المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
يا محني ( ديل ) العصفورة .. و الوقوع في بئر الحكايات
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
محمد عطية محمود

يقتحم الشربيني المهندس مجموعة حكاياته المستقاة من واقع اجتماعي اقتصادي ، و واقع ذاتي آن و مسترجع في ذات الوقت ، يلقيان بظلالهما على أحداث الحكايات المترابطة ، بحيث يشتبك أطراف الحكايات / شخوصها في بؤرة الصراع التي يفتعلها شخص النص المسرود عنه ، وسط هذه التداخلات ، التي يعتمد فيها الكاتب أحيانا تقنية تيار الوعي التي تفرض ذاتها على سطور من مقاطع ، أو ربما مقاطع كاملة ، لينطلق منها الشعور الداخلي لبطل الحكايات الذي يمثل شريحة من شرائح المتأثرين بأزمة اقتصادية / اجتماعية / نفسية طاحنة .
فمن خلال العناوين المتتالية المتلاحقة يبدو البناء في رواية / حكايات ديل العصفورة ، بناءا مضطربا بقصدية إسقاط هذا التشظي و الجو الكابوسي على الجو العام أو المشهد الكلي لمجتمع عمالي يسقط حاله على مجتمع عام يئن تحت وطأة أزمة ...... إذن فالذي يحرك الأحداث في هذا النص / مجموعة النصوص ، هو هذا الحس المتغلغل بالانكسار ، و عدم الاتزان الذي يشمل شخص النص الرئيس منذ بداية اشتعال جذوة السرد ، في ضمير الراوي المستتر للنص"شوقي السكري " الذي يفيض إحساسه بالهزيمة ، و يطغى على خطوط السرد المتوازية و المتقاطعة ، و التي تتداعى من ضميره ، لتظهر على سطح السرد الشخصيات الأخرى المزاحمة للمشهد السردي من خلال كوابيسه و أطيافه ، كخيالات خاطفة .

" والزمن يمضي أسرع من هذا الباص الذي يرغمنا على الاستسلام .. تتشابك خيوط مطر فضية لامعة في الخارج فتموج الأفكار و تتقلب في رأسه ..." ص7

فالمشهد المعبر عن توجه النص ـ في بدايته ، و كمدخل له ـ يتخذ الحافلة / الأتوبيس الذي تستقله الشخصية المحورية للرواية " شوقي السكري " أو الشخصية التي تأخذ على عاتقها هم النص بالكامل نحو مشوار يمكن أن يكون محاولة للارتداد إلى جذور ، مرورا بجملة من الذكريات / الأحداث المتلاحقة المتشابكة عبر جملة من أماكن خاصة ، و عامة كمحور للتنقل بين هواجسها و همومها و مشاكلها التي تسقطها على مجتمع خاص ، يتبع بلا شك المجتمع ككل ، و كتوجه من الرواية نحو دراسة غير مباشرة لانثربولوجي الحياة العمالية بطواحينها و مشاكلها و تعصباتها و انكسارات أهلها و انتصارات البعض منهم ، ممن تستهويهم لعبة المناصب و التحكم في المصائر .

لكن الذي يبدو منها هو ظلال هذه الشخصيات التي تتعارك على وعى بطل النص المأزوم ، المحمل بانكسار قديم ـ ظن أنه قد تجاوزه ـ وانكسار جديد يتمثل في بداية بيع المصانع التي عششت العناكب ماديا على ماكيناتها ، كما عششت عل نفسيات عمالها المنسحقين تحت وطأة البيع الجبري و التوقف القسري عن العمل بالخصخصة و انتقال القيادة إلى آخرين لا يهمهم إلا الربح المادي .. دلالة على التوقف ، و العدم على المستويين ..
و هذا البئر المعنوي من الذكريات التي تلاحمت مع الواقع الآني باستدعاء أسباب الشجن فيه ، مع ذاك ( البير)المادي ( بلفظه العامي ) ، و الذي تقع فيه ضحايا هذه الأزمة ـ بحادثتها المشئومة التي يشير إليها النص ، و يرد ذكرها على لسان العديد من شخوصه ، مع خطوات بيع أول مصنع من مصانع الشركة ، في جو جديد من أجواء الكوابيس .
فهو( شوقي السكري ) يعيش ما بين كوابيس الحرب و كوابيس الواقع المعيش في درامية سوداء تتراءى له فيها كل الأطياف أشباح ، و كل الأشباح عنقاوات تحيل الحياة إلى جحيم مطلق ، لا يخفف منه إلا بقدر روح الدعابة اليائسة التي تغلف الكثير من مقاطع السرد ، التي تنطلق من روحه المعافرة رغم الانكسار .

