هويدا صالح
18-11-2008, 07:37 pm
سيد إسماعيل ضيف الله / أستاذ بالجامعة الأمريكية
موسم الهجرة إلى الأسطورة
يبدأ مع "ملاك الفرصة الأخيرة"
سيد ضيف الله
وتبقى الرواية أكثر الأنواع الأدبية قدرةً على المراوغة، والانفلات من أسر كل محاولات التقييد النظرى، فليس ثمة منظّر أو ناقد يستطيع أن يجزم أن لديه وصفا دقيقًا يطمئن لأن يندرج تحته ذلك الموج الهادر من الإنتاج الروائي، وكأن بحور السرد قد تدفقت من كل صوب جارفة في طريقها كل الحدود التنميطية لأشكال الرواية وأنواعها بل وماهياتها. وليس ثمة من يستطيع أن ينبئ مطمئنًا من أين ستاتي الموجة الروائية التي ستعلو على رؤوس الأشهاد متأملين جماليتها المفارقة لما سبقها من موجات روائية. وتبقى الظنون تحوم حول فكرة" الجيل" التي تريح البعض الذي ينشد التصنيف الزمني المألوف. لكن مخالفة ظنون القراء والنقاد مهارةٌ لا يتملكها إلا من أحسن الظن بالنوع الروائي بوصفه نوعًا يتم تعاطيه لما "كُتِب له". فمن يكتب الرواية للتواجد فهو له، ومن يكتب الرواية لامرأة ينكحها فهي له، ومن يكتب الرواية من أجل التنوير، فهو من المنوِّرين، أما من يكتب الرواية بحثًا عن "ملاك الفرصة الأخيرة" فهو سعيد نوح .
تختلف رواية "ملاك الفرصة الأخيرة" لسعيد نوح، الصادرة منذ أسابيع، ليس عما تختزنه ذاكرتي من قراءات روائية فحسب، بل تختلف عن الروايات الثلاث السابقة للكاتب نفسه، وهي "كلما رأيت بنتًا حلوة أقول يا سعاد" 1995و"دائمًا ما ادعو الموتى"2002و"61 شارع زين الدين"2007.
وفيما يتعلق بأوجه هذا الاختلاف فيمكن أن أقف على أحد أهم وجوهه، وهو ما أسميه بـ"أسطورية الرواية". ففي ثقافتنا العربية جففنا الأسطورة ومنابعها مرة باسم الدين ومرة باسم الدنيا.
لقد كان للنص المؤسس للثقافة العربية وهو القرآن منذ نزوله في بيئة ثقافية كان للأسطورة فيها دور في تفسير ظواهر حياتية متعددة، موقف الرافض والمعادي لتلك الأساطير باعتبارها أباطيل؛ بهدف إزاحتها وإحلال نسق معرفي جديد محلها. ويبدو أن هذا الإحلال لم يكن بترًا للأسطورة بقدر ما كان إعادة توطيف لها على نحو يحقق غايات الرسالة التي أتى بها نبي له وحده عبر وساطته أن يفسِّر بطريقة جديدة ما كان يحاول منتجو الأساطير من الأولين ان يفسِّروه سواء تعلق بالحياة الدنيا أو بالحياة الأخرى. وقد تجلّى ذلك في الأدب على نحو ما يمكن أن نلمسه من افتقار الشعر في صدر الإسلام للنزعة الأسطورية والميل للحكمة حينًا وللواقع المعاش في أغلب الأحيان، فضلاً عن الموقف النقدي الثقافي من القص والقصاصين الذين كانوا يسمحون لأنفسهم باختلاق التاريخ مرة أخرى بروح تقارب روح خالقي الأساطير . فقد كان تصنيف عملهم باعتباره إلهاء عن ذكر الله تجسيدَا لرغبة الثقافة السائدة في قطع الطريق على كل محاولة لتوطيف الأسطورة لأي غرض ،حتى لو كان التسلية/ الأدب، يخالف غرضها من توظيف فعل الأسطرة. وقد استمر ذلك الموقف الثقافي قرونًا وهو ما نلمسه في الموقف الثقافي وليس الأخلاقي فحسب من النصوص ذات الملامح الأسطورية أو الخرافية، و التي صُنفت ثقافيًا على أنها "ادب شعبي" انتقاصًا منها وليس اعترافًا بقيمتها.
