د. حسين علي محمد
7-01-2005, 10:05 pm
«مجنون أحلام»: الرؤية والتشكيل الفني
بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب
............................
(القسم الأول)
هذه مجموعة أخرى من ألأقاصيص القصيرة أبدعها قاص مفنّ متمرس بكتابة القصة القصيرة، حاذق لتقنياتها، حريص على توفيرها فيما يبدع من أقاصيص بشكل متميز ولافت .. ذلكم هو الشاعر الأديب الأريب الدكتور حسين علي محمد ..
وعلى الرغم من وقفاتنا عند مجموعة من إبداعاته الفذة فإننا نحس تقصيرا وإجحافا بكثير من إبداعاته التي ما يزال في النفس شوق عارم للقيام بجولات فيها نتحسس شيئا من مظاهرها الإبداعية المتميزة .. ولا يسعني إلا أن أدعو الله أن يحقق لي شيئا من تلك الطموحات والآمال في وقت قريب فتكون لنا وقفات أخرى عند تلك الإبداعات .. كما أدعو الأدباء والدارسين إلى الاهتمام بتلك الإبداعات وأنا زعيم بأنهم واجدون فيها إن شاء الله ما يشبع رغبات النفس ويحقق غايات البحث .. عسى أن نوفّيه شيئا من حقه علينا.
واستجابة لهذه الرغبة جاءت سياحتنا في هذه المجموعة التي أسماها «مجنون أحلام» مشايعا لمجانين العشاق من الشعراء العذريين الذين جنى عليهم الهوى وذهب بعقولهم العشق، وقضى عليهم بالجنون الذي لا شفاء منه .. وهكذا غدا صاحبنا الذي وطئت قدماه أرض اليمن السعيد، والتقت عيناه بعيني "أحلام" اليمنية واخترقت سهام ألحاظها شغاف قلبه "مجنون أحلام" لينخرط في زمرة المجانين من مشاهير العشاق أمثال "مجنون ليلى" و"مجنون لبنى".
أما وقفتنا مع هذه المجموعة فستتناول أقاصيصها من زاويتيها الموضوعية الفكرية والفنية، أو الرؤية الموضوعية والأداء الفني الذي وفره لها أو التشكيل الفني لها؛ آملين أن نقدم تصورا مناسبا ومعقولا ومجردا من الهوى لهذه المجموعة ..
أولا: الرؤية الموضوعية للمجموعـــة:
ربما يكون من نافلة القول التأكيد على صلة الأديب القاص الحميمة بأقاصيصه وبروزه كشخصية رئيسة ومحورية من شخوصها، سواء أكان هو قطب الأحداث فيها ومحورها الرئيس، أم كان هو الراوي الذي تطوع لسرد تلك الأحداث وروايتها وتصوير شخوصها ومعالجة تلك المواقف التي تفاعل معها بصورة أو بأخرى .. وهذا يعني في تقديرنا أن القاص لم يغب عن أحداث أقاصيصه، ولم يكن مجرد راصد لها من الخارج، بل مشارك فيها وصانع لبعضها على نحو ما سنتبين في هذه المقالة ..
وقارئ المجموعة يتبين أن القاص كان جدّ حريص على رصد طائفة من الأزمات المتنوعة التي أخذت بتلابيب أبطاله وشخوصه سواء أكان هو أحدهم، أم كان راويا لها .. وهي أزمات متنوعة انفجرت من مواقف متباينة ذاتية داخلية وغيرية خارجية، عاطفية وسياسية واجتماعية وغيرها .. وسنحاول هنا رصد تلك الأزمات كاشفين عن منهج القاص في تصويرها وتتبع مظاهرها ..
أولا: الأزمــات العاطفيــة:
1-أزمــة البطل / القاص:
وقبل الكشف عن هذه الأزمات الخاصة وأبعادها التي عاشها القاص نودّ التنبيه على أننا لا نجزم بانتماء هذه الأزمات كلها إلى القاص نفسه ونسبتها جميعا إليه واعتباره الشخصية الرئيسة أو الأولى فيها مكتفين بالتأكيد على صلته الحميمة ببعضها لكونه الشخصية الأولى أو البطل فيها، وبصلته الحميمة بشخوصها الرئيسة والثانوية في الأقاصيص الأخرى التي سرد أحداثها دون أن يمتّ إلى تلك الأحداث بصلة ما .. أي أنه كان فيها مجرد راو سارد لأحداث الآخرين، ومشارك لهم وجدانيا ..
ولما لم يمكن الفصل بالنسبة لنا نحن الدارسين بين ما يخص القاص منها وما سرده الراوي مما يخصّ الآخرين، وعدم حرصنا على تحديد ذلك دفعا للحرج ومنعا من التدخل في خصوصيات من غير اللائق التحري عنها .. ومن جهة ثانية لإيماننا أن القاص عندما يبدع العمل القصصي لا يكون بالضرورة خاصا به وحده لأنه يستقي من تجاربه وتجارب الآخرين، فضلا عن الجزء الخيالي غير الواقعي الذي يحرص عليه ويساهم في بناء العمل ويعلي من شأنه .. ومن جهة أخرى لكونها لا تضيف إلى الدراسة فائدة تذكر لأن التركيز ينصب دائما على تشكيل العمل الإبداعي وتوافر تقنياته الأساسية .. لذلك اعتمدنا تحديد ما يخص القاص بما يرويه بضمير المتكلم، وإن كان هذا لا يحمل القطع أو الجزم بنسبتها إليه .. كما أن الرواية بضمير الغائب الآخر لا تعني بالضرورة انتماءها إلى الآخر إذ إن القاص يمكن أن يختفي وراء ذلك الضمير ليسرد ما وقع له لسبب أو لآخر، كما يمكن أن يسوق ما حدث له بضمير الغائب لحاجة في نفسه لا نعلمها إلا إذا أفصح عنها .. وخروجا من هذا المأزق اعتمدنا ما يخص القاص بما روى بضمير المتكلم وليكن ما يكون ولأنه لا يستطيع أن يقاضينا ما دام تطوع بنسبة ذلك إلى نفسه .. ولكنه إذا أبى ذلك فنحن مستعدون للاعتذار!
ومن هنا فإننا نودّ عرض تلك الأزمات وفق ظهورها وأهميتها في تشكيل أقاصيصه وبناء أحداثها مبتدئين بما يخصه منها .. وربما كانت أبرز الأزمات العاطفية التي طرحها القاص، وقد تكون جزءا من خصوصياته ولا نريد أن نجزم بذلك ، تلك الأزمة العاطفية التي طرحتها قصته الرائعة "مجنون أحلام"، والتي استأثرت بعنوان المجموعة بحق وجدارة .. والتي عرضت لطرف من حياة القاص العملية في اليمن عندما كان يقوم بالتدريس في بعض مناطقها "الوصاب السافل" .. على إن كل الإشارات في القصة قد تدل أو تؤكد أننا نتعامل مع القاص نفسه مباشرة مما جعله لا يختفي وراء ضمير الغائب الذي انصرف عنه وهو يسرد أحداثها إلى ضمير المتكلم الذي يلقانا في كثير من أقاصيص المجموعة مما قد يؤكد صلته بها وانتماءها إليه كما سنرى .. ومهما يكن فهذه الأزمة العاطفية التي عاشها القاص كانت نتيجة أو أثرا للعادات والتقاليد التي تسود بيئة الحبيبة اليمنية، إضافة إلى الظروف الخاصة بها والتي كانت تشكل عائقا صلبا يحول دون لقاء الحبيبين وإنهاء أزمتهما العاطفية، وإن لم يكشف القاص عن شيء من ذلك، بل إنه توقف في أحداث القصة عند "الجراحي" التي توقف الصالون عندها لينزل الخالة ومن ثم انطلاقه إلى الحديدة .. حيث ترك القاص "أحلام" تسرح في أحلامها الوردية الآتية وهي تتأمل مظاهر الجمال في الطبيعة الساحرة .. ويبدو أن القاص هو الذي بادر بقطع تلك العلاقة وإنهائها بصورة مدمرة لأحلام "أحلام" .. وهذا قد يدفعنا إلى الزعم بأنه أسمى فتاته "أحلام" لما جسدته من أحلام داعبت خياله ووجدانه في علاقته العاطفية بتلك الفتاة اليمنية في مرحلة مهمة وحاسمة في حياته .. وعليه، فهو لم يكن مجنون فتاة اسمها "أحلام"، بل كان مجنون أحلام لم تتحقق!
وإذا ألقينا نظرة عجلى على أحداث القصة ألفيناها تستغرق زهاء أسبوعين من أواخر شعبان إلى منتصف رمضان .. منذ أن رأى عبد السلام المدرس المصري "أحلام" اليمنية، وتغلغلت في أعماق قلبه وتعلق بها، فقد رآها يوم الخميس خارجة من بيتها تريد البئر لتستقي "لتملأ من مائه "دابتين" على حمارها الضرير .. ثم التقاها يوم الجمعة عند الغروب في طريقه إلى بقالة "قايد" لشراء بعض الأغراض بعد عودته من بيت الشيخ الأهدل ورافقته وأفضت إليه بطرف من سيرتها وحياتها .. ويكشف عن إعجابه البالغ بها بل عشقه الهائل لها لما آنس من جمالها وسحرها وعذوبة صوتها .. وكان عبده ـ ابن قايد قد رآهما معا فكشف الأمر أمام التلاميذ في المدرسة ويقدم له معلومات أخرى عنها .. وتتواصل الأحداث ويعرف رغبة خالتها بتزويجها لابن خالها الطبيب العائد من موسكو .. مما أحدث له صدمة قاسية .. حتى إذا زارت المدرسة لتسأله عن ابن عمها الذي كان يدرسه دار بينهما حديث عن زواجها من ابن خالها وبينت له أنها تريد إكمال دراساتها العليا .. ثم تسأله عن خطته ويتفقان على مرافقتها وخالتها إلى الحديدة فصنعاء في صالونهم الخاص .. وبدأت الرحلة ـ وهي البداية التي جعلها للقصة ـ وحوارات متنوعة عن دراساتها ودراساته وسعادته بموافقتها على الزواج منه .. وآمال عريضة باسمة وأحلام حلوة توشك أن تتحقق بعد أن غادرتهما الخالة في "الجراحي" ليواصلا الطريق إلى "الحديدة" ..
وهكذا أحبّ المدرس المصري "عبد السلام" الفتاة اليمنية "أحلام" التي تمكنت من قلبه واستولت على أحاسيسه ومشاعره فقرر خطبتها؛ ولكنه حسب للتقاليد حسابا دفعه إلى سؤال الشيخ محمد الأهدل (ماجستير في الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) عن إمكانية الزواج من اليمنية فأشار إلى شرط الكفاءة في الزواج .. ولما كان يملك وثيقة الكفاءة تم الاتفاق بينه وبينها .. ويصحبنا القاص في رحلة برفقة صاحبته إلى الحديدة فصنعاء في صالونهم الخاص، كما يخبرنا عن عزمها على مواصلة دراستها في القاهرة .. وكانت حيرته لأنها لم تبحث معه أمر ارتباطهما معا ولم تكلمه عن بعثتها القادمة .. وربما كان في ذلك إشارة إلى عدم إتمام الزواج بينهما دون أن يفصح عن سببه والذي قد يكون لتوقف القاص في سرد أحداث قصته عند ا لجراحي حيث غادرتهما خالتها ليواصلا رحلتهما إلى الحديدة فصنعاء: "فما زالت مدينة الحديدة بعيدة، والأرض مترامية، والخطى التي غادرت عتمة الوصاب تتأمل في لحظات تليق ببداية جديدة"!
وهكذا ظلت الأزمة العاطفية للقاص قائمة ولم يتمكن من التخلص منها أو إنهائها نهاية مناسبة .. وهكذا جاءت قصة "مجنون أحلام" لتجسد أزمة البطل الراوي الذي كان يبحث عن الحب في أرض اليمن وتمثل له في صورة رائعة مع "أحلام"، ولكنه برغم جرأته في مكاشفتها واستطلاع رأيها وأخذ موافقتها كان الخوف من العاقبة يتقحمّه ويكاد يخطّ لهما نهاية حزينة لولا ما كان يملأ نفسه من أمل ببداية جديدة تجمع شمل الحبيبين في بلاد بعيدة .. وربما كانت هناك أسباب أخرى لم يفصح عنها القاص لسبب أو لآخر ..
ويطرح القاص ــ ربما ــ طرفا آخر أو مظهرا آخر لأزمته العاطفية أو تجربته الوجدانية مع ابنة خالته "صباح" في القصة الرابعة "اللهم أخزك يا شيطان" عندما أوشكا على السقوط في حمأة الفاحشة بتدبير من ضرّتها " د/ سناء " زوج المهندس صالح .. وعاش لحظات قاسية في محاسبة نفسية حادة على ما اجتاحه من رغبة جارفة وشهوة عارمة توشك أن تقطع الشعرة الدقيقة الفاصلة بين الثبات والسقوط .. ولكن سرعان ما اكتشفا ، أو تنبّها لخطة سناء لإسقاطهما حتى يخلو الجو لها مع زوجها بعد أن تحققت غايته بإنجاب صباح "صالح الصغير".
فانكفأ يستغفر الله ويلعن الشيطان الذي كان يسوقه بعنف نحو الهاوية ليسقطه وابنة خالته التي كان أمينا ووصيا عليها من قبل خالته ..
على أن مأساة صباح أو أزمتها النفسية جاءت من خلال فقدانها حقوقها الشرعية كزوجة للمهندس صالح وسوء معاملته وضرتها "سناء" لها واعتبارها مجرد خادمة .. بل بلغ به الأمر أن يضربها على وجهها أمام ضيوفهما ــ زميلات سناء من جامعة الملك سعود اللاتي كن في ضيافتها، وكانت صباح الخادمة التي تقدم لهن الأكل .. وقد فاض بها الكيل ولم تعد تطيق تلك التصرفات السيئة فاندفعت تقول لزوجها: "إنني زوجتك يا باشمهندس أيضا ولست خادمتك أنت وهي .. وأنت لست رجلا ما دمت تعاملني بهذه الطريقة"!.