فتلوح شخصيات تعيش الواقع الآني للحدث مثل " فليفل المنوفي " الذي يمثل جانب السلوى في حياة البطل السكري ، كما يمثل البعد الأسطوري المتماسك ضد أنواء الواقع و مآسيه .. كما تتناثر من حوله في ضمير البطل شخصيات الظل الخاطفة ، و التي تمثل الجانبين ، المقهور في شخصيات " سامي بلوظة " ، و القيادة الحكيمة في شخص " الدفراوي المنوفي " المدير السابق " ،والشخصية الصارمة بميل إلى الاستبداد في نموذج" المدير اللاحق على الدفراوي ، و شخصية " شريف الجيزاوي " الصديق الذي يمثل قيمة الكفاح و النضال و العلم مع شوقي. و يتوالى ظهور الشخصيات المتناقضة على امتداد السرد ....إلا أنه قد يكون هناك العديد من الشخصيات النافلة التي ازدحم بها النص ، لا يؤثر حضورها على سير الأحداث ، و إن جاءت على شكل أطياف أو أشباح ، على حد السواء .
كما تتوالى العناوين التي اقتبست من معاني الفصول أو النقلات السردية ( التي حملت في اعتقادي مسئولية تفتيت العمل إلى معان صغيرة ، لم تخدم العمل كثيرا ، و خرج بعضها ليتناقض مع مفهوم ما جاءت به الفقرة أو الفصل )
كما تلوح الشخصية النسائية في أطياف الأم ،و شخصية لولية ، الملازمة لخيال ذكر فليفل المنوفي .. و " السيدة " ، المحبوبة الشاعرة ، المقترنة بمعنى الأمل الذي لم يتحقق ،و التي يعبر عنها النص دائما بـ ( كانت ) و التي تبدو في قوله :
" كانت السيدة خمرية اللون الفاتح .. أراها دقيقة الملامح كبيوتها الشعرية .. سرابية العيون التي سحرتني .. طويلة الرموش المتمردة مثلها .. عيناها من أجمل العيون و ملائكية كأمي .."
" كانت تفوح بأنوثة طاغية و لكن بشموخ .. سيدة بحق ، و اسم على مسمى " ص14
وهي تجتذب معها هذا الخيط الرومانسي الأدبي الذي يغلف روح شخصية السكري ـ شبه الطوباوية ، التي تخرج من حربين بانتصار حسبته سوف يصنع لها الكثير ؟! كما تخرج بفقدان السيدة التي عبرت الجانب الآخر ليلتهمها غول جديد من غيلان الانفتاح ،لتتماهى مع حدوتة لولية التي ذهبت إلى الغول في الحدوتة الريفية التي تتواتر في النص مع تواتر ذكر الحاج فليفل كعاشق لها ، ولكن هذه المرة بإرادة السيدة نفسها .

كما تظهر في الشخصيات المنحرفة مثل زوزو ، التي تأتي بها رياح التغيير ، المناوئ لرغبات الأغلبية المقهورة المتمثلة في شخصية النص شوقي السكري الذي تتمحور حوله حكايات أخرى تتوازى و تتقاطع و تتداخل مع حكاياته ، في خط رئيس ، و تتوزع على كل العناوين / الحكايات ، وهي حكاية الانفتاح و التطبيع التي تفتح باب السرد / المجتمع العملي لشخصيات جديدة مثل صلاح الشاطر ، و المعلم كابوريا ، و مستشار الأمن الجديد في الشركة
( بنتاجون ) ، و المحلاوي ، و أمين الطيب ، و غيرها تظهر على سطح الشركة تفرض سلطتها الجبرية القامعة لكل ما هو قديم و أصيل :
" و كان الشاطر يداعب خاتمه الذهبي و يقول لشوقي :
ـ العقلية الحديثة في التعامل مع المشاكل يا سادة أصبحت أكثر انفتاحا ..
إلى أن يقول :
ـ راجع حساباتك و تخلص من العقلية القديمة .. قد تسبق الحركة الفكرة .. " ص16