أما اللحظة الثانية في ثقافتنا العربية والتي حاولنا فيها تجفيف وخنق الأسطورة فكانت وللمفارقة نقيضة اللحظة الأولى حيث كانت باسم الدنيا، أعني باسم الحداثة. فمنذ الاحتكاك بالغرب وبزوغ الخطاب الحداثي كانت غاية كل حداثي إحلال العقل محل الخرافة / الأسطورة ، أو بمعنى آخر لقد وصل الإيمان بفكرة" التقدم" لدرجة التقديس التي توهم المؤمنين بها بأن من حقهم أن يحتكروا تلك الصفة، بل وأن يسكِنوا سواهم من مقترفي الأسطورة والخرافة "المساكن الشعبية" التي لا تدخلها "شمس العقلانية" ولا " هواء "الأدب الرفيع". دون أن يخلو ذلك من مسحة تعاطف ربما قادتهم إلى ضرورة النظر في تلك النصوص والاعجاب بها باعتبارها معبِّرة عن لحظة تاريخية مضت وبلا رجعة، ويا حبذا لو تم توظيفها او التناص معها في نصوصهم الإبداعية الحداثية بغرض خدمة الفكرة الأم وهي "التقدم".
لكن هناك إضافة أخرى اتت بها لحظة الحداثة لتختلف بها عن لحظة نزول النص المؤسس للثقافة العربية، وهي النظر إلى الدين في كثير من الخطابات الحداثية باعتباره تصورًا أسطوريًا للعالم، ومن ثم يصعب أن تتحقق فكرة "التقدم" الدنيوية في ظل هيمنة ذلك التصوُّر الأسطوري على العقول، ولعبه دور العنصر المهيمن في تشكيل المنظومة المعرفية والقيمية والجمالية للثقافة السائدة.
وعلى الرغم من كل محاولات بتر أو إقصاء الأسطورة سواء باسم الدين أو باسم الدنيا ، فإن نتائج هذه المحاولات تشير إلى فشلها في تحقيق البتر أو الإقصاء، وإن كانت قد نجحت في تجفيف بعض منابعها التقليدية ، لكن الطبيعة المراوغة للأسطورة مكّنتها من التدفق للوجود عبر منابع جديدة. وإذا كنا نعني بالأسطورة الخرافة ذات الموورث الدلالي السلبي من منظور عقلاني أو ديني فإنه الخرافة حاضرة بقوة في كثير من مناحي حياتنا الحديثة، وكذلك هي حاضرة ومستمرة في الرواية ولها تقديرها الجمالي العالي تحت مسمى الرواية العجائبية منذ نظَّر لها تودروف.
وإذا كنا نعني بالأسطورة بناءً فكريًا يتصف بأنه مطلق ومغلق على نفسه، فإن تلك الصفات يمكن أن نصف بها الحداثة نفسها ، والخطاب الديني نفسه، بنفس الدرجة التي يمكن أن تُوصف بها الأسطورة ابنة تاريخ ما قبل الاديان الإبراهيمية. وهي كذلك صفات حاضرة بقوة في أشكال وعينا في مجالات معرفية مختلفة ، كما تتجسد جماليًا في الرواية تحت مُسمَّى " السرد الإطلاقي"، وهو المطصلح الذي استخدمه مجدي توفيق في دراسته"الأسطورة والرواية .. علاقة ونصوص" المنشورة على موقع منتدى القصة العربية. ويعني به " السرد الذي يؤسطر دون أن يكون في حاجةٍ إلى حشد الأعاجيب، والخوارق، أو الانتقال بالصورة السردية إلى أفقٍ مغايرٍ لما يسميه الناسُ بالواقع . (...) إن السرد العجائبي إطلاقي أيضاً، لكنَّ إطلاقيته ليست مفاهيمية ، بل تنجم عن تشخيص العجيب".
