المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
قراءة في قصة "هيمة " للدكتور محمد ابراهيم طه.
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
سمير الفيل
جذور القهر / أفق الهروب.

قراءة في قصة هيمة للدكتورمحمد ابراهيم طه.

النص :

هـيمة

قصة قصيرة: محمد إبراهيم طه


أخرجني اتصال سعاد من استغراقي في تأملهم من أعلى، وهم في ذات البقعة، يتابعون في حيرة كلام زينهم المتدفق وأصابعه التي تشير: تذاكر هنا.. سكر وأسنان وعضم ومعمل كده .. نسا وأطفال وجراحة فوق. يتخلصون رويدا من القلق، وتستحيل الحيرة على ملامحهم المريضة إلي ألفة عندما يسلمون التذاكر للممرضات، ويمضون الوقت ـ إلي أن تنادى أسماؤهم ـ في التطلع من الطرقة إلي الفناء والمبني ذي الطابقين والسلالم، ويعيدون قراءة اللافتة الرئيسية وملصقات التوعية الصحية. كان بالإمكان تمييزهم بسهولة من بين أولئك الذين ينحرفون بعد البوابة رأسا إلي التذاكر ثم يتوجهون بآلية إلي أهدافهم.
لابد أن سعاد كانت تتصل من الشارع، لأنها قالت إنها الآن ذاهبة إلي عملها، وأنها أخذت هيمة إلي المدرسة، وظلت معه حتى دخل إلي الفصل. كانت تُلمح إلي أن أمر عليه وأصطحبه في عودتي إلي البيت. نبرتها المتعجلة وضغطها علي مخارج الحروف كانت تشي بأن عملي الذي قد يمتد إلي ما بعد المواعيد الرسمية، مهما كان عدد الحالات، لابد أن ينتهي اليوم مبكرا، فالقيامة لن تقوم إذا لم أستمع باستفاضة لشكوى كل مريضة، أو تدخلت بالمقاطعة لتغيير مجرى الكلام، أو كففت عن الاستفسار عن أشياء أرى دائما أنها هامة، ودخلت من ثم إلي وصف العلاج. تصاعد الصهد من خدي الأيسر، وانتفخ كرغيف، حتى أن هويدا سألتني بشكل مباشر، فقلت باقتضاب:
ـ أصل أنا قلقان علي الواد.
ولابد أنني كنت قلقا بالفعل، لأنني كلما قمت إلي سرير الفحص مع حالة، كنت ألبس نظارة الخروج أو أجمع بشكل وهمي مفاتيحي وهاتفي المحمول، أو أضع القلم في جيب السترة الداخلي. تتعجب هويدا، فأعيد كل شيء إلي مكانه متنهدا: إن الولد طيب جدا يا هويدا وهذا أول يوم يخرج فيه وحده، ولم تقل أمه أين أجلسته. قالت هويدا وهي تضع التذاكر أمامي، إنه علي كل حال في الفصل الآن وأمه أوصلته، ولن ينصرف الأطفال قبل الواحدة من المدرسة. تنهدت مرة أخرى وأمسكت التذكرة:
ـ خير يا ستي .. مالك؟
كان فناء "الوحدة العربية" واسعا جدا، والنخلتان التي حدثني عنهما فهمي واقفتان، متجاورتان ترتكز عليهما سبورة خشبية، وبالقرب منهما سارية للعلم، وأشجار الجازورين داخل السور، والعيال يتناقصون كلما نادى المعلم أسماءهم من الكشف الذي في يده، والفناء يصير أكثر اتساعا بينما أتأمل النخلتين وأشجار الجازورين وصخب العصافير علي العلم والجرس وزجاج الفصول المدهون بالأزرق تقطعه علامة إكس. هوى الكف علي صدغي، فدار الفناء بالأشجار وارتطم النخيل بالشبابيك وانبثقت النار من وجهي. كان الكف مباغتا والفناء خاليا إلا مني ومنه والكشف الذي بيده:
ـ يا حمار مش اسمك محمد زفت؟
تصاعدت أسراب النمل إلي صدغي وأنا أطل علي الفناء، تلك البقعة التي خلف البوابة، والتي تشهد حيرتهم بين الدخول يمينا أو يسارا أو إلي الأمام، والتي تشهد أكثر ما تشهد إشارات زينهم لهم في كل الاتجاهات ولهجته التي صارت كنداءات الباعة غامضة وسريعة. يدهشني ذلك الحاجز الذي لا ينمحي تماما إلا بخروجهم من هذه البوابة، إذ يتحدثون بوضوح وانطلاق على طول الطريق الزراعي، وكلما تخطيتهم أجدهم في المرآة يشيرون بحيوية وهم يخبئون رؤوسهم تحت مظلاتهم المفرودة من الشمس، وحين أسمع لغطهم الحيوي أتأكد مرة أخرى كم نحن مقبضون رغم معاطفنا البيضاء، تماما كما أن هذا المكان جهم ومقبض. قالت هويدا:
