المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
إبراهيم فتحي يكتب من لندن عن ( تحول الكائنات )
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
هشام علوان

إبراهيم فتحي يكتب من لندن عن
رواية " هشام علوان " ( تحولّ الكائنات )

الجنون أجمل طريق نحو العقل


من الملاحظ في إنتاج الشباب الروائي تصدير اقتباسات أنيقة لشعراء و فلاسفة في البداية قد تكون مفاتيح للفهم ، و قد تكون مغايرة لاتجاه السياق العام . و الاقتباس الأول هنا هو ( لا يجعلنا عظماء إلا حزن عظيم ) لشاعر رومانسي قد يحدد نغمة القص في الرواية على ما فيه من مبالغة . أما الثاني فيؤكد أن التغير سر الحياة ، و الثبات فناء و عدم ، على الرغم من أن التغير في الرواية يتجه إلى الأسوأ دائماً . و لن نجد أحداً جعله الحزن العظيم عظيماً بين شخصيات الرواية ، و إن جعلت الرواية وعي قارئها و موقفه الانفعالي من الواقع عظيماً بالفعل . إن هذه الرواية الممتعة تقع في جزيْن يبدوان منفصلين ، و لكنهما يترابطان عند مستوى الدلالة الأعمق .

و سيفاجئنا في الصفحات الأخيرة أنّ مشاهدها التسعة المكتوبة بطريقة السيناريو السينمائي هي قصة داخل القصة ، هي ورق " حلو " كما يسمي أهل السينما و التلفزيون و المسرح النصوص المكتوبة ،
يقدمه مؤلف يشبه الشخصية الرئيسية في الجزء الثاني إلى منتج يرفضه ، و منطق أو انعدام منطق هذا المنتج ( عايزين نفرفش الناس و نلم الغلة بدري .. بدري ) هو السائد بطرق مختلفة في كل جوانب الحياة المصوّرة .
و نبدأ من البداية في تصوير واقع روائي أصابه الخلل في القيم و السلوك ، واقع جُن جنونه و انعزل عما يجعل ( الكائنات ) الإنسانية معقولة التحوّلات و المصائر . و المشهد الأول في السيناريو لقطة عامة لحي شعبي و مقهى يلخص علاقات أهل الحي ، و هو بدوره صورة مصغرة للواقع الكبير ،
و بدلاً من الموسيقى التصويرية في البداية نقرأ بلاغيات غنائية لفظية تسبق أوصاف الصور السينمائية.
هناك ( سحر عبق أدخنة متأججة من نيران النرجيلات الممتزج برائحة البشر المكدودين ) ، فالوسيط الأدبي الذي ينقل تـأثير الروائح يتداخل مع الوسيط السينمائي القائم على تعاقب الصور البصرية ،
كما ينقل هذا الوسيط الأدبي أصوات المقهى ممتزجة بالانفعالات الخفية غير المسموعة ( بقبقة المياه في قلب الجوزة تذّكرك بدواخل النفوس التي تمور بالأحزان و الأحلام المنكسرة ) .
بعد ذلك تُجسد الكتابة حركة ( زوم ) من الكاميرا المتخيلة ، تقترب فجأة و بسرعة خاطفة من شخصية بعد شخصية ، ثم تنتقل من لقطة متوسطة إلى لقطةٍ كبيرة لوجه معلم القهوة ، و فلاش باك لتاريخ عشقه لأهل البيت تصحبه أشعار صوفية ، و تجيء لقطة في هذا الاسترجاع تصوّر حافلة تقترب من مدخل المدينة المنوّرة في الحجاز ، و المعلم في المقام النبوي تعتريه نوبة بكاء محموم تقترب من الإغماء ، و لكن القلم بدلاً من الكاميرا و الموسيقى ، يتدخل بصخبٍ بلاغي من المترادفات عن الفيوضات الربانية و الفتوحات السماوية ، و استذكار أشعار عمر بن الفارض ……… إلخ .
و بعد ذلك داخل وميض الاسترجاع لقطة ( مزج ) و اختفاء تدريجي للمنظر ، و انبثاق تدريجي لمنظرٍ يحل محله ، منظر ابنه ماهر " الحيلة على أربع بنات " ، و تداعيات حوار طويل معه حول الغربة الملعونة ، النداهة التي تشده ، و يخاطبه و يعاتبه ويبكي .
و يلجأ السرد إلى أسلوب إضافي ينتقل من تصوير الذكريات الداخلية إلى المعلم و هو يحكي و يروي قصته في الحجاز لجمهور المتحلقين في المقهى ، فالحارس الأسود يضربه حينما أمسك بالمقبض الذهبي في المقام باكياً ، و حينما يرد الاعتداء عليه يتجمّع حوله الحرس ، ثم إهانات المخفر .. و بقية الحكاية .
و تنتقل الكاميرا اللغوية من الحركة البطيئة إلى شخصيةٍ أخرى ، إمبابي الذي سحب ( بتوع البلدية عربية الفول و الطعمية ) التي يأكل العيش منها و صادروها ، و في ( مزج ) تنبثق تدريجياً ذكريات هوانه و ضياعه في العراق ، و حلمه في امتلاك ( سوبرماركو إمبابيكو ) في محاكاةٍ هزلية لأوهام الانفتاح ، و لكنه عاد خالي الوفاض ، و سنعرف أنه سيشارك في سوبر ماركو بعد أن فرض على ابنة أخته الزواج على سُنة الله و رسوله من خليجي ( كُهنة خالص ) تعدّى الخامسة و الستين تبعاً لنصيحة قوّاد طاف بالبلاد العربية ( يرمز لأشكالٍ مختلفة من الدعارة عند بعض أثرياء الهجرة : بيع الوطن و الفكر و الضمير و تفسير العقيدة مقابل المال ) .
