المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
سر الموت والحياة في «أحمر خفيف»
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
خليل الجيزاوي


سر الموت والحياة في رواية «أحمر خفيف»:
بنية حكائية وشخوص أسطورية وزعيم لا يموت

القاهرة ـ صبحي موسى :
تدور رواية وحيد الطويلة «أحمر خفيف» الصادرة اخيراً عن دار الدار حول مجموعة من الشخوص الذين أثار حضورهم احتضار محروس كبير القرية ورئيسها، وهو حضور أثيري يشبه لحظة الهذيان ساعة الموت، ومن ثم فقد لعب الكاتب على لغة سريعة، محاولاً استحضار كل شخصية من خلال مواقفها البارزة في حياة القرية كعزت ريفو الذي ظهر عليه هذا الاسم من خلال تناوله الكثير من أقراص الريفو المسكنة للصداع، وأبو الليل الذي جعل الليل مملكته والنهار لسكونه واختفائه، ونشأت المحب صاحب الخيالات الرومنسية وكأنه يعيش لهواه، وغيرها من الشخوص صاحبة الحضور الأسطوري داخل طيات النص.
ويمكننا القول ان حضور هذه المجموعة المتنوعة من الشخوص هو حضور لعدد كبير من الأنماط الإنسانية المتجمعة حول قضية واحدة وهي الحكم أو القوة، فالمجتمع الذي يقدمه الطويلة رغم عدم وضوح صلته بالواقع المعيش غير أنه أقرب إلى الرمز الإنساني لتكوين السلطة والحكم، هذه السلطة القائمة على الصفات الشخصية للحاكم، ومن ثم فمن تكاملت فيه الصفات العليا كالقوة والشجاعة والعدل والحكمة وتبصر الأمور هو الأحق بالحكم، وهذا ما مثلته شخصية محروس طيلة تاريخها القروي، في حين جاءت أغلب الشخوص رغم أسطوريتها غير مكتملة، فكل منها صاحب فروسية واضحة في مجال ما، وصاحب قوة ومهارة يشهد له بهما الجميع، لكنه غير متكامل الصفات والحضور، ولذا فقد استبعدته الجماعة عن الحكم مثلما استبعده محروس عن الخلافة، ويمكننا من خلال هذا الرصد الرمزي الذي قدمه الطويلة في روايته المغلفة بأجواء صوفية أن نقول أنه قدم تورية روائية عن واقعنا الراهن في مصر، فالقضية التي تشغل الجميع هي الحكم، ومن يتولاه، وقد كانت ذروة الحديث عن هذا حين سرت شائعة موت الرئيس، وأصبح على الجميع أن يفكروا فيمن يمكنه أن يتولى الحكم من بعده، ويبدو أن الطويلة لم يرد أن يخالف الواقع خاصة أن الشائعة اختفت وعاد الرئيس الى ممارسة حياته أمام الجميع، ومن ثم فلم يتول قائد جديد، ولم يعلن عن نائب له، وإن ظلت كل الشخوص التي حوله تتمتع بتواريخها الأسطورية لكن ميزاتها لا تكتمل بشكل يؤهلها لتولي سدة الحكم، ولذا فمحروس ينهض في نهاية النص والنعش يختفي من أمام المستشفى والجميع يتفرق من حيث أتى .
لا يمكننا القول أن هناك نقطة صراع واضحة غير هذا الانتظار، وذلك الاحتضار الطويل الذي ينتهي بقيام صاحبه وكأنه أوزوريس أو طائر العنقاء الذي نهض من رماده، ولو تعاملنا مع محروس على أنه أوزوريس فالرواية تتحول في جملتها إلى طقس كهنوتي يقام على مدار أربعين يوما تحكي فيه شخوصه كيف استجمعت إيزيس أعضاء زوجها وأخيها من أقاليم مصر العليا والسفلى، وصلت لرع كي يمنحها الروح من جديد حتى نهض أوزوريس، رؤية لا يرفضها النص، أما إذا تعاملنا مع محروس على أنه طائر العنقاء الذي انتظر الجميع احتضاره ونهاية عهده فمرض واشتعلت النار في أعضائه حتى استحالت