وهكذا تفاقمت أزمة صباح حتى كادت تسقطها، كما كانت أزمة "سمير" بغياب زوجته وبعده عنها وإحساسه الحاد بالجوع الجنسي قد بلغت حدا كاد يدفعه إلى السقوط والتردي في مستنقع الرذيلة لولا أن تداركتهما رحمة الله!
وتبرز أزمة القاص العاطفية مرة أخرى في ا لقصة الثانية "برق في خريف" التي يسترجع فيها ذكريات تجربة حب أخرى عاشها مع "نادية حمدي" التي انقضى عليها ثلاثة عقود .. وكانت روابط الحب قد توطدت بينهما منذ أن عزمت على إخراج إحدى مسرحياته الفصحى "الثائر" التي ضاعت في بورسعيد إبان الانفتاح السعيد .. وافترق الحبيبان، وظلت الحبيبة تنتظر فارسها عشر سنوات ولكنه لم يأت فغيرت مجرى حياتها وتخلت كارهة عن وعدها له .. ثم التقى الحبيبان بعد هذه العقود مصادفة في محطة مصر ليستقلا قطار إسكندرية، وليستعيدا آخر ذكريات الحب الضائع واللقاء الذي لم يجئ، وانتظارها إياه عشر سنوات قبل أن تتصالح مع واقعها وتلحق بقطار العمر قبل أن يخلفها وحيدة في صحراء قاحلة فتتزوج وتنجب ابنتيها، وتلومه على غيابه الطويل حتى ملت الانتظار .. ويعقد العزم بعد أن لقيها على ألا يتخلى عنها أبدا .. ولكن الأوان كان قد فات .. فما إن توقف القطار في محطة الرمل حتى ترجلت لتجد ابنتيها في انتظارها وتعرفه عليهما .. ومن غير أن تودعه انطلقت معهما، وخلفته ليكر راجعا إلى شقته الواسعة ليجد نفسه وحيدا من جديد!!
وهكذا عاد القاص العاشق ليعاني مرارة الوحدة وعذاب الشوق بعد أن خيّل إليه أنه على عتبات حياة جديدة مع الحبيبة الغائبة، حياة مليئة بالحب والسعادة التي حرم منها ثلاثة عقود كاملة، وأن الحياة ابتسمت له من جديد بعد تلك السنين الطويلة!
وتتجسد أزمة القاص العاطفية مرة أخرى في قصة "لن يكلم نفسه في الشارع" /17؛ وهي قصة أخرى يستدعي فيها ذكريات قديمة غبر عليها خمسة وثلاثون عاما مع زميلة له في الجامعة "سماح صبري" والتي وصفها بأنها كانت إحدى النابهات الناشطات في الجمعية الأدبية بالمدينة الجامعية إبان المرحلة الجامعية .. ومع أنه لم تنشأ بينهما في تلك الفترة علاقة ما إلا أن تذكره لها الآن وعدم تغير ملامحها عندما رآها واحتفاظها بمظاهر جمالها، إضافة إلى استمرار عزوبيته بعد وفاة زوجته وإحساسه الحاد بالوحدة .. كل أولئك ضيق المسافة بينه وبينها برغم تقدمها عليه في السن بزهاء سنتين، فوافق على الارتباط بها بمجرد أن عرضت عليه شقيقتها اقتراح الزواج منها .. وتم الزواج بسرعة، ولكنه لم يعمر أكثر من شهرين وتم الانفصال لعدم التأقلم والتوافق بينهما ..
وإذا كانت هذه الأقاصيص تطرح الأزمات العاطفية الخاصة بالقاص / الراوي، فهناك أقاصيص أخرى حرص فيها الراوي على رصد بعض الأزمات العاطفية الخاصة بشخوصه كما في القصة 15 "بلا دموع" التي سردت حكاية حب كبير عاشه بطلاها "حسام" و"هند" .. "فقد كانا في مدرسة واحدة منذ المرحلة الابتدائية فالإعدادية فالثانوية، وكانا يتنافسان دائما على المركز الأول، والتحقا بكلية التجارة، وهاهما قد تعيّنا مع&a
د. حسين علي محمد
7-01-2005, 11:42 pm
(القسم الثاني)
وكنا ننتظر من القاص الفاضل أن يقدم في الأقصوصة رؤية باعتبارها قضية شائعة ولها أبعاد اجتماعية ودينية خطيرة .. ولكنه فيما يبدو التزم جانب الإبداع القصصي ونأى عن التنظير أو طرح الرؤى لمجافاته لهذا الإبداع، ولأن موضع ذلك التنظير الدراسات والبحوث الاجتماعية والدينية وغيرها .. ولما كنا بصدد دراسة هذه المجموعة القصصية فنظن أنه يسمح لنا بطرح مثل تلك الرؤية هنا فنقول: تعددت الآراء وتنوعت التفسيرات لهذا السلوك الاجتماعي سواء أكانت تفسيرات دينية أم اجتماعية عرفية .. والحقيقة أن الدين الإسلامي، وإن كان يرفض الخطيئة ويعاقب عليها وشرع لها الحدود المناسبة، لا يعطي الحق في تنفيذه للناس، بل هو حق السلطة الدينية الحاكمة، شأنها شأن الثأر مثلا حيث ردّ الأمر فيه إلى الحاكم أو السلطة، ولا يجيز لأهل الدم تولي ثأرهم بأيديهم، وأن يبادروه بأنفسهم، ويمارسوه بطرائقهم الخاصة .. قكذلك جريمة الزنا لا يجوز للناس أن يتولّوا القصاص فيها بأنفسهم وبطرائقهم الخاصة لأن ذلك مسؤولية الحاكم أو السلطة الدينية الحاكمة التي تقوم بتنفيذ القصاص أو العقوبة المحددة في الخاطئين .. ولكن لما غابت السلطة الدينية الحاكمة، وأسند الأمر إلى السلطة الدنيوية المدنية الحاكمة بالقوانين والدساتير الوضعية ضاعت الحقوق، واضطرب حبل الأمن وأتاحت الفرصة للناس ـ لذوي الدم المهدور والعرض المنتهك ـ يقدمون على تنفيذ العقوبة المناسبة التي تقررها الأعراف والتقاليد والعادات ..
وفي ضوء الدعوات المعاصرة لتحرير المرأة كما يزعمون وضرورة إعطائها حقوقها الكاملة والتي يروج لها المتفرنجون وأدعياء التحضر والتمدن، تواجه التقاليد والأعراف والعادات أزمات حادة وهي تفتقد سلطتها، وتسلب حقوقها المقدسة وهيمنتها السابقة لأن هذه الدعوات التحررية تعتبرها جريمة لا تغتفر!
فهل ينتصر المتفرنجون وأدعياء الحضارة والمدنية، أم تنتصر الأعراف والعادات والتقاليد، أم يستعيد الشرع الإسلامي العظيم سلطته وينفذ الحدود التي شرعها الله سبحانه ؟؟!! الله أعلم!
الأزمــات السياسيــــة أو المواقف السياسية في المجموعة:
تشكل الأزمات السياسية أو المواقف السياسية في المجموعة وما يسودها من إحباط المظهر الرئيس للبطل الراوي حيث تجسدت تلك الأزمات أو المواقف في أربع قصص هي : 3 ، 8 ، 12، 16 .. ففي هذه الأقاصيص حرص القاص على تصوير البطل المأزوم سياسيا أو قل المقهور تحت ضغوط الواقع المتردي .. وحاول رصد الأزمات السياسية التي اعترضت أبطاله .. ففي القصة الثالثة "اصطياد الوهم" يظهر البطل في صورة كاتب سياسي مارس الكتابة ضد الحكومات ثلاثين سنة قضى معظمها في السجون .. حتى إذا كتب مسرحية تاريخية عن صلاح الدين الأيوبي عند دخوله القدس، وتشير إلى اللحظة الراهنة حظيت بالقبول وباركتها السلطة واستدعته للتشاور معه في أمر تقديمها على المسرح القومي وطبعها في كتاب .. ومع أنه لم يشد مباشرة بخطوة السادات إلا أن السلطة جيّرتها لحسابها وحظيت بالرضا والقبول .. ومع ذلك نجده يبرر سلوك السلطة، أو ربما انحرافه عن منهجه بترديد مقولات السلطة التي تبرر بها خطوة السلام أو الاستسلام حين يقول: "الناس سئمت الحروب وتريد أن تستمتع بالحياة ". ولكن صاحبته أو قل ضميره رفض هذا التبرير فقالت: "هل تصدق أن السلام الذليل مع إسرائيل سيأتينا بالمن والسلوى كما يقول زعيمك؟".
وهكذا يتأزم الموقف بين البطل الكاتب المسرحي وبين البطلة بسبب التغير الذي طرأ على تفكيره فغيّر موقفه السياسي المعروف بالرفض، وتتباين مواقفهما السياسية .. ويبدو لنا أن الكاتب الراوي ربما كانت تجتاحه عاصفة الانتصار للكاتب المسرحي المأزوم المنكفئ وهو يعلن عن بدء كتابته أو رغبته في كتابة مسرحيته الجديدة التي سيجعل كل أبطالها من النساء وتدور حول صداقة شيطانية بين مخرجة سينمائية وامرأة أعمال .. متوجسا من موقف السلطة إزاءها مع أنها لا تنتهج الأسلوب السياسي ولا تعادي السلطة بل تبتعد كثيرا عن دائرتها المثيرة .. وفي تجسيد القاص لأزمة البطل هنا نجده يتبنى موقف الرفض وينطق البطلة بآرائه الرافضة لسلوكيات التحول في موقف البطل بالرغم من تعاطفه معه وحملته على رفاقه الذين لم يؤازروه سياسيا وأديبا حتى لو كان ثمن هذا التحول في نظرهم باهظا مع أنه لم يقصد ذلك حقيقة .. ومع ذلك فالقاص لم يعفه من تلك الجريرة وهو يبرر خطوة السلام المزعوم ..
وفي الأقصوصة الثامنة "عكرمة يرفع السلاح" يرصد القاص أزمة الإنسان العربي المعاصر وما يعاني من قهر وذل وهوان وانحطاط بسبب تكالب الآخر عليه في هذا الزمن الرديء الذي فرض عليه التخلي عن أمجاده القديمة .. فقد جسدت القصة الإنسان العربي المأزوم "عكرمة" وقد تكالب عليه المرجفون في المدينة يذيعون خبر نهايته المفجعة حيث غرقت كل مراكبه ولم يبق له إلا الموت .. ويرفض عكرمة الرمز العربي الأصيل هذه الأراجيف ويصر على المقاومة ويأبى الاستسلام للغريب القادم لتدمير أمجاده التليدة .. "تدثرت بالصمت وأنا أرى أولاد القردة يرسمون على أغلفة كتب الفتوح عار حاضرنا الذي نرسمه ملونا ويأخذ عندنا يا للفجيعة شكل النبيذ في أنهار تجري بفخرنا الذي تسطره القصائد العصماء بينما يرسمونه متوجا بالعار والخزي والسقوط"!
ويواصل عكرمة الرمز العربي الأبيّ مقاومته للمرجفين ورفض سيطرة الغريب وتسلطه على أعراض الأباة وتلطيخها بالعار والذل .. ويتشبث عكرمة بهذه الأمجاد وهو يتوجه صوب النساء العربيات ممجدا حفاظهن على أعراضهن وصونهن من دنس الغريب عبر هذا الرمز المستوحى من بيئة الخيول العراب حيث وصفهن بالخيل الصافنات الرافضات للبغل رمز الغريب الدخيل: "إن البغال لا تتزوج الصافنات"!
كما رصد القاص تلك الصافنات وهن يستصرخن عكرمة الرمز العربي الأبي أو الجواد العربي الأصيل الواعد بالإنقاذ عبر هاتيك النداءات الحزينة التي تتلجلج في صدورهن:
"أيها المستجير من الرمضاء بالنار ..
لا تترك السف .. لا تخلع الدرع ..
أنت في قيامتك الكبرى رايتك مرفوعة للريح
والغريب مدجج بالخراب .. وخطواتك لن تقتلعها الريح
لك موت يجدر بشهيد .. وللغريب حياة مجللة بالعار
لك أن تعيش طويلا .. أنت والنسور في الأعالي " ...
ولن تقتلع الريح خطوتك يا عكرمة!!!
وتواصل الصافنات استغاثتهن بعكرمة ـ ابن الأرض ـ مطمئنات إلى نصره ودحره الغريب وقهره: "يا ابن الأرض، ها هي الريح بجانبك .. تدفق الدماء في الجسد .. وتزهو الريح لأنك نبتها الذي لم ينحن .. وتقول: ستقـتـلع وحش الغابة الذي يهددك بالمحو، ستنتصر على الغريب، فلا تخف .. وهاهي الخيول تقول: إنها أحبتك منذ رأتك ..تحاول أنت تضمك لصدرها بقوة بعد أن كنت قد ابتعدت زمنا .. تقول: هل يصعد قاربك يا عكرمة فوق بحار الشوق المشتاقة!
وهكذا رفض الرمز العربي الأبي ما أشاعه المرجفون في المدينة مؤكدا أن مراكبه لم تغرق كطلها، فقد بقي منها مركب أخير سيمخر به عباب القهر والذل ليقضي على الغريب الدخيل!!
وهكذا جاءت هذه القصة تنحو منحى رمزيا يجسد مرارة الواقع العربي المتهافت، وانهزام الإنسان العربي في زمن السقوط .. وقد عزف القاص فيها على أوتار الغيرة والحمية التي تدفع الإنسان العربي المرهق بالذل والهوان إلى الرفض وا لانفلات من واقعه المفجع المرير مادام يملك المركب الأخير!
وهكذا جاء "عكرمة" رمز الإنسان العربي الأبي المتأهب للمقاومة، المؤهل للنصر أو الشهادة، الحريص على إنقاذ الشرف العربي من دنس الغريب، المستجيب لنداءات المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا .. "الصافنات" لإنقاذهن وحمايتهن من السقوط في مستنقع الذل والهوان، مستنقع البغل / الغريب / العدو المحتل!
