فهد العتيق
18-11-2008, 08:00 pm
بطل قليل الثقافة .. رواية قليلة الأدب
فهد العتيق
* ألاحظ في عالمنا العربي اللطيف , وبالذات في صفحات أدبنا الخليجي , احتفاء نقدي متكرر و مبالغ فيه من قبل كثير من النقاد وكثير من الكتاب وليس الكاتبات , تجاه الروائي والناقد ميلان كونديرا , ولا أريد أن أدخل طريقا معاكسا , وأرتكب فعل المبالغة في التقليل من شأنه , فهو روائي موهوب وفي رواياته لحظات سرد جميلة ومهمة , كما أنه ناقد قادر على تقديم رؤية فلسفية مضيئة وجديدة , ومختلفة أحيانا ,حيال الكثير من هموم الحياة المعاصرة .
لكن المشكلة الجوهرية في روايات كونديرا , وقد تضربها في الصميم , وتجعلها أقل قيمة من بعض التجارب الروائية العالمية المتقدمة جدا , أن الرؤية الفلسفية في نصوصه الروائية حول مختلف جوانب وهموم الحياة السياسية, والاجتماعية أيضا مثل الزواج والطلاق والصمت والملل والصداقة والحب والموت والعلاقة بالأبناء إلى آخره , هي في الغالب ( تنظيرية ) , وليست حياة سردية ( تصرفات وسلوك داخل حكاية النص) , هي تنظيرات يقولها أبطال رواياته لزوجاتهم ولصديقاتهم ولأصدقائهم في اللقاءات التي غالبا ماتكون في المطاعم , بمعنى أنني أتعرف على الرؤى الفلسفية لهؤلاء الشخوص أو البشر , ليس من خلال تصرفاتهم وتحركاتهم داخل النص , فهذه الرؤى الفلسفية ليست ضمن نسيج البناء الدرامي للنص الروائي , هي في الغالب مقولات ثقافية أشبه بمحاضرات ينطق بها شخوص الرواية , وقد يكون هذا مقبولا لو كان محدودا في مشاهد معدودة تبررها حالة معينة سياسية أو اجتماعية , لكنه يتعدى ذلك ليغطي مساحات واسعة من رواياته ليكون جوهر البناء الفني للنص الروائي عند كونديرا , كما أن أغلب نصوصه الروائية أقرب إلى النص المسرحي بنبرته الخطابية الفلسفية الجافة والمباشرة, ففي بداية رواية ( البطء ) نلاحظ فجأة, فلسفة عن أسباب حوادث الطرق في فرنسا و عن غياب البطء في حياتنا المعاصرة , يقول البطل: ( السرعة هي شكل النشوة التي خلعتها الثورة التكنولوجية على الإنسان. تحالف غريب ,التجريد البارد للتكنولوجيا مع لهيب النشوة والانخطاف ) ص7 ! , كلام أقرب ما يكون إلى رؤية عالم نفس متخصص وليس بطل رواية عادي ! , وأيضا ص37 من رواية ( الهوية) , ص 36 من رواية (كائن لاتحتمل خفته ) , ص 40 من( البطء ) , وهذه لحظات ثقافية تنظيرية عالية تتكرر في روايات كونديرا كثيرا جدا , وربما هي جوهر رواياته التي تمضي على وتيرة سردية ضعيفة و حوارية تنظيرية قوية .
معظم أبطال روايات (ميلان كونديرا ) مثقفون وهنا لايوجد مشكلة , لكنهم أحيانا يطلقون رؤى نقدية فلسفية متخصصة جدا تفوق مستوياتهم بطريقة واضحة ومبالغ فيها , تضعف مصداقية النص السردي الفنية , إلى درجة يمكن القول معها أن كائنا ثقافيا عاليا خطف الرواية من بطلها وصار يتسيدها كما يعبر الصديق الناقد محمد العباس أحيانا , فأحد أبطال كونديرا , هو نصف طبيب في ( الهوية ) ,حيث درس الطب ثلاث سنوات ثم هرب من الدراسة يبحث عن امرأة تكون صديقة وليست زوجه فوجد (شانتال ) التي تركت زوجها بعد وفاة ابنهما , وفي (كائن لاتحتمل خفته) البطل طبيب رسمي ومنظر كبير طلق زوجته وأطفاله , وانشغل مع صديقتين احتار بينهما , لاحظ تشابه أجواء الروايتين , وتكرر هذا كثيرا في رواياته حيث يسخر من مؤسسة الزواج بطريق متكررة , ربما لهذا كونديرا في (الهوية) يبحث بقصدية واضحة جدا ومباشرة ومكشوفة عن مناسبة لكي يفلسف ظاهرة الصمت بين الزوجين , فيذهب بالبطل الطبيب وصديقته ( شانتال )إلى المطعم , ويكتشفان أن أمامهما زوجين صامتين , فيبدأ في شرح أو فلسفة هذا الصمت لصديقته , وفي كثير من رواياته نجد لأبطاله أيضا رؤى فلسفية هي على قدر كبير من الوعي الثقافي التي تجعلني في حال إعجاب , ليس بالروح السردية للنص , وليس بالاستبطان السردي العميق لشخوص النص الذي نجده مبدعا عند أدباء معروفين , لكنه الإعجاب الموقت الذي ينتهي حال انتهاء أحد شخوص روايات كونديرا من رؤيته الفلسفية تجاه الواقع السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الحياتي بشكل عام , فأعمال هذا الكاتب هي مزيج من النقد السياسي والاجتماعي والفلسفي والكوميدي ,كما نجد في رواياته ذلك التداخل بين المقالة و القصة والرواية والسيرة , مقتربة كثيرا من الوقائع التاريخية والاجتماعية والسياسية بخيال خصب فعلا , كما أن الأفكار أحيانا تتكرر في رواياته بشكل غريب جدا , مثلا فكرة (الناس غير المرئيين ) , إذ نجدها في رواية (الهوية ) وفي رواية ( البطء )أيضا , كما تتكرر عبارة البطلة ( شانتال ) في رواية الهوية : (نعم الرجال لم يعودوا يديرون وجوههم نحوي ) عدة مرات بلا ضرورة روائية. ربما لهذا يقول الناقد العربي احمد الخميس في مقال له بعنوان ( كونديرا موهبة بلا أجنحة ) : (تحتاج الموهبة إلي أجنحة ذاتية وإنسانية قوية لتتمكن من التحليق إلي أعلى القمم. لكن هناك مواهب مثل كونديرا، تنتمي للطيور ذات الأجنحة الضعيفة، التي ترتفع لحظة وتزحف سنوات، ولا تحلق أبدا ). وقد كان له رؤية ملفتة حول أدب كونديرا
ولو حاولنا الاقتراب من البطل قليل الثقافة الموجود في الرواية العالمية بكثرة ,على سبيل المثال رواية ماركيز (مئة عام من العزلة ) , الجد جوزيه اركاديو بوينديا وزوجته وبناته وأولاده جميعهم نصف مثقفين أو أقل أو أكثر , لكنهم مهمومون بوطنهم ولهم رؤية حيال مايحدث , و لم يتحدثوا في الرواية بلغة المثقفين (المتخصصين ) !, لكنهم ينسجون حكايات شعبية لها رؤيتها الفلسفية العالية غاية في العمق والجمال بلغة بسيطة وعميقة ومتماسكة غير متكلفة , نفس الرأي يمكن أن يقال مع بطل رواية كل الأسماء لجوزيه ساراماغو , وبطل روايتي الحمامة و العطر ل (زوسكيند) وأبطال روايات إبراهيم أصلان وكواباتا, لكننا قد نتوقف هنا أمام أغلب أبطال روايات (يوسا ) , حيث يمكن القول أنهم يقفون في المنطقة الوسطى بين المثقف عالي الثقافة والإنسان البسيط متوسط الثقافة , ففي (شيطنات الطفلة الخبيثة ) , البطل خريج جامعي وكذلك البطلة الشقية حبيبته , هو محب للقراءة إذن فهو مثقف , ومن الصعب القول أن مثقفا خطف الرواية من بطلها وصار يتسيدها لمجرد أن بطل الرواية له هموم وطنية سياسية واجتماعية ! , لكن روايته تمضي باللغة البسيطة العميقة غير المتكلفة التي تصف أحداثا يرتكبها أبطال أصحاب ثقافة متوسطة و يعيشون حياة ثرية تكشف تحركاتهم داخلها عن طبيعة فلسفتهم ورؤيتهم للحياة ,في بناء سردي حكائي حقيقي , وليس مفتعلا أقرب إلى المحاضرات منه إلى السرد .
