"سردين وبرتقال"
قصص قصيرة من شمال أفريقيا بالإنجليزية
عنوانها مقتبس من قصة للراحل زفزاف
الموضوع من : د. علي القاسميمَن يطالع كتاب " الأدب العربي الحديث مُترجَماً "(1) الذي جرد فيه مؤلّفه الدكتور صالح جواد الطعمة، أستاذ الأدب المقارن في جامعة إنديانا، جميعَ ما تُرجم إلى اللغة الإنجليزية من الأدب العربي الحديث نثراً وشعراً منذ سنة 1947 حتى اليوم، يتأكد له أن الأدب العربي لم يحظَ بأي اهتمام يُذكر في الغرب، فما تُرجم منه ضئيل جداً لا يشكل مادة جذب للقارئ الناطق بالإنجليزية، ولا يترك أثراً في مجرى الثقافة الغربية، ولا يُسهم بشيء في حوار الحضارات. ويبقى الباحث يتساءل عن سر هذا الإخفاق: أهو نابع من تدنّي المستوى الفني للأدب العربي الحديث؟ أم من ندرة المترجمين البارعين؟ أم من تقاعس الدول والمؤسسات الثقافية العربية عن قيامها بنقل أدبها إلى اللغات العالمية؟
في هذا الوضع المؤلم المظلم، نرى بصيص أمل في مطبوعات قليلة جداً أخذت تُعنى بترجمة الأدب العربي الحديث، وفي مقدمتها مجلة " بانيبال "(2) الفصلية البريطانية التي أسستها الصحفيّة المستعربة الإنجليزية مارغريت أوبانغ عام 1998 بتشجيع من زوجها الأديب العراقي الآشوري صموئيل شمعون، الذي يساعدها في تحرير المجلة إضافة إلى إدارته لموقع " كيكا "(3) الأدبي الذي يعدّ أشهر المواقع الأدبية العربية على شبكة المعلومات الدولية " الإنترنت". وخلال السنوات السبع الأخيرة، واصلت مجلة " بانيبال " العمل، بكل حماسة وبراعة، على تقديم صورة ناصعة لثقافتنا العربية، بحيث أصبح الأدب العربي الحديث، بمختلف أنواعه وتوجهاته، متوفراً باللغة الإنجليزية أكثر من أية لغة أوربية أخرى.
سُميت المجلة " بانيبال " على اسم الملك آشور بانيبال (668 ـ 626 ق.م.)، أشهر ملوك الآشوريين، وهم من العرب العاربة، الذين أسسوا مملكتهم شمالي بلاد الرافدين (العراق) في المدة من 1170 إلى 612 ق.م، والذين ظهر فيهم النبي يونس. وقد خلّف لنا الملك بانيبال مكتبة عظيمة في عاصمته نينوى (قرب الموصل) تضمّ أكثر من ثلاثين ألف كتاب على شكل رُقُم طينية، وتشتمل على ثروة هائلة من المعلومات عن آداب بلاد الرافدين وعلومها وفنونها آنذاك.
وتزخر أعداد مجلة (بانيبال) بالقصص والقصائد والدراسات النقدية التي يتولى ترجمتها إلى الإنجليزية أدباء عرب أو مستعربون غربيون. واتخذت إدارة المجلة، مؤخراً، خطوة موفقة في نشر الأدب العربي الحديث في الغرب، حين قررت إصدار كتب تضمّ مجموعات قصصية وشعرية مختارة من المواد المنشورة في أعدادها التي بلغت حتى الآن ثلاثة وعشرين عدداً.
وقد صدرأول كتب بانيبال هذا العام بعنوان " سردين وبرتقال، قصص قصيرة من شمال أفريقيا: تونس، الجزائر، السودان، مصر، المغرب"(4) . يقع الكتاب في 221 صفحة من الحجم المتوسط، ويزدان غلافه الأمامي بصورة فوتغرافية لنبات الصبير والتين الشوكي التقطها المحرر المساعد للمجلة، صموئيل شمعون، كما يضم الكتاب في آخره تعريفات موجزة بالقصاصين والمترجمين. وجميع القصص تُرجمت من العربية ما عدا قصة الكاتب الجزائري محمد ديب فقد تُرجمت عن الفرنسية.