رمادا، وفجأة من بين هذا الرماد انتفض وقام يضرب بجناحيه وكأنه ولد من جديد فإننا نجد النص يقدم محروس على أنه الخير الحكيم القوي الشجاع غير الظالم المحب للجميع، وهذا مخالف لسياق أسطورية طائر العنقاء، لكن مسار الحكي في النص لا يشبه أناشيد إيزيس وبكاءها لنهوض حبيبها، فالحكي يأتي منطلقاً من هذيانات محروس نفسه من على سرير المرض، فيستحضر الشخوص وتاريخها وأفعالها ونقاط بهائها ومواطئ ضعفها، وكأنه يقلب الملكوت في ذهنه أو على كفيه ليمنحه السر، أو العهد، أو الخلافة، ولأنها جميعاً من وجهة نظره التي صدرها للقارئ شخوص غير مكتملة فلا تستحق السر، ولا تؤتمن على الحكم، فرفع الكمامة عن فمه ونهض من سريره واتجه نحو المرحاض ليبول على الصراصير والفئران وغيرها، بينما الملائكة تفرقت من أمام المستشفى والنعش اختفى من الوجود.
قد يكون الموت هو البطل الأساس في رواية الطويلة، ليس لأن مركز الأحداث رجل مريض والجميع ينتظر موته، ولكن لأن كل الشخوص مهمومة بالموت، وكل يحاربه على طريقته، وكل يحاول أن يثبت أنه الأجدر بالسر أو الولاية لأنه الذي هزم الموت وانتصر عليه، فأبو الليل الجبان حين أراد أن يهزم الموت لم يجد غير أن يذهب إلى المقابر ويجلس في إحداها صارخاً في الموت أن يخرج له، وعزت ريفو حين مات إخوته الثلاثة تاركين أطفالاً يتامى ونسوة متشحات بالسواد تزوج منهن جميعاً وجعل من نفسه أباً لجميع الأبناء، وناصر ذي الشجاعة المفرطة وكأنه يتحدى الموت فعلياً ومن ثم أدخلته شجاعته في المهالك حتى مات، لكن المقابل الموضوعي لفعل الموت هو السر، ذلك اللفظ الصوفي الذي بحثت عنه أغلب الشخوص، بدءاً من محروس الذي يمتلكه ويفكر فيمن سيعطيه له من بعده، مروراً بأبو الليل والعناني وعبد المقصود والفناجيلي ونشأت وغيرهم، وكأن السر هو الميلاد أو الحياة أو العفو من الموت، أو الخلود، فصاحب السر وإن مات جسداً فقد كتب في سجل الخالدين، لأنه الحاكم لمملكة الليل والنهار، وهذا السجل لا يذكر إلا الحاكمين.
ليس للزمان والمكان الواقعيين وجود في «أحمر خفيف»، لأن العمل يقوم على الرمزية، ومن ثم فهناك رمز بزمان ومكان، لكن ماهيتهما غير متحققة في التفاصيل، فيصبحان أقرب إلى الحكاية الشعبية التي تبدأ بـ «كان يا ما كان في سالف العصر والأوان»، لتبدأ الحكاية بالسرد بدءا من أعلى رأس فيها وهو البطل سواء كان ملكاً أو أميراً أو شاطراً من الشطار، وهكذا اختار الطويلة لبنية عمله، أن يكون أقرب إلى الحكاية الشعبية، ذات الأبعاد الرمزية، والشخوص الافتراضية، والجمل الشفاهية، واللغة الشعرية التي لا ينقصها سوى السجع الخفيف لتصبح على نهج ألف ليلة وليلة، لكن خطأها الوحيد أن الحكاية واضحة فقط في ذهن مؤلفها، ومن ثم فلا يتوقف أمام الانتقالات السريعة في الحكي وتداخل العوالم ووقائع الشخوص، وكأنه يحكي حكاية يعرفها الجميع، في حين أن القارئ يتلمس الخطوط الأولى لمعرفة من هذا ومن ذاك، وربما كان السبب في ذلك أن الطويلة كان أكثر ميلا إلى اختيار لغة الهذيان والتوهيم أكثر من التفاصيل والوقائع الواضحة، كي يتسق النص مع فكرته عن خيالات رجل مريض يبحث في ذهنه عمن يخلفه، فلما لم يجد أجل موته ونهض من رقدته كي يدير شؤون مملكته بنفسه.