من خلال هذا التداعي الذي يفرض نفسه على سياق الكتابة في النص / مجموعة الحكايات .، انطلاقا من نقطة زمنية و مكانية محددة بإطاري الحافلة و زمن السرد ، ينتقل منها التذكر كشلال مندفع لا يحده حيز الحافلة الضيق ، بما تحمله من دلالة الحياة المغلقة على شخص سارد النص المحكي عنه بصيغة الغائب أحيانا ، و المحكي بصوته كتيار وعي في أحيان كثيرة أثرت قيمة السرد ، و رفعت من معدلات التوصيل ، و حميمية السرد ، بعدا عن الوقوع في شبهة تقريرية ضمير الغائب ، اندفاعا معنويا في كل الأماكن التي تعرضها الذاكرة المأزومة .
فيرد هنا ذكر التحولات في الشخصيات على غرار التحول في سياسة السوق ؛ فيحل (صلاح الشاطر ) بعده الانفتاح ، محل ( صلاح التايه ) بعده ، كنموذج من النماذج الراصدة للأوضاع المعكوسة .
"كان المحلاوي يجيد تحريك الأحداث من وراء الستار ، كانت السلطة شاغله الأكبر ، بينما اهتم الشاطر بالمظاهر الخارجية من مكتب فخم و سكرتيرة جميلة ، و اكتفى الحاج المحلاوي بتجميع الخطوط ، و بسكرتير يناسبه تماما و نعم التابع الأمين كان أمين الطيب الذي ضمه المحلاوي يوما . " ص19
كما ورد في قصة ضياع السيدة / الحلم ، و التي تسير مع النص بتغيراته / تغيرات المجتمع .

يخرج الرصد للحيز الخارجي للمصنع ، ليتابع كل ما شمله التغيير من علاقات جديدة و تربيطات جديدة على شرف السوق المتراجع اقتصاديا و اجتماعيا على حد السواء
" تصحو المنطقة على صباح آخر ، و سجلت الذكريات منحنى جديدا مع تدحرج الصور ، الكلمة من الرأس و اللقمة من عرق القطن زراعة و صناعة .. كانت تلك القضية .. صباح خريفي بارد كصباحات وأمسيات خريف الإسكندرية ، بعد يوم شوهته الإشاعات ، وتوقفت الماكينات مع غياب العمال .. جاءت الأفكار عفو الخاطر بريئة و خالية من التلميحات .. كم من مشاريع دمرتها النيات البريئة ..........
و لكن كيف و من يدفع الثمن ..؟ " ص21

يأتي تعدد الشخصيات المتصارعة على مدار النص ، و على ذهن بطله ، رصدا كاشفا لفساد يستشري في المصنع كنموذج مصغر للمجتمع ؛ لتطفو شخصيات جديدة مثل الأشموني و القرعاوي و الدكتور صالح تختلط مع شخصيات المجتمع الأدبي الذي سلخه الراوي / شوقي من مجتمع الشركة و كأنه جزء أصيل منه .. مع هذا التداخل و الخلط بين صراعات الداخل و الخارج تحولت الحياة في المصنع و أجوائه إلى حياة مفتوحة مطلقة أراد الراوي أن يحصرها في هذا الحيز ، و في هذا إلماح إلى التقوقع الذي أقبل عليه المجتمع ككل ليختزل / يختصر في زاوية ضيقة لا ترى إلا نفسها .. كما شاركها هذا الهاجس الأدبي للراوي كأديب ليلتحم بهذين العنصرين ، و يعرض فيه آماله و إحباطاته و تعليقات المقربين و نشاط المثقف داخل بعضهم .. يقول النص بضمير شوقي السكري ، محدثا صديقه في الأدب
" مع الصمت و الصبر أنتهي من عمل لم يبدأ أتجول حول المكتب الخشبي .. أعبث بمفاتيح الكمبيوتر .. أغادر المكان بخطى مهزومة .. يستقبلني الشارع بالترحاب ، و يمد ذراعيه .. أترك لقدمي العنان و قد جاءتني أطياف الذكريات كصديق نادر ، أعرفه من زمن بعيد . يداعب ضوؤها عيني فأفتح لها نوافذ القلب . ملأت الغرف فتسللت الأحلام خلسة كعادتها بعد كل ليلة أو خلوة نقضيها معا ، لا نفترق أبدا عندما يأتيني الواقع بصدمة يا كتانة ." ص33
يبدو هنا الفراغ النفسي للشخصية و الذي يضغط عليها كي تفرز هواجسها ، و بالتالي تفرز ذكرياتها التي لا تعيش إلا عليها .. مع ذلك الحس بتداخل الزمن و اضطرابه مع اضطراب الأحداث و تشابكها ، و كأن الأمر كله في متاهة زمنية و مكانية ، يعمقها الهاجس الذي يحرك كل الأحداث ، بالتحامه مع مادة الذكريات .

إذن هي لعبة الذكريات هي التي تحكم العلاقة بين الراوي / البطل ، و الأحداث التي ربما أتت كلها على هذا المنوال ، من السرد / الحكي و الذي لا يقطعه إلا هذا الهاتف الذاتي الذي يخرج من الأعماق ليلحم الهم الذاتي الداخلي ، بالخارج المتناقض ، الفارض على الذات سؤالها الذاتي ، المختلط مع العام . ليكون هناك دوما من يلتقط هذا الخيط ليدرك الحقيقة و يشير إلى موضع الخلل برؤية فلسفية قد لا يحتملها المقام ،و لكنها تفلح في تعبيره ص25
" دائما هناك فرق .. عندما سقطت التفاحة قال الجميع .. سقطت التفاحة .. إلا واحدا سأل لماذا سقطت .. ؟ "
و لكن عذر الشخصية أنها شخصية أديب و مثقف ؟! فهو يقرن دائما بين هذا الخط و ذاك في ازدواجية عجيبة يكون الموقف فيها ـ في أحيان كثيرة ـ بعيدا عن حيز الأدب و الكتابة .. خاصة ما يتعلق ببعض الصراعات الأدبية التي قد لا تثري النص ، بل و تشكل نوعا من الإلغاز يربك ـ إلى حد ما ـ القارئ القريب من الأحداث ، و تشغل ذهنه عن متعة متابعة السرد ، اندفاعا نحو الرغبة في حل رموز الشخصيات .

تعود حكايات النص دوما ـ كما أشرنا إلى الذات ، و إلى الحب بمدلوله المقترن دوما بالأماني و الأحلام ، كمحاولة لكسر نمط السرد المتوالي عن الأزمة الرئيسة التي لها حسابات معقدة لكنها لا تنفصل عن حسابات الحب ؛ فالمعادلة أصبحت تقتضي وجود طرف جديد مشارك ، وهو القوة الاقتصادية الجديدة / الخاصة ، الجاثمة على صدر المجتمع المتآلف على قديمه بأصالته و استكانته معا ، بما يطرحه النص من مواقف تعضد هذه الفكرة و خصوصا فيما يتعلق بشخصية السيدة ، بما تحمله من متناقضات ، و بما ترمز إليه .

و في عنوان جديد للحب تعود ذكريات الشخصية الرئيسة مع شخصية فليفل ، التي تمثل ـ كما قلنا ـ هذا الضمير المتيقن الراسخ الثابت على مبادئ مغايرة ، يمكن أن تكون منغرسة في صميم الموروث و المد الروحاني ، المفتقد في بدايات / مؤشرات زمن العولمة التي كانت قد بدأت تنسج خيوطها على النص و من ثم مجتمع المصنع ، و من ثم أيضا المجتمع بصفته المطلقة ، و الذي يعتمد في تكوينه في المقام الأول على الاقتصاد كركيزة لضمان استمرارية قاعدة بنائه ، وصعوده الرأسي ، و الذي و لا شك تأثر بهذه الهزات المروعة ..
" تتحرك الرمال الناعمة على شط المنتزه شرق الإسكندرية في أشكال عشوائية تفسح مجالا للخيال لنطلق مدا و جزرا و البحر يدفع بأمواجه متحديا الشاطئ و الرمال و قد جلس أمام ضيفه يقول :
ـ تخامرني الأحلام في صحوي و الكوابيس أكثر و ترفعني أمواجها نحو القمر حاملا أنفاسي المضغوطة ... قالوا افترسها الغول وحيدة و هي تعبر نهر الأسطورة يا حاج .. " ص26
في إشارة إلى ضياع الحبيبة / الحلم / الرمز يأتي التساؤل الذي لا جدوى منه ، كالتحسر على ما فات، و هربا من وطأة واقع مأزوم ليلازمه طيف المشاعر المشعة التي كانت تجذبه ، على خلفية ذكرى المحبوب الضائع ، و التي يطلقها رد صديقه إسقاطا على الواقع العام بلهجة راوي الحكايات الشعبية القديمة / الأساطير في ص26
"ـ أهل البلد يا أستاذنا عمرهم ما كانوا أشرار ، بالإيمان كان حضن الغني دايما للفقير دوار، و بيبان البيوت مفتوحة من غير أسرار .. لحد ما جالنا الغريب اللي فرق كل حبيب، عن حبيبه و رنة الدولار كانت هي الحبيب "
هنا يقارن بين الحالين ـ رغم مباشرة التعبير بهذه الكلمات المسجوعة / المقفاة ـ كرد فعل متوار للأزمة ، و تصويره للشخصية المتزنة بشكل غير متوائم مع معطياتها التي جاء بها أول النص ؛ ليخرج من كلامه على عودته لهواية الأدب الذي ما يلبث أن يؤدي إلى سقوطه في بئر جديدة من أبيار حيرته الموزعة على الحكايات ، بنوع من المبالغة أحيانا ، و الذي يؤدي إلى استكمال جزء من أجزاء حكايته مع السيدة ، التي ربما مثلت في أحد المقامات نموذجا للحياة أو السلطة المستلبة ، و التي حيل بينها و بينه بالوقيعة و بذر بذور الشك ، و الإشاعات ؛ كمرض مجتمعي متأصل ، و كإشارة إلى كونها صارت من جملة المتغيرات على ساحة حياته
" يعتريه الأرق معظم الأحيان بلا ترتيب و لا استئذان .. بئر الإشاعات كانت من أمامه و خلفه .. فعيون المرأة تستطيع أن تسقط أعظم السباحين على رأي المثل .. يفرك أصابعه .. إن بعض الظن إثم ..
ندواتها تزدحم بالكثيرين و شعرها يردده الجميع و كلهم مثلي يحلم .. كانت تعشق الحرية ، و عيناها لا تفارقان السلسلة الذهبية المدلاة برقبة كابتن فريق الباسكت .. تنهد و فليفل يهز رأسه " ص27

ومن ثم يؤكد الكاتب في سرده على بئر الذكريات الذي ينبثق من سرده بئر الشك ، بئر التخلف ، و بئر الحرمان و بئر الحقيقة ، و بئر المصنع ـ المادي ـ الذي يضيع ضحيته العمال ، وإلى آخره من الآبار التي تعد في ضمير شخصية النص شرك أعظم يقع فيه ، كما يقع المجتمع كله في شراكه المنصوبة لابتلاعه دائما .

كما يتوالى ظهور حكاية لولية و الغول كثيرا في متن النص في تأكيد من الكاتب على تأثر بطله بالعودة / الهرب إلى الخلف ، نحو مد شعبي يأخذه في هلوسته ، كملاذ و ملجأ و أو كمحاولة لتفسير ما يحدث في الوقت الآني بمنظور.. " اقرأ تاريخك .. " كما يمثل إسقاطا على ما آل إليه حال السيدة / الحياة المستلبة منه ، و من المجتمع الذي يعيشه .
كما تظهر حكايات القرية / الجذور لتحل في مستويات ارتقاء المشاعر إلى حب الوطن الكبير ، و التي تصبها أفكاره من شظايا قلمه :
" أحب تراب الوطن ، عندما يستعر أوار الذكريات و أنا في بلدتنا كنت أخرج إلى الحقول حاملا سبحة الصمت و الصبر لتنطلق نظراتي و زفراتي بلا حدود .. أسير محاذرا أن تطأ قدماي و لو زهرة شاردة ، تحملني النسمات كملاح هائم من شجرة لأخرى و من زهرة لأختها ، و كنا نثرثر بلا رقيب "ص34

في الوقت الذي لا تكف فيه الذكريات عن تذكيره بماضيه في سنوات الكفاح و النضال و جني الثمار ، التي يحرم منها الآن ، فيسرد النص بلسان راويه ص 47 :
" كان شوقي يحب النظام و يكره الخروج عليه ، و يؤمن بالوسائل السلمية .. يكفيه سنوات الصمود و الردع و الضباب ، و عبور قناة السويس "
فهو من خلال البطولة ، يركن الآن إلى الدعة في وضع عكسي من المفترض عليه عدم اللجوء إليه ، ليعكس النص مدى التردي في داخل الشخصية غير الطامحة / المكسورة ، رغم مرورها بتجربة الحرب و النصر من قبل ذلك .
و هي إحالة بالغة الخطورة على المجتمع الذي يعيش حالة الاسترخاء الجبري حيال كل ما يدور فيه ، في تلك الحقبة
و هو ما يبرر إلى حد ما العلاقة المستمرة و التبادلية أحيانا ، و المتلازمة أحيانا أخرى بين ظهور البئر في السرد ، و إلحاقه أو إبعاده ـ على حد السواء ـ عن ذكر العنكبوت ؛ فهما كمعنيين يترتب أحدهما على الآخر ـ في تقديري ـ المحرك الرئيس للأحداث التي بدأها العنكبوت بنسج خيوطه على الماكينات دليل التعطل و الخراب و العدم ، من أجل إنشاء حياة أخرى على أنقاض حياة العمال ، و سقوطهم في بئر التشرد و الفقر و العدم ، و من ثم توالي ظهور الأبيار المعنوية الأخرى التي تزاحمت على وعي بطل النص ؛ فبينهما تدور أحداث السرد بين الشد و الجذب و الاسترخاء

إلى أن تنتهي أحداث السرد الكاشف لعورات المجتمع بعودة بطله إلى بلدته ، بعد سرد الأهوال و العجائب سردا لا يختلف على أنه يمثل تأريخا لفترة معيشة صادمة ، كي يتطهر من همومه ، و كاستراحة محارب أنهكه القتال ؛ فيشي مقطع نهاية النص أو أخر خيوط السرد بهذا التطلع الأمل في تغيير وجه الحياة بالسفر / الرجوع إلى الخلف أو الجذر أيهما ، لينشد حياة لازمة للتطهر مرة أخرى و الاغتسال بماء القرية من أدران رحلته التي لم يجن منها شيئا ، و انتهي أو كاد كل شيء تقريبا .
" ومع صوت الحمام الوفي دوما و الذي ينطلق بحرية في بلدتهم يطمئن على عودة زراعة القطن طويل التيلة ، و يعيش مع قطرات الندى و الهواء النقي البكر و ابتسامة الجد ، الإنسان الودود البشوش الذي يفهمها و هي طايرة ، ويشع صفاء و تألقا و تواضعا و مشاركة للكبير و الصغير ..
و ربما يجد شريف في زيارة للبلد و شجرة الجميز ، و الذي يمتلك مثله صهللة نجيب محفوظ حين تجلجل منه الضحكة ، و ترن القافية ، و يكتسي المجلس كله بحالة من البهجة النقية الذكية كما يقولون ."