ـ التهاب اللي ف وش حضرتك ده واللا حساسية؟
لم يكن ثمة سوى دكة أخيرة، أوصلتني إليها الدفعة التي أعقبت الصفعة، والتي كانت قوية بما يكفي لأن أتعثر وأكاد أنكفئ في اندفاعي من باب الفصل الذي عرفت فيما بعد أنه فصلي، مارا بين الدكك المشغولة متخبطا في عيون كثيرة تحدق في دهشة: خدوه جنبكم رابع. اتسعت الدكة علي مضض بما يسمح لوضع فخذي الأيسر. التصقت بالولد، لكنني كنت منتبها إلي زفراته ولكماته من تحت الدكة في جنبي وهمسه المتكرر بضيق" اتاخر كده".
مر من أمام الحجرة الدكتور عبد العال، وألقى التحية علي عجل، ودخل بجسمه من الباب:
ـ شفت يا سيدى العيال البايظين .. شدوا لنا أعصابنا والآخر..
قاطعته مبتسما:
ـ يتغلبوا واحد/صفر!
لم أتفرج على المباراة، لكنني كنت أعرف هذه النتيجة مسبقا، ليس تكهنا، لكنني منذ اللحظات الأولي كنت متيقنا أننا سنهزم، ليس تكهنا ولا حدسا، إنما يقين خالص، فلقد كنت أعرف من نزول اللاعبين إلي الملعب، وأول ثلاث دقائق كيف ستنتهي المباراة، فأغلقت التليفزيون.
لم يعد لدي شك في أن سعاد كانت تلمح إلي انتهاء دورها عند هذا الحد، لأتحمل مسئوليتي في إعادة إبراهيم إلي البيت، فقد كانت مكالمتها متعجلة ومختصرة. لم تكن مستعدة فيما يبدو للخوض فيما إذا كانت قد دخلت بالولد إلي الفصل واطمأنت علي جلوسه، فحملت أشيائي مرة أخرى وسرت باتجاه الباب منتويا الاعتذار لمريضاتي، لأنني قلق جدا علي الولد، والذي لا أعرف في أي دكة جلس، لكن هويدا أكدت لي أنه جلس في المنتصف في الدكة الثالثة، وقالت إنه في أولي تاني، ألم تقل لك المدام ذلك؟ فتحسست خدي الملتهب، وتراجعت عن الخروج ونظرت في التذكرة التالية وقلت لها:
ـ أصل انتي ما تعرفيش غلاوة إبراهيم عندي.
جاء بعد خمسة عشر عاما من موت يارا. سبقته فترة من العقم غير معروف السبب، ثم جاء هكذا وحده، دون علاج، وبعد أن توقفت عن إعطاء سعاد العلاج، ومنذ ذلك التاريخ وأنا أغير سياستي في علاج العقم. مسكت التذكرة وقلت: خير يا ست الكل؟
ـ متجوزة من خمستاشر سنة وماعنديش أطفال.
سقطت عن حافة المقعد مرة واحدة بينما كان المعلم يدير ظهره ليكتب الحروف، فالتفت عيال الفصل كله. أغمضت عيني. لم تستطع قدماي تحمل ذلك الوضع فسقطت، وتناثرت أدواتي. لفترة ظللت راقدا على الأرض متوقعا نزول العصا علي جسدي من المعلم الذي جاء، لكنني حين فتحت عيني وجدتها تهوى علي جنب الولد الذي بجواري:
ـ يقعد ازاى كده؟ اتاخر له!
تزحزح الولد لكن كوعه لم يكف عن الزغد، وبدا أن الأستاذ لمحه، فأعاد في نهاية الحصة ضرب الثلاثة وبص لي:
ـ لو زنقوك قل لي!