ليس المهم أن يكون البطل مثقفا أو إنسانا متوسط الثقافة مثلا , فمقياس مصداقية النص الأدبي تعود للأداء السردي وكيفية المعالجة ومقدرة اللغة وعدم تكلفها وعدم افتعال الموضوعات والحكايات, المهم فنيا أن لايتحدث البطل بلغة فوق مستوى ثقافته ( لغة المتخصصين), فلا يمكن قبول بطل غير متعلم يتحدث بلغة فوق مستواه مثلا , ولايمكن قبول بطل يتحدث بلغة القاموس الصعبة أو لغة البلاغة أو الفلسفية المتخصصة لكي يثبت أدبية النص أو لمجرد أن البطل مثقف, لكن من حق البطل المثقف أو متوسط الثقافة وخريج الجامعة في بلده أن يكون مهموما بقضايا أمته ويكون له رؤية سياسية واجتماعية بلغة واضحة, وليست لغة أكاديمية مثلا , أيضا ليس بالضرورة أن يدعي هذا البطل المثالية والتفاؤل بالتغيير في واقع لايدعو إلى ذلك , من أجل أن يقال عنه بطل إيجابي أو بطل إشكالي , لوكاتش يقول إن البطل الإشكالي هو البطل الباحث عن تحقق مفقود !! , هو الباحث وليس المغير , من جانب أخر فقد سألوا الروائي العربي إبراهيم أصلان : (هل بطل روايتك سلبي ) , وذلك عندما وجدوا أنه يعيش حالة إحباط بسبب واقع متردي وفاسد وفوضوي وميؤس منه ,أجاب أصلان : لا أظن , لكن بالتأكيد أنه لا يستطيع التفاعل مع واقع لم يشترك في صياغته أو صناعته !! . بهذه المناسبة أتذكر عبارة في مقالة الناقد الأستاذ محمد العباس عن رواية كائن مؤجل قال فيها (الأمر الذي يعني أن مثقفا خطف الرواية من بطلها وصار يتسيدها وليس مجرد كائن عادي ) . إذ توقفت عند عبارة كائن عادي , أحاول فهم من يكون الإنسان العادي , هل الشاب خريج الجامعة إنسان عادي , أم هل هو غير المتعلم , لكن الأستاذة شمس المؤيد عقبت بالتفسير : ( مايقصده الأستاذ العباس أن الكاتب اخذ على عاتقه مهمة الكلام بدلا من البطل الذي يفترض انه الكائن(( البسيط )) ! الذي يعاني من عدم إحساسه بقيمته في مجتمع لايعترف بكينونته كفرد . وهو كائن بلا قيم شخصية لأنه لا يملك رأيا خاصا به ولا موقفا محددا ولا يظهر أي طموح أو رغبة في إعادة صياغة حياة جديدة لتغيير هذا المجتمع المرفوض . وبطل كهذا لا يمكن أن يحمل صفات البطل الإشكالي حسب تصور لوكا تش الذي يكون عنصرا موجودا داخل الرواية ولكن له مرجعيته في العالم الواقعي ) .
وهي هنا تكرر أن الكائن العادي هو الكائن البسيط , لكنني أسأل : عندما يكون بطل رواية ما خريج جامعة وممثل مسرحي مهموم بقضايا وطنه وأمته , فهل هو مثقف أم لا ؟ إذا كان مثقفا , لماذا نقول أن مثقفا خطف الرواية من بطلها وصار يتحدث نيابة عنه ؟وإذا كان بطل بهذه الصفات يعتبر غير مثقف فمن هو المثقف ؟ هو مثقف لكنه ينتمي لأسرة مكافحة وليست أسرة غنية , فهل صارت الثقافة حكرا على شخوص كونديرا الأغنياء مثلا.
ومن جهة أخرى , فالنص قليل الأدب أو ضعيف المستوى الأدبي , لازال للأسف يملأ أرفف المكتبات في كل مكان , ولا زال أصحابة يعتلون منابر المؤتمرات التي يركضون إليها زرافات ووحدانا , حتى على مستوى العالم نجد شكوى من الأعمال الأدبية , بالذات الروائية , المتسرعة غير الجادة أو غير المهمومة التي بلا قضية أو المنحولة أو المسروقة , ربما لهذا تقول الكاتبة الكرواتية (دوبرافكا اوجريسك) , في مؤتمر أدبي بالسويد عقد في الصيف الماضي : (الأدباء الجادين الآن مثل العصافير فوق فروع الشجر يذهب شدوهم في الخلاء كأنه عناصر ميتافيزيقية , وقالت إن السوق أصبح قوة نافذة وانه بات وشيكا أن يفقد الأدباء الجادين لميراثهم التاريخي والأدبي وهذا خطير) . و ربما ما حدث في الاقتصاد سوف يحدث قريبا وتنفجر بالونه الأدب الإعلامي الزائف فوق رؤوسنا جميعا , وقد يكون هذا طريقا للتصحيح .
الرياض
fahdateq@hotmail.com
إبتسام إبراهيم تريسي
18-11-2008, 11:00 pm
لم أقرأ لكونديرا سوى " كائن لا تحتمل خفته" تقريباً رأيي قريب من رأيك من خلال هذه الرواية ، ما تبقى من روايات لم أطلع عليها .
مرحباً بعودتك أستاذ فهد .
تحياتي.
جبير المليحان
19-11-2008, 12:04 am
أولا أهلا بعودة حرفك الميز
وثانيا جميل ما كتبته ، وهو أشبه بمقدمة لدراسة مطولة .. عن كونديرا ..
تحياتي
وفاء العمير
19-11-2008, 10:37 am
(فهد العتيق @ 18-11-2008, 08:00 pm)

بطل قليل الثقافة .. رواية قليلة الأدب
فهد العتيق
* ألاحظ في عالمنا العربي اللطيف , وبالذات في صفحات أدبنا الخليجي , احتفاء نقدي متكرر و مبالغ فيه من قبل كثير من النقاد وكثير من الكتاب وليس الكاتبات , تجاه الروائي والناقد ميلان كونديرا , ولا أريد أن أدخل طريقا معاكسا , وأرتكب فعل المبالغة في التقليل من شأنه , فهو روائي موهوب وفي رواياته لحظات سرد جميلة ومهمة , كما أنه ناقد قادر على تقديم رؤية فلسفية مضيئة وجديدة , ومختلفة أحيانا ,حيال الكثير من هموم الحياة المعاصرة .
لكن المشكلة الجوهرية في روايات كونديرا , وقد تضربها في الصميم , وتجعلها أقل قيمة من بعض التجارب الروائية العالمية المتقدمة جدا , أن الرؤية الفلسفية في نصوصه الروائية حول مختلف جوانب وهموم الحياة السياسية, والاجتماعية أيضا مثل الزواج والطلاق والصمت والملل والصداقة والحب والموت والعلاقة بالأبناء إلى آخره , هي في الغالب ( تنظيرية ) , وليست حياة سردية ( تصرفات وسلوك داخل حكاية النص) , هي تنظيرات يقولها أبطال رواياته لزوجاتهم ولصديقاتهم ولأصدقائهم في اللقاءات التي غالبا ماتكون في المطاعم , بمعنى أنني أتعرف على الرؤى الفلسفية لهؤلاء الشخوص أو البشر , ليس من خلال تصرفاتهم وتحركاتهم داخل النص , فهذه الرؤى الفلسفية ليست ضمن نسيج البناء الدرامي للنص الروائي , هي في الغالب مقولات ثقافية أشبه بمحاضرات ينطق بها شخوص الرواية , وقد يكون هذا مقبولا لو كان محدودا في مشاهد معدودة تبررها حالة معينة سياسية أو اجتماعية , لكنه يتعدى ذلك ليغطي مساحات واسعة من رواياته ليكون جوهر البناء الفني للنص الروائي عند كونديرا , كما أن أغلب نصوصه الروائية أقرب إلى النص المسرحي بنبرته الخطابية الفلسفية الجافة والمباشرة, ففي بداية رواية ( البطء ) نلاحظ فجأة, فلسفة عن أسباب حوادث الطرق في فرنسا و عن غياب البطء في حياتنا المعاصرة , يقول البطل: ( السرعة هي شكل النشوة التي خلعتها الثورة التكنولوجية على الإنسان. تحالف غريب ,التجريد البارد للتكنولوجيا مع لهيب النشوة والانخطاف ) ص7 ! , كلام أقرب ما يكون إلى رؤية عالم نفس متخصص وليس بطل رواية عادي ! , وأيضا ص37 من رواية ( الهوية) , ص 36 من رواية (كائن لاتحتمل خفته ) , ص 40 من( البطء ) , وهذه لحظات ثقافية تنظيرية عالية تتكرر في روايات كونديرا كثيرا جدا , وربما هي جوهر رواياته التي تمضي على وتيرة سردية ضعيفة و حوارية تنظيرية قوية .