هنا تعود شخصية شريف ـ كطيف ـ بما يرمز إليه من شرف و نقاء ـ يفتقدهما شخص النص الآمل رغم كل ما مر به ، في تحقيق العودة الميمونة مرة أخرى
ولعل فيها أيضا ـ هذه العودة ـ دعوة صريحة إلى العودة إلى الجذور / الأصول ، فهو بهذه النظرة التي تختزل الواقع الداخلي الخاص و الخارجي العام في إشارات و علامات تملأ حيز النص و يزدحم بها كما يزدحم بها ذهن بطل النص الذي آب ، أو يحاول الإياب ، بعد فشله في الهروب من كوابيسه و طواحين الهواء العاتية ؛ عسى أن تلوح في الأفق بادرة انحسار أزمة ، أو ظهور محاولات جادة كي يستطيع أحد ما أن يحني ديل العصفورة ، و التي خرجت من منظور الأغنية الشعبية المتوارثة كي تسكن هذا المفهوم الجديد شبه الساخر لتوظيفها بالنص ، الذي ابتلعه بئر الحكايات .

سمير الفيل




دراسة نقدية فيها عناصر لافتة

وصلتني المجموعة فشكرا ياشربيني با مهندس

محمد عطية محمود
(سمير الفيل @ 21-10-2008, 08:25 pm) *

دراسة نقدية فيها عناصر لافتة

وصلتني المجموعة فشكرا ياشربيني با مهندس

[/color]

[color="#3333ff"]


لصديق العزيز المبدع / سمير الفيل
تحية طيبة على مرورك الكريم
محمد عطية محمود
للرفع
أقيمت ندوة حول الرواية بمقر اتحاد كتاب مصر فرع الاسكنرية كانت هذه الدراسة هي المادة الرئيسة فيها الى جانب مداخلات الحاضرين ، و تقديم الناقد السكندري عبد الله هاشم ، و حضور الأستاذ الدكتور محمد زكريا عناني .. أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب ـ جامعة الاسكندرية
خليل الجيزاوي
wub.gif قراءة نقدية متميزة جداً توقفت أمام الكثير من دوال النص
وفي هذه الدراسة نكتشف الكاتب محمد عطية ناقداً بعد أن عرفناه قاصاً متميزاً
وقريباً سنعرفه روائياً حين تصدر روايته الأولي عن أحد الأحياء الشعبية بمدينة الاسكندرية
شكرا على هذه الدراسة الجادة .
وفي انتظار روايتك الأولي.
ومبروك للأديب الشربينى المهندس على الرواية التى أثارت ودفعت القاص محمد عطية للكتابة عنها... أكيد أنها رواية تستحق الكثير من القراءات النقدية.
مع مودتى الدائمة
محمد عطية محمود
الصديق العزيز المبدع / خليل الجيزاوي
تحية سكندرية من عروس البحر المتوسط و سحرها الأخاذ
شكرا لمرورك المبدع و قراءتك الواعية
و مرحبا بك مرة أخرى على شواطيء الجميلة الساحرة
الشربينى المهندس
شكرا للعزيز محمد عطية علي هذه الإطلالة النقدية
ويسعدني أن تكون هي أول دراسة له بعد حصوله علي جائزة النقد التي تقدمها هيئة قصور الثقافة واطلالة جميلة عن نجيب محفوظ
ربما كانت مصادفة أن يتم اطلاق اسم شوقي محفوظ بدلا من شوقي السكري علي بطل رواية يا محني ديل العصفورة تيمنا باسم الاستاذ الروائي الكبير نجيب محفوظ ويأتي صاحب الدراسة عن نجيب محفوظ ليتناول الرواية وبطلها بالدراسة
تحية من جديد للاستاذ محمد عطية قبل ان يستغرقنا بير الحكايات وعذرا للتأخير
سعيد رمضان على
مع خريف الإسكندرية وربيعها يقدم لنا البارع محمد عطية محمود دراسة مضيئة
عن مهندس القصة السكندري .. فشكرا لهما وتحياتي لشط المنتزه وباقي شواطىء إسكندرية وشوارعها وناسها
.
.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.