نقلا عن جريدة القبس الكويتية:
http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=...p;date=27102008
سمير الفيل


قراءة نقدية ممتعة قدمها صبحي موسى للرواية

ولقد احتفت الأوساط الثقافية بالقاهرة بأحمر خفيف

ووعدني الصديق وحيد الطويلة بنسخة فورعودته من السفر



شكرا للصديق العزيز خليل الجيزاوي




خليل الجيزاوي
(سمير الفيل @ 3-11-2008, 05:56 am) *

قراءة نقدية ممتعة قدمها صبحي موسى للرواية

ولقد احتفت الأوساط الثقافية بالقاهرة بأحمر خفيف

ووعدني الصديق وحيد الطويلة بنسخة فورعودته من السفر



شكرا للصديق العزيز خليل الجيزاوي


الأخ العزيز سمير الفيل
نعم دراسة جيدة لرواية تثير الكثير من الاشكاليات حول الفساد وصوره المختلفة وتفضح آليات التوريث وتلعنه حتى لو كان الوريث ابن جمال عبد الناصر ذات نفسه !!!
مودتى الدائمة
شريف صالح



خليل الجيزاوي
.........................
شكرا على نقل القراءة

لم أقرأ القبس اليوم

قراءة الأستاذ صبحي مثيرة للنقاش

وللأسف لم اكمل الرواية كي أقيمها ( الرواية والقراءة)

ولا أعرف مدى استحضار أسطورة ايزيس واوزريس في النص، وإذا كان كبير العائلة الرابض على عتبة الموت هو أزوير.. فمن هي إيزيس؟ وإلى أى مدى تتغلغل الرمزية في النص..

؟؟

أتصور أن وحيد حكاء بالفطرة، ومشغول بالنسج وتضفير الحكايات وتوثيق هذا الوجود الانساني الهش الذي لم يصمد أمام تغيرات مدنية رهيبة اجتاحت مصر وحولتها من بلدة زراعية وادعة إلى هذا الكيان المشوه.. ومثل هذا المدخل لا يحفل كثيرا ببناء عالم رمزي.. وإن ظل محتملا
........................

تقديري

خليل الجيزاوي
(شريف صالح @ 3-11-2008, 04:10 pm) *

خليل الجيزاوي
.........................
شكرا على نقل القراءة لم أقرأ القبس اليوم
قراءة الأستاذ صبحي مثيرة للنقاش وللأسف لم اكمل الرواية كي أقيمها ( الرواية والقراءة)
ولا أعرف مدى استحضار أسطورة ايزيس واوزريس في النص، وإذا كان كبير العائلة الرابض على عتبة الموت هو أزوير.. فمن هي إيزيس؟ وإلى أى مدى تتغلغل الرمزية في النص؟؟
أتصور أن وحيد حكاء بالفطرة، ومشغول بالنسج وتضفير الحكايات وتوثيق هذا الوجود الانساني الهش الذي لم يصمد أمام تغيرات مدنية رهيبة اجتاحت مصر وحولتها من بلدة زراعية وادعة إلى هذا الكيان المشوه.. ومثل هذا المدخل لا يحفل كثيرا ببناء عالم رمزي.. وإن ظل محتملا
........................
تقديري

wub.gif شريف صالح
..........................
الرواية كلها تقوم على التصورات والخيالات لأنها تعتمد على ذاكرة رجل يعانى سكرات الموت!
ويبدأ الراوى في سرد حميم وتذكر للشخصيات التى مرت خلال حياته!
أتفق معك أن وحيد حكاء ولم أشعر بالملل لأنه كان يأخذنى من حكاية إلي حكاية ثانية وثالثة
شكرا على المرور والتعليق!
مودتى
.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.