التورية السردية ولعبة التقاء المتوازيات
دراسة في رواية " المعراج " للروائية إبتسام تريسي
الخميس, 20 نوفمبر 2008
عبدالرحمن حلاق
تشكل الرواية قفزة نوعية في عالم إبتسام تريسي الروائي، ولبنة حقيقية في معمار السرد العربي، حيث اعتمدت نوعاً من التوازي في الخطوط الدرامية المتصاعدة لتلتقي في نهاية الأمر بنقطة قطبية واحدة، وقد رسمت لذلك عدداً من الخطوط المتوارية خلف بعضها البعض فيما يشبه الكتابة على الشفائف التي تشكل كل منها صورة مستقلة، وتشكل بعد مطابقتها إلى بعضها صورة كلية واحدة مركبة من عدد من الصور، وفي معنى مغاير وللتوضيح لا أكثر تعتمد نوعاً من التورية البلاغية التي تحيل إلى معنى مختلف عما تمنحه المفردة من دلالة، إنها التورية السردية التي تجعل المتلقي ينقاد رويداً رويداً من السباحة الشاطئية إلى الغوص في الأعماق، كيف تم ذلك؟ لنر أولاً المخطط الظاهري أو الشفيفة الأولى للرواية :
{ يشكل يوسف الشخصية الرئيسة في الرواية وهو أحد أبناء قرية عين كارم الفلسطينية، يتنقل بهدف الدراسة من قريته إلى بعض القرى والمدن الفلسطينية ثم يكمل دراسته في الأردن وينتهي به المطاف طبيباً في المشفى الأميري في الكويت، وفي الكويت يتعرض لحادث سير بفعل السرايات وما تحمله من أمطار غزيرة، وهنا تضع الشفيفة خطاً يقسمها نصفين لينتهي النصف الأول دون معرفة ما إذا كان يوسف قد فارق الحياة أم لا، في النصف الثاني نرى يوسف وقد قرر ترك الطب ليدرس اللغات الشرقية فيهاجر إلى اليابان ثم إلى الهند وتركيا وسوريا ومصر ثم إلى فلسطين عائداً إلى عين كارم حيث ينتهي المخطط بالوقوف أمام شاهد قبر يوسف وقد كتب عليه تاريخ الوفاة، وهنا ندرك أن الموت قد تم في الكويت إثر الحادث وهذا التاريخ يتوافق مع توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية.
وفي هذا المخطط نرى الرواية وهي تسكت متعمدة عن نقطتين هامتين هما :
ـ الوفاة في الكويت .
ـ دلالة تاريخ الوفاة على شاهد القبر . وسنعود لهاتين النقطتين فيما بعد.
{ في المخطط الثاني أو الشفيفة الثانية من هذه الصورة المركبة التي تتناولها الرواية نرى يوسف الإنسان في بحثه عن سلامه الداخلي، عن توازنه النفسي ولذلك نرى الشفيفة تتناول:
ـ صراعه مع العادات والتقاليد من خلال علاقته بفاطمة والتي تسبب موتها بعزلته عن الناس وانكفائه داخل شرنقته الخاصة، ونراه يرضخ للأمر الواقع فيما بعد ويتزوج «جميلة» التي تحاول جاهدة حبسه فيما هو واقعي في حين تحاول الممرضة عايدة ( مواطنته ) أن تمنحه ذلك الجنوح الذي يعتمل في صدره نحو الحب، أيضاً يتوقف المخطط في منتصفه ويضع خطاً فاصلاً وسط الشفيفة.
ـ في القسم الثاني من هذا المخطط نرى يوسف وهو يحاول التعويض النفسي فيهرب إلى الحلم ليختلق في داخله المرأة الحلم، تلك المرأة النورانية التي تعيش في الكون منذ بدء الخليقة وبدء التكوين، تلك المرأة التي تخبرنا عنها الأسطورة البابلية والتي يحلم الشعراء بها على مرّ العصور، ولأجل ذلك يلجأ إلى الكتابة ليخلق من محارته الضيقة عالماً واسعاً يصنعه بنفسه ويمتلكه بكليته، ولهذا نراه يكتب : «( منذ متى أبحث ُ عن تلك المرأة؟ هي آلافٌ من السنين إن عَددتُها، مازلتُ أذكر، على لوح بابلي نقشتْهَا يدي! كنتُ أحاول نسج قصيدةٍ من روحها، خططتُ برعشة حبيبي من نور وتوقف كلّ شيء في الكون عن الدوران!) ثم يؤكد ذلك بقوله : (غالباً ما أكون على يقين من وجودها، ومن أنّنا التقينا يوماً، لكنّ الذاكرة تخونني، وتتركني أتأرجحُ على حافة الشّك حيناً من الزمن، فتهتز ثقتي بوجودي، حتّى أتحسس تلك الجثة المتحركة الّتي ترتبط بروحي، فأجد أنّها حارّة طازجة جاهزة للقاء الحبّ، ويسعدني النبضُ بتردده تحت جلدي، نعم إنّني هنا، وهي موجودة، ربّما على بعد خطوات، أميال، أزمان، لا أعرف بالضبط، لكنّي ما زلت أبحثُ عن الحقيقة )صـ 123 ولتحقيق ذلك يهاجر يوسف من فلسطين ويدور دورته في بعض دول العالم ليعود إلى فلسطين حيث التقى أول مرة بخزامى المرأة الحلم. ولينتهي المخطط الثاني في الرواية عن رحلة في أعماق القلب الإنساني ورصد نبضاته الباحثة دوماً عن نبض أنثوي مشابه ومتوافق، وذلك كي تتم حالة التوازن النفسي المفقود.
بذلك تكون الكاتبة قد استطاعت رصد خطين متوازيين خط الجسد وخط الحب، الجسد ( مادة وروحاً ) في مسيرته الأرضية، والحب في مسيرته عبر الأزمان، ويبقى أن تكتب الشفيفة الثالثة لتكتمل الصورة ففي المخطط الثالث :
{ نرى يوسف وهو يطرد من أرضه ( فلسطين ) ويتشرد في منافي الأرض مهاجراً ومشتتاً لكنه في النهاية يعود رغم كل ما اعترضه من عوائق ليؤكد حقيقة واحدة لا تقبل النقاش أو المساومة حقيقة عودة المشرد إلى أرضه. وهنا أعود للنقطتين الأوليين اللتين سكتت عنهما الرواية وهما الوفاة في الكويت وتاريخ الوفاة على شاهد القبر، فالنقطة الأولى تمنح الرواية انطلاقة جديدة تبين أهم الرسائل التي تطرحها الرواية تلك الرسالة التي تجيب عن أهم أسئلتها وهو المتعلق بهوية الأرض الفلسطينية، وأما النقطة الثانية فتجيب عن سؤال آخر لا يقل أهمية عن الأول ويتعلق بمحاولات قتل حق العودة إلى الأرض الأم والإيهام بموت الفلسطيني في الشتات، وبذلك تأتي تقنية الصمت لتجعل من المسكوت عنه أشد بلاغة في الدلالة من الصراخ والنقاش، خاصة وأن البطل بسكوته الدائم أيضاً قد أعلن ودون أن ينطق بحرف أن الأرض الأم هي المأوى الأخير لكل من في الشتات، لقد جاء المخطط الثالث كنتيجة منطقية وحتمية لما جاء في المخطط الأول وبمطابقة الشفائف الثلاث وتركيبها فوق بعضها وعرضها على جهاز العرض الخاص بالمتلقي بما يمتلك من رؤية قَبْلية واستعداد مسبق نحصل على الصورة المتكاملة لهذا النص، وقد استطاعت الكاتبة عبر ريشة مبدعة أن توزع الألوان بتدرجاتها كي تمنح النص قدرة على الإشراق، فقد جاءت اللغة على مقاس الحالة والحدث فهي شعرية تارة ومتدفقة في سردها تارة أخرى وفلسفية في موضع وعلمية في آخر، وفي الوقت الذي تحدثت فيه كل النساء في الرواية بلغتهن الخاصة والتي تقترب من العامية بقيت خزامى ( المرأة الحلم ) تتحدث بلغة فصحى تضاهي لغة يوسف ذلك لأنها المرأة التي استطاع أن يخلقها في ذهنه ويضخ فيها روحه ويمنحها فلسفته . وقد استندت الكاتبة على عدد من العتبات التي ألقت بأنوارها على ظلال النص لتمنح النص فضاءً أوسع فقد اعتمدت عدداً من النصوص الشعرية العربية والعالمية وكذلك على عدد من النصوص النثرية لهيراقليطس وأبي حيان التوحيدي مما ساعد بشكل كبير على الاختزال وعدم الاستطراد، خاصة فيما يتعلق بالموقف من الحياة والموت، والفناء والخلود، أو بالولوج بشكل هادئ إلى تبدلات القلب في بحثه عن الحب المطلق، ولعل الألوان الأكثر إشراقاً في هذه اللوحة تلك التفاصيل الصغيرة التي تعكس البنى الثقافية المختلفة والتي تشكل حالة يمكن تسميتها بعناق الثقافات حيث نتعرف كثيراً من العادات والفلسفات المحلية إن في اليابان أو في الهند وسيلان أو في تركيا، مما يشي في مجمله بالجهود المضنية المبذولة من قبل الكاتبة لإغناء التجربة.
أوان :http://www.awan.com/node/140382