وفي القصة الثانية عشرة "في المدى قنديل يضيء" يطرح القاص أزمة إنسان وطني انخرط في الشيوعية لما توقع فيها من الخير لأمته المسحوقة، ولقي من ألوان الاضطهاد ما لا يطاق .. وكان أحد أفراد مجموعة أخذ بأيديهم إلى دروب النضال وعلمهم كيف يحلمون بالتقدم والغد .. حتى إذا أدرك رفاقه عقم انتمائهم الشيوعي وجرّ عليهم أذى السلطة شايعوها وانخرطوا في حزب الثورة "الاتحاد الاشتراكي" فتبوّأوا المناصب، وتمكنوا من المشاركة في حكم ثوري وطني لأول مرة حلموا به منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية بل منذ ثورة 1919 .. أما هو "الأستاذ"، فقد رفض هذا الأسلوب وثبت على معارضة السلطة وآثر العودة إلى طنطا ليدير مدرسة إعدادية "واختار أن يكون قنديلا بعيدا يضيء دربا ما من دروب الوطن" .. بل إن أحباءه وعارفيه يصفونه بأنه "شمس تضيء المدى في تجرد وإخلاص نادرين"!
ويرصده القاص في لحظة كشف للغشاوة التي غطت على عيون الآخرين وهو يقدم نصا مسرحيا بعنوان "لماذا انهزمنا؟"، وهي تتحدث عن نكبة حزيران ـ يونيه 67 .. وفي محاولة للبعد عن التصريح المثير للمساءلة والمحاسبة يقترح القاص الراوي تبديله ليصبح "الأستاذ وتلميذه" .. ولكن النص لقي معارضة شديدة من رفاقه القدامى لظنهم أنه ما زال على شيوعيته برغم كفرانه بها وتخليه عنها لما وجد من حرص المتاجرين بها على تحقيق مصالحهم الخاصة وتمسكهم بالمناصب المكتسبة .. ويركز القاص على استقلالية البطل وانفصاله عن الحزب الشيوعي مشيدا بأثر جماعة الإخوان المسلمين في نفسه حيث أوقدوا فيه شمعة الإيمان من جديد، وأعادوا له الأمل في الحياة في ظلال العقيدة .. ويجتمع الرفاق القدامى لقراءة النص المقدم من أستاذهم أو رفيقهم القديم، ولكنهم يرفضونه بلا سبب وبدون قراءة، لرفضه الانضمام إلى الجوقة ولكشفه انتهازيتهم الحقيرة!
أما النص فيدور حول ثوريين قديمين يتاجران بهموم الناس، ويلوكان كلمة "الاشتراكية" بإدمان غريب، ويبيعان الكلام في سوق أشبه ما تكون بسوق نخاسة عصري"!
وهكذا جاء النص ليفضح هذه الطائفة الانتهازية المتسلقة الباحثة عن المناصب لتحقيق رغباتها الشخصية ومصالحها الخاصة ..
ودارت القصة السادسة عشرة "تلك الليلة" في ذات الفلك السياسي، وجاءت لتطرح أزمة سجين سياسي معارض للسلطة في زمن السادات، ولم يطق البقاء في السجن فهرب .. وتجاذبته هموم متباينة، واجتاحته تساؤلات عديدة وانهالت عليه خواطر متشابكة يتعلق بعضها بصديقه الناصري السجين الرافض لفكرة الهروب من السجن العقيمة لكونها فاشلة وستنتهي بالعودة إلى السجن .. ولأن الوطن كله عبارة عن سجن كبير كما سيقرر!
ويسترجع السجين الهارب بعض الذكريات مع رفاقه السجناء وحواراتهم .. ولعل أبرز مخالفاته لسياسة السادات ذهابه للقدس وتبرير أحد مشايعيه بقوله: "إن شعبك أيها الناصري الحالم تعب من القتال والحرب ويريد أن يعيش"! وهو ذات التبرير الذي رأيناه في القصة السابقة .. ويعلن الرفض لهذا الرأي بقوله: "ولكن إسرائيل لن تتركنا"!
ويتذكر حوارا آخر دار بينه وبين مؤيد للسادات حول الخطاب الذي ألقاه في القدس ويجعل من أمريكا اللاعب الأول الذي يملك أوراق اللعبة في المنطقة .. ويعقب ساخرا بالدعوة إلى تحويل خطاب السادات إلى نص مسرحي يجعل مصر "حسناء تباع في سوق الرقيق بدولارات مضروبة"! وعندما كاشف رفيقه الذي كان اعتقل في انتفاضة الخبز بذلك كشف له أن من أفضى إليه بذلك مخابرات للسلطة .. على أن هذا الرفيق يؤكد له أن القدس لن تعود أبدا بينما هو يؤكد عودتها كما أعادها صلاح الدين من قبل .. ويتواصل الحوار بينهما عارضا موقفين متناقضين: موقف ناصري مثبط من ثوار الزمن الأخير الذين يسجنون ويضيعون أعمارهم في السجن بلا قضية وبلا أفق"!
ثم يعرض قضية سجين شيوعي آخر كان يحاوره حول الزمن الآتي الجميل الذي يحلم به ، ثم أخرج من جيبه قصيدة يتحدث فيها عن ذلك العالم الذي ينتظره بعد خروجه من السجن يقول فيها: وأنا أيضا .. أحلم بالزمن القادم
يبتلع الفقّاعات الطافية على الوجه .. وتصبح قمم الأشياء
سنصير السادة ..
سأصير رئيسا عصريا .. يشرب كأس الويسكي في الحانة
ثم يعود سريعا ..
ليضاجع زوج رئيس الوزراء!!
هكذا كانت الأحلام الوردية التي يحلم بها ذلك السجين الشيوعي في الزمن القادم .. وإذا كان هذا ما سيفعله هذا الرئيس الجديد المطحون الخارج من السجن مع زوج رئيس الوزراء .. فماذا سيفعل رئيس الوزراء مع أزواج الوزراء الآخرين؟! لا شك في أنها ستكون ملحمة من نوع أخر.
ويكر البطل راجعا إلى ليلة القبض عليه عندما فوجئ بضابط وشرطيين يطلب منه التوجه إلى "لاظوغلي" لسؤاله سؤالين سريعين ثم يعود .. وبدلا من الذهاب في هذا الطريق الطويل توجهوا به فورا إلى السجن ليلتقي صديقه القديم وليقضي معه ستة أشهر مليئة بالحوار والشجن والعذاب .. ويواصل السجين الهارب سيره ليبلغ القرية وليفجع بالواقع الذي كانت تعيشه أسرته ليخرج بنتيجة كابية سوداء لا تقل سوءا عما وجده وعاشه في السجن هي أن "الخارج ليس أقلّ سوءا من السجن: فأمه مصابة بجلطة منذ شهرين ولا تعي ما يدور حولها .. وزوجة أخيه ماتت منذ عشرين يوما .. ولم تمض لحظات حتى كانت عربة الشرطة تمزق صافرتها الصمت لتعيده إلى السجن قبل أن يستمتع بهروبه .. وهو يقول : "يبدو أن أسوار السجن الكبير تمتدّ بعرض الوطن وطوله"!
وهكذا يتحول الوطن في ضوء مأساة هذا السجين السياسي إلى سجن كبير يقمع الرافضين المعارضين للسلطة ، ويحرمهم من إعلان آرائهم أو التبشير بها في زمن القهر والاستبداد .. ومن وراء أسوار ذلك السجن الكبير تتجسد أزمات السجناء السياسيين الأحرار، وتتفاقم معاناتهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن: «أصـوات مُعاصرة» السنة 25- العدد 137 – يناير 2005م
د. حسين علي محمد
7-01-2005, 11:54 pm
(القسم الثالث)
=الموقف السياسي للكاتب:
إذا كانت هذه بعض مظاهر موقف القاص الفاضل من السجناء السياسيين، أو قل الموقف السياسي لأبطاله وشخوصه كما تخيله أو عاشه بصورة من الصور، فما هي أبعاد موقفه السياسي هو وهو المعروف بغرامه وشغفه بذلك وحرصه على التعبير عنه في كل مناسبة؟!
وفي الحق إنه ليس غريبا على القاص بروز الجانب السياسي في هذه المجموعة أو في غيرها لأنه كما يقول البطل في قصة «لن يُكلم نفسه في الشارع»: "إن أغلب شعره سياسي ويشتبك مع قضايا الواقع فيناقش تخلف العرب والمسلمين، وتكالب الغير علينا"؛ وهو موقف ـ في القصة ـ عابه عليه بعض النقاد فعدوه ناثرا أو خطيبا ضل طريقه إلى الشعر .. ونحن نخالف الناقد في رأيه هذا لإيماننا برسالة الشاعر التي تجعله لصيقا بقضايا مجتمعه وأمته، قادرا على التفاعل معها قدرته على التفاعل مع قضاياه الذاتية ومشكلاته النفسية والعاطفية الخاصة ..
وإذا حاولنا التعرف على أبعاد الموقف السياسي للكاتب الفاضل في هذه المجموعة "مجنون أحلام" نتبين أنه كان يتبنى موقفا سياسيا محددا حيث كان "ناصري الاتجاه"؛ وقد بدت مظاهر هذا الاتجاه في فترة مبكرة ربما مع بدايات الحكم الناصري في منتصف الخمسينات؛ فقد أعلن في الأقصوصة الثانية عشرة "في المدى قنديل يضيء" تحوّل البطل مع مجموعة من الرفاق الشيوعيين إلى الحزب الناصري الوحيد الحاكم "الاتحاد الاشتراكي" معترضا على سلوك أستاذهم الذي رفض الانخراط في حزب السلطة لكونه كما يقول: "إنه لا حزب ولا يحزنون .. إنه شيء بلا لون ولا طعم ولا رائحة"!
وهو / الأستاذ هنا ينطلق من نقطة التحول عن الشيوعية لممارسة منهج جديد لتربية النشء إيمانا منه ـ ربما ـ بضرورة البدء للإصلاح الحقيقي المناسب بالنشء الجديد وتأهيلهم للانطلاق لممارسة المنهج السياسي الكبير القادر على تقويم الأمة وتحقيق آمالها في الحرية والسلام!
كذلك كانت نكبة يونيه 67 " القاتلة" كما يصفها القاص، نقطة بارزة في اتجاهه السياسي؛ فبالرغم مما خلفت تلك النكبة من آثار بالغة السوء والسواد في الأمة العربية جمعاء، فقد ظل خلافا للكثيرين على انتمائه الناصري وإيمانه بقدرة عبد الناصر على مواصلة الكفاح لتحرير الأرض المصرية والعربية من قبضة إسرائيل، يشهد لذلك وصفه لبيان مارس الذي أذاعه عبد الناصر بعد الهزيمة ببضعة أشهر بأنه "خطّط فيه بجرأة وطموح للمستقبل"!
وهذه القصة نفسها تعرض لفريقين متناقضين أو قل لمرحلتين متباينتين في حياة فريق واحد من الرفاق الشيوعيين الذين استطاعت طائفة منهم أن يتحولوا عن الشيوعية وينضموا إلى الجوقة الغوغائية المؤيدة للثورة ويحققوا كثيرا من المنافع والمكاسب؛ وطائفة أخرى رفضت هذا التحول السياسي، ورفض الانضمام إلى تلك الجوقة وقنعت بتحول من نوع آخر تمثل في تعرية الطائفة الأولى الانتهازية من خلال مسرحيته "لماذا انهزمنا" أو "الأستاذ وتلميذه" وهو العنوان الذي اقترحه عليه تلميذه الراوي .. والذي ظل فيما يبدو برغم انتمائه إلى الاتحاد الاشتراكي وإيمانه بالناصرية يؤمن في دخيلة نفسه بمنهج الأستاذ السياسي الرافض للغوغائية، والحريص على كشف وفضح هؤلاء الانتهازيين المتسلقين!! وهذا ما جعل الراوي القاص في القصة يتزيا بمسوح المدافع عن الأستاذ، الرافض لأساليب أصحابه أو تلاميذ الأستاذ الانتهازية الرخيصة!
على أننا نجد هذا الأستاذ أو رئيسهم يتحول من دائرة النقد والتعرية لتلاميذه المتسلقين الانتهازيين عندما وجد عقم محاولاته ويأسه من تحقيق شيء ما، إلى دائرة عملية أخرى قد نكون أفيد وأجدى من محاولاته السابقة وهو يقرر العودة إلى طنطا لإنشاء مدرسة إعدادية لتعليم أبناء هذا الجيل ما يمكن أن يعود عليهم وعلى الأمة بالنفع والفائدة بعد أن يئس من المشروع الشيوعي الذي أصّله في نفوس تلاميذه الانتهازيين ..
وفي القصة الثالثة "اصطياد الوهم" يجسد القاص موقفه السياسي في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل التي وقعها السادات وبيجن، ثم أعقبها بزيارة القدس عشية عيد الأضحى .. وقد كان هذا الحدث موضع رفض وتنديد من الناصريين وغيرهم من أحزاب أو اتجاهات المعارضة .. ويظهر موقف القاص من أحد الانتهازيين وهو يتخلى عن موقفه الرافض بصورة ملطفة جدا، أو قل ـ وهذا رأيي وربما رأي القاص ـ أنه لم يتخلّ عن موقفه، وأن النجمة ليلى زهدي ـ لم تفطن لذلك عندما اتهمته بالتخلي أو الردة .. وقد كان رده عليها واقعيا وهو يقرر أنه لم يكتب مسرحيته للإشادة بموقف السادات وزيارته للقدس، وإنما كتب مسرحية تاريخية تشير إلى اللحظة الراهنة فجيّرتها السلطة الحاكمة لمصلحتها واستدعته للتشاور في عرضها وتقديمها على المسرح القومي وطبعها كذلك في كتاب .. وإذن فما ذنب الأستاذ وما جريرته؟!
بيد أن المواقف التي رصدها القاص لبطلها هذا "صبري عثمان" تؤكد تخاذله وتحوله أو نسيانه / تناسيه مواقفه الرافضة السابقة حيث دخل السجن في عهدي فاروق وعبد الناصر، كما أخذه السادات ستة عشر شهرا في أحداث خبز يناير سنة 1977م .. بل إنه يبرر هذا التحول بقوله: "كتبت ثلاثين عاما ضد الحكومات فما التفت لي أحد إلا السجانين، وكتبت مسرحية تاريخية تشير إلى اللحظة التي نعيشها فاستدعتني الرئاسة للتشاور في تقديمها على المسرح القومي وطبعها في كتاب"!
كما يتجلى ذلك التحول في مشايعة أنصار السلام الرخيص أو الاستسلام الحقير وهو يبرر مواقف السلطة في قوله "الناس سئمت الحروب وتريد أن تستمتع بالحياة .." حتى إذا رفضت صاحبته هذا التبرير مؤكدة أن السلام الذليل مع إسرائيل سيأتينا بالمن والسلوى كما يقول زعيمك"؛ وهذا التبرير ذاته يلقانا عند "صبري" آخر هو "صبري عبده" ـ ولعلهما شخص واحد اختلف اسم أبويهما لاختلاف القصتين ( قارن موقف سجين "تلك الليلة" إزاء هذا الرأي الذي تبنّاه الناصري المتخاذل، أو الانتهازي المثبّط في قوله: "ولكن إسرائيل لن تتركنا"!؟) فانبرى يكشف عن موقفه الذليل أو المتذلل "أريد أن أعيش وأن تعرض مسرحيتي في المسرح القومي". ويبرر سلوكه هذا الذي لم تتفهمه تلك النجمة بأنها لم تذق مرارة السجون ..
كذلك كانت فرصة عرض مسرحيته على المسرح القومي خاصة نقطة دافعة ومجلية لذلك التحول بعد أن كتب أكثر من عشر مسرحيات لم تعرض منها واحدة ..
ويقف هذا الموقف الرافض لتحول الكاتب صديق آخر له هو الناقد محي الدين فوزي الذي قال له في لهجة حقيرة وشتائم رخيصة: "لم أعجب لتقديم مسرحيتك على المسرح القومي من إخراج المخرج الكبير سالم النقاش ، فالسلطة تكافئ أحبابها" ..
ويأتي رده متساوقا مع رده على ليلى: ماذا فعلتم أيها الأوغاد لي ولمسرحي المخطوط على امتداد خمسة وعشرين عاما؛ وأنت أيها الناقد الكبير قرأت مسرحياتي ولم تكتب عنها كلمة واحدة لأنها لم تقدم للناس كما كنت تقول" ..
هكذا كانت عقدة البطل وهو يتحول من الرفض إلى المشايعة والتأييد ويركب موجة السلطة وإن لم يظهر هذا التحول في صورة مباشرة وصريحة تدفع رفاقه السابقين إلى نقده وتجريمه بحق .
كذلك يبدو انتماء القاص إلى الناصرية وإيمانه بها في محاولة لإعلان الرفض للساداتية في قصة "تلك الليلة" /16 التي قص فيها حدث هروبه الفاشل من السجن وهو ما أكده صديقه الناصري "صبري عبده" في تعقيبه على هروبه: "عثمان خائب وغرير .. لماذا هرب؟ سيجيئون به من تحت الأرض ويعذبونه".
وفي المقطع الأول الذي جعل عنوانه "الزعماء يغيرون الجغرافيا" أدار حوارا بينه وبين رفيقه صبري عبده أكد له فيه أنه لن يستطيع أن يغير التاريخ لأن "الزعماء وحدهم هم الذين يغيرون التاريخ والجغرافيا أيضا".. ويفسر ذلك قائلا: "حينما ينتصرون يغيرون التاريخ، وحينما يتركون أرضهم لأعدائهم كما فعل زعماء العرب في حرب 1967 فهم يغيرون الجغرافيا" . وينكر القاص هذا الموقف من ناصري فيصفه إضافة إلى سلوك عملي بالغ القسوة والقرف بأنه "وغد وسافل" ..
وفي المقطع الثاني "التجربة الأولى" يعلن انتماءه الناصري ورفضه ومعارضته للسادات في زيارته للقدس مكررا على لسان صاحبه الذي حذره من مغبة معارضة السادات تبرير "صبري عثمان" السابق في رده على صاحبته القديمة "ليلى فوزي": "إن شعبك – أيها الناصري الحالم – تعب من القتال والحرب ويريد أن يعيش"، ويَبرز موقفه الرافض وهو يدفع ذلك التبرير بقوله: "ولكن إسرائيل لن تتركنا" ..
وفي جانب آخر من هذا المقطع يسرد طرفا من حوار آخر مع صديق من المعجبين بالرئيس المؤمن "السادات" حول خطابه الذي ألقاه السادات في القدس ووصفه بأنه "أكثر من رائع لأنه يجعل أمريكا اللاعب الأول الذي يملك كل أوراق اللعبة في المنطقة" ودعوته الساخرة الهازلة إلى تحويله إلى نص مسرحي يجعل مصر في صورة حسناء تباع في سوق الرقيق بدولارات "مضروبة"! ولما أبدى موافقة على هذا الاقتراح دعاه لاستكمال كتابته للبدء بتجارب إخراجه لعرضه في القدس المحتلة في عيد الأضحى القادم .. وهذا ما دفعه إلى وصفه كما وصف صاحبه الناصري القديم بالوغد نادما على إفضاء خواطره له لما أيقن من انتهازيته وتغير مواقفه السياسية واحتواء السلطة له .. وهو ما أكده له صديقه الناصري "صبري عبده" في قوله له: "إن سامح سري مباحث"، وكان ذلك سبب سجنه.
على أن أبرز ما يميز موقف الكاتب السياسي الإغراق في الأمل العريض في المستقبل وما سيحمل من تحقيق الأمنيات العربية وخاصة في تحرير الأرض واسترجاع القدس، وهذا ما جعله يحمل على صديقه الناصري القديم "صبري عبده" وأمثاله من الناصريين المثبطين وثوار الزمن الأخير الذين يسجنون ويضيعون أعمارهم في السجن بلا قضية وبلا أفق" ..
وتلقانا وراء ذلك إشارات عدة تدل على موقف القاص السياسي .. منها ما نجد في أقصوصته الثانية "برق في خريف" حول هزيمة يونيو الحزين، ومظاهرات الطلبة في نهايات عبد الناصر وبدايات السادات، وفرحتهما بانتصارات أكتوبر .. ومشاركتهما في انتفاضة الخبز التي كان يسميها السادات "انتفاضة الحرامية"، وأغاني الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم" ..
كما نجد إشارة سياسية ألمح إليها الكاتب القدير في قصته السادسة "سره الباتع" تتعلق بالمنشور الذي طبعه العمدة ووزعه على قرى المركز حيث جاء فيه "لن يقام مولد أبو شبانة هذا العام نظرا للظروف التي تمر بها الأمة، ومشاركة منا لجيشنا وقواتنا المسلحة، واستجابة لصوت الزعيم الملهم جمال عبد الناصر، حتى لا يعلو صوت على صوت المعركة"!
ثم أعقب ذلك بما علق به بعض الخبثاء على هذا المنشور بقوله: "المفروض أن هذا الإعلان، أو هذا البيان كان منذ عامين ونصف وتوقيته الصحيح يونيو 1967 لا فبراير 1970"!
وثم إشارة سياسية تلقانا في أقصوصة "النظر إلى الخلف" /14 تدور حول التحاق أبناء الفلاحين لأول مرة بكلية الاقتصاد بعد هزيمة 1967..
أما آخر الإشارات السياسية في المجموعة فهي تلك الصورة التي رسمها للخطيب السياسي الذي لا يكف عن الصراخ والضجيج في الناس دون جدوى حيث استعار له صورة العنكبوت القابع بين ضلفتي الباب في ركن غرفة مظلمة حيث يقول: "العنكبوت الممدد بين ضلفة الباب المعتمة والركن يخيل لي – مع التصدع الباقي من أثر الزلزال – أنه يشبه خطيبا سياسيا يصرخ في الناس وترتفع يداه"! (قصة حياة / 22) ..
وهي إشارات تتناول المرحلة التي عاشها القاص منذ الثورة والانتماء الناصري إلى مرحلة الرفض لسياسة السادات ..
وهكذا تجلت أبعاد الموقف السياسي للقاص، أو على الأقل الذي آمن به وانتصر له في قصصه السياسية ومواقف أبطالها من قضايا الأمة المصيرية .. وهو موقف يطفح غيرة وحزنا وألما على واقع الأمة الأسود وآماله العريضة في المستقبل الآتي محملا بالعزة والكرامة والسلام الأصيل ..
ثالثا: أزمات متنوعة:
وإذا تركنا الأزمات السياسية والموقف السياسي للكاتب التي عانى منها أبطال المجموعة ألفينا القاص يطرح أزمات أخرى متنوعة بحسب تنوع شخوص أقاصيصه .. ففي القصة السادسة "سره الباتع" يطرح القاص رؤية جديدة رافضة لما شاع في البيئة المصرية وفي كثير من البيئات الإسلامية من بدع تتمثل في التوسل بالأولياء وتشييد القبور والأضرحة وإقامة الموالد وممارسة ألوان من الأعمال والسلوكيات المرفوضة في تلك المناسبات الاحتفالية .. وتعرض القصة أحد أولئك الأولياء الصالحين كانت قريته تحتفل به كل سنة وتقيم له مولدا مشهورا تقصده القرى المجاورة؛ بل إن القرية ارتبطت به فسميت "كفر الشيخ عمران" وهي إحدى قرى محافظة الشرقية .. وتبدأ القصة بخبر كسر عادة الاحتفال بالمولد منعا للشغب المتوقع من بعض العائلات المتنفذة .. ويرتد الراوي عشرين عاما ليتذكر أحد تلك الموالد وطريقة احتفالهم بها وعاداتهم فيها .. ثم يعرض لبعض ردود الفعل المتوقعة لهذه الخطوة الخطيرة الجريئة التي تقدم عليها القرية .. ويدور الحوار في القصة على محورين: محور الراوي الرافض للبدع ومحور الآخر – شيخ البلد محمد الشامخ – المؤيد للمولد .. ومن خلالهما يستعرض بعض الأحداث السابقة المتصلة بالمناسبة ويسرد الراوي طرفا من سيرة الشيخ عمران وأخباره وما شاع من كراماته التي لا يمل الناس من روايتها .. ومرة أخرى يلقانا هذان الطرفان الرافض والمؤيد في حوار جديد حول الشيخ عمران وقرار عدم الاحتفال به وعمل مولد له حيث يعلن المؤيد غضب الشيخ على القرية ورفضه فتح بابه ليلة العيد .. ويبادره الرافض باستعداده لفتح بابه بالمفتاح الآخر الموجود عند بعضهم .. ويكشف الراوي عن سبب المنع بالاحتفال وهو ما وقع بين بعض العائلات المشهورة المتنافسة من قتال سابق يخشى أن يتكرر ذلك في هذه المناسبة فاتفق على إلغاء المولد هذا العام وإن اختفى السبب الأساسي وراء السبب السياسي المعلن الذي رفضه القاص محتجا بعدم مناسبته في هذا الوقت كما مر معنا منذ قليل ..
كما لفت نظر الراوي أثر إلغاء المولد على الحياة في القرية وحركة المواصلات ..
ولكن ثمة ما أثار المشكلة من جديد عندما أسرّ له أحد ركاب الحافلة بأن الشيخ عمران أخذ بثأره لإلغاء أهالي القرية الاحتفال بمولده حيث نفقت جاموسة أحدهم، وينبري القاص في صورة العمدة مؤكدا رفضه لذلك الادعاء ومبينا أنها كانت مريضة منذ شهر وتم ذبحها بموافقة الطبيب البيطري الذي كان يعالجها مقررا أن لحمها غير ضار ليتواصل التعاون المعروف بين أبناء الريف في مثل هذه الحالات لتعويض المنكوب بما يشترون من جاموسته ليتمكن من شراء جاموسة أخرى تواصل العمل في الحقل .. والعمدة هنا يؤكد موقف القاص الآنف الذكر من نفوق ثلاث بقرات لعلي المسكين – وربما لحقه هذا اللقب "المسكين" بسبب هذه الكارثة التي ألمت به – والتي كانت بفعل فاعل معروف وضع لها السم في البرسيم ..
وهكذا جاءت هذه الأقصوصة لتطرح رؤية جديدة رافضة، وتقص حدثا شعبيا بالغ الأهمية حيث توسل بها لتقرير رؤيته الرافضة أو تأكيد رأيه الجريء المخالف في مشكلة الأضرحة ومقامات الأولياء والصالحين والاحتفال بهم وما شابه من بدع مرفوضة ..
وقد كان الراوي محظوظا لسلامته لا من بطش الشيخ عمران وغضبه بل من غضب أهل القرية وهو يطرح هذا الرأي المضاد والناسف لمعتقدات الناس في القرية ..
كذلك كان لأزمة المواصلات ظهور في المجموعة يذكرنا بقصة "ركن في العربة" للشاعر الأديب المبدع "بدر بدير" وإن تباينتا في المنهج والغاية ..
ففي الأقصوصة التاسعة "الحافلة التي لم أحلم بها" يقص علينا الكاتب بضمير المتكلم حكاية يوم في حياة طالب جامعي ومشكلة المواصلات وألوان المصاعب والمشاق التي يواجهها منذ أن يحظى بموطئ قدم داخل الحافلة أو على سلمها الذي يشهد من الزحام ما لا يقل عما في داخل الحافلة .. ويُمنَى هذا الطالب بعصابة من النشالين تشترك في تجريده من كافة نقوده وأوراقه الثبوتية ومنها وصل حوالة بريدية من والده .. ويرصد حركة الحدث داخل الحافلة وأطرافا من حوارات الركاب وأحاديثهم المألوفة في مثل هذا الزحام الشديد في حافلات النقل العام .. حتى إذا نجح في اختراق الكتلة البشرية المتراصة في طريقه إلى الباب ليتمكن من النزول في أقرب محطة للجامعة، وترجل من الحافلة وحاول أن يستعيد تكوينه ويطمئن على سلامة أعضائه، اكتشف سرقة نقوده وأوراقه، وأدرك أن تلك الجريمة قد تمت بالاتفاق والاشتراك بين بعض الركاب ومحصل التذاكر .. وكانت المشكلة في العودة إلى المنزل الذي يبعد عن الجامعة قرابة ثمانية كيلو مترات مشيا على الأقدام .. وهنا اكتشف أن المصائب قد تتمخض عنها نعم كثيرة؛ فقد حظي بنعمة كبيرة دفعته إلى شكر النشال الذي أراحه وحمى ضلوعه من التحطم، وأنقذه من رحلة الموت في تلك الحافلة ..
وهكذا كان المشي على الأقدام نعمة جليلة حظي بها بعد نشل نقوده، وكانت أقدامه الحافلة الأخرى التي لم يحلم بها من قبل!!
أما الأقصوصة العاشرة "الأعمار بيد الله" فتحكي قصة "هيفاء" وهي تتهيأ لإجراء عملية إزالة لحمية في الأنف؛ وقد حاول زوجها تأجيل العملية حتى ينقضي العيد، ولكنها رفضت محتجة بأنها عملية سهلة وبسيطة وستشفى في وقت قصير وهذا ما أيده الطبيب، كما حاول والدها الحيلولة دون ذلك مؤكدا حاجتها إلى طبيب أنف وأذن وحنجرة في الزقازيق أو المنصورة دون جدوى .. وعندما دخلت حجرة العمليات غير المجهزة أعطاها الطبيب حقنة مخدرة لم يحتملها قلبها الضعيف فماتت .. وسيطر الوجوم على وجوه الجميع، ثم أقيم سرادق العزاء لاستقبال المعزين؛ ولم تبلغ النيابة أو الطب الشرعي بالوفاة للتحقيق فيها .. ويبدو أن "منصورا" الطالب بالسنة الأولى في كلية الحقوق فجّر القضية وأبلغ النيابة فجاء الطبيب الشرعي لتشريح الجثة ومعرفة سبب الوفاة .. وكان منصور يقرر عدم صلاحية الطبيب لإجراء العملية ويقول: "إن هذا الطبيب ممارس عام لم يتخصص بعد وليس من حقه أن يعمل عمليات جراحية" ..
هكذا جاءت محاور المجموعة التي أراد القاص عرضها وسرد أحداثها وهي محاور متعددة تمثل أزمات متنوعة عانى منها شخوصه كما عانى منها هو نفسه في الأقاصيص التي طرحت أطرافا من حياته ..
ومن خلال الطرح السابق نتبين محورين رئيسين : محور الحب ومحور السياسية؛
فأما محور الحب فقد جسد فيه طائفة من أزمات أبطاله وكذلك أزماته الخاصة التي تناولها في "مجنون أحلام / 1 ، اللهم أخزك يا شيطان /4 ، برق في خريف / 2 ، لن يكلم نفسه في الشارع / 17 " .. يضاف إلى ذلك أقاصيصه التي جسد فيها هذا المحور وعرض أزمات المحبين كما في "شرخ آخر في المرآة /5 ، أحزان نادية / 7 ، أزمة الشك في " بيت خالتي / 18 ، نهاية مشروع الحب والزواج في قصة " بلا دموع /15 " وكذلك أزمة السقوط والتحول إلى الهداية في "رحلة أخرى /11 ، وتلحقها قصة "ومضة الرحيل /13 التي جسدت أزمة الخطيئة والرغبة في التطهر .. وأخيرا أزمة الشرف التي عاشتها "أم داليا /19 " ..
وفي محور السياسة طرح مجموعة من الأحداث التي عاشها القاص أو كانت أثرا للإحباط الذي تمخضت عنه المرحلة الراهنة كما في أقاصيص "اصطياد الوهم /3 ، عكرمة يرفع السلاح /8، في المدى قنديل يضيء /12 ، تلك الليلة /16 " ..
ووراء هذين المحورين طرح الكاتب طائفة متفرقة من الأزمات التي عانى منها شخوص أقاصيصه أو عاشوها وهي أزمات متنوعة يميل بعضها إلى التعميم لصلتها بقطاع واسع من المجتمع كما في "سره الباتع /6 ، أزمة المواصلات في "الحافلة التي لم أحلم بها /9 ، وإن دار الحدث فيها حول الراوي نفسه الذي كان ضحية تلك الأزمة ..
=التشكيـــل الفنــــي للمجموعـــة:
إذا تركنا الجانب الموضوعي وما طرح فيه القاص الفاضل من رؤى، وعالج من قضايا أو قص من أحداث وأزمات، ألفينا الجانب الفني الذي تجسد في صورة رائعة ومتميزة في أقاصيص المجموعة .. ولا غرو، فالقاص راسخ القدم، طويل الباع، واسع الخبرة، غني التجربة، متمرس في إبداع القصة القصيرة، والقصيرة جدا، متمكن من تقنياتها، حريص على توفيها في أقاصيصه التي يبدعها .. وسنحاول في هذه العجالة رصد أطراف محدودة من مظاهر الإبداع التي شاعت في هذه المجموعة مما يتعلق بالبناء والسرد والحبكة والشخوص والمكان وجماليات الأسلوب وغيرها مما أمكننا الوقوف عنده في هذه الدراسة ..
د. حسين علي محمد
7-01-2005, 11:56 pm
(القسم الرابع)
=البناء والحبكة:
بادئ ذي بدء نودّ التنبيه على أن أقاصيص مجموعة "مجنون أحلام" قد تفاوتت في هذا الجانب تفاوتا ملحوظا؛ فبينما نجد أقاصيص كثيرة سادت أحداثها حبكة دقيقة ورائعة، وتمتاز بالتسلسل المنطقي الدقيق، ولا يجد القارئ فيها فواصل وقفزات، ولا يعترضها تقديم ولا تأخير، وإنما تتابع الأحداث وتتسق وتتنامى بشكل تلقائي وطبيعي ومتوازن كما في أقاصيص "برق في خريف" /2 التي ابتدأت بلقائه بنادية ثم استقلا القطار إلى الإسكندرية، ثم تواصل الحوار بينهما حول أيامها الماضية وذكرياتهما العذبة على طول الرحلة .. حتى إذا وصلا محطة الرمل جاءت العقدة عندما كاد الراوي يظن أن الأمور بينهما تجري في مضمارها الطبيعي مجددة آخر لحظات لقائهما القديم، وأنها ستلتئم وشيكا، حيث جاءت اللحظة الحاسمة التي فجرت الموقف وبددت الحلم أو الأمل عندما ترجلت من القطار وعرفته بابنتيها اللتين كانتا في انتظارها، ثم ابتعدن وخلفنه بلا كلمة وداع واحدة ليستقل سيارة أجرة ويعود إلى شقته الواسعة ليجد نفسه وحيدا من جديد ..
وفي قصة "اصطياد الوهم" /3 سارت حبكتها سيرا طبيعيا متوازنا منذ أن التقى "صبري عثمان" و"ليلى وهدي"، ودار بينهما حوار ساخن حول التغير الخطير الذي طرأ على "صبري" معلنة رفضها لأسلوبه وتبريراته غير المنطقية من وجهة نظرها .. وقد سارت القصة في اتجاهين متضادين: اتجاه الرفض أو الثبات الذي تبنته "ليلى"، واتجاه التحول الذي التزمه "صبري" في المرحلة الأخيرة من حياته بعد أن ملّ حياة السجن وجحود رفاقه وتنكرهم لإبداعه مما قوى عزمه على المضي في طريق الانتماء والتبعية للسلطة .. أو على الأقل طريق الإبداع الاجتماعي الذي يتناول الطبقة البرجوازية بعد أن ضاعت إبداعاته التي تمحورت حول الطبقة الكادحة والرفض السياسي، ولم تلق غير السجن والعذاب والقهر من السلطة، والجحود من الرفاق ومرارة الإحباط ..
وفي "شرخ آخر في المرآة" /5 جاءت الحبكة متوازنة وطبيعية، وقد ابتدأ الموقف يتأزم عندما رأت البطلة بعض الشعرات البيضاء تنتشر في رأسها، والتجاعيد بدأت تغزو وجهها، وأخذت تسترجع طرفا من ذكريات حياته السابقة لتقف عند وفاة زوجها، ومن تقدم لخطبتها ورفضها لهم .. ثم جاءت العقدة عندما رأت شرخا آخر في المرآة يتمثل في صورة زوجها الراحل تعبس في شحوب وتطاردها لتمنعها من الإقدام على خطوة الزواج من جديد .. ثم كانت لحظة التنوير عندما اتسعت ابتسامتها وهي تتحسس استداراتها وانحناءاتها متضمنة موافقتها الأكيدة على أول خاطب لها غير عابئة برفض زوجا الميت!
ويلاحظ القارئ أن الحبكة الدقيقة المتماسكة والممتازة تتحقق في الأقاصيص القصيرة بشكل كبير كما في "رحلة أخرى" /11 حيث تطور الحدث تطورا دقيقا ومتوازنا حتى بلغ الذروة أو العقدة عندما أخذت صورة شقيقتها تتقحمها وتزلزل الأرض من تحت أقدامها وتذهلها عما حولها وتهبط من فوق المنضدة التي كانت ترقص عليها غير عابئة بصراخات المسؤولين التي ضجت بها الصالة لأنها كانت مشغولة عنهم بما ترى من طيوف أختها وأبيها، والجنة الحقيقية التي كانت تتهيّأ للقائها ..
ومثلها حبكة "ومضة الرحيل" /13 و"النظر إلى الخلف" /14 والذروة التي وصل إليها الحدث وما تتميز به من روعة وإتقان إذ يقول : "مشى عدة خطوات ، ووجد زوجته مشغولة بتصفح واجهات المحلات ، فنظر إلى الخلف خلسة ، ووجد سميرة أيضا تنظر خلفها"!
كذلك تحققت الحبكة الجيدة لكثير من أقاصيصه التي امتازت بقدر من الطول حيث ظل القاص ممسكا بدقة ووعي وأناة بخيوطها كما في قصة "بلا دموع" /15 ، وقصة "أم داليا" /19 ، وقصة "أحزان نادية" /7 ، و"الحافلة التي لم أحلم بها " /9 ، و"الأعمار بيد الله " /10 ... وهكذا جاءت الحبكة دقيقة ومتوازنة ورائعة في كثير من أقاصيص المجموعة وخاصة المحدودة الطول أو القصيرة والمتوسطة الطول التي كانت تعرض حدثا محددا مجردا من الاستطرادات والاسترجاعات التي يتشعب الحدث معها فيؤدي إلى إفساد الحبكة فيها ..
وأمامنا القصة الرابعة "اللهم أخزك يا شيطان" نموذج لفقدان الحبكة الدقيقة التي ألفناها في الأقاصيص السابقة الذكر وفي كثير من أقاصيصه التي اطلعنا عليها في مجموعات أخرى ..
وقارئ القصة يجد حبكتها عصفت بها عاصفة هائلة من التفكك والتمزق لا تقل عن تلك العاصفة التي اجتاحت نفسيات البطل والبطلة حتى أوشكا على السقوط في مستنقع الرذيلة لولا لياذهما بالله ودعاؤه أن يخزي الشيطان الرجيم ويكف عنهما تسويله واستجابته له ..
والمتأمل في الأقصوصة يجدها مبعثرة الأجزاء تفتقد التماسك الدقيق والتتابع أو التداعي والتطور الطبيعي للحدث .. ولا نقصد هنا نقطة البداية التي رصدت ذروة الحدث وبؤرته عند الذهاب إلى الحديقة بسيارته وبجانبه "صباح"، وما أثارت في نفسه من أمواج الشهوة العارمة وما اضطربت نفسه به من هواجس وخواطر وسلوكيات سردها على سبيل الاسترجاع .. إذ إن مثل هذا البناء جيد ولا غبار عليه وهو أمر مشروع في بناء الحبكة واستعراض الحدث على نحو ما سنتبين ذلك عند الحديث عن ظاهرة "الاسترجاع" في أقاصيص المجموعة .. وإنما قصدنا تناثر الفقرات المتشابهة وتباعدها وتداخل الأحداث بشكل يدفعنا إلى محاولة إعادة ترتيبها لتحقيق تتابعها واتساقها .. وهذه القصة بناها على العلاقة المحرمة التي كادت تنشأ بينه وبين ابنة خالته "صباح" بتدبير من "سناء" لتنفرد بزوجها "صالح" .. وسارت الأحداث في هذا الاتجاه، ولكنها بدلا من مواصلتها حتى تبلغ الذروة فالحل أو النهاية التي يقررها القاص، وهو كاف لبناء القصة وصالح لتحقيق حبكة متوازنة، وجدناه ينجرف إلى الاسترجاع الذي هو في حد ذاته ظاهرة مشروعة في بنية الحدث، ولكننا نأخذ عليه ما أحدث في بنية الحدث الرئيس من تفكك وتناثر لجزئياته .. فقد ابتدأ القصة بنقطة استقلالهما السيارة منطلقين إلى الحديقة لقضاء فترة تريح أعصاب "صباح" استجابة لنصيحة سناء ومشورتها الخبيثة .. ولكنه سرعان ما كرّ راجعا مرة أخرى إلى رحلة السيارة في فقرة أخرى "اكتشف سمير ... بالفعل"، ثم قفز إلى لحظة الوصول إلى الحديقة وجلوسهما متجاورين فيها ليواصل وساوسه وخواطره السوداء مع صباح التي أخذ يعتبرها امرأة ساقطة فعلا بغير وجه حق حيث لم يكشف عن دليل واحد يؤكد رأيه فيها .. ثم استطرد يعرض طرفا من حياتها وسيرتها الذاتية وقصة زواجها من صالح ورأيه في سلوكياتها في بيت زوجها وانفرادها في شقة مستقلة وإنجابها "صالح الصغير".