وعلى الرغم من تأكيدنا أن ليس ثمة من يستطيع أن يقدّم تعريفًا للرواية يدرج تحته مطمئنًا تلك الموجات الهادرة من الإنتاج الروائي، إلا أننا نرى ثمة ملاءمة بين رواية سعيد نوح"ملاك الفرصة الأخيرة" وما يقدمه مجدي توفيق من تعريف للرواية مستلهمًا كاسيرر وفكرته عن القوى الرمزية، حيث "نستطيع أن نعرِّف الرواية – من منظور الأسطورة- بأنها ساحة سردية أسطورية، لاكتشاف الأساطير ومصارعتها".
إن سعيد نوح يدرك منذ بداية الرواية انه يكتب شيئًا مختلفًا.
"أتدرون؟! أنا واثق من اني سأكتب شيئًا فريدًا هذه الساعة.
سوف أبدأ من بداية الخلق" (الرواية ص18)
حيث يتخذ سعيد نوح من الرواية سبيلاً للكشف عن أساطيرنا أو قل أوهامنا التى صنعتها الثقافة السائدة، وهو على وعي بأن المحك الذي يمكن ان تتكشف لنا فيه أوهامنا هو "فلسطين"، فعلى هذا المحك/فلسطين ينزع الكاتب عن الخطاب الحداثي ورقة التوت التي تستر عورته زاهيًا بها على "الأسطورة والخرافة"، إذ تسقط فكرة التقدم والعقلانية في مستنقعات اليأس التي خلّفتها مشروعات سلطوية وتنويرية نخبوية حملت اسم الحداثة، وفي نفس الوقت ينزع عن الخطاب الديني ورقة التوت التي يزهو بها على الأباطيل التي جاء ليمحوها، حيث يشارك الخطاب الحداثي العلماني مسئولية اتساع مستنقعات اليأس من تحرير فلسطين على مدى أكثر من ستين سنة.
وجوهر اختلاف الرواية هنا ليس النقد السياسي للخطاب الثقافي السائد بأجنحته الدينية أو العلمانية، وإنما هو أن الرواية كنوع أدبي كان ومازال قرين ونتاج الحداثة فكرًا وإبداعًا، ينتج على يد سعيد نوح عملاً روائيًا يقدِّم نفسه بوصفه أسطورة يصوغها روائي في حالة إبداعية تكفر بالحداثة لأنها تكفر بالإنسان العربي سلطة ومعارضة وشعوبًا مستكينة. كما تكفر هذه الحالة الإبداعية بالخطاب الديني ورموزه الذين تركوا الجوهر وتشبثوا بالتفاصيل فضلاً عن جمود ومعاداة خطابهم للإنسان القادم الذي يصوغ من أجله سعيد نوح الأساطير الروائية،لكننا في نفس الوقت نقرأ رواية محبّةً لله. ومن منطلق هذا الحب يصوغ الكاتب الأساطير القديمة على نحو يسمح له ببث الأمل في أن يأتي "ملاك الفرصة الأخيرة" لينصر أبناء"فلسطين". إن غاية إنتاج أسطورة روائية على نحو مختلف تتحقق هنا بلغة الأسطورة الشاعرية حينًا والدينية حينًا، لكنها ليست بلغة الرواية المألوفة لذاكرتنا القرائية الحداثية.
"لا تعتقد أنك خلقي الأعظم.
أنت نصف الكوب الفارغ أقول لك.
وأقول لك إن حواء هي نصف الكوب الفارغ أيضًا.
أنا المملئ الممتلئ.
بيدي أنتما عرائس أقلّبكما حيث أشاء، وحينما أشاء.
يا آدم اعرف أن حواء ستعيش في الحياة بأرجل دجاجة.." (ص22)
إنّ المرأة في أسطورة سعيد نوح الروائية هي التي تسمح للقدرة على الحياة الكامنة في الرجل بأن تنطلق وكأنها هي التي تسمح له بممارسة الحياة بكل معانيها، ولا يمكن أن تُصاغ هذه المرأة ابنة الأسطورة الجديدة إلا على أنقاض صورة المرأة في الأسطورة القديمة التي صيغت على نحو جعل من حواء سبب خروج آدم من الجنة، وأنها خُلقت من ضلع أعوج...إلخ. إن الخروج من الجنة ضرورة إنسانية في الأسطورة الروائية بل وقرار سليم تمامًا من آدم الذي يُحرم من ممارسة الجنس مع صنوه في الجنة نتيجة لطمس الشيطان لأعضائها الأنثوية، فضلاً عن أنه لم يكن لديه المعرفة بتجربة الموت الذي يمكن أن يصيبه إذا ما أكل من هذه الشجرة، فإذا ما تم تخييرك بين الامتناع عن أكل الشجرة ليحميك من موت لم تجرّبه وربما لا تعرف حتى اسمه، بل ولا تعرف أن الموت هو العقاب على الاقتراب من الشجرة، و بين أكل بعض ثمار هذه الشجرة التي تعيد لصنوك ووليفتك "حواء" اعضاءها الأنثوية كلما أكلتَ ثمرة منها، فلن تتردد في قطف كل ثمار الشجرة، لكن آبانا آدم اكتفى بثمرتين فعاد الفرج والنهدين مكتفيًا بهما كنبعي حياة.