عنوان الكتاب " سردين وبرتقال " مقتبس من قصة للراحل محمد زفزاف تحمل هذا العنوان، يضمها الكتاب إضافة إلى خمسة وعشرين قصة أخرى لواحد وعشرين كاتباً من تلك البلدان الخمسة المذكورة. وهؤلاء الكُتّاب هم (بالترتيب الألفبائي لأسمائهم):
ـ المغرب: أحمد المديني، أحمد بوزفور، إدريس الخوري، ربيعة ريحان، عز الدين التازي، لطيفة باقا، محمد زفزاف (قصتان)، محمد شكري.
ـ تونس : حبيب سلمي، حسن نصر (قصتان)، حسونة المصباحي، رشيدة الشارني (قصتان)، علي مصباح.
ـ مصر : جمال الغيطاني، سعيد الكفراوي (قصتان)، صبري موسى (قصتان)، محمد مستجاب،
منصورة عز الدين.
ـ السودان: الطيب صالح، طارق الطيب.
ـ الجزائر : محمد ديب.
وبعض هؤلاء القصاصين من الكتاب المعروفين وبعضهم الآخر من الكُتّاب الواعدين. ولا يعنى اختيارهم أنهم، جميعاً بالضرورة، أشهر القصاصين في بلدانهم أو أبعدهم أثراً في الحركة الأدبية، وإنما تحكّم في الاختيار توفّر المادة المترجَمة عنهم في المجلة.
والمترجمون الذين تولوا ترجمة القصص هم (حسب الترتيب الألفبائي لأسمائهم مع ذكر بلد الإقامة):
أيمن الدسوقي (بريطانيا)، بول ستاركي (بريطانيا)، بيتر كلارك (بريطانيا)، جيمس كيركوب (أمريكا)، ربيكا بورتيوس (أمريكا)، شاكر مصطفى(أمريكا)، عايدة باميا (أمريكا)، علي أزرياح (المغرب)، عيسى بولاطة (كندا)، محمد شاهين (الأردن)، منى زكي (أمريكا)، ندى الزير (بريطانيا)، وين شين وانغ (بريطانيا).
ويلاحظ أن جميع المترجمين العرب في هذه القائمة، ما عدا اثنين منهم، هم من المقيمين في الغرب. وهذا يذكرنا بأهمية الأدباء العرب المهاجرين الذين يبنون بأقلامهم جسراً بين ثقافتنا العربية وثقافة البلدان التي يقيمون فيها. ومن الأمثلة الملفتة للنظر حالة الأدباء العراقيين الذين تشردوا في الغرب بضع سنين ثم أخذوا يأسسون دوراً للنشر أو مكتبات لبيع الكتاب العربي أو مجلات أدبية في النمسا وأسبانيا والدنمارك وبريطانيا وأستراليا وهولندا وغيرها، ونشطوا في نقل آداب تلك البلدان إلى اللغة العربية أو تعريف الشعوب المضيفة بالثقافة العربية. ولكن السؤال هنا: هل أبدت وزارات الثقافة العربية قليلاُ من الاهتمام بهذه الشريحة المنتجة من المثقفين العرب؟
كتب مقدمة كتاب " سردين وبرتقال " المستعرب الأستاذ بيتر كلارك الذي أكد وحدة الأدب العربي الحديث قائلاً إن لأقطار شمال أفريقيا تاريخاً متنوّعاً، ولكن توحّدها هوية ثقافية عربية مشتركة. ولاحظ أن معظم كُتّاب القصص المترجمة اختاروا الطفولة فضاء لقصصهم، وأن التيمات (الموضوعات) التي طرقوها تتناول المعاناة، والألم، والفقدان، والعجز، والهوية، والفرح، والنضال من أجل البقاء؛ وجميعها تيمات عالمية، وهي، في هذه المجموعة من القصص، نابعة من تجارب المؤلِّفين ومعاناتهم الحقيقة بغض النظر عن جنسهم وجيلهم والبلدان التي ينتمون إليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
(1) Salih J. Altoma, Modern Arabic Literature in Translation, A Companion (London: Saqi, 2005).
(2) Banipal, Publisher/Editor: Margaret Obank. Website: www.banipal.co.uk
(3) www.kikah.com
(4) Peter Clark (ed.), Sardines and Oranges: Short Stories from North Africa ( London: Banipal Books, 2005).