معظم أبطال روايات (ميلان كونديرا ) مثقفون وهنا لايوجد مشكلة , لكنهم أحيانا يطلقون رؤى نقدية فلسفية متخصصة جدا تفوق مستوياتهم بطريقة واضحة ومبالغ فيها , تضعف مصداقية النص السردي الفنية , إلى درجة يمكن القول معها أن كائنا ثقافيا عاليا خطف الرواية من بطلها وصار يتسيدها كما يعبر الصديق الناقد محمد العباس أحيانا , فأحد أبطال كونديرا , هو نصف طبيب في ( الهوية ) ,حيث درس الطب ثلاث سنوات ثم هرب من الدراسة يبحث عن امرأة تكون صديقة وليست زوجه فوجد (شانتال ) التي تركت زوجها بعد وفاة ابنهما , وفي (كائن لاتحتمل خفته) البطل طبيب رسمي ومنظر كبير طلق زوجته وأطفاله , وانشغل مع صديقتين احتار بينهما , لاحظ تشابه أجواء الروايتين , وتكرر هذا كثيرا في رواياته حيث يسخر من مؤسسة الزواج بطريق متكررة , ربما لهذا كونديرا في (الهوية) يبحث بقصدية واضحة جدا ومباشرة ومكشوفة عن مناسبة لكي يفلسف ظاهرة الصمت بين الزوجين , فيذهب بالبطل الطبيب وصديقته ( شانتال )إلى المطعم , ويكتشفان أن أمامهما زوجين صامتين , فيبدأ في شرح أو فلسفة هذا الصمت لصديقته , وفي كثير من رواياته نجد لأبطاله أيضا رؤى فلسفية هي على قدر كبير من الوعي الثقافي التي تجعلني في حال إعجاب , ليس بالروح السردية للنص , وليس بالاستبطان السردي العميق لشخوص النص الذي نجده مبدعا عند أدباء معروفين , لكنه الإعجاب الموقت الذي ينتهي حال انتهاء أحد شخوص روايات كونديرا من رؤيته الفلسفية تجاه الواقع السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الحياتي بشكل عام , فأعمال هذا الكاتب هي مزيج من النقد السياسي والاجتماعي والفلسفي والكوميدي ,كما نجد في رواياته ذلك التداخل بين المقالة و القصة والرواية والسيرة , مقتربة كثيرا من الوقائع التاريخية والاجتماعية والسياسية بخيال خصب فعلا , كما أن الأفكار أحيانا تتكرر في رواياته بشكل غريب جدا , مثلا فكرة (الناس غير المرئيين ) , إذ نجدها في رواية (الهوية ) وفي رواية ( البطء )أيضا , كما تتكرر عبارة البطلة ( شانتال ) في رواية الهوية : (نعم الرجال لم يعودوا يديرون وجوههم نحوي ) عدة مرات بلا ضرورة روائية. ربما لهذا يقول الناقد العربي احمد الخميس في مقال له بعنوان ( كونديرا موهبة بلا أجنحة ) : (تحتاج الموهبة إلي أجنحة ذاتية وإنسانية قوية لتتمكن من التحليق إلي أعلى القمم. لكن هناك مواهب مثل كونديرا، تنتمي للطيور ذات الأجنحة الضعيفة، التي ترتفع لحظة وتزحف سنوات، ولا تحلق أبدا ). وقد كان له رؤية ملفتة حول أدب كونديرا
ولو حاولنا الاقتراب من البطل قليل الثقافة الموجود في الرواية العالمية بكثرة ,على سبيل المثال رواية ماركيز (مئة عام من العزلة ) , الجد جوزيه اركاديو بوينديا وزوجته وبناته وأولاده جميعهم نصف مثقفين أو أقل أو أكثر , لكنهم مهمومون بوطنهم ولهم رؤية حيال مايحدث , و لم يتحدثوا في الرواية بلغة المثقفين (المتخصصين ) !, لكنهم ينسجون حكايات شعبية لها رؤيتها الفلسفية العالية غاية في العمق والجمال بلغة بسيطة وعميقة ومتماسكة غير متكلفة , نفس الرأي يمكن أن يقال مع بطل رواية كل الأسماء لجوزيه ساراماغو , وبطل روايتي الحمامة و العطر ل (زوسكيند) وأبطال روايات إبراهيم أصلان وكواباتا, لكننا قد نتوقف هنا أمام أغلب أبطال روايات (يوسا ) , حيث يمكن القول أنهم يقفون في المنطقة الوسطى بين المثقف عالي الثقافة والإنسان البسيط متوسط الثقافة , ففي (شيطنات الطفلة الخبيثة ) , البطل خريج جامعي وكذلك البطلة الشقية حبيبته , هو محب للقراءة إذن فهو مثقف , ومن الصعب القول أن مثقفا خطف الرواية من بطلها وصار يتسيدها لمجرد أن بطل الرواية له هموم وطنية سياسية واجتماعية ! , لكن روايته تمضي باللغة البسيطة العميقة غير المتكلفة التي تصف أحداثا يرتكبها أبطال أصحاب ثقافة متوسطة و يعيشون حياة ثرية تكشف تحركاتهم داخلها عن طبيعة فلسفتهم ورؤيتهم للحياة ,في بناء سردي حكائي حقيقي , وليس مفتعلا أقرب إلى المحاضرات منه إلى السرد .
ليس المهم أن يكون البطل مثقفا أو إنسانا متوسط الثقافة مثلا , فمقياس مصداقية النص الأدبي تعود للأداء السردي وكيفية المعالجة ومقدرة اللغة وعدم تكلفها وعدم افتعال الموضوعات والحكايات, المهم فنيا أن لايتحدث البطل بلغة فوق مستوى ثقافته ( لغة المتخصصين), فلا يمكن قبول بطل غير متعلم يتحدث بلغة فوق مستواه مثلا , ولايمكن قبول بطل يتحدث بلغة القاموس الصعبة أو لغة البلاغة أو الفلسفية المتخصصة لكي يثبت أدبية النص أو لمجرد أن البطل مثقف, لكن من حق البطل المثقف أو متوسط الثقافة وخريج الجامعة في بلده أن يكون مهموما بقضايا أمته ويكون له رؤية سياسية واجتماعية بلغة واضحة, وليست لغة أكاديمية مثلا , أيضا ليس بالضرورة أن يدعي هذا البطل المثالية والتفاؤل بالتغيير في واقع لايدعو إلى ذلك , من أجل أن يقال عنه بطل إيجابي أو بطل إشكالي , لوكاتش يقول إن البطل الإشكالي هو البطل الباحث عن تحقق مفقود !! , هو الباحث وليس المغير , من جانب أخر فقد سألوا الروائي العربي إبراهيم أصلان : (هل بطل روايتك سلبي ) , وذلك عندما وجدوا أنه يعيش حالة إحباط بسبب واقع متردي وفاسد وفوضوي وميؤس منه ,أجاب أصلان : لا أظن , لكن بالتأكيد أنه لا يستطيع التفاعل مع واقع لم يشترك في صياغته أو صناعته !! . بهذه المناسبة أتذكر عبارة في مقالة الناقد الأستاذ محمد العباس عن رواية كائن مؤجل قال فيها (الأمر الذي يعني أن مثقفا خطف الرواية من بطلها وصار يتسيدها وليس مجرد كائن عادي ) . إذ توقفت عند عبارة كائن عادي , أحاول فهم من يكون الإنسان العادي , هل الشاب خريج الجامعة إنسان عادي , أم هل هو غير المتعلم , لكن الأستاذة شمس المؤيد عقبت بالتفسير : ( مايقصده الأستاذ العباس أن الكاتب اخذ على عاتقه مهمة الكلام بدلا من البطل الذي يفترض انه الكائن(( البسيط )) ! الذي يعاني من عدم إحساسه بقيمته في مجتمع لايعترف بكينونته كفرد . وهو كائن بلا قيم شخصية لأنه لا يملك رأيا خاصا به ولا موقفا محددا ولا يظهر أي طموح أو رغبة في إعادة صياغة حياة جديدة لتغيير هذا المجتمع المرفوض . وبطل كهذا لا يمكن أن يحمل صفات البطل الإشكالي حسب تصور لوكا تش الذي يكون عنصرا موجودا داخل الرواية ولكن له مرجعيته في العالم الواقعي ) .
وهي هنا تكرر أن الكائن العادي هو الكائن البسيط , لكنني أسأل : عندما يكون بطل رواية ما خريج جامعة وممثل مسرحي مهموم بقضايا وطنه وأمته , فهل هو مثقف أم لا ؟ إذا كان مثقفا , لماذا نقول أن مثقفا خطف الرواية من بطلها وصار يتحدث نيابة عنه ؟وإذا كان بطل بهذه الصفات يعتبر غير مثقف فمن هو المثقف ؟ هو مثقف لكنه ينتمي لأسرة مكافحة وليست أسرة غنية , فهل صارت الثقافة حكرا على شخوص كونديرا الأغنياء مثلا.
ومن جهة أخرى , فالنص قليل الأدب أو ضعيف المستوى الأدبي , لازال للأسف يملأ أرفف المكتبات في كل مكان , ولا زال أصحابة يعتلون منابر المؤتمرات التي يركضون إليها زرافات ووحدانا , حتى على مستوى العالم نجد شكوى من الأعمال الأدبية , بالذات الروائية , المتسرعة غير الجادة أو غير المهمومة التي بلا قضية أو المنحولة أو المسروقة , ربما لهذا تقول الكاتبة الكرواتية (دوبرافكا اوجريسك) , في مؤتمر أدبي بالسويد عقد في الصيف الماضي : (الأدباء الجادين الآن مثل العصافير فوق فروع الشجر يذهب شدوهم في الخلاء كأنه عناصر ميتافيزيقية , وقالت إن السوق أصبح قوة نافذة وانه بات وشيكا أن يفقد الأدباء الجادين لميراثهم التاريخي والأدبي وهذا خطير) . و ربما ما حدث في الاقتصاد سوف يحدث قريبا وتنفجر بالونه الأدب الإعلامي الزائف فوق رؤوسنا جميعا , وقد يكون هذا طريقا للتصحيح .
الرياض
fahdateq@hotmail.com
أتفق معك
قرأت رواية لأورهان باموق " البيت الصامت " وهي رواية رائعة أدهشتني لأن شخصياتها تتحدث عن أفكارها ببساطة شديدة . تحيتي أستاذ فهد
فاطمه.ن.
19-11-2008, 11:38 am
لا تبدو الدراسة متعلقة بكونديرا وحده..
صحيح أنها اتكأت على رواياته لتطرح ملاحظات تخص أعماله لكنها ايضا طرحت تأثير ثقافةالكاتب على بطل الرواية من جهة ومصادرته لدوره في أن يتحرك بحرية في العمل الذي يقوم ببطولته من جهة اخرى..وهي قضية جوهرية لا تتعلق بأعمال كونديرا فقط..بل تبدو أعم واشمل وتظهر بوضوح في اعمال روائية كثيرة محلية وعربية وعالميه..وذلك التباس يحدث أحيانا بدون وعي من الكاتب..لكنه في حالات واعية كثيرة يعرض روايته الى خطر الأدلجة القاسية التي تذهب بطراوة الابداع وبساطة السرد بكل تدرجاتها الفاتنه.
.
.شكرا استاذ فهد على هذه الإضاءه..
سمية البوغافرية
19-11-2008, 01:12 pm
قراءة جيدة وتضيئ جوانب كثيرة
شخصيا استفدت منها كثيرا
لذا وجب الشكر لك أستاذ فهد
تقديري
شريف صالح
19-11-2008, 02:20 pm
الأستاذ فهد العتيق
شكرا على القراءة التي تحتاج إلى مشاكسة طويلة
بالمصادفة كنت أجادل صديقا قبل يومين في قيمة كونديرا وهو احد المهوسين به وسطا على خفة الكائن مني
..........................
كونديرا كاتب جيد ولديه ثقافة مميزة خصوصا في الموسيقى
وأتصور هناك مئات من الكتاب الجيدين مثله للاسف لا يحظون بالضوء في العالم العربي.. وهو على كل حال أعلى كعبا من كويلو
..........................................
شعرت أن الدراسة مالت إلى الحس الصحفي والاختزالي ولم تتعمق في المشروع.. بمعنى البحث عن تفسيرات لظاهرة كونديرا في العالم العربي مثلا.. أو تفسيرات للطريقة التي يكتب بها.. شخصيا لدي مجموعة من التفسيرات المقنعة بالنسبة لي عن فكرة البطل المثقف أكثر مما يجب في رواياته
..........................................
محبتي
سيد الوكيل
19-11-2008, 05:58 pm
أيها الصديق العزيز فهد
جميل حضورك بالمنتدى
مقالك دقيق وواع بالفروق الرهيفة والملامح المميزة لتجربة كونديرا
والمقال متجاوز الكلام عن كونديرا ـ كما قالت فاطمة الناهض ـ الذكية ، ويصل إلى تجربتك أيضا وليس إلى ماركيز فقط
ولهذا الموضوع ثرى ومراوغ
تعرف جيدا أننى أحب كونديرا ،وأراه من المجددين فى الرواية حتى ولو وصف بانه مخرب لها ، كما يقولون عنه فى أوربا .
ولكن صدقنى كونديرا نجح فى استعادة مكانة الرواية الأوربية فى نظر العالم بعد أن سرقت رواية أمريكا اللاتيني الأضواء منها لسنين طويلة .
صحيح كونديرا يسوق كثيرا من المقولات الثقافية، ولكن السرد نفسه يعمل على تحليلها وتفكيكها والسخرية منها ، وبهذا يكون حقق الأمرين ، متعة المعرفة ومتعة السرد .
فالمعرفة عند كونديرا تختلف عنها لدى كتاب آخرين مثل دان بروان أو أمبرتو إيكو ، فهى ذات طابع إنسانى وليس فكرى ، ثم أنه يعمل على تفكيكها واختبارها من خلال السرد .إنها ليست عصب التجربة بل هى نقطة الانطلاق منها إلى فضاء إنسانى أوسع من المقولة نفسها .
وطبعا كونديرا يمثل نمط الروائى المثقف أو المفكر مثل إيكو ، وكل منهما له نظرات وآراء مهمة فى السرد ، بل هو يتميز عن إيكو بأنه لايخضع لنمط التفكير النظرى الأكاديمى ، بل هو يسخر منه
من خلال المحاكاة الساخرة التى يضع فيها شخصياته من المثقفين فى مآزق إنسانية تفضح معارفهم الفلسفية والفكرية .
وأرى أنك تتبع منهجه فى مقالك هذا ، وتمتلك ذكاءه، فأنت ترد على نقاد تناولوا تجربتك من خلال تناولك لكونديرا، رغم أنى لا أرى مايبرر المقارنه بينكما ، فليس فى روايتك ما يتشابه مع كونديرا سوى كلمة (كائن ) ، وهى ليست ملكا لأحد ، ولكن بعض النقاد الذين يعملون بطريقة المفتشين يقعون فريسة سهلة لمثل هذه التشابهات ،والحقيقة أن المثقف فى روايتك له موقف نقدى من الواقع الذى يعيش فيه ، وليس مشغولا بمقولات فلسفية أو عامة غير مشتبكة مع الواقع ، ثم أن أراء المثقف فى روايتك تأتى كردود أفعال للواقع والتجربة السردية، فحين أن مقولات المثقف عند كودنديرا هى نقطة الانطلاق الأولى فى العمل ، رغم أنه يتجاوزها من خلال السرد.
فكونديرا يشتغل على المقولة ليقرأ الواقع ، أما أنت فتشتغل على الواقع لتنتج المقولة، وهما طريقتان مختلفتان تماما كما أرى ، وقى حدود تذكرى لروايتك الآن.
المهم أنا فرح جدا بهذا المقال ، وأرى أنه بالفعل مقدمة لقراءة أطول فى طرائق السرد الجديد
فهد العتيق
19-11-2008, 11:04 pm
أهلا بالأستاة ابتسام واهلا بمرورك الحي , روايات كونديرا جميلة لولا كثرة التنظيرات , آمل أن تقرأي بقية أعماله الهامة , مودتي , فهد
فهد العتيق
19-11-2008, 11:20 pm
أهلا بالصديق الحميم جدا جبير , أشكرك على تحيتك وعلى انطباعك الجميل عن النص , الذي أعتبره قراءة انطباعية, حاولت التعبير عن ما أفسد قليلا استمتاعي بنصوص كونديرا الجميلة , مودتي , فهد
فهد العتيق
19-11-2008, 11:33 pm
أهلا كاتبتنا الفنانة الأستاذة وفاء , الشكر لمرورك , سوف أبحث عن البيت الصامت للروائي التركي باموق , قرأت له رواية ثلج وكانت فعلا جميلة ومشوقة وفيها وصف عميق للمشاعر الانسانية وبالتأكيد هذا العمق من عوامل حصوله على نوبل للاداب , لكن روايات كونديرا ربما لاتقل أهمية لولا ملاحظات واضحة حول تركيزة على التنظيرات الفلسفية دائما التي تضعف السرد , مودتي , فهد
فهد العتيق
20-11-2008, 12:02 am
أهلا كاتبتنا المبدعة الأستاذة فاطمة , الشكر لرؤيتك الملفتة فعلا , وأتفق معك تماما في عبارتك هذه :
(( وهي قضية جوهرية لا تتعلق بأعمال كونديرا فقط..بل تبدو أعم واشمل وتظهر بوضوح في اعمال روائية كثيرة محلية وعربية وعالميه..وذلك التباس يحدث أحيانا بدون وعي من الكاتب..لكنه في حالات واعية كثيرة يعرض روايته الى خطر الأدلجة القاسية التي تذهب بطراوة الابداع وبساطة السرد بكل تدرجاتها الفاتنه)) , مودتي , فهد
خليل الجيزاوي
20-11-2008, 03:12 am

أخى العزيز فهد العتيق
أشكرك على هذه القراءة النقدية التي تعكس ذائقتك الأدبية المتميزة
ولكن اسمح لي أن أختلف معك حول طرحك بنصف العنوان ( رواية قليلة الأدب)
هل هذا حكم قيمة على العمل الأدبي ؟؟؟!
وتعرف أن حكم القيمه تجاوزه النقد كثيراً ومنذ سنوات كثيرة.
أم تقصد أن الرواية ضعيفة من حيث البناء السردى ؟!!
الروائي كونديرا روائي متميز جداً حتى لو اختلفنا حول رؤيته وفلسفته مع الحياة.
وتعرف أن بيئة الرجل الغربي تختلف كثيراً عن البيئة العربية الاجتماعية التى تربينا بها وحملنا موروثها الثقافي والاجتماعي بحكم الدين أولا ثم بحكم الأعراف والعادات والتقاليد ....الخ
وبالطبع هناك الكثير من الأفكار الغربية التى يبثها كونديرا في رواياته ـ خاصة مؤسسة الأسرة ـ
لا تناسب موروثنا الثقافي والاجتماعي ، وبالتالي رأيت الكثير من أحكامك النقدية أثناء القراءة النقدية تتصادم مع أفكار كونديرا!
كم آمل ألا يضيق صدرك بهذه المشاكسة !!!
دمت لأخيك ودامت المودة بيننا
فهد العتيق
20-11-2008, 12:09 pm
الكاتبة الجميلة سمية البوغافرية , حضورك هو المضيئ وقد أسعدني كثيرا , مودتي , فهد
فهد العتيق
20-11-2008, 12:26 pm
أهلا بالأستاذ شريف صالح , أشكرك على حضورك الجميل المترع بالأسئلة , لكنني أفضل دائما القراءة الإنطباعية على طريقتي وليس على طريقة الدراسات الأكاديمية المثقلة بالقواميس وتكلف البلاغة , ولذلك أعتبرها قراءة حول جزئية محددة أزعجتني وأفسدت قليلا متعة قراءة كونديرا , وهي أن التنظير الذي يشبه المحاضرات النقدية الجميلة كان أعلى من السرد في روايات كونديرا , بغض النظر عن الأسباب , حيث حاولت التركيز على توصيف حالة سردية جميلة لكنها تعاني من خلل ما , مودتي , فهد
فهد العتيق
20-11-2008, 01:28 pm
الصديق المبدع سيد الوكيل أهلابك , مداخلتك وملاحظاتك هنا مهمة وعميقة ومحرضة على تمرين ذهني أسمه النقد , فالحوار الجاد والقوي الذي يستفزك فنيا ونقديا , يكشف مدى قدراتك الرائعة فعلا , وهذا ابهجتني حتى لو أختلفنا فنيا حول الروائي المبدع كونديرا,
أتفق معك في تأكيدك على جمال رواية كونديرا وأهميتها , واتفق معك في قولك أن ( المعرفة عند كونديرا تختلف عنها لدى كتاب آخرين مثل دان بروان أو أمبرتو إيكو ، فهى ذات طابع إنسانى وليس فكرى ، ثم أنه يعمل على تفكيكها واختبارها من خلال السرد ) وربما لهذا أنا أوردت في مقدمة القراءة تأكيدي أن كونديرا :
( روائي موهوب وفي رواياته لحظات سرد جميلة ومهمة , كما أنه ناقد قادر على تقديم رؤية فلسفية مضيئة وجديدة , ومختلفة أحيانا ,حيال الكثير من هموم الحياة المعاصرة .).
لكن الملاحظ أن (معظم أبطال روايات ميلان كونديرا مثقفون وهنا لايوجد مشكلة , لكنهم أحيانا يطلقون رؤى نقدية فلسفية متخصصة جدا تفوق مستوياتهم بطريقة واضحة ومبالغ فيها , تضعف مصداقية النص السردي الفنية ) كما أن ((الرؤية الفلسفية في نصوصه الروائية حول مختلف جوانب وهموم الحياة السياسية, والاجتماعية هي في الغالب ( تنظيرية ) , وليست حياة سردية بمعنى تصرفات وسلوك داخل حكاية النص ) . لهذا يمكن القول أن كونديرا هو أقرب الى أستاذ النظري في الرواية العالمية مثلا , بينما يوسا على سبيل المثال هوأقرب الى أن يكون أستاذ العملي في الرواية رغم أني لا أحب المقارنة بين كاتبين لكن للضرورة أحكام .حتى تنظيرات يوسا في كتابه رسائل الى روائي شاب كانت مرتبطة بالحياة وبالتجربة , بينما تنظيرات كونديرا لها علاقة بالنظرية النقدية أكثر من تجربة الحياة المعاشة .