"إن الجميع يقدر على الحياة طالما(!) وجدت حواء" (ص22)
تتجاور الأساطير في الرواية وتتوالد من بعضها البعض وليس ثمة من ناظم لترتيبها أو وجودها أصلاً سوى حالة إبداعية تفرض لغة حكي لديها القدرة على غواية خالق الأسطورة للبدء في عملية خلقه تلك دون معرفة مسبقة بما سيخلقه من أساطير، وهل المنتج الأسطوري يتسق مع ما سبق من أساطير ولأي غاية يتم إنتاجه، فسؤال الغاية غير مطروح وكأننا نقرأ عملاً تُنتج فيه لغةُ الحكي الأساطير "بالقطعة"، لتتجاور وتتوالد وتتفاعل كما هو حالها في نصوصها الدينية الإبراهيمية و ماقبلها.
ومن ثم فإن تلقي مثل هذا العمل يجدر به أن يعايش تلك الحالة الإبداعية ليتفهمها كما يجدر به أن يبتعد عنها حينًا لينقد نتاجها، ليس بعقل حداثي يعد عقلا "غير مُعرّف" على الجهاز الإبداعي لتلك الرواية، وإنما ينقد نتاجها الأسطوري على أسس أسطورية، فالأسطورة لا ينبغي أن تعجز أن تقدّم تفسيرًا متماسكًا للعالم وفق منطقها، لأنها ذات منطق واحد لا تخالطه شائبة الوعي النقدي، كما انها تسعى لتفسير العالم لا لتغييره. لكن انشغال الكاتب بتفاصيل حياتية مؤرّقة وحرصه على أن يقدّم للقارئ وعيًا يليق بمتمرد سياسي محنك لا بمتلقي أساطير يجعل القارئ يغضب من الساسة والحكام ليس بسبب ما يفعلونه به في الواقع بقدر ما يحنق عليهم بحضورهم غير المرغوب فيه في نص أسمى من أن ينشغل بهم. لا سيما أن الأسطورة الأساسية التي تقوم عليها الرواية قد استبعدت الإنسان حاكمًا و محكومًا من تحديد قدر ومصير "فلسطين" منذ بدء الخليقة، وهذا في حد ذاته أمرُّ وأعمقُ نقدٍ سياسي وثقافي يمكن أن توجهه الرواية تحديدًا دون التورط فيما هو متاح لغيرها من وسائل التعبير.
إذ يجعل سعيد نوح في حوار متميز بين الله وإبليس طلب إبليس الأخير من ربه أن يتيح له الفرصة ليدخل إلى ملاك الفرصة الأخيرة المنوط به إدخال الفرح للإنسان قبل الوصول لدرجة اليأس، فكان أن أعطاه الله ذلك الحق ليكون بذلك أمر التأخر في إنقاذ فلسطين على يد ملاك الفرصة الأخيرة مبرَرًا بدخول إبليس،عبر أحد أعوانه وهو الملاك يهوذا، إلى قلب ملاك الفرصة الأخيرة الذي ينشغل بقلبه فتتحرك عاطفته تجاه"خطية" ابنة فلسطين، فيبطيء في مهمته المكلف بها وهي الوصول قبل وصول الإنسان إلى القنوت من رحمة ربه.
- لقد أجبت سُؤلك : لك أبناء عدد أبناء آدم،لك هذا،هل تطلب شيئًا آخر؟(...)