لا أعرف كيف مر اليوم والثلاثة يهددونني بعد الانصراف ويجبرونني علي الوقوف في الفترات التي بين الحصص، وكنت كلما أنظر إليهم تعتريني الهيبة والخوف، متمنيا ألا يدق الجرس لكنه دق دقته الطويلة وهاج العيال وعكس ما كنت أرتب للخروج متأخرا، كان الثلاثة يدفعونني للخروج قبلهم، وكنت قد رأيت في عيونهم ذلك التصميم الغريب علي إيذائي، فتسارعت دقات قلبي وجف ريقي. خارج الفصل، وفي الفناء بدأ الضرب، متفرقا، وأنا أتقي ضرباتهم بالإسراع لكنهم كانوا يتتبعوني أينما ذهبت. كان الأمر مثيرا للرعب وصدغي ما زال يهب صهدا من صفعة الصباح الحادة، والدفعة العنيفة في ظهري ولم يكن أمامي سوى ما فعلت، لا إراديا انطلقت ساقاي إلي الأمام وبأقصى سرعة، يحدوني أمل في الإفلات من ذلك العدوان، غير أن وقع أقدامهم تسارع خلفي. جذبوا الشنطة فتعثرت، وجاءت لكماتهم من أكثر من اتجاه. من الذي لم كتبي المبعثرة؟ ومن الذي أخذني إلي الدار، ومن الذي جعلني أمرض في اليوم التالي وأتباطأ في النوم كي لا أذهب إلي المدرسة، فتصر أمي علي الذهاب، فأذهب وحدي متأخرا وما أن أدخل من البوابة حتى أتوه ويتسع الفناء وأتقافز أمام لسعات العصي التي تستحثني علي الإسراع، دون أن أدري وبعد آخر عصا من معلم الفصل أجد طريقي مفتوحا إلي الدكة الأخيرة، الجالس عليها ثلاثة الأمس دون أن يحاول أحدهم أن يتيح لي مساحة، ووسط صرخة الأستاذ "اجلس يا حمار" أتخيل أنني أجلس يلاصق جنب مقعدتي حرف المقعد لا أكثر.
ـ دول عيال ولاد كلب ما يستاهلوش، حرقوا دمنا وخلاص.
كان عبد العال يطل بجسمه من النافذة وهو ذاهب ليصلي الظهر، فابتسمت. كنت قد ركزت علي نظراتهم وهم يدخلون أرض الملعب، وبطئهم في قراءة الفاتحة وهم في وسط الملعب قبل البدء، وجريهم بالكرة وهم ينظرون في الأرض، وشعورهم بالخيبة لحظة التسديد البعيد، فأغلقت التليفزيون. التفت عبد العال وقال معلقا علي ابتسامتي اللامبالية: يا رايق انت! ولم يكن ما قاله صحيحا فأنا منذ فترة طويلة فقدت رغبتي في التفرج علي المباريات، فقط الدقائق الأولي، حيث ينصرف اهتمامي كليا إلي المشاعر التي تلي المباراة، لحظات الخروج من الملعب، النظرات المتحسرة وهم يتقون بآذانهم صيحات الجماهير، والهروب كأسرى من تتبع الكاميرات والفلاشات، حيث لا معنى حقيقي لكلمة مثل: الرياضة غالب ومغلوب. نصحت السيدة بالامتناع عن العلاج لثلاثة أشهر، وذكرت عبد العال برأيي الذي يعرفه:
ـ مش التعادل برضه كان احسن؟
كان قد مل من عشقي لحالات التعادل، وما يليها من حالة غامضة من الرضا، بين الفرح والحزن، وكنت أعرف أنه سيشيح بيديه خلف رأسه وهو خارج من البوابة بضيق ويقول:
ـ والنبي كفاية فلسفة!
لم يكن هناك من بد ـ تحت وطأة الهواجس التي ظلت مسيطرة علي طول الوقت ـ أن أقرر الانصراف معتذرا للناس، الذين لاحظوا أنني قلق بالفعل، وأن أذهب إلي الوحدة العربية التي كنت بها قبل أربع وثلاثين سنة، قبل أن ينتهي اليوم الدراسي، لأرى بعيني إن كان إبراهيم يجلس علي دكة في الفصل أم لا. في خطوات قليلة، اجتزت الفناء، ارتفع كثيرا عن الماضي أو غاصت الفصول ذات الطابق الواحد، ولم تكن النخلتان عاليتين كما كنت أتوقع، وحل محل سور الجازورين صف من نباتات الجارونيا المورقة، وتشابكت أغصان الياسمين في قوس أعلى البوابة، وبدت شرفات البيوت المطلة علي الفناء قريبة جدا، وحين دخلت إلي ذات الفصل، دمعت عيناي، ففي ذات الدكة الأخيرة، كنت أراه يجاهد كي يضع ساقه النحيفة بجوار الثلاثة الذين بدوا أنهم استراحوا لهذا الوضع. كنت أكثر من شعر بآلام هيمة وأنا أوقظه في صباح اليوم التالي، حين وجدت حرارته مرتفعة، وكان صامتا، وعيناه تنظران نحوي بتوسل وضعف، ووحدي كنت الذي أعرف ـ لا أمه ـ أنه لا يود الذهاب إلي الوحدة العربية في اليوم الثاني.



سمير الفيل


جذور القهر .. أفق الهروب.

قراءة في قصة هيمة للدكتورمحمد ابراهيم طه.

رؤية نقدية بقلم : سمير الفيل

تتوزع شخصيات النص القصصي " هيمة " للدكتور محمد ابراهيم طه في عدة اتجاهات ، لكنها تمارس سلطة تأثيرها عبر مستويين هما ماضي الطفولة البعيد ، والحاضر اليومي المليء بالتوتر ، والألم الإنساني الممض .
لا يهمنا في هذه القراءة أن نتعامل مع واقعة دخول الطفل المدرسة لأول مرة في حياته مبتوتة الصلة بالتاريخ الشخصي للطبيب الذي تعود به الذاكرة لنفس الموقف سنوات وسنوات ، وهي حيلة فنية يوظفها الكاتب كي يعود بنا مسافة بعيدة من الزمن لنجد أنفسنا تجاه واقعة قهر قديمة صالحة للتجدد ، وبنفس القدر من المكاشفة والوضوح نعثر على هذا الزمن المتأرجح بين تاريخين لنملأه نحن كشهود واقعة مفترضين بكل ما بداخلنا من هواجس وظنون ، وأحلام مؤجلة .
في هذا النص يراوح الكاتب بين " هيمة " من ناحية ، وبين " محمد " ـ ذاته الموجوعة ـ من ناحية أخرى ، لكنه ينتقل في خفة ورشاقة عبر زمنين مختلفين دامجا في ترتب فريد ذلك المعنى القديم للقهر ، بتبدياته الجديدة ، والمدهش في هذا النص أنه يتعامل مع الأحداث بفكرة القطع والمزج السينمائي ، فنرى لقطة من هنا ، تجاورها لقطة من هناك ، واللقطات تمتزج بخبرتنا نحن الذين آثر الشاعر أن نكون شهودا على الوقائع دون أن نتورط بالمشاركة فيها .
وككل قصص د. محمد ابراهيم طه ، نحن نتعامل مع عالمه الأثير حيث الطبيب في وسط فقير معدم ، وحيث الألم الإنساني قرين الشقاء اليومي ، ولذا أرجح أن تكون هذه القصة هي إحدى التجليات الذهبية لسيرة ذاتية مع الارتقاء بها لتصل إلى مرتبة التجذير لعناصر حاكمة في سيرة معذبة بكل ما هو هش وضعيف وإنساني .
يبدأ النص من أعلى حيث يطل الطبيب على جموع المرضى المكدسين في الساحة ، وهو يتابع في حيرة كلامهم ، حيث أصابع " زينهم " تشير إلى حجرات الكشف على الأمراض التي تكاد تفتك بأجسادهم الهزيلة ، ونكاد نسمع صوت " زينهم " الأجش وهو يشير لهم بالتوجه إلى هنا أو هناك . نقطة وثوب للفكرة الأم حينما نتأكد أن العذاب الإنساني لصيق حياة البشر في حركاتهم وسكناتهم ، وهو يحاول أن يخفف آلامهم ، ويقلل من أحزانهم . لكن من يعكف على تهدئة مخاوفه ، وتطبيب جراح روحه المعذبة ؟!
فمنذ أن صفعه المدرس في أول يوم حضور للمدرسة وأسراب النمل تتصاعد نحو صدغه ، والصفعة لا تغادره بل تؤلمه إلى أقصى درجة ممكنة ، ويأتي صوت " سعاد " لتعلمه أن الولد " هيمة " قد تم دفعه إلى المدرسة ، وعليه أن ينتهي من عمله بالعيادة مبكرا من ليحضره في موعده حتى لا يتعرض لمكروه .
تلك المساحة الزمنية بين مكالمتها وبين نفض يده من عمله المكرور الذي يمارسه بقدر من الواجب ونداء الضمير تتسع لملاحقة الماضي ، وهواجسه ، وهنا تنهض الصور القديمة ، وتتحرك المشاهد تلقائيا من أقصى تجاويف الماضي لتشكل مشاهد لحوحة ، تضغط بثقلها على اللحظة الراهنة ، ليستعيد وجعه القديم ، ولحظات المكابدة التي عانى منها كل المعاناة في طفولته ، وليحدث هذا المزج الفريد بين ماضيه الذي يعرف أدق تفاصيله ، وبين اللحظة الراهنة التي يمر بها " هيمة " ، وهنا يتوحد الطبيب مع صورة طفله ، مستدعيا تلك المشاهد القديمة التي تعري الظلم أينما وجد ، فتفضح القسوة في كل تجلياتها ، وهو لايخفي على الممرضة " هويدا " هواجسه ، وقلقه المشروع : " أصل انا قلقان على الولد " . لكنه بالقطع لا يخبرها عن الصفعة المؤلمة ، ولا عن الدفعة التي أعقبتها ، والتي كانت قوية بما يكفي لأن يتعثر ويكاد ينكفيء على وجهه في اندفاعه من باب الفصل .
تلمح " هويدا " ذلك الامتقاع في وجهه ، و احمرار البشرة ، فتسأله في براءة : " التهاب اللي في وش حضرتك ده ولا حساسية ؟ " . بالطبع لا يمكنه أن يخبرها بأسرار طفولته المعذبة ، ولا بقهر سنوات مضت منذ زمن بعيد ، لكنها تحضر الآن وتتجسد بقوة في هيئة " هيمة " الذي يخوض نفس التجربة ، مما يجعله يفكر في الاعتذار لمريضاته ، رغبة منه في انقاذ الولد من براثن التجربة .
في حقيقة الأمر أن د. محمد ابراهيم طه في سرده الجميل ، وفي لعبة المزج بين اللقطات، يطرح سؤالا ضمنيا عن فحوى القهر : دوافعه ، جذوره ، مقدماته ، ماهيته . ويبسط أمامنا هذا القدر من المعاناة المتجذرة في داخل شخصيته الأساسية التي تأخذ شكل " القناع " ، ويشحن كافة مكونات السرد من شخوص وأحداث ، وزمان ، ومكان ، بذلك الحس الإنساني الأصيل الذي يمتح من تجربة الطب ، ومواجهة الالم الإنساني بفيض من التفهم ، والتراحم ، والتحنان للتخفيف عن المرضى والبائسين .
إن ما تتكشف عنه أحداث القصة ليس معاناة " هيمة " المفترضة ، بل هي عذابات الجيل الذي ينتمي إليه الكاتب نفسه ، بعد سقوط أحلامه ، ووأد فرصته الوحيدة في التفاعل الحي مع طموحاته المعلنة .
في النظرية الأدبية الكلاسيكية ، تعد عملية جعل النص الإبداعي في حالة تطابق مع الواقع ، ومنحنياته مسألة مفهومة باعتبار أن السرد يكون نظاما منسجما ، وثابتا مع المعطيات الجنينية لهذا الواقع .
مع نص محمد ابراهيم طه نحن في حالة من الاتصال والانفصال معا ؛ فالأحداث تنتمي في تشكلاتها مع الواقع ، غير أن عملية التخارج سواء للماضي الذي هو مشاهد جزئية أقرب إلى لقطات السينما ، أو التخييل حين يصنع عالما افتراضيا لهذا الطفل الذي يشعر بألمه ، ويريد أن يجنبه هذه التعاسة المتوقعة تكشف الكثير من آليات الحصار في مجتمعاتنا العربية .
حسب النموذج الذي يطرحه الكاتب فإن مفهوم " الصورة " هي استرجاع حقيقي بلغة محملة بالبلاغة ، لكن محمد ابراهيم طه يتجه للكتابة العفوية ، واللغة الجارحة ، وينفض يديه تماما من كل تزيين أو زخرفة للمشاهد ، وهو في طريقه للكشف يثرثر ، ويسخر ، ويتباسط في الحديث مرة مع الدكتور عبد العال ، ومرة مع ممرضته هويدا ، ومرات مع النساء اللاتي يحضرن الفضاء النصي فيلقين بتعاساتهن ، وقلة حيلتهن ، ويمضين في حياة مثقلة بالعوز المادي والروحي .
هن يملكن رغم ذلك الخصوبة ، والقدرة المطلقة على الانجاب ، في حين يكون الطبيب نفسه في أزمة شخصية لأنه لم يستطع أن ينجب هذا الولد " هيمة " إلا بعد خمسة عشر عاما من موت طفلته " يارا " ، ومثل هذه الحكاية الفرعية تصب في صالح المجرى الرئيسي للحدث ، وتبزغ هنا تقنية الثنائيات التي رأيناها سابقا في " توتة ما ئلة على نهر " هذا العمل العظيم الذي قدمه ابراهيم محمد طه بعبقرية ونفاذية منقطعة النظير .
الثقافة الشعبية تعلي من قيمة " الخصوبة " لدى المرأة ، ومجسات الحضارة الفرعونية تفعل نفس الشيء ، ولو انت ذهبت إلى " معبد الكرنك " بالقصر ، والقيت نظرة على الصرح الجرانيتي الهائل المطل على البهو المقدس لرأيت " إله الخصب والنماء" مطلا على " حابي " ، ومنتصبا في المكان الذي تظلله أشجار ونخلات عجوز . دون علاج ، وحده جاء " هيمة " كأنه ابن قدر ، ومنحة لا تقدر بثمن من الإله الحي القيوم .
تطل عليه وجه أمرأة عاقر ، تمد يدها بالتذكرة ، فتسقط عمرا كاملا ، وتمزح أنت كمتلق بصير بين معاناة المرأة ومكابدة انتظارالأب" الطبيب " مظللا هذا الصراع المتكتم بروح استسلام قدري متكتم ، واصرار من الماضي على الحضور والتجسد (سقطت عن حافة المقعد مرة واحدة بينما كان المعلم يدير ظهره ليكتب الحروف، فالتفت عيال الفصل كله. أغمضت عيني. لم تستطع قدماي تحمل ذلك الوضع فسقطت، وتناثرت أدواتي. لفترة ظللت راقدا على الأرض متوقعا نزول العصا علي جسدي من المعلم الذي جاء، لكنني حين فتحت عيني وجدتها تهوى علي جنب الولد الذي بجواري ) .
لمحة منصفة ، حين يدرك المعلم أن الولد الصغير وقع نتيجة مشاغبة زميل شقي آخر ، وهي على كل حال اللمحة الوحيدة التي تعيد له الثقة بعض الشيء في قدرة الحياة على تصحيح أخطاءها .
غير أن اليوم يمضي ، وفي نهايته يتربص له الأولاد ، ويوسعونه ضربا ولطما وركلا ، لقد رأى في عيونهم قبل أن يفعلوا فعلتهم ذلك التصميم الغريب على الإيذاء . فهل هو تاريخ الشر في طفولته؟
يختلط ضرب الصغار بلطمة المعلم في الفناء ، بتخوفه المبني على سابق خبرة على ابنه ليشكل هذا الهاجس القوي بأن " هيمة " منبوذ ، محاصر ، بلا سند أو رفيق ، فتنطلق ساقاه إلى الأمام وبأقصى سرعة ، محاولا الهروب من الحصار المحكم : ( يحدوني أمل في الإفلات من ذلك العدوان، غير أن وقع أقدامهم تسارع خلفي. جذبوا الشنطة فتعثرت، وجاءت لكماتهم من أكثر من اتجاه. من الذي لم كتبي المبعثرة؟ ومن الذي أخذني إلي الدار، ومن الذي جعلني أمرض في اليوم التالي وأتباطأ في النوم كي لا أذهب إلي المدرسة ؟ ) .
هذا الحصار الذي لم يفلت منه يراوغه الآن ، ويقض مضجعه ، فيما هو يتهيأ للذهاب إلى " هيمة " كي ينقذه من هذا المصير الذي مر به منذ سنوات بعيدة .
يذهب الراوي إلى مدرسة " الوحدة العربية " ( لاحظوا دلالة الاسم ) ، وهي المدرسة التي كان تلميذا بها قبل أربع وثلاثين سنة ، وحين يدخل الفصل تدمع عيناه ؛ ففي ذات الدكة الأخيرة ، رآه يجاهد كي يضع ساقه النحيفة بجوار الثلاثة الذين بدوا أنهم استراحوا لهذا الوضع.
كأن الزمن لم يتحرك ، وكأن التاريخ ـ الشخصي ـ للظلم والافتئات ما زال يكرر نفسه في دورات متعاقبة متخليا عن فضيلة الانزياح ، لذا كان إحساسه المرهف بان الولد قد مورس ضده نفس القهر الذي عانى منه كثيرا ، وهاهو يوقظه في صباح اليوم التالي ، فيجد حرارته مرتفعة :
( كان صامتا، وعيناه تنظران نحوي بتوسل وضعف، ووحدي كنت الذي أعرف ـ لا أمه ـ أنه لا يود الذهاب إلي الوحدة العربية في اليوم الثاني) .
تكاد تشعر أن رحلة الشقاء الإنساني تعيد طرح مفرداتها بنفس القدر من الإصرار ، وتتأكد المرة تلو المرة أن ثمة نداء خفي لتجذير صورة القهر منذ مدارج الطفولة الأولى ، مرورا بفترة الشباب المليئة بالفتوة المكبوتة ، والعنفوان المصادر ، وانتهاء بالقهر السلطوي على العقول بمراسم وفرمانات ولوائح وقوانين عقيمة ، ( وهنا أعود تلقائيا لمشهد المرأة التي تعاني عقما وتنتظر العلاج ، فهو عقم الحياة المريضة ، والواقع المدان ) .
ولا شك أن الدكتور محمد ابراهيم طه ينقب عن مصادر نصوصه البديعة ، بتعب وهمة وإصرار ، وفي الغالب يستقيها من الواقع الذي أتاح له التعرف على شرائح مختلفة من واقعه .
غير أنه يدخل تلك الشخصيات ، وذات الأحداث معمله الفني ، كي يدمجها دمجا بقدرته الهائلة على التخييل ، فلا يمكنك كناقد أن تفصل ما هو واقعي عما هو تخييلي ، وما هو منتزع من تفصيلات الحياة عن ذلك الجزء الافتراضي الذي يأخذ مادته من الواقع دون أن يستسلم لنسبها الحقيقية .
كل شيء في الحياة نسبي ، ولا شيء مطلق ، وهذا هو سر عظمة الحياة وعبقرية الفن ، ولا شك أن نسبية الحقيقة فكرة صحيحة إلى حد كبير ، وعلى كل حال فإن " هيمة " كان حاضرا في قلب المشهد باستمرار ، رغم أنه على مستوى النص كان في فصله بعيد لا نكاد نعلم عنه شيئا ، لكننا نشعر بأزمته شعورا لامس قلوبنا ، فهل أراد الكاتب أن يهمس في آذاننا ويسرب بطريقته الخاصة معنى أن أخطاء الماضي وسقطاته تمارس عملها في الجيل الجديد؟
هل يريد أن يبسط فكرة أن القهر ـ مثل الثروة ـ يتم توارثه جيلا بعد جيل؟
هل يريد النص الذكي في فكرته ، والمليء بالشجن في تفصيلاته أن يقول لنا رأيه في أن حياتنا العربية عقيمة ، ولا يمكن أن نتمتع بخصوبة حقيقية ، وكل ما حولنا يشي بالسقوط ، ومفردات النكوص ( في هذا الصدد لابد من الاشارة للحوار التتابعي الذي يتخلل بناء النص بين الدكتور عبد العال ، وبين الراوي حول هزائم منتخب الفريق القومي ) ، فهل قصد ذلك فعلا ؟
وثمة سؤال أراه ضروريا ـ هنا ـ عن اسم التدليل نفسه " هيمة " . لماذا لم يطلق الاسم الأصلي " إبراهيم " ، وفضل اسم التدليل ؟ هل يقصد الكاتب أن الطفولة معذبة ومهانة ، ولا يمكن أن يكون لنا مستقبل حقيقي في ظل هذا البؤس المقيم الذي يبدأ من عتبات الحياة المبكرة ؟
كلها أسئلة مشروعة يطرحها هذا النص لكاتب أراه من أنبل من قرأت له، ولقد أخذت بنصوصه السردية حين وقعت في يدي رائعته " سقوط النوار " ، فوجدت المسار الذي قدمه عبد الحكيم قاسم في رائعته " أيام الانسان السبعة " يكتمل ، ويتعمق ، ويتعتق بكل ايحاءات الكلمة ، بهذا الزخم الشفيف الذي يعيد اكتشاف الريف المصري بلا تزيين أو تقبيح مقصود ، وقد أعادتني هذه القصة المدهشة إلى إنجاز محمد ابراهيم طه الذي أراه واحدا من الأطباء الذين وهبوا حياتهم لتطبيب آلام الأجساد بالطب ، وشفاء الأرواح المنتهكة بالسرد العظيم ، ويالها من مهمة ثقيلة عليه أن يحملها في ثقة واقتدار حتى نهاية الشوط!!