أما اللمحة النقدية الذكية والجميلة الأخرى في مداخلتك المحرضة فهي هنا حين قلت : (فأنت ترد على نقاد تناولوا تجربتك من خلال تناولك لكونديرا، رغم أنى لا أرى مايبرر المقارنه بينكما ، فليس فى روايتك ما يتشابه مع كونديرا سوى كلمة (كائن )
و ربما الموضوع ليس له علاقة بالعنوان , لكن بفكرة البطل المهموم بقضايا أمته في النص الروائي العربي , هل يتم التطاول عليه نقديا بسبب أنه مهموم وأنه يفترض أن يكتب فقط أدب الاثارة والتسلية لكي يكون بطلا صالحا وغير مؤدلج وغير مثقف !! فطالما هذا النص الروائي غير متكلف وغير مفتعل في الاداء السردي واللغة والمعالجة فمن حقه أن يكون مهموما بسبب تناقضات هذا الواقع الشرس.
ورؤيتي أن النص الروائي الذي يتضمن بطلا مهموما بقضايا أمته شرط أن يتحدث بلغة غير متكلفة وغير مفتلعة , من الظلم اتهام هذا النص أن مثقفا سرقه ليسوق أراءه , أو أن البطل غير ايجابي ولم يشارك مثلا في خطط التنمية الى أخره , لمجرد أنه لم يشارك في هذه التمثيلية التي تسمى الواقع في عالمنا العربي المسكين ..!! فنحن في النهاية نتساءل عن حياتنا التي لم تتم , حياتنا المؤجلة , نواجهها أدبيا ونقديا حتى تتحقق قليلا .
مودتي أيها الاديب الجميل والمبدع
فهد
فهد العتيق
20-11-2008, 01:43 pm
أهلا بالصديق خليل الجيزاوي صاحب مواقيت الصمت الجميلة.
مشاكستك قد تكون غير مقبولة لأنها قرأت العنوان ولم تقرأ النص , فأنا لم أتصادم مع أفكار وقناعات كونديرا , ولا مع عاداته وتقاليده التي لا أحترمها فقط ولكن أؤيد الكثير الجميل منها , لكن ملاحظاتي كانت فنية فقط حول جزئية أن التنظير طغى على السرد , أما عبارة (رواية قليلة الأدب) التي في العنوان فهي لاتخص كونديرا ولو أكملت النص لأدركت ذلك بنفسك , هي تخص الرواية السهلة التي تتعمد الاثارة بلا قيمة التي انتشرت في العالم الان وفي عالمنا العربي بالذات .
وهنا الجزئية الأخيرة في النص التي تخص رواية قليلة الأدب أقدمها لك , وأظنك تتفق معي حولها !! :
(( ومن جهة أخرى , فالنص قليل الأدب أو ضعيف المستوى الأدبي , لازال للأسف يملأ أرفف المكتبات في كل مكان , ولا زال أصحابة يعتلون منابر المؤتمرات التي يركضون إليها زرافات ووحدانا , حتى على مستوى العالم نجد شكوى من الأعمال الأدبية , بالذات الروائية , المتسرعة غير الجادة أو غير المهمومة التي بلا قضية أو المنحولة أو المسروقة , ربما لهذا تقول الكاتبة الكرواتية (دوبرافكا اوجريسك) , في مؤتمر أدبي بالسويد عقد في الصيف الماضي : (الأدباء الجادين الآن مثل العصافير فوق فروع الشجر يذهب شدوهم في الخلاء كأنه عناصر ميتافيزيقية , وقالت إن السوق أصبح قوة نافذة وانه بات وشيكا أن يفقد الأدباء الجادين لميراثهم التاريخي والأدبي وهذا خطير) . و ربما ما حدث في الاقتصاد سوف يحدث قريبا وتنفجر بالونه الأدب الإعلامي الزائف فوق رؤوسنا جميعا , وقد يكون هذا طريقا للتصحيح .))
مودتي
فهد
أيمن الأسمر
20-11-2008, 06:01 pm
قرأت لكونديرا رواية فالس الوداع وهو كاتب مهم لا شك فى ذلك غير أنه لم تعجبنى الحبكة الزائدة عن الحد للرواية.
خليل الجيزاوي
20-11-2008, 08:43 pm
(فهد العتيق @ 20-11-2008, 01:43 pm)

أهلا بالصديق خليل الجيزاوي صاحب مواقيت الصمت الجميلة.
مشاكستك قد تكون غير مقبولة لأنها قرأت العنوان ولم تقرأ النص , فأنا لم أتصادم مع أفكار وقناعات كونديرا , ولا مع عاداته وتقاليده التي لا أحترمها فقط ولكن أؤيد الكثير الجميل منها , لكن ملاحظاتي كانت فنية فقط حول جزئية أن التنظير طغى على السرد , أما عبارة (رواية قليلة الأدب) التي في العنوان فهي لاتخص كونديرا ولو أكملت النص لأدركت ذلك بنفسك , هي تخص الرواية السهلة التي تتعمد الاثارة بلا قيمة التي انتشرت في العالم الان وفي عالمنا العربي بالذات .
وهنا الجزئية الأخيرة في النص التي تخص رواية قليلة الأدب أقدمها لك , وأظنك تتفق معي حولها !! :
(( ومن جهة أخرى , فالنص قليل الأدب أو ضعيف المستوى الأدبي , لازال للأسف يملأ أرفف المكتبات في كل مكان , ولا زال أصحابة يعتلون منابر المؤتمرات التي يركضون إليها زرافات ووحدانا , حتى على مستوى العالم نجد شكوى من الأعمال الأدبية , بالذات الروائية , المتسرعة غير الجادة أو غير المهمومة التي بلا قضية أو المنحولة أو المسروقة , ربما لهذا تقول الكاتبة الكرواتية (دوبرافكا اوجريسك) , في مؤتمر أدبي بالسويد عقد في الصيف الماضي : (الأدباء الجادين الآن مثل العصافير فوق فروع الشجر يذهب شدوهم في الخلاء كأنه عناصر ميتافيزيقية , وقالت إن السوق أصبح قوة نافذة وانه بات وشيكا أن يفقد الأدباء الجادين لميراثهم التاريخي والأدبي وهذا خطير) . و ربما ما حدث في الاقتصاد سوف يحدث قريبا وتنفجر بالونه الأدب الإعلامي الزائف فوق رؤوسنا جميعا , وقد يكون هذا طريقا للتصحيح .))
مودتي
فهد
أخى وصديقي العزيز فهد العتيق
أشكرك على رأيك النقدى الذي أعتز به عن رواية مواقيت الصمت
وأتفق معك حول رؤيتك النقدية وكانت مشاكستى مجرد تساؤل:
أم تقصد أن الرواية ضعيفة من حيث البناء السردى ؟!!لأن عبارة ( رواية قليلة الأدب) عندنا في الموروث الثقافي الشائع تعنى أنها رواية إباحية
لذلك أفضل جملة : ضعيفة المستوى الادبي
أو جاء البناء السردى ضعيفاً وعلا صوت الكاتب/ الراوي بتدخلاته التنظيرية وإقحام رؤاه الفلسفية على رؤية أبطاله.
وما عدا ذلك أتفق مع طرحك النقدي وقراءتك الواعية للرواية
مع مودتى الدائمة
عبد الرحمن حلاق
20-11-2008, 10:16 pm
الجميل فهد العتيق
اسمح لي أن أرحب بعودتك أولاً وإثرائك المنتدى بقراءاتك الانطباعية كما قلت لكنها تحمل من الإشراق الكثير .
أعتقد أننا نحن ( العرب ) مصابون بداء خطير سيظل ما دام تخلفنا ( وربما بأكثر من داء )
نحن مصابون بداء الدهشة فأي رواية تأتينا من خارج المحيط العربي تدهشنا بطريقة مرعبة وذلك أمر طبيعي لأكثر من سبب فاختلاف البيئة واختلاف النسق الفكري واختلاف الرؤية حول إرادة الإنسان عوامل مهمة في صناعة الدهشة عندنا ، ولأن للدهشة سحر وهيمنة وأسر( بما تحويه كذلك هذه المفاهيم من دلالة قوية على الاستلاب ) ترانا نطلق أحكاماً سريعة تقيدنا لفترة زمنية طويلة ونخاف التراجع عنها تماماً كما نخاف التراجع عن مسلمات ورثناها أسميناها ثوابت لا يجوز المساس بها .
ما أعجبني في قراءتك الانطباعية هذه هو تحررها من عنصر الدهشة هذا ، وكأني أراك ذلك الطفل الذي صرخ في وجوه الناس وعلى مسمع الإمبراطور ذاته ( ولكنه عارٍ )في الوقت الذي كان الناس واقعين تحت هيمنة الوهم ويتعاملون مع ثياب الامبراطور على أنها حقيقة .
طبعاً أنا لا أقلل من قيمة كونديرا أو زوسكيند أو غيرهما ولكني أيضاً أثمن عالياً صرخة فهد العتيق إنها فكرة جديرة بالتوقف عندها والتفكير فيها .
وأنا أشاطرك الرأي بأن جرعة الأدب فيها قليلة بالمعنى البنيوي للكلمة .
تحيتي لك أيها الجميل .
فهد العتيق
22-11-2008, 06:33 pm
أهلا بالصديق المبدع الأستاذ عبد الرحمن حلاق ,
شكرا لمرورك ومتابعتك ووترحيبك ,
وأتفق معك أننا بحاجة الى أن نقرأ كل أدب قراءة جادة ومنصفة وناقدة .