وهنا نودّ أن نشير إلى ما أصاب الحبكة من تفكك .. فبعد أن فطن لخطة سناء الخبيثة عاد لرحلة السيارة مؤكدا اشتهاءه لصباح ومراقبته الدقيقة لها ومتابعة هواجسه ووساوسه تجاهها .. وقبل أن يستيقظ ضميره ليبكت نفسه على هواجسه السيئة في فقرة أخرى "هل وئد الإنسان في داخله .... الصغيرة"، كان عليه أن بأتي بالفقرة التي ترصد انفجار ثورة الشهوة في نفسه وهي: "مشت سيارة سمير ... ... بلى " ؛ وهي التي افتتح بها القصة .. وعندما وصلا إلى الحديقة وجلسا متجاورين وصورها له خياله الشبق أنها امرأة ساقطة، كان عليه أن يتبع ذلك قبل الاستطراد عن حياتها وزواجها بفقرة "داعبت فكرة شيطانية مخيلة سمير .... صباح"، ثم يتبعها بفقرة "ضجت النيران في أعماق سمير ..... الكلام"، ويمكن أن يضاف إلى ذلك فقرة "ربما ليثبت لنفسه أنه مروض لنمرة شرسة ..... وهواجسك"، ثم فقرة " ضحكت ضحكة صفراء ........ وهي لا تسمعه"، "لم أحس أنني تزوجت .........فلم أستطع " ، " لم أشعر أنني زوجة ........... أرخص قطعة أثاث في البيت" .. وهنا يمكن أن توضع الفقرات التي صور فيها هواجسه واشتهاءه لصباح كما تجلت منذ ركوبهما السيارة وامتدت حتى وصلت الحديقة .. وفي تقديري لو أن القاص الفاضل أعاد بناء القصة وترتيب أحداثها وتنسيق فقراتها ليحقق لها حبكة دقيقة ومتوازنة لقدم وأخر في كثير من فقراتها ..
على أننا نودّ أن نؤكد هنا أن ما اقترحناه هو حق مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، بل لعلنا لا نبعد إذا قررنا أن ذلك قد يكون خاطئا كله أو في جوانب كثيرة أو قليلة منه، وأن للقاص الفاضل مبرراته التي تدحض اقتراحنا، ولكنها وجهة نظر طرحناها وله إزاءها ما يشاء ..
وفي القصة الساسة عشرة "تلك الليلة" التي سرد فيها حكاية سجنه وهروبه نجده افتتحها بحدث الهروب، ثم كرّ راجعا إلى حديث السجن مبتدئا باللحظة التي كان يتحاور فيها مع رفيقه "صبري عبده"حول فشل مخططه السياسي مؤكدا وهمه إذا أراد أن يغير التاريخ لأن "الزعماء وحدهم هم الذين يغيرون التاريخ والجغرافيا أيضا" .. ويتبعه بتفسير قوله ورفض صاحبه لهذا الأسلوب المندد بناصر "مثله الأعلى"، ثم انتقل لقص حدث إيداعه السجن مبتدئا بتحذير مساعده من مغبة معارضة السادات في ذهابه إلى القدس .. وأتبعه بما وقع له مع معجب آخر بالسادات وما أوحى به من اعتقاله الوشيك .. وفجأة ينقلنا إلى المعتقل ليخبرنا أنه لحق ببعض رفاقه الناصريين بسبب إفضائه لبعض المعجبين بالسادات، ساخرا، لتحويل خطاب السادات في القدس إلى مسرحية فوشى به فاعتقل .. ثم يتحول ليعرض علينا أصل القضية عندما حضر إليه ضابط وشرطيان استدعوه لسؤاله سؤالين يعود بعدهما لمواصلة بروقاته، ولكنهم لم يسألوه وأودعوه السجن مباشرة .. وظل في السجن إلى أن هرب؛ وقبل أن يتمتع بهروبه ألفى نفسه في السجن من جديد برفقة "صبري عبده" صاحبه الذي لم يكن راضيا عن هروبه لعقم هذا التصرف .. وواضح أن حق هذه الفقرة أن تتعانق مع لحظة الهروب التي افتتح بها القصة التي كان عليه أن يفتتحها بمعرضته للسادات فالمساءلة أو الاستدعاء فالاعتقال فالمحاورة مع صاحبه الناصري ثم الهروب فالإعادة إلى السجن من جديد ...
وفي نقدنا لبناء الحبكة هنا أيضا لا يطال ظاهرة "الاسترجاع" التي اعتمد عليها القاص بشكل لافت وجيد، وحقق بها لأقاصيصه قدرا كبيرا من الروعة والجمال والإمتاع .. وإنما كان ذلك لما أصاب حدث القصة من تفكك وتخلخل وتشتت ..
وقارئ المجموعة يتبين أن القاص الفاضل قد بنى بعض أقاصيصه على "الاسترجاع" حيث كان يبدأ برصد الحدث من بؤرة معينة ثم ينطلق مسترجعا أطرافا متعددة منه وفق ما تقتضيه القصة .. ومن تلك القصص التي بناها على هذه الظاهرة "لن يكلم نفسه في الشارع" /17 والتي تقص حكاية رحلة جوية قام بها القاص إلى جدة، وقد واكبتها رحلة نفسية واسعة انبرى يسترجع فيها طائفة واسعة من الأحداث والذكريات والمشكلات أو الأزمات التي تعرض لها خصوصا في قضية زواجه من خالة "شادية" زوجة ابنه بعد انفصاله عنها لعدم التكامل أو فقدان التأقلم معا .. وقد امتد الاسترجاع في القصة إلى ذكر أحداث الأمسية الشعرية التي أقيمت تكريما لشاعريته ومن حضرها من أساتذة الجامعات، ثم تعرفه على الدكتور "ماهر رشاد" زوج الدكتورة "حنان" شقيقة "سماح صبري" التي ارتبط بها بعد أن عرضت عليه شقيقتها ذلك .. ثم أخذ يسرد طرفا من ذكرياته معها في الجامعة .. وهنا يخبرنا القاص أنه كان يريد إرسال مشكلته مع ابنه هشام الذي تزوج من ابنة شقيقة زوجته التي انفصل عنها إلى أحد المختصين ليرشده إلى الحل، ولكنه عدل عن ذلك عندما أخذت أضواء جدة تبدو من نافذة الطائرة ممنيا نفسه بلقاء هشام وزوجته ..
كذلك بنى قصته "مجنون أحلام" على الاسترجاع منذ أن افتتحها بآخر لقطة منها أو آخر جزء من الحدث فيها عندما كان يرافقها وخالتها في صالونهم الخاص المتجه إلى الحديدة، وكان ينتهب الأرض مشفوعا بصوت نجاح سلام تتغنى بأغنية "يا ريم وادي ثقيف" .. حتى إذا انتهى من عرض هذه اللحظة انبرى يسترجع أطرافا من حياته في اليمن وتعرفه على "أحلام" التي سلبت عقله بجمالها الآسر، ورؤيتها المتكررة في القرية وما كان يدور بينهما من أحاديث إلى أن تم الاتفاق بينهما على الزواج .. ومع كل هذه الأحداث المسترجعة فقد ظل القاص ممسكا بخيوطها، وظلت القصة تحتفظ بوحدة الحدث وسلامة البناء وتحققت لها الحبكة الدقيقة المتماسكة .. وهكذا افتتح القصة برحلة الصالون ثم ختمها بتلك الرحلة نفسها ساردا بينهما مسيرة أحداث القصة على طريقة "الاسترجاع"، محققا لها قدرا كبيرا من الإبداع والإمتاع!
ويضاف إلى ما ذكرنا قصته السادسة "سره الباتع" التي تحققت لها دقة الحبكة وتناسق جزئيات الحدث برغم ما شاع فيها من الاسترجاع لبعض الأحداث الخاصة بالشيخ عمران نفسه أو بالقرية والناس أو بالاحتفال بالمولد أو إلغائه أو غير ذلك .. حيث ظلت خيوط الحدث مشدودة إلى يدي القاص يحركها كيف يشاء في تتابع وتناسق دقيقين ..
وهكذا نجد هذه الأقاصيص قد حظيت بحبكة دقيقة ومتوازنة، في حين افتقدت بعض الأقاصيص تلك الحبكة بسبب تعدد أحداثها وتباعد أجزائها والحاجة إلى الاسترجاع في جوانب منها .. ومهما يكن فقد امتاز القاص المبدع في أغلب أقاصيص المجموعة ببناء دقيق للأحداث ، واستواء الحبكة وتوازنها بل وروعتها وتميزها ، وحرص بالغ على تتابع الأحداث وتصعيدها لبلوغ الذروة وإتباعها بلحظة التنوير المناسبة، مما يؤكد عبقريته وتمكنه في إبداع هذا الفن وتوفير كافة التقنيات والجماليات اللازمة له ..
ـــــــــــ
(يتبع)
د. حسين علي محمد
7-01-2005, 11:58 pm
(القسم الخامس / الأخير)
= أنمــاط السرد في المجموعة:
توزع أقاصيص المجموعة نوعان من السرد أو نمطان أحدهما: ضمير المتكلم أو الراوي الذي كان يقوم بسرد الأحداث وروايتها سواء أكان هو البطل أو الشخصية الرئيسة فيها كما في أقاصيص 1 ، 4 ، 6 ، 8 ، 9 ، 12، 16 ، 17 ، أم كان البطل فيها شخوصا آخرين كما في قصص 18 ، 19 . والآخر ضمير الغائب الذي جاء في قصص 2، 3، 5، 7، 10، 11، 13، 14، 15. وقد وفق القاص فيكل ذلك توفيقا بعيدا لما يملك من قدرة ودربة وموهبة فذة سواء أكان يسرد أحداثا تتعلق بشخصه وتدور حوله، أم كان يقص أحداثا أخرى تتعلق بشخوص آخرين تطوع برصدها وسردها بضميره الخاص المتكلم ..
بيد أن القارئ يمكن أن يلحظ أن كثيرا من سردياته التي ترك المجال فيها لشخوصه ليتحدثوا عن أنفسهم، ويسردوا أحداثهم قد يكون لها صلة وثيقة بالقاص، بمعنى أنه كان هو البطل الحقيقي لها، وأنه اختفى وراءه أو تقنع بقناعه ـ ربما تنويعا لأنماط السرد بعيدا عن مقاصدها ومغازيها التي لم تكن تختلف عن تلك التي سردها بضمير المتكلم، وتناولت أحداثا وأمورا خاصة به مما كان يوجب التقنع والتستر بضمير الغائب .. وإذن فاستخدامه لضمير الغائب لم يكن ضربا من التستر والاختفاء تدفعه إليه ضرورة أو حذر أو غير ذلك ..
أما تلك التي سردها بضمير الغائب فأغلب الظن أنها كانت تنتمي إلى شخوص آخرين، وجاءت كشهادات لرؤيته ومعايشته أحداثها وعدم مشاركته فيها، مع أنه لا يوجد ما يمنع مشاركته فيها بشكل أو بآخر .. وسرده لها عندئذ مجرد تنويع في أنماط السرد وتقنياته ..
=الشخصية وملامحها في المجموعة:
من يقرأ مجموعة "مجنون أحلام" يتبين أنه أمام نوعين من القصص: فصص الحدث، وقصص الشخصية؛ فأما قصص الحدث فهي تلك التي تقوم على سرد حدث معين قام بممارسته وأدائه شخوص معينون، والتركيز فيها عادة يكون على مسيرة الحدث وتتابع جزئياته حتى لو حظيت الشخوص فيها بعناية خاصة من القاص وحرص ظاهر على رسم كثير من ملامحهم .. ويقوم القاص في هذا النوع من القصص بتتبع حركة الحدث وتطوره وتصعيده ليبلغ الذروة فلحظة التنوير، في حين نجد قصص الشخصية تُعنَى في المقام الأول برسم ملامح الشخصية ورصد معالمها ، ثم يأتي الحدث تابعا لها، مما يجعل الحدث فيها يفتقر إلى الوحدة العضوية أو التماسك الدقيق والتتابع المنطقي .. وهذا يجعل الحبكة مفككة أو فضفاضة، وقد تفقد فيها .. ونحن إذا ألقينا نظرة على قصص المجموعة وجدنا غالبيتها قصص حدث ، تتابع الأحداث فيها وتتطور بصورة تلقائية وطبيعية كما في قصص : 2، 3، 4، 7، 9، 10، 11، 13، 14، 15، 16، 17، 18، 19 .. فكل قصة منها تقص حدثا محددا تمارسه الشخصية بدقة، ويتطور بشكل دقيق وسلس ويخلو من التكلف والاعتساف أو التشتت والتمزق فيما وراء تلك التي رأينا ما أصاب حبكتها من تفكك .. في حين جاءت قصص أخرى تحتفل بالشخصية احتفالا بالغا، أي أنها كانت قصص شخصية وهي: 1، 5، 6، 8، 12 "حيث حرص القاص على رصد ملامح الشخصية فيها على حساب وحدة الحدث فيها والتي أصابها غير قليل من التمزق والتناثر ..
والمتأمل في شخوص المجموعة يجد القاص عُنِي عناية خاصة بالملامح المستمدة من البيئة أو الوسط الاجتماعي والثقافي لشخوصه بما وفر لهم من قيم اجتماعية وثقافية وفكرية وتعليمية ووظيفية، ولا غرو، فهذا هو الوسط الذي يخص القاص ويرتبط به ارتباطا وثيقا، والذي منه اختار شخوص قصصه .. ففي القصة الأولى "مجنون أحلام" جاءت شخصيتا "عبد السلام" و"أحلام" من طبقة الجامعيين الأكاديميين، فهو مدرس مصري قادم للتدريس في إحدى مدارس اليمن، وعلى وشك أن يناقش الدكتوراه في التاريخ، وهي حاصلة على بكالوريوس في التربية وتعمل معيدة بكلية التربية بجامعة صنعاء، وتريد أن تسافر إلى القاهرة للحصول على الدكتوراه.. وصديقه "عاطف" مدرس لغة عربية في اليمن، والشيخ محمد الأهدل ناظر مدرسة بني علي وحاصل على الماجستير في الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .. و"حزام" ابن خال أحلام طبيب متخرج من موسكو .. و"عبد السلام" هذا هو نفسه بطل أقصوصتي "الرحلة الأولى" /20، و" حياة "/22 ..
وفي القصة الثانية نجد "نادية" و"محمود" ينتميان إلى الوسط الفني، فهي مخرجة مسرحية وهو مؤلف مسرحي ، و"ليلى زهدي" و"صبري عثمان" في القصة الثالثة ينتميان كذلك إلى هذا الوسط الفني وإن تباينت مواقفهما السياسية بفعل الظروف كما رأينا .. وفي القصة الرابعة جاءت شخوصها من وسط راق مثقف ، فـ"صالح" مهندس وهو رئيس " سمير"، و"سناء" دكتورة أستاذ بكلية طب الإسكندرية وجامعة الملك سعود بالرياض، و" سمير" مهندس "تخرج من هندسة إسكندرية ويعمل في المملكة منذ خمسة عشر عاما .. و"صباح" حصلت على دبلوم التجارة ، وأبوها مهندس زراعي، وأمها ناظرة مدرسة ابتدائية ..
و"نورا" في الأقصوصة الخامسة حاصلة على بكالوريوس الصيدلة، وزوجها المتوفى طبيب بيطري، وعندما توفي تقدم لخطبتها أكثر من طبيب وصيدلي ..
وفي القصة السادسة "سره الباتع"، فعلى الرغم من أنه أغفل الوسط الثقافي والتعليمي للبطل الراوي، إلا أنه من خلال موقفه الرافض للبدع يتبين أنه مثقف ومتأثر بثقافة مخالفة لثقافة بيئته وما يسودها من بدع ..
وفي "أحزان نادية" /7 نجد "نادية" و"محمود" زميلين في قسم علم النفس بكلية المعلمين قبل أن يتحول اسمها إلى كلية التربية، وكانت دائما الأولى، وكان ينافسها على التفوق، ولكنه كان يأتي دائما بعدها .. وتزوجا فهما معيدان بالكلية .. ثم صار محمود أستاذا بالجامعة، وصارت هي أستاذة لعلم النفس، كما كانت "ناهد" تلميذة لمحمود ثم تزوجها ..
وفي "الحافلة التي لم أحلم بها" /9 نجد الراوي طالبا في آداب القاهرة قسم اللغة العربية ويذكر أحد أساتذة القسم الكبار العمالقة الدكتور عبد العزيز الأهواني أستاذ الأدب الأندلسي ..
وفي قصة "لن يكلم نفسه في الشارع" /17 يذكر أستاذين آخرين من قسم اللغة العربية هما د/عبد المنعم تليمة ود/ طه وادي، فضلا عن أنه كان طالبا في القسم، كما كانت "سماح" تتقدمه بسنتين ولها نشاط ملموس في الجماعة الأدبية بالمدينة الجامعية ..
وفي قصة "الأعمار بيد الله" /10 كانت "هيفاء" حاصلة على دبلوم تجارة وتعمل في الوحدة المحلية، والطبيب لم يكن أول طبيب في القرية بل سبقه طبيبان وطبيبة، وإن كان الوحيد الذي تجرّأ على إجراء عمليات جراحية لكثير من الأهالي .. و"منصور" الذي فجر القضية طالب بالسنة الأولى بكلية الحقوق، و"صادق" شقيق هيفاء مهندس يعمل في مجلس المدينة ..
وفي قصة "في المدى قنديل يضيء" /12 جاءت الشلة كلها من خريجي السجون السياسية، وكلهم ركبوا موجة الثورة وتبوّأوا المناصب ، وصار أحدهم رئيسا لقطاع السينما، وصار الثاني مشرفا على هيئة المسرح، والثالث رئيسا لمجلس إدارة إحدى الصحف، والرابع مديرا للرقابة على المسرح .. أما أستاذهم "حسام منير" فقد ترك الحزب الشيوعي إلى الأبد، ولكنه رفض الانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي وركوب موجة الثورة .. وهذا الوسط السياسي الرافض نفسه يلقانا مع بطل "تلك الليلة" /16 ..
وفي قصة "النظر إلى الخلف" /14 يلقانا "الدكتور محمود الأنصاري الذي كان طالبا في المرحلة الثانوية قس منتصف الستينات، وقد أسس جامعة الزقازيق ثم تركها مستقبلا وذهب إلى الإمارات ليتخفف من الصراعات والمشاكل التي كابدها في جامعته .. وزوجته الدكتورة منى الأستاذة بكلية الزراعة، و"سميرة عاكف" زميلة محمود في كلية الاقتصاد من ثلاثين سنة .. وكانت مع أول دفعة التحق بها أبناء الفلاحين بعد هزيمة 67 .. وهي ليست فلاحة / فأبوها كان مدير أمن الشرقية الأسبق .. وابن "الأنصاري" "طلحة" دكتوراه في الهندسة من ألمانيا، وافتتح مكتبا هندسيا يعمل معه فيه مهندس وأستاذ استشاري ومهندسة هي "شيرين" ابنة "سميرة عاكف" ..
وفي القصة الخامسة عشرة "بلا دموع" حسام محاسب بإدارة المنصورة الهندسية، و"عمر" أخو "هند" خطيبة حسام مدرس الفيزياء في مدرسة القرية الثانوية، ويعطي دروسا خصوصية .. ووالدهما "المهندس عثمان" يعمل في شركة بترول بالصحراء الشرقية، وأمهما "الحاجة "عنايات" الموجهة المالية والإدارية بإدارة الزقازيق التعليمية .. وكان "حسام" و"هند" في مدرسة واحدة منذ المرحلة الابتدائية فالإعدادية فالثانوية، وكانا يتنافسان دائما على المركز الأول، والتحقا بكلية التجارة، وعُيِّنا معيدين منذ ثلاثة أعوام .. وكانت حكاية حبهما على كل لسان منذ نهاية المرحلة الثانوية ... وخال "هند" الباشمهندس محمود، وابنه الدكتور محسن العائد من أمريكا، وكانت جامعة الإسكندرية قد أوفدته في بعثة دراسية لمدة خمسة أعوام، ولكنه حصل على الدكتوراه في سنتين ونصف ..
وشخصية "لن يكلم نفسه في الشارع" /17 أستاذ جامعي وشاعر، وبرصد من هذا الوسط المتميز عددا من زملائه الأساتذة الكبار في جامعتي الإمام وسعود وكلية المعلمين : "عبد الحميد إبراهيم وحلمي القاعود، وحامد أبو أحمد، ومحمد علي داود، ويحيى عبد الدايم، وعبده زايد" .. ثم الدكتور "ماهر رشاد" أستاذ الصحافة بجامعة الملك سعود، وزوجته الدكتورة حنان زميلة له وأستاذ مشارك، تزوجا مذ خمس وعشرين سنة وأنجبا ولدين تخرجا من كليتي العلوم والطب، وبنتا ستتخرج هذا العام من كلية الهندسة .. وأختها "سماح صبري" زميلة الراوي في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة .. وكانت قد درست معه السنة التمهيدية للماجستير ولكنها لم تكمل دراساتها العليا، ثم صارت رئيسة قسم في وزارة التربية والتعليم. ولكن جاره "مصطفى العبد" المحاسب في بنك الرياض يذكر أنها حصلت على الماجستير في النحو من عدة أعوام .. وكان أبوها مدرسا للعلوم بمدرسة المساعي المشكورة الثانوية بشبين الكوم .. أما الراوي فقد كان له ولدان تخرجا من كلية الطب، وسافر أحدهما إلى بريطانيا وتزوج إنجليزية والثاني تزوج "شادية" ابنة الدكتورة حنان " ..
وفي القصة الثامنة عشرة "بيت خالتي" نجد "سناء" تتزوج من زميلها "رشاد" المهندس في الإدارة الهندسية بالجيزة .. وابن خالتها "حسام" حاصل على الدكتوراه في التربية من أمريكا، وعاد ليعمل مدرسا في كلية التربية بالزقازيق ..
أما " أم داليا "/ 19 ، فهي أستاذة جامعية تدرس علم النفس، وزوجها ضابط مظلات، وابنتها "داليا" تخرجت منذ عامين وعملت في الإدارة الهندسية في مجلس المدينة ..
وهكذا جاءت شخوص المجموعة كلهم ينتمون إلى وسط اجتماعي وفكري راق ومتميز، وهو الوسط الجامعي العامل في مجالات التعليم والهندسة، وهو نفس الوسط الذي ينتمي إليه القاص .. وهو بذلك يحدد هوية ونوعية الشخوص الذين يتعامل معهم ويسرد أطرافا من حيواتهم وأحداثهم، فضلا عن أحداثه الخاصة به التي رواها في بعض أقاصيصه .. وكأني بالقاص الفاضل قد وجد بغيته وضالّته وكفايته في هذا الوسط الجامعي الراقي، ولم يجد حاجة تدفعه للتعامل مع أنماط بشرية يلتقطهم من أوساط اجتماعية أخرى شعبية وغير شعبية كما يفعل غيره من القاصين ..
=جماليــات الأسلوب في المجموعة:
من الظواهر اللافتة في هذه المجموعة القصصية " مجنون أحلام " انتشار الجماليات الأسلوبية المتميزة، وشيوع الشاعرية الرقيقة الخلابة في جوانب كثيرة منها، ولا غرو، فالقاص فنان مبدع أصيل وشاعر مفلق يمتلك رصيدا ضخما من اللغة، وقادر على التعامل بحذق ومهارة مع البنَى اللغوية الجميلة التي تشيع في إبداعاته المتنوعة .. وقارئ المجموعة يجد شواهد هذه الظاهرة الأسلوبية تتفشى في جوانبها ولا تكاد تخلو منها صفحة من صحفها، كما يدرك حرصه البالغ على انتقاء ألفاظه وتشكيل عباراته وتراكيبه تشكيلا فنيا متميزا يبلغ في كثير من الأحيان حد الشاعرية الرائعة المتدفقة .. ولو مضينا نسرد هذه الجماليات لأثبتنا فطعة كبيرة من المجموعة مما يجعلنا نلتقط شواهد محدودة تشي بما وراءها من جماليات أسلوبية؛ فمن هذه الشواهد وصفه لـ"أحلام" عندما رآها في قوله: "حين رأيت الموجة ذاتها تخرج من بيت قرميدي قديم ، وترش برذاذها وجهي وثياب "عاطف"، "كانت عيناها ساعة الغروب قنديلين يضيئان سمائي"، "ورذاذ المطر الخفيف تتشربه الأرض كما يتشرب الخمار دموع الأرملة التي لا أعرف اسمها"، "هل تعود الحياة إلى ساقي ابنها فتراه يلعب مع أقرانه، بينما هي تصهل صهيل الأرض المتشققة للماء"، و"أحلام" المتشبثة بأشجار تتكاثر في السهل، تشير إلى كل موجة في سيول زبيد، وتعني قبل صهيل البداية أن تظل شجرة مورقة، ونهرا يدفق بالخصب لا يقاربه جفاف، وأن تظل دائما الأم والزوجة والبنت، وشجرة توت أخضر تعطي بامتداد الفصول والمواسم!
كنت مفتونا أغلق نوافذ فكري، لا أفكر في العاقبة ... ووحدها كانت ترى الخضرة في الأفق، والأيايل في البراري، والشموس تضيء الغد، وابنها القعيد يعدو في طرق جميلة معبدة" ...
وعندما رأت "نادية" النادل من بعيد كانت عيناه كرصاصة نارية تخترق تجاويف صدرها".
ويقول على لسان عكرمة: ألفت رؤية الغريب ... فاستسلمت أغصان فؤاد مسربل بقصائد الضياع، وكانت روحي تنزف الحروف .. متقطعة، وأصدقائي يقولون: ثرثرة عمياء بلا بصيص ضوء" ... "وكانت الصافنات تغني في المساء الأخير أغنيتها الأثيرة التي رددتها كثيرا في الأيام الأخيرة منادية من لا أبصره:
أيها المستجير من الرمضاء بالنار ..
لا تترك السيف ..
لا تخلع الدرع ..
أنت في قيامتك الكبرى رايتك مرفوعة للريح ..
والغريب مدجج بالخراب ..
وخطواتك لن تقتلعها الريح ..
لك موت يجدر بشهيد ..
وللغريب حياة مجللة بالعار ..
لك أن تعيش طويلا .. أنت والنسور في الأعالي ..
كان الطين يرسخ شهادته في السهول الخضراء، والأرض توثقها في الجذور .. فلن تقتلع الريح خطوتك يا عكرمة"!!
يا ابن الأرض، هاهي الريح بجانبك، تدفق الدماء في الجسد، وتزهو الريح لأنك نبتها الذي لم ينحن، وتقول: ستقتلع وحش الغابة الذي يهددك بالمحو، ستنتصر على الغريب فلا تخف .. وهاهي الخيول تقول: إنها أحبتك منذ رأتك .. تحاول أن تضمك لصدرها بقوة، بعد أن كانت قد ابتعدت زمنا .. تقول: هل يصعد قاربك يا عكرمة ؟ فوق بحار الشوق المشتاقة؟!!
وهذه اللغة الشاعرة التي أنطق بها قاصّنا المبدع الفنان تلك الصافنات وهن يناجين عكرمة المنقذ، الرمز العربي الأصيل، وصف بها القاص "الحافلة" المشؤومة التي شهدت نشل نقوده وأوراقه الثبوتية حين يقول: "جاءت الحافلة تتمخطر كعروس ليلة زفافها" ..
وأما "صابرين" الملكة، فقد كانت مشغولة عنهم بما تراه رأي العين، فأختها عبلة تفتح أحضانها الطاهرة لاستقبالها، ووجه أبيها المبتسم يملأ المكان، والجنة، الجنة الحقيقية تناديها"..
وأما الزعماء، فهم الذين يقدرون على تغيير التاريخ والجغرافيا: "حينما ينتصرون يغيرون التاريخ، وحينما يتركون أرضهم لأعدائهم كما فعل زعماء العرب في حرب 1967، فهم يغيرون الجغرافيا"!!
وأما بطلته التي تعاني من جحيم الشك المستعرة في صدرها، فقد جعلها تفصح عن شيء يسير من هذا الشك المحتدم في قولها: "أعبر أصص الزهر مصحوبة بكواكب معتمة في الأفق، أمشي نحو بساتين خضراء معلقة على الحائط في لوحة فاتنة تتابعها عيناه في عتمة ما بعد الغروب .. إنه لا يشاركني في ترحالي الأسبوعي إلى بيت خالتي في رحلة تصحبني فيها خفافيش الذكريات وسود الأماني .. ما بيننا سور عال لم تستطع الكلمات أن تتقحّمه"!
وتلقانا ظاهرة أخرى من ظواهر الإبداع في القص في هذه المجموعة تتمثل في غرام القاص المفرط العجيب بالتفاصيل والدقائق حيث امتلأت أقاصيصه بكم هائل من التفاصيل الدقيقة، والتي قد لا يكون لها ضرورة في كثير من الأحيان، وليس للقصة بها حاجة لكونها محايدة بالنسبة لمسيرة الحدث وتطويره .. ولكنها في الحق ذات دلالة بالغة على ملكة القص والسرد لديه، والقدرة على تقصي العناصر واستدعاء الدقائق في أي وقت وعدم إغفال شيء منها سواء أكان مهما أم غير مهم .. فمثل هذا الأمر يقوي ملكة القص والسرد، ويدربها على الرصد والتقصي .. وأينما يممت وجهك في أرجاء المجموعة تقع عيناك على تفاصيل كثيرة أُغرم بها القاص الفنان، وعُني برصدها واستحضارها عناية فائقة .. وسنقف عند قصة "لن يكلم نفسه في الشارع" /17 التي يمكن اعتبارها نموذجا فذا لعناية القاص بالتفاصيل والدقائق، والتي تلقانا منذ أن دخل مكتبة جرير للبحث عن كتب تفيده في إعداد البحث الذي سيلقيه في المنتدى الأدبي في الأردن بعد شهر .. ثم تحول إلى واجهات المحلات التجارية في شارع العليا حتى دخل "مكتب الزهراء للسفر والسياحة"، وسأل أحد الموظفين ـ مصري ـ عن الرحلات المتجهة إلى جدة، واختار إحداها مبررا ذلك.. ثم حدد رحلة العودة وأخذ التذكرة ونقد الموظف (560ريالا) .. ثم أعدّ حقيبة السفر مصطحبا مجموعة محمد جبريل "سوق العيد" لأنه لم يجد فرصة لقراءتها منذ صدورها قبل ثماني سنوات .. وركب السيارة، وأجرى مخابرة مع ابنه هاشم يخبره برحلته ويطلب منه انتظاره .. وفي الطائرة جلس على المقعد (37 A) ، وأخذ يقرأ عناوين جريدة "الندوة" التي وزعتها عليهم المضيفة ..( أثبت القاص تلك العناوين في القصة) .. وعندما استرجع بعض الذكريات وقف عند الأمسية الشعرية التي أقامها النادي الأدبي بالرياض يوم الثلاثاء على عادة النادي، وذكر من حضروا معه من الأساتذة الجامعيين .. ثم تحول إلى علاقته بالدكتور ماهر وزوجته د/ حنان وما تبع ذلك من قصة زواجه من شقيقتها "سماح" ، وما وعى من ذكرياتهما منذ خمسة وثلاثين سنة في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة في ندوات الجمعية الأدبية بالمدينة الجامعية .. وإتمام الزواج ثم فشله لعدم التأقلم .. وعندما وصل جدة والتقى بابنه هاشم وزوجته "شادية" ابنة د/ حنان، ركب معهما السيارة التي كانت سرعتها تزيد عن (120كم) .. وغير ذلك من التفاصيل الكثيرة التي ملأ بها فضاء القصة ..
ووراء هذا النموذج تلقانا شواهد كثيرة لهذه الظاهرة الفنية التي امتلأت بها قصص المجموعة، وإذا شئنا نموذجا آخر كان أمامنا قوله من قصة "مجنون أحلام" إذ يقول: "في اليوم التالي ـ يوم الجمعة ـ وأنا في طريقي لبقالة "قايد" لأشتري بالأجل البامية أو البازيلاء ، ودجاجة صغيرة لطهوها بعد صلاة المغرب، ثم أذهب لبقالة قايد لأجلس على كرسي مهمل قديم وأستمع للحلقة الأخيرة من مسلسل "هند والدكتور نعمان" من بطولة كمال الشناوي (بالمناسبة لم يذكر القاص الممثلة التي شاركت كمال في المسلسل لسبب لا نعلمه) وبواصل القاص فيقول: "كنت عائدا من بيت الشيخ محمد الأهدل (وهو ناظر مدرسة معلمي بني علي، وحاصل على الماجستير في الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) ـ هذا ما ذكره القاص في الجزء الأخير من القصة ـ حيث أشرح لابنه ـ في مدرسة المعلمين ـ درسا صعبا من دروس النحو ـ لم يذكره ـ قبل الامتحان الذي يأتي بعد أسبوع.
انحدرت من شارع هابط إلى الطريق، ومشت بجواري .. رافقتني إلى البقالة، وحدثتني عن طفلها اليتيم "عادل" الذي لا يتحرك رغم بلوغه الخامسة، وعن بيتهم شبه المهدم بجوار المسجد الجامع الذي نصلي فيه الجمعة ونحضر إليه مبكرين لنصلي ركعتين ثم نقرأ فيه سورة "الكهف" قبل ارتقاء الإمام المنبر ...".
أما حمار "أحلام" فقد كان ضريرا كما أعلمته بذلك؛ وأما " قايد " صاحب البقالة / فقد كان مشغولا بالمداعة وبجواره ـ على الأرض ـ خنجره ومدفعه، وطفل وطفلة يلعبان .. وهو جالس بملابسه الداخلية .." .. ووراء هذا النموذج نماذج أخرى عديدة لهذه الظاهرة الفنية اللطيفة الظريفة التي تخلع على أسلوب القص عنده هالة رشيقة من الظرف، وتحقق قدرا كبيرا من الإمتاع .. ولعلنا في غير ما حاجة للإشارة إلى نماذج أخرى، ولمن أراد شواهد لها فعليه قراءة أية قصة من أقاصيص المجموعة ليقع على ما يمتع نفسه ويلذّه ..
وهكذا تجلى حرص القاص الفاضل على رصد الكثير من التفاصيل والدقائق التي استهوته فأودعها قصصه سواء منها ما هو مهم وما هو غير مهم أو ليس للقصة به حاجة ملحة أو شبه ملحّة .. ومع كل ذلك فهي ممتعة وباهرة ، كما أنها تدل بحق على قوة ذاكرته وقدرتها على اختزان تلك التفاصيل التي تمر بها، ولا يعبأ بها أغلب الناس، واستدعائها عند الحاجة، أو قل عند غير الحاجة!
=الحــــــــوار في المجموعـــة:
يشكل الحوار ظاهرة مهمة من ظواهر البناء الأسلوبي للمجموعة حيث شاع في أغلب أقاصيصها، ولم تكد تخلو من آثاره قصة، بل لم تكد تخلو قصة منها من كثير من الجمل الحوارية التي كان يكسر بها حدة السرد ويتجاوز رتابته .. وقد تكمن أهمية الحوار في القصة فيما يحققه من قدرة على الوعي والإحاطة بالحدث والاستمرار في التواصل معه من خلال التحول عن الطريقة السردية التقريرية الرتيبة إلى الطريقة التمثيلية أو المسرحية التي تقوم على توزيع الحدث وتفتيته في جمل وعبارات محدودة على شخوص القصة واختفاء الراوي الذي كان يفرض وجوده وشخصيته على الحدث .. كما أن مهمة الحوار ودوره أن يسهم في تطوير الحدث وتوصيله للمتلقي بطريقة تمثيلية جيدة تختلف عن طريقة القص والسرد والرواية .. ومع الحوار تصبح القصة ذات بعد درامي .. ولكن لا يجب أن يعني هذا مطلقا تفوق البناء التمثيلي المسرحي على البناء السردي الروائي، وبالتالي تفوق المسرحية على القصة والرواية .. فلكل منها مهمتها وغاياتها، وكل منها ليست أكثر من وسيلة أو طريقة من وسائل وطرق تأدية الحدث وبنائه وتقديمه للمتلقي وتحقيق الغايات المنوطة بها، وإن كانت قدرات الكتّـاب والمبدعين تتفاوت فيها، فمنهم من يجيد البناء المسرحي، ومنهم من يحسن البناء السردي، ومنهم من يجمع بين هذا وذاك ..
كذلك يرتقي الحوار بالقصة ويخدم الحدث فيها ويساعد على تطويره إذا كان داخليا وهو ما يعرف بـ"المونولوج الداخلي" أو حوار الشخصية مع ذاتها، والإفصاح عن رؤاها وخواطرها وصراعاتها النفسية ..
وتأتي عناية القاص بالحوار من خلال إبداعاته المسرحية وتمرسه بالبناء المسرحي التمثيلي، وقدرته الفائقة على توزيع الأدوار على الشخوص وتحديدها بدقة ظاهرة ..
وهكذا كان القاص حاذقا في إنشاء الحواريات بين شخوص أقاصيصه محققا ضربا من التنويع في مسيرة الحدث .. كما كان الحوار يأتني أحيانا واسعا ومفصلا كما في قصة "أحزان نادية" والذي يأتي في جانب منه على سبيل الاسترجاع لذكريات البطلة في حوارها مع محمود .. كما حفلت "الحافلة" /9 بمساحة ظاهرة من الحوار الذي نقل بوساطته كثيرا من العبارات المألوفة التي تتردد على ألسنة الركاب في حافلات النقل العام .. وفي القصة العاشرة "الأعمار بيد الله" ساد الحوار مساحة واسعة منها أداره القاص بين كثير من شخوصها، بل إنه لم يغفل أحدا منهم دون أن ينطقه بشيء منه .. وكذلك قصص 12، 14، 15، 16، 17 شاع فيها الحوار بشكل لافت واحتل مساحات منها تجاوز وتفوق مساحات السرد ..
على أن هناك مجموعة من القصص خلت من الحوار خلوا تاما مكتفية بالسرد وهي 11، 13، 19، 20، 21، 22؛ وتلقانا قصة وحيدة كادت تخلو من الحوار ، ولكن القاص أبى إلا أن يقحم فيها جملة حوارية وحيدة هي قوله:
"يهزّ رأسه ساكتا وأقرأ في عينيه حزنا يصحبه الشك فيكاد يصرخ فيّ:
ـ إنك لا تزورين خالتك إلا لكي تري حبيبك القديم .. ابن خالتك .. الدكتور حسام.
أما سائر القصة، وكذلك قصته التاسعة عشرة، فإنهما اعتمدتا تيار الوعي وما يقوم عليه من مونولوج داخلي، أو حوار الشخصية مع ذاتها، والذي يتيح للقاص تصوير عالم الشخصية الداخلي وما تمتلئ به من صراعات نفسية .. ويعدّ "تيار الوعي" أهم وأبرز الوسائل الحديثة وأقدرها على تمثيل عالم القصة وشخوصها من الداخل وخاصة في القصص النفسية التي يكون المجال فيها فسيحا لهذا الأسلوب .. كما يتيح هذا الأسلوب "تيار الوعي" للقاص رسم الموقف وتصوير الحياة كما تتصورها الشخصية من خلال عالمها الشعوري واللاشعوري؛ وتكون اللغة في "تيار الوعي" ملتحمة التحاما تاما بالتجربة؛ فهي تستبطن الشخصية والتجربة من الداخل ، عن طريق التداعي الحر للأفكار والمشاعر والتصورات". (فنون النثر 46).
=الاستـــرفــاد:
بقيت من ظواهر البناء الأسلوبي في المجموعة ظاهرة "الاسترفاد" أو التناص التي شاعت بشكل لافت في كثير من قصصها .. وقد تنوعت هذه النصوص المستدعاة أو المجلوبة من الخارج ما بين الشعر والنثر والأغاني وغير ذلك ..
وأول ما يطالعنا من ذلك مقطع أغنية نجاح سلام "يا ريم وادي ثقيف ... في "مجنون أحلام"، ويتكرر المقطع في ختامها ..
كما تلقانا إشارات كثيرة إلى أغنيات أخرى منها "إنت عمري"، و"أهل الهوى"، و"الليلة عيد"؛ وكذلك أسماء مغنين ومغنيات "ليلى نظمي" و"صباح" و"محمد رشدي" ..
وإشارته إلى مسلسل "هند والدكتور نعمان" لكمال الشناوي ..
وفي هذه القصة نفسها يلقانا رأي الشافعي في الزواج من المصرية وهو "من لم يتزوج مصرية فليس بمحصن"!
وكذلك قضية الكفاءة في الزواج التي يشترطها بعض المذاهب الفقهية ..
ويلقانا طرف من خبر السندباد وغرق مراكبه وما أرجف به المرجفون في المدينة عن "عكرمة"؛ كما أن عبارة "المرجفون في المدينة" ذكرت في سورة " الأحزاب " /6 ، وثم إشارة أخرى إلى حادثة دنشواي المشهورة ومشانقها التي أعدت للفلاحين الذين اتهموا بمطاردة بعض جنود الاحتلال البريطاني وقتل أحدهم .. كما يلقانا المثل المشهور "كالمستجير من الرمضاء بالنار" ..
كما أشار إلى قضية معارضة "أبي ذر الغفاري" لعثمان بن عفان ونفيه إلى الربذة ..
ومن النماذج الشعرية التي أودعها القاص بعض قصصه مقطع من شعر محمد الجيار في قصته الثانية .. ومقطع آخر من شعره في القصة السادسة عشرة ...
وعلى هذا النحو كانت جولتنا التي طوفنا فيها مع الأستاذ الكبير والأديب الأريب الدكتور حسين علي محمد في أرجاء إحدى مجموعاته القصصية الرائعة التي تجسد إبداعه ورسوخ قدمه في فن القص ـ هذا الفن الماتع العجيب بما وفر لها من تقنيات متميزة، آملين أن نلتقي معه في إبداعات أخرى تؤكد أصالته واقتداره وتفوق موهبته في فن القصة القصيرة، وفي فن المسرحية، وكذلك فن الشعر الذي حظي منه بفرط عناية ومزيد اهتمام، فضلا عن إبداعاته في دراساته الأكاديمية الرصينة!!
د. حسين علي محمد
3-03-2005, 06:21 am
قصة من قصص المجموعة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بيت خـــالـتي
إنه يشكُّ في نظراتي التي تطلب منه دائماً الصمت .. وألا يتكلم .. حتى لا يهدم العش!
هل أطلب م