القاهرة في 18/ 3/ 2005.
سمير الفيل
للزملاء الأعزاء بموقع القصة العربية هذه السيرة الذاتية الموجزة للقاص والروائي د. محمد ابراهيم طه.
هذا كاتب هام من ابناء جيله ، وهذه القراءة اقدمها تحية لأبناء هذا الجيل المسلحين بالوعي والموهبة ، والقدرة على الانجاز .. ..


تعريف بمحمد ابراهيم طه :

ـ قاص وروائي وطبيب مصري.
ـ عضو اتحاد كتاب مصر.
ـ عضو نادي القصة بالقاهرة .
ـ حاصل علي جائزة الدولة التشجيعية في القصة القصيرة عام 2001.
ـ حاصل علي جائزة الشارقة في الرواية، المركز الأول 2000
ـ مؤسس جماعة العابرون .. جماعة الإبداع الجميل.

صدر له:

ـ توتة مائلة علي نهر:
قصص قصيرة طبعة أولي هيئة قصور الثقافة 1998، وطبعة ثانية مكتبة الأسرة 2002.
ـ سقوط النوار:
رواية طبعة أولي دائرة الثقافة والأعلام : الشارقة 2001، وطبعة ثانية بالهيئة العامة لقصور الثقافة 2002 وطبعة ثالثة بمكتبة الأسرة 2004.

له تحت الطبع:

ـ العابرون: رواية عن دار الهلال.
ـ ا لركض في مساحة خضراء : قصص قصيرة ، هيئة الكتاب.
باشا أحمد


أهلا بكل الكرام ..


القصة الجميلة التي قرأتها اليوم للأستاذ محمد ابراهيم طه عادتني إلى مدرستي وشقاوة البنات عندي ..

يرصد القاص مسألة ذهاب الابن الوحيد إلى المدرسة .. الأم ذهبت به وتركت للأب مهمة إن يعود به ..الأب طبيب في مستوصف صحي ، يساوره القلق على ابنه؛فهذه من طبائع الأبوة..

في هذه اللحظة يمر بالطبيب شريط الذكريات وعن طريق التداعي يستعيد أول يوم له في نفس المدرسة.. تلقى صفعة من لمدرس قاسي القلب.. وضايقه الزملاء وأوقعوه ارضا.. وطاردوه خارج أسوار المدرسة..

هو تعس أنه سيتعرض لنفس المضايقات كل يوم.. لذلك يمرض وتعتب عليه أمه وتعيده إلى الصف. فهو لم يحك لها شيئااااااااا

أقرب شيء للتصور أن يحدث نفس الشيء للابن فينتابه القلق ويهرب من مسئوليته كطبيب في المستوضف المكتظ بالمرضى ..
يذهب ويلقي نظرة يجد الأولاد يضايقونه .. وفي اليوم التالي يستلقي هيمة في الفراش وتنتهي القصة ..........

قصة صراع دائم ومستمر بين الشر والخير ... أظن أن القاص نجح جدا في أن يصور لنا صورة العدوان السافر على الصغير ...وأظن أن الصورة التي صورها لطفولته حقيقة ...

شدني إلى القصة أجواء الريف.. منظر السيدات في المستوصف.. حتى سعاد زوجته فقد كانت موجودة طول العمل ..
اللغة سهلة.. والأحداث متشابكة.. والسرد يضيف لنا الكثير..

وشكرا للأستاذ سمير الفيل الذي أتاح لنا قراءة هذه القصة الجميلة..
وأنا أسميتها اسما لعله يعجب الدكتور محمد وهو (إعادة تمثيل المشهد!) .. فما رأيكم ؟
سمير الفيل


شكرا أستاذة ريم مهنا ..
إضافة نقدية يعتد بها ..
نشكرك عليها ، ونتمنى المزيد من التواصل الجميل ..
أما العنوان المقترح للنص فهو دال وذكي ..
( الكرة في ملعب القاص ) الدكتور محمد ابراهيم طه ..
خالص التقدير والاحترام ..
سمير الفيل



أعود لقصة " هيمة " ..
واجدها واحدة من القصص البسيطة المؤثرة..
لمسة الفن الساحر لا تخطئها عين بصيرة

تحياتي للدكتور محمد ابراهيم طه
..
د. حسين علي محمد
(سمير الفيل @ 11-06-2007, 06:48 am) *



أعود لقصة " هيمة " ..
واجدها واحدة من القصص البسيطة المؤثرة..
لمسة الفن الساحر لا تخطئها عين بصيرة

تحياتي للدكتور محمد ابراهيم طه
..


للرفع، بمناسبة فوزه بجائزة يوسف إدريس،
مع تحياتي.
سمير الفيل
(د. حسين علي محمد @ 21-05-2008, 12:30 pm) *

للرفع، بمناسبة فوزه بجائزة يوسف إدريس،
مع تحياتي.


شكرا دكتور حسين..




من القصص الجميلة التي قرأتها منذ فترة للدكتور محمد ابراهيم طه..


مبروك حصوله على جائزة يوسف إدريس ..




.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.