مودتي
فهد
محمد عبد الله الغامدي
23-11-2008, 02:46 pm
الأستاذ: فهد العتيق
أصبت بالدهشة عندما قرأت عمله " كائن لا تحتمل خفته" وايامها كنت أقرأه عبر ورق مصور مرره لي الصديق عيد الخميسي.. من خلال دهشتي استمريت إلى اليوم مع كونديرا وأنظر إلى أنه واع لما يكتبه، وكفى بالكاتب أن يكون واعيا بما يكتبه.
الرؤية هنا هي رؤية ناقد وليس رؤية كاتب، فأنت تكتب والنقد يرى ما يراه، وهذا النقد ليس شرطاً أن يكون صحيحاً أو في محله، فالنقد هذه الأيام أيضاً يحاول القول إنني لست حكراً لأفكار الآخرين بل أنا أصنع أدواتي بالطريقة التي أراها مناسبة ومنهجي الذي اتبع.
كتبت عن الرواية عندنا عام 2007م مقالة في صحيفة عكاظ أعيدها هنا فقد تساند الجمل الأخيرة من موضوعك هنا.. وليطلع عليها من لم يقرأها من قبل وهي كالتالي:
" كنت قبل خمس عشرة سنة، أتحدث مع الأصدقاء سواء في الصحافة أو في المشهد الثقافي، عن عدم وجود كاتب للرواية، بغض النظر عن المشري رحمه الله، لينطلق الثلاثي الصديق عبده خال وغازي القصيبي وعلي الدميني ويلهمون الكثيرين والكثيرات في هذا المجال، وكأنهم قالوا لهم لا تتهيبوا من كتابة الرواية فهي ديوان العرب الجديد وستكون أصداؤها أفضل من أصداء الشعر. والحقيقة أنه يمر على الساحة الثقافية العديد من الكتاب والكاتبات في مجال الشعر ومع ذلك لا تكاد ترى سوى أصداء الغبار منها في الصحافة، دون أن يأخذ ديوان العرب الحقيقي حقه من الصحافة أو النقد، وذلك لكون الرواة الجدد سيطروا على الساحة الثقافية، واكتسحوا الأخضر واليابس فيها. لكن الملاحظ في هذا الجانب هو أن السيطرة اتجهت نحو فئتين أفسدتا على الشعراء فرحتهم بشعرهم واعتقادهم أن المجتمع ما زال يتغنى بما يقولونه، وهما: فئة الطبقة الراقية والمشهورة قبل أن تكتب الرواية ومنهم غازي القصيبي وتركي الحمد وعبده خال وعلي الدميني، وفئة غير معروفة على الإطلاق ولم يكن لها صيت انحازت لها الصحافة بحكم التوجه العام نحوها وهي فئة النصف الآخر ( الأنثى)، وكأن الصحافة هنا فرقت بين الكتابة وبين النوع الذي يكتبها، وحتمياً يجب التفريق فمن المستحيل أن أضع تجربة عبده خال مع كاتب آخر لأول مرة يكتب ودون أن يمتلك أدواته، ولكن العجيب في الأمر أن هذا المقياس كان باتجاه الرجل فقط دون الأنثى، حيث ان أية أنثى تكتب رواية تتجه نحوها أعين الصحفيين وكأنها حصلت على جائزة نوبل أو أتت بما لم يستطع الإتيان به نيوتن، ودون أن تفرق بين الغث والسمين، المهم أن من كتب هذه الرواية هي امرأة، وكأننا بهذا سنحرر المرأة، رغم علمنا أن المرأة لا تحتاج إلى تحرير بل المجتمع برمته من يحتاج إلى تحرير في أفكاره.
***
الحقبة التي أنتجت أدباً ثلاثياً ان صحت التسمية هي منتصف الثمانينات وفيها انطلقت موجة الحداثة لنلحظ تعاضدية ثلاثية لم تكن مسبوقة حيث النقد انطلق بوجه آخر مع «الخطيئة والتكفير» للدكتور عبدالله الغذامي ليواكبه في السياق الدكتور معجب الزهراني والدكتور سعد البازعي وإن كان له حضوره من قبلهما في الساحة هو والدكتور منصور الحازمي، والدكتور عبدالله المعيقل، وسعيد السريحي وميجان الرويلي، والدكتور عالي القرشي.. الخ. هذه المؤسسة النقدية الجديدة سبقها الحضور الشعري بقليل عبر محمد العلي أولاً ثم سعد الحميدين (أول ديوان تفعيلي)، ومحمد الحساني، الذي يرى أنه أول من كتب شعر التفعيلة، وعلي الدميني ومحمد جبر الحربي ومحمد الثبيتي وعبدالله الصيخان والدكتورة ثريا العريض وفوزية أبو خالد، ليواكبها الحضور الجديد لقصيدة النثر عبر أحمد الملا وغسان الخنيزي وإبراهيم الحسين وعلي العمري ومحمد الحربي ليس جبراً ومحمد الدميني وهدى الدغفق وأحمد كتوعة، وغيرهم. هذا السياق الشعري واكبه أيضاً حضور في القصة القصيرة وهذا الحضور كان أنثوياً عبر بدرية البشر ورجاء عالم ونورة الغامدي وأميمة الخميس وليلى الأحيدب ونورة الشملان وغيرهن. بغض النظر عن الحضور السابق الذي كان فاعلاً أكثر من الشعر لحسين علي حسين ومحمد علوان وصالح الأشقر وعبدالله باخشوين ومحمد علي قدس ومحمد الشقحاء..الخ.
لنلحظ أن حركة الشعر كانت طاغية من الباب الذكوري فقط بينما القص تحركت فيه أسماء نسائية واضحة. بل ظهرت بعد الأسماء السابقة شعرياً أسماء جديدة مسفر الغامدي، عيد الخميسي، محمد حبيبي، خالد مصطفى، عبدالرحمن الشهري، إبراهيم الوافي.. الخ. وأيضاً تحرك النقد ليظهر جيل جديد علي الشدوي، محمد العباس، حسين بافقيه، محمد الحرز، محمد الدبيسي، معجب العدواني الذين خرجوا من عباءة حركة لنقد التي سبقتهم منذ موجة الحداثة.
ليظهر أمامنا المشهد بكامله في الرواية حيث شقة الحرية للقصيبي والعدامة للحمد وغيمة الدميني الرصاصية، لتتوالى الأعمال الروائية من الكتاب بعد ذلك رجاء عالم (من قبل)، عبده خال، يوسف المحيميد، عبدالله التعزي عبدالحفيظ الشمري، عواض العصيمي، محمود تراوري، أحمد الشويخات، فهد العتيق، أحمد أبو دهمان وغيرهم.
والعجيب أن التسعينات من القرن الماضي كان معظم كتابها من جيل السبيعينات، أي أنهم أهل حنكة وخبرة على المستوى الكتابي وعلى مستوى التجربة الحياتية، يجاورهم في ذلك كتاب القصة كالدويحي وخال والعتيق..الخ، أو كُتّاب الشعر كالدميني والقصيبي اللذين يتساويان في الحقبة الثقافية التي عاشاها.
***
انشق القرن الجديد بعلامات لم تكن على البال حيث ان الرواية النسائية بدأت تحيك خيوطها وتظهر فبعد التسابق الروائي بين الذكور انطلقت الروايات تتلى سواء من رجاء عالم أو زينب حفني أو نورة الغامدي، لتكون (الفردوس اليباب) لليلى الجهني هي المفتتح لروايات «القهر الأنثوي»، لكن الجيل الجديد من الكاتبات يرسم من ليلى الجهني في رأيي. لتأتي «بنات الرياض» و«القران المقدس» و«ملامح» و«الآخرون» للكاتبات رجاء الصانع وطيف الحلاج وصبا الحرز وأخيراً «النهر الثالث» لنسرين غندورة 11/2006م.
هذا التقارب الذهني والمكاني والزماني في الروايات الأنثوية، يعيدنا إلى بداية هذه الرؤية حيث الخط يتضح هنا أن الرواية كأنها ترسم لدينا عالمها في اتجاه المشاهير والاتجاه الأنثوي، وهي إما أن تحمل فضائح المشاهير وأسرارهم عبر إسقاطاتهم أو أنها تحمل أسرار الجزء الغامض في حياة المرأة السعودية أما ما يأتي بينهما فلا وجود له في الحركة النقدية السعودية وحتى في حركة الصحافة اليومية أو الأسبوعية التي تتجه نحو حركة الأدب. لتبرز الاشكالية الكبرى وهي إشكالية ضياع كتاب الشعر في أدبنا لا لعدم فاعليتهم أو لعدم حرفيتهم بل لعدم التفات المجتمع لما هو أكثر تقنيناً.
***
الاشكالية الظاهرة هنا هي إشكالية (متلقي) وليست إشكالية (صحافة)، فالصحافة تسعى إلى إيجاد منفذ لها عبر هذه الدروب وتنظر إلى الأدب والمجتمع بعين واحدة، وهي جزء من المجتمع الذي يحتاج برمته إلى رؤية مغايرة، والرؤية المغايرة قد تأتي من الرواية.
ولعل الشعر يكتب نهايته بعد تحول كتابته إلى الرواية، وقلم الشعر قد يختفي على الرغم من أن الغالب يقول لا يمكن للشعر أن يفقد بريقه، وأن الرواية لن تستطيع إلغاءه والدلائل تشير إلى التحول نحو الديوان الجديد للعرب وهو الرواية.. ومعذرة أيها الشعراء فلا مكان لكم!!. "
هنا الرابط لها في الصخيفة
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20070118/C...07011879722.htm
فهد العتيق
24-11-2008, 01:37 pm
الاستاذ محمد الغامدي شكرا لاضافتك حول هذا الكاتب الجميل , كما أن الرواية السعودية تخطو خطوات جيدة الان رغم عمرها القصير .. مودتي
الاستاذ ايمن الاسمر أهلا بمرورك , ربما ليس الحبكة لكن التنظير الزائد , مودتي
محمد البشير
25-11-2008, 12:46 pm
تحياتي لك أستاذ / فهد العتيق ..
ما طرحته هنا هو جس لحقيقة يغمض الكثير عينيه أمامها ... إما انبهاراً بما ينجبه الغرب ، أو هو تهميش لما ينتجه أبناء جلدته ..
وهذه مصيبتنا ..
حين يجد الناقد نفسه مجبوراً أن يكشف العوار في رواية محلية بينما يغض الطرف ويكشف نقاط القوة في رواية أجنبية متغاضياً عن ما يراه عيباً في رواية محلية ...
وهذا ما كشفته وسلطت الضوء عليه
(فهد العتيق @ 18-11-2008, 08:00 pm)

(الأمر الذي يعني أن مثقفا خطف الرواية من بطلها وصار يتسيدها وليس مجرد كائن عادي ) .
فحين تختطفها بحق . تجد من ينتقد .. وحين يختطفها كونديرا فلا إثم عليه ؟!
وقيدماً قال أمير الشعراء :
أ حرام على بلابله الدوح ... حلال للطير من كل جنس ؟!
تعرية رائعة أستاذ / فهد للواقع الذي سجلته كما سجلته ....
وهذا ما كشفته وسلطت الضوء عليه
(فهد العتيق @ 18-11-2008, 08:00 pm)

الكاتبة الكرواتية (دوبرافكا اوجريسك) , في مؤتمر أدبي بالسويد عقد في الصيف الماضي : (الأدباء الجادين الآن مثل العصافير فوق فروع الشجر يذهب شدوهم في الخلاء كأنه عناصر ميتافيزيقية , وقالت إن السوق أصبح قوة نافذة وانه بات وشيكا أن يفقد الأدباء الجادين لميراثهم التاريخي والأدبي وهذا خطير) .
فالمؤتمؤات والحفاوة تنصب صوب الإناث حين يخربشن ، ويحرم منها من لهم باع من الرجال ...
أما السبب ؟؟ ففي بطن الناقد ؟
شكراً لك ..
سيد الوكيل
25-11-2008, 03:00 pm
(محمد عبد الله الغامدي @ 23-11-2008, 03:46 pm)

الأستاذ: فهد العتيق
أصبت بالدهشة عندما قرأت عمله " كائن لا تحتمل خفته" وايامها كنت أقرأه عبر ورق مصور مرره لي الصديق عيد الخميسي.. من خلال دهشتي استمريت إلى اليوم مع كونديرا وأنظر إلى أنه واع لما يكتبه، وكفى بالكاتب أن يكون واعيا بما يكتبه.
الرؤية هنا هي رؤية ناقد وليس رؤية كاتب، فأنت تكتب والنقد يرى ما يراه، وهذا النقد ليس شرطاً أن يكون صحيحاً أو في محله، فالنقد هذه الأيام أيضاً يحاول القول إنني لست حكراً لأفكار الآخرين بل أنا أصنع أدواتي بالطريقة التي أراها مناسبة ومنهجي الذي اتبع.
كتبت عن الرواية عندنا عام 2007م مقالة في صحيفة عكاظ أعيدها هنا فقد تساند الجمل الأخيرة من موضوعك هنا.. وليطلع عليها من لم يقرأها من قبل وهي كالتالي:
" كنت قبل خمس عشرة سنة، أتحدث مع الأصدقاء سواء في الصحافة أو في المشهد الثقافي، عن عدم وجود كاتب للرواية، بغض النظر عن المشري رحمه الله، لينطلق الثلاثي الصديق عبده خال وغازي القصيبي وعلي الدميني ويلهمون الكثيرين والكثيرات في هذا المجال، وكأنهم قالوا لهم لا تتهيبوا من كتابة الرواية فهي ديوان العرب الجديد وستكون أصداؤها أفضل من أصداء الشعر. والحقيقة أنه يمر على الساحة الثقافية العديد من الكتاب والكاتبات في مجال الشعر ومع ذلك لا تكاد ترى سوى أصداء الغبار منها في الصحافة، دون أن يأخذ ديوان العرب الحقيقي حقه من الصحافة أو النقد، وذلك لكون الرواة الجدد سيطروا على الساحة الثقافية، واكتسحوا الأخضر واليابس فيها. لكن الملاحظ في هذا الجانب هو أن السيطرة اتجهت نحو فئتين أفسدتا على الشعراء فرحتهم بشعرهم واعتقادهم أن المجتمع ما زال يتغنى بما يقولونه، وهما: فئة الطبقة الراقية والمشهورة قبل أن تكتب الرواية ومنهم غازي القصيبي وتركي الحمد وعبده خال وعلي الدميني، وفئة غير معروفة على الإطلاق ولم يكن لها صيت انحازت لها الصحافة بحكم التوجه العام نحوها وهي فئة النصف الآخر ( الأنثى)، وكأن الصحافة هنا فرقت بين الكتابة وبين النوع الذي يكتبها، وحتمياً يجب التفريق فمن المستحيل أن أضع تجربة عبده خال مع كاتب آخر لأول مرة يكتب ودون أن يمتلك أدواته، ولكن العجيب في الأمر أن هذا المقياس كان باتجاه الرجل فقط دون الأنثى، حيث ان أية أنثى تكتب رواية تتجه نحوها أعين الصحفيين وكأنها حصلت على جائزة نوبل أو أتت بما لم يستطع الإتيان به نيوتن، ودون أن تفرق بين الغث والسمين، المهم أن من كتب هذه الرواية هي امرأة، وكأننا بهذا سنحرر المرأة، رغم علمنا أن المرأة لا تحتاج إلى تحرير بل المجتمع برمته من يحتاج إلى تحرير في أفكاره.
***
الحقبة التي أنتجت أدباً ثلاثياً ان صحت التسمية هي منتصف الثمانينات وفيها انطلقت موجة الحداثة لنلحظ تعاضدية ثلاثية لم تكن مسبوقة حيث النقد انطلق بوجه آخر مع «الخطيئة والتكفير» للدكتور عبدالله الغذامي ليواكبه في السياق الدكتور معجب الزهراني والدكتور سعد البازعي وإن كان له حضوره من قبلهما في الساحة هو والدكتور منصور الحازمي، والدكتور عبدالله المعيقل، وسعيد السريحي وميجان الرويلي، والدكتور عالي القرشي.. الخ. هذه المؤسسة النقدية الجديدة سبقها الحضور الشعري بقليل عبر محمد العلي أولاً ثم سعد الحميدين (أول ديوان تفعيلي)، ومحمد الحساني، الذي يرى أنه أول من كتب شعر التفعيلة، وعلي الدميني ومحمد جبر الحربي ومحمد الثبيتي وعبدالله الصيخان والدكتورة ثريا العريض وفوزية أبو خالد، ليواكبها الحضور الجديد لقصيدة النثر عبر أحمد الملا وغسان الخنيزي وإبراهيم الحسين وعلي العمري ومحمد الحربي ليس جبراً ومحمد الدميني وهدى الدغفق وأحمد كتوعة، وغيرهم. هذا السياق الشعري واكبه أيضاً حضور في القصة القصيرة وهذا الحضور كان أنثوياً عبر بدرية البشر ورجاء عالم ونورة الغامدي وأميمة الخميس وليلى الأحيدب ونورة الشملان وغيرهن. بغض النظر عن الحضور السابق الذي كان فاعلاً أكثر من الشعر لحسين علي حسين ومحمد علوان وصالح الأشقر وعبدالله باخشوين ومحمد علي قدس ومحمد الشقحاء..الخ.
لنلحظ أن حركة الشعر كانت طاغية من الباب الذكوري فقط بينما القص تحركت فيه أسماء نسائية واضحة. بل ظهرت بعد الأسماء السابقة شعرياً أسماء جديدة مسفر الغامدي، عيد الخميسي، محمد حبيبي، خالد مصطفى، عبدالرحمن الشهري، إبراهيم الوافي.. الخ. وأيضاً تحرك النقد ليظهر جيل جديد علي الشدوي، محمد العباس، حسين بافقيه، محمد الحرز، محمد الدبيسي، معجب العدواني الذين خرجوا من عباءة حركة لنقد التي سبقتهم منذ موجة الحداثة.
ليظهر أمامنا المشهد بكامله في الرواية حيث شقة الحرية للقصيبي والعدامة للحمد وغيمة الدميني الرصاصية، لتتوالى الأعمال الروائية من الكتاب بعد ذلك رجاء عالم (من قبل)، عبده خال، يوسف المحيميد، عبدالله التعزي عبدالحفيظ الشمري، عواض العصيمي، محمود تراوري، أحمد الشويخات، فهد العتيق، أحمد أبو دهمان وغيرهم.
والعجيب أن التسعينات من القرن الماضي كان معظم كتابها من جيل السبيعينات، أي أنهم أهل حنكة وخبرة على المستوى الكتابي وعلى مستوى التجربة الحياتية، يجاورهم في ذلك كتاب القصة كالدويحي وخال والعتيق..الخ، أو كُتّاب الشعر كالدميني والقصيبي اللذين يتساويان في الحقبة الثقافية التي عاشاها.
***
انشق القرن الجديد بعلامات لم تكن على البال حيث ان الرواية النسائية بدأت تحيك خيوطها وتظهر فبعد التسابق الروائي بين الذكور انطلقت الروايات تتلى سواء من رجاء عالم أو زينب حفني أو نورة الغامدي، لتكون (الفردوس اليباب) لليلى الجهني هي المفتتح لروايات «القهر الأنثوي»، لكن الجيل الجديد من الكاتبات يرسم من ليلى الجهني في رأيي. لتأتي «بنات الرياض» و«القران المقدس» و«ملامح» و«الآخرون» للكاتبات رجاء الصانع وطيف الحلاج وصبا الحرز وأخيراً «النهر الثالث» لنسرين غندورة 11/2006م.
هذا التقارب الذهني والمكاني والزماني في الروايات الأنثوية، يعيدنا إلى بداية هذه الرؤية حيث الخط يتضح هنا أن الرواية كأنها ترسم لدينا عالمها في اتجاه المشاهير والاتجاه الأنثوي، وهي إما أن تحمل فضائح المشاهير وأسرارهم عبر إسقاطاتهم أو أنها تحمل أسرار الجزء الغامض في حياة المرأة السعودية أما ما يأتي بينهما فلا وجود له في الحركة النقدية السعودية وحتى في حركة الصحافة اليومية أو الأسبوعية التي تتجه نحو حركة الأدب. لتبرز الاشكالية الكبرى وهي إشكالية ضياع كتاب الشعر في أدبنا لا لعدم فاعليتهم أو لعدم حرفيتهم بل لعدم التفات المجتمع لما هو أكثر تقنيناً.
***
الاشكالية الظاهرة هنا هي إشكالية (متلقي) وليست إشكالية (صحافة)، فالصحافة تسعى إلى إيجاد منفذ لها عبر هذه الدروب وتنظر إلى الأدب والمجتمع بعين واحدة، وهي جزء من المجتمع الذي يحتاج برمته إلى رؤية مغايرة، والرؤية المغايرة قد تأتي من الرواية.
ولعل الشعر يكتب نهايته بعد تحول كتابته إلى الرواية، وقلم الشعر قد يختفي على الرغم من أن الغالب يقول لا يمكن للشعر أن يفقد بريقه، وأن الرواية لن تستطيع إلغاءه والدلائل تشير إلى التحول نحو الديوان الجديد للعرب وهو الرواية.. ومعذرة أيها الشعراء فلا مكان لكم!!. "
هنا الرابط لها في الصخيفة
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20070118/C...07011879722.htm
أتفق معك يا أستاذ محمد
أن الحضورى النسوى فى السرد القصصى والروائى كبير ، عنه فى الشعر .
ربما الشعر هو تمثيل للفحولة العربية ، يحمل بلاغتها وتقاليدها التى ترسخت فى وعينا وثقافتنا
ألست ترى أن الصوت الجهورى فى الشعر يذكرنا بقرابة الخطابة ، هو تقليد فى الإلقاء الشعرى ومن ثم التلقى ، ومن ثم تشكيل الوعى الجمالى بما هو شعر .
النظام أيضا تمثيل لفحولة الشعر ، سواء كان عموديا أو تفعيلى ، أو لغوى ، فالنظام هو التجلى الواضح لسلطة الشكل ، وأنا أقصد استخدام لفظة السلطة لتشير إلى البعد المؤسسى والذكورى فى الشكل . حين يتحول الشكل إلى سلطة فهو يرفض العديد من الأشكال الأخرى ويعتبرها هامشا ، تماما كما توضع المرأة فى هامش الشكل الاجتماعى المحمل بتقاليده.ونظمه .
إن السلطة تصل إلى مستوى اللغة والبلاغة لتمثل الفحولة ، وتهمش غيرها .
لقد أعطى السرد للنساء فرصة تحريك سلطة الشكل وابتكار أشكال جديدة وأحيانا هدم الشكل تماما ، وهو ما لايستطيع شاعر أن يجترأ عليه وإلا طرد من جنة الشعراء . كما أعطاهن السرد فرصة تشكيل لغوى مغاير للفصاحة والبلاغة القديمة .
أختلف معك قليلا فى أن الإشكالية هى إشكالية تلقى فقط ، بل الصحافة مسؤلة إلى حد كبير جدا
الإعلام قادر على توجيه ذائقة التلقى ، فالمتلقى بطبعه يميل إلى الاستقرار ، ولا ينزع للتغير بدون محركات ودوافع لتغيير ذائقته
أظن ان الإعلام المرئى قبل المكتوب أثر بشكل كبير على تنحية الخطاب الشعرى ، ووضع الخطاب السردى فى بؤرة الشعور لدى المتلقى .لكن هذا ـ على أى حا ـ يعكس استجابة لمتغير فى طبيعة الاتصال الجماهيرى ،ومن ثم فى طبيعة الخطاب ، فالاتصال الشفهى
عموما فميديا الاتصال الجماهيرى الحديث تنزع إلى الحكى والمحاكاة سواء بالصورة أو بالكلمة .
محمد عبد الله الغامدي
26-11-2008, 05:07 pm
الأستاذ العزيز: سيد الوكيل
لا يخفى على الجميع أن الرجل يتفوق في الشعر، والملاحظة الجديرة بالاهتمام هنا ـ وإن كانت ستغضب السيدات ـ أن المرأة لم تتفوق أيضاً في السرد على الرغم من أن الأفق مفتوح.. لماذا؟ لأن الغالب مما أقرأ يتمحور حول مسألة وجدانية مبنية على لغة، دون أن نلحظ لعبة السرد القائمة على حكاية، أو القائمة على إيحاءات حكائية، أو إيهام حركي يوصلنا إلى تصور لحكاية.. إنما تقوم على الذات والذات فقط.. وللحقيقة أن اتجاه القصة القصيرة تحديدا نحو هذا المنحى من قبل الخط الأنثوي يمنحنا دلالة أكيدة أن اللعبة ما زالت قائمة على الخط الذكوري.. أتخيل أن الأمور الاجتماعية أيضا تسطو على حق التعبير للمرأة، وخوفها من التأويل جعلها تهرب إلى هذا النوع من الكتابة.. الذي تسميه أنت تجريب أو كسر للشكل أو ابتكار لأشكال جديدة.. وهنا لا أعمم، ولكن أخصص هذا الاتجاه نحو حقبة الألفين..
عالم المرأة السردي ثري جدا لدينا في البلاد العربية، وخيالها خصبا ولكن ما زال في الظل، لأن حركة الرجل طاغية عليه.. ومن هنا يتم الهروب إلى الناحية الذاتية التي تتحرك في إطار ضيق.
السرد ليس حالة ذاتية بحتة باستمرار وإن استمر هكذا فهو في قصور ولن يتزحزح من أفكاره، ولن يخلق عالمه الإبداعي.
أما مسألة الصحافة أو الإعلام بشكل عام فأستطيع القول لك إنني عشت وسط الأجواء الصحفية الثقافية، وما زلت قريبا منها ـ لاحظ قريبا ـ وعندما نظرت إلى إشكالية المتلقي كانت رؤيتي من باب أن الصحافة هي جزء من المجتمع، وهذا المجتمع برمته يحتاج إلى إعادة نظر.. بمعنى أن الحالة السائدة هي أن الوعي الكامل الذي ننظر إليه لا يأتي عبر جزئية بل لابد أن يكون عبر كل الجزئيات، ومن هنا فإن منظومة الفعل الثقافي، متى ما كان الوعي في المجتمع، ستأخذ مجراها بشكل طبيعي جدا، وبالتالي فإن صفحات الثقافة سترتقي أيضاً..
وبكل أسف صحفنا لا تهتم بالصفحات الثقافية بحجة أنها لا تؤكل عيش.. والعيش هذا هو الإعلان بالنسبة للصحيفة.. تخيل لو أن صاحب رأس مال اشترط إعلانا في صفحات الثقافة كيف ستتحول الرؤية هنا من قبل صانعي القرار في الصحيفة.. بل تخيل لو أن رجل أعمال ذكي أصر على أن إعلاناته لا تكون إلا في هذه الصفحات ألا ترى أن هذا سيخدم الثقافة.. هي جزئية بسيطة جداً لو فكر فيها رجل الأعمال.. رجل الأعمال الذي يدعي الثقافة يدفع ملايين الريالات أو الدولارات لمشروع ثقافي.. دون أن يشعر أن هناك حركة بطيئة تسانده في اتجاهه الفكري، وهذه المساندة لن تأتي عبر صفحات الاقتصاد بل ستأتي عبر صفحات الثقافة.. فجميعنا يعلم أن صفحات الاقتصاد تذهب نحو الأرقام فقط.
إذاً الفكرة هي فكرة من يساند وجود هذه الصفحات، ومن يقوم عليها.. ومن يستقبلها.. إن كانت ذائقة المتلقي مرتفعة فلن يقبل بما يعرض في هذه الصفحات، وإن كانت عادية فإن الأمور ستبقى على حالها. ولا أنكر هنا أن بعض الصحف ما زالت تهتم بالبعد الثقافي ولكنها تسير على وتيرة واحدة لا تخدم المشروع الثقافي العام.. ولا تساير المشروع السردي الذي انتفض انتفاضة غير عادية منذ مطلع القرن الجديد.
أما الإعلام المرئي لدينا في العالم العربي يحاكي.. وهو مثل الغراب الذي أراد أن يقلد الحمامة فأضاع مشيته..
دمت بخير أيها الصديق على هذا التداخل.
( شوف كبرت الخط
)
فهد العتيق
1-12-2008, 06:03 pm
أهلا بالصديق المبدع محمد البشير , شكرا لملاحظاتك تجاه هذا النص القراءة ,
وشكرا لحضورك الجميل ,
مودتي
د/عطيات أبو العينين
22-12-2008, 09:22 pm
الأستاذ/ فهد العتيق
الحقيقة إن العنوان فعلا رواية قليلة الأدب لا يعني ما قلته داخل النص علي إنه قليل المستوي وهذا المعني الذي توج عنوان بطل قليل الثقافة رواية قليلة الأدب غير محبذ وبخلاف ذلك فإني أتفق مع القائلين علي أن الكتاب الذين يراعوا الجدية في أعمالهم علي أغصان الشجر في حين نجد الكتاب الذين يوغلوا في الإباحية والأدب الرخيص هم الأكثر شيوعا والأكثر شدوا هم الذين يطنطن الجميع بأسمائهم أتمني أن يعود الذوق الجميل والحس العالي ويعود للأدب قرائه الذين هجروه
د/عطيات أبو العينين كاتبة من مصر