- عندي طلبٌ واحد ياربٌ يؤديه ملاك واحد ياربُّ، ملاك الفرصة الأخيرة.
- ماذا به؟!
- أريد أن أدخل إليه في يوم معلوم لي؛ لأجعله يُخطئ في شئ ما في
المستقبل.
- لك هذا."(ص26)
يتوصل سعيد نوح لفكرة"ملاك الفرصة الأخيرة" كمسئول عن الخطأ التاريخي "فلسطين" وفي نفس المخلّص الوحيد القادر على تصحيح الخطأ بما تنطوي عليه تلك الفكرة الأسطورية من نقض لجدوى وجود الحكام والمحكومين كنوع من الاستفزاز الروائي لمن بقى منهم من الأحياء فعلاً، ويمعن في التأسيس الفني للفكرة بأن يسجلها في اللوح المحفوظ منذ بدء الخليقة، لكنه يبدو أنه طمع في ملاكه فأراده أن يقوم بأعمال إضافية ليس مسئولا عنها روائيًا، ومن هنا راح يكتب عن العشوائيات:
" يابن الرب، فرعوننا الأكبر: إن الحياة في العشوائيات هي نار الله المستعرة.
إن العائش فيها يموت بالسنجة"(ص46)
وكذا عن ضحايا العبّارة:
" صرنا طعامًا للأسماك
وقودًا للسيارات"(ص45)
وكذا عن توريث الحكم في مصر:
"كما أن تصويباتك إلى سلة الحُكم ستؤتي أكلها كل حين!
إذا كنت ابنًا للرئيس!(ص86)
وكذا:
" هل تعلم يا ملك حكاية الملك الذي ترك الرعية واتجه إلى إصلاح حاله، هو ونجله ووريثه الشرعي بالنسبة له فقط؟"(ص123)
إن تلك التفاصيل الحياتية على أهميتها سياسيًا بوصفها همومًا مشتركة بين المصريين إلا أنها جرّت سعيد نوح وفكرته المتميزة لنقيضها ؛ ففكرة ملاك الفرصة الأخيرة كفكرة أسطورية روائية تُقدم نقضًا جذريًا لجدارة الحكّام والمحكومين بالنقد والتعويل عليهم لأن من الأساس الخطأ خطأ فوق بشري يتعلق بما تم فنيًا من انسنة ملاك الفرصة الأخيرة بتحرك العاطفة البشرية فيه بعلم من رب العالمين الذي منح هذه الإمكانية لإبليس واعوانه، مما يعني أن فلسطين وإخوانه من العرب المتعاطفين لا حول لهم ولا قدرة على تغيير ما هم فيه من فساد واستبداد واحتلال، وذلك كنوع من الاستفزاز الروائي للقارئ، لكن الوعي السياسي للكاتب يسحبه لتلك التفاصيل التي تفضي به للتعبير عن إيمانه بامتلاك المحكومين علامات الرجولة مطالبًا إياهم بالخروج لمواجهة الحكام، وهذا الإيمان وتلك الدعوة ذات مسوح حداثية، ومن ثم تناقض الفكرة الأسطورية التي تقوم عليها رواية"ملاك الفرصة الأخيرة".
- انسف حمّامك القديم، انسفه واتبعني إلى العراء؛ليرى حكامُنا للمرة الأولى
أننا نمتلك إيورًا مثل إيورهم."(ص91)
وإذا كنت قد بررت هذه الرؤية بأنها نوع من الاستفزاز الروائي للقارئ، فإنني لا أؤمن بها، لكني أؤمن بأنها تمثل معتقد الأغلبية الصامتة، حيث لا مخرج مما حلَّ بهم سوى بتدخل إلهي. ونفس الأمر فيما يتعلق بعدم تفرقة الرواية بين "اليهود" والصهيونية"، حيث جعلت الرواية العدو هو الملاك"يهودا" محاكاة للوعي الشعبي منتج الأساطير غير الروائية، ومن ثم يمكن القول أن هذا الوعي الشعبي سحب سعيد نوح والرواية معه إلى مناطق نفوذ الأسطورة، فكانت "ملاك الفرصة الأخيرة" رواية مختلفة.
سيد إسماعيل ضيف الله
أستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة