صامت .
أمضى الحصة بأكملها يلعننا تارة ، ويلعن الجيش والنكسة مرَّة أخرى ، ويصفع كل من تسول له نفسه مجرد الهمس .
لمَّا دقَّ الجرس أجلسنا ، ثم ابتسم وقال :
ـ " سأدرس لكم مؤقتاً .. مؤقتاً .. سوف أعود للجيش " .
( 12 )
في حجرة جلوس بسيطة الأثاث في بيت " سـونة " قال أبي :
ـ " يا أوسطى أحمد أنتم ناس طيبون .. والناس لبعضها .. نحن تحت أمركم في أي شيء تحتاجونه .. أرجوك اعتبرنا أهل " .
وردَّ الأوسطى " أحمد " :
ـ " أدام الله المعروف يا حاج .. هذا هو العشم فيكم والله " .
سأله أبي عن آخر الأخبار ، وطفق الأوسطى يحكي عن استفزاز العـدو لنا عند الشاطئ ، كيف ينزعون ملابسهم ـ مجندون ومجندات ـ ويلقون أنفسهم عرايا في مياه القناة ، يستحمون ويلوحون بأيديهم لنا ، ويسبوننا بألفاظ عربية بذيئة ، أحياناً يمارسون لعبتهم القذرة في القصف العشوائي للمدينة .
كنت مشتت الذهن ، مبعثر الأفكار ، أنصت لهما أحيانا ، أهرب أحياناً في طرق بحثي الدءوب عن " سـونة " التي انتظرها ولا أراها ، وهي تركض بين حنايا القلب الصغير ، تملأ مقلتي وتتسيد تضاريس عقلي ..
وتدخل " سـونة " تحمل صينية الشاي ، كانت تبتسم برقة خجولة ، والأوسطى " أحمد " يربت علي كتفي :
ـ " خلي بالك من سـونة في المدرسة " .
رفعت رأسها فنظرت في عينيـها .
(13 )
ـ " هذه صورة فاتن حمامة .. رسمتها نقلاً من غلاف مجلة " .
قلَّب أستاذ الرسم اللوحة في يده ، كانت ترتدي فرو جميل ، كنت مبهوراً بجمالها وأناقتها ، أحبها ، أتمنى أن أحب واحدة مثلها لمَّا أكبر وأتزوج .
لكن " سـونة " السمراء امتلكت حياتي الآن ، وأسرتني بحبها ، فتنازلت عن اللوحة التي أعجبته وقال عنها : جميلة . احتفظ بها ، وكافأني بورق مستطيل للرسم وفرش مختلفة الأحجام وعلبة ألوان مائية .
عندما عدتُ للبيت ، بسطتها فوق الحصيرة ، انكفأت فوقها باقي النهار وحتى منتصف الليـل .
(14)
في الصباح أشار معلم الرسم لحائط مكتب الناظر :
ـ " هذا أفضل مكان لها " .
شـدَّ الأستاذ " فريد " ناظر المدرسة علي يدي ، أحاط كتفي بساعده :
ـ " برافو .. برافو يا محمود " .
كانوا يحدقون في اللوحة المستطيلة بعرض الحائط ، يمسحونها بأعينهم :
" جندي فلاَّح مفتول العضل .. يشمر عن ساعده .. الخوذة علي رأسه مثبتة بسير جلدي أسفل الذقن .. الأوفرول أصفر كاكي اللون .. يمضي بخطى ثابتة .. تبين خلفه الأهرام والجوامع والكنائس .. المصانع والنيل والأرض الخضراء .. المدارس والجامعات والبيوت .. كان يصرخ بحروف كبيرة .. مكتوبة بمداد أحمر لون الدم القاني .. بزوايا قائمة ومتوازية .. لها ظلال سوداء طويلة .. ترتكز فوقها بثبات : ( تحيا مصر ) " .
(15)
في الفسحة تظاهرت بانشغالي عنها ، وأنا أرمقها خلسة وهي تقف أمام اللوحة طويلاً ، تهرول نحوي وأنا بين زملائي ، كانت منتشية وسعـيدة ..
ـ " أهلاً يا سـونة " .
ـ " لوحتك جميلة " .
ولمحت بريق السعادة في عينيها الحلوتين ، ورغم أنني أحسست بالقطرات الساخنة تتفصد من بدني ، فقد انطلق لساني من عقاله :
ـ " أنت الأجمل يا سـونة " .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سمير الفيل
قصة موجعة ومؤلمة رغم عفوية الكتابة . هل أقول مثلنا العامي الشهير : ( الكتكوت الفصيح .. م البيضة يصيح !! )
سونة كانت مهجرة من مدن القناة . أذكر تلك الايام بارتجافة الألم وانكسار العيون .
كانت هزيمة مروعة ما زالت رغم كل شيء تترك جرحها في الروح.
شكرا لك فقد قرأت " سونة" فاعادني ذلك للحزن القديم .
محمد عبد الله الهادي
شكراً أخي العزيز سمير
أنت ابن جيلي .. أعرف الآن أنك لابد وقد استعدت تلك المشاعر القديمة
تقبل تحياتي وتقديري
.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.