و يزدحم المقهى بشخصياتٍ هي بمثابة عينات نموذجية لاتجاهات هجمت على الأحياء الشعبية بأحلام الثراء السريع بالسفر أو الاحتيال .
و في المشهد الثاني للمقهى في الليل نظراً لغياب المعلم بشاربه الكث و أوامره و صوته الرعدي يتحوّل المكان لساحة للغناء و العلاقات الحميمة .
صبي المقهى يعلو صوته بالمواويل الشعبية ذات المعاني الجميلة ، و سنلتقي به في النهاية مطرباً شعبياً تروّج له وكالة شيكا بيكا للإعلان و هو يقول : ( الدنيا بمبة .. إديها زمبة ) ، و تأتي لقطة كبيرة لتفاصيل وجه ابنة أخت إمبابي و هي تبيع الفول السوداني بالغناء ، و لتفاصيل جسمها و صدرها العامر الغني بثدييْن طازجيْن ، و كل أوصاف الأنوثة المعتمدة من الذوق الشعبي للجمال .
و يتحوّل النداء الغنائي الفردي إلى دويتو مع صبي المقهى ، ثم كورس من الجالسين ( و نعرف من الهامش أنّ الغناء من نظم مؤلف الرواية ) .
و لابد أن ينتهي المرح بالوجوم نتيجةً للموت المفاجئ لشابٍ عاشق أطار صوابه من الفرحة تغيير اسمه الغريب ( بالصلاة على النبي ) في بطاقةٍ مزوّرة إلى ( هيثم ) الشبابي .
و يهبط على المقهى غريب أنيق ينقلنا السرد معه و هو يشكل ثنائياً رمزياً مع ( فستك حاحا ) الدرويش المجذوب إلى بعدٍ غرائبي خرافي ينتمي إلى المخيلة القصصية الشعبية ، و إن يكن وثيق الاتصال " بالمنطق " المختل المجنون للواقع ، فهو يفضح هذا " المنطق " و يرفضه و يعمل على هدمه .
و في الرصيد الروائي المصري نلمح الدرويش المجذوب في ثقافة و تعليقات درويش زقاق المدق ، أما الجانب الرمزي فيه و تمثيله العملاقي لملامح أصيلة في الشعب المصري رغم الثياب الزرية فنجدها في حارس عوّامة ( ثرثرة فوق النيل ) .
دع عنك وظيفة المقهى الشعبي المهدد بالزوال في ( مالك الحزين ) ، و ليس ذلك راجعاً لمحاكاةٍ سطحية ، بل إلى متابعة مُتعمقة لعناصر دالة في الواقع المصري الذي يواصل التغيرات و التحوّلات
و الانقلابات .
فماذا يعني ذلك الدرويش المجذوب ؟ و ماذا يعني خليفته الذي كان مثله غامضاً و إن يكن أنيقاً مستوراً في البداية ؟
إنه يرمز لما تخفيه دمامة و رثاثة المظهر الخارجي للمصريين من قوةٍ خفية عاتية ذات كرامات ، وما يخفيه " جنونهم " المزعوم البادي للعيان من إدراكٍ عميق لبلاهة العلاقات الخانقة و قيمها الفاسدة ، فلا أحد يعرف من أين جاء و لا إلى أين يمضي و يختفي ، و لا أحد يعرف عمره الحقيقي ، فالحاج السبعيني يقول إنّ الدرويش كان كما هو الآن في طفولة الحاج ، حتى جلابيته ، و يتخيّل أنه سيدنا الخضر ، و يقول : ( و عليكم السلام ) .. فلعله المخلّص الخفي غريب الأطوار الذي لا يستطيع أحد معه صبراً و لا فهماً .
و بعد أن دخل المعلم الحاج مستشفى الأمراض العقلية بعد مقابلة غامضة للغريب ، و بعد استيلاء لص الجمرك زوج إحدى بناته على المقهى و تشويهه طبيعتها ، يبدو الدرويش الأقرع و سيفه الخشبي كأنه مارد خارج من القمقم ليدمر عالماً مرفوضاً .
( حاسبوا التتار جي
جي يطفّي الضي
راكب جياد الليل
زاحف بجيش الويل
على أهالي الحي )
و حينما يبطش اللص برموز المقهى ينقض الدرويش كأسدٍ هصور يزأر على " التتار " محطماً كل شيءٍ في المقهى كأنه يثقب السفينة ، أو يُسقط الجدار أو يقتل الغلام .
و في مشهد نهاية الجزء الأول المعنوّن ( المقهى / الكائنات ) يصبح شاطئ النيل في الهواء الطلق تجسيداً لروح جماعية المقهى المحطمة الملوثة ، ( النيل العجوز يسعل من شدة ما بصدره من أدران ، الأضواء الراقصة في مجون على صفحته كأنها سالومي ترقص الرقصة الأخيرة قبل الوداع ) .
و هذه الاستعارة الأدبية لا تنتمي إلى لغة السينما و صورها ، فهي تستدعي يوحنا المعمدان الذي سيقطع رأسه بعد هذه الرقصة لتنديده بسالومي و أمها .
و حين يُمسك الدرويش بالسيف الخشبي تنتابه رعدة و قشعريرة ، و في تأمله لدخان سيجارته
( معادل دخان النراجيل في المقهى ) تتداعى خيالات جمة ، و هذا أيضاً تشبيه ينتمي إلى الكتابات الأدبية .
( كأن جنياً يخرج من صدره القمقم ) بدلاً من أن يخرج هو من القمقم ( ذكريات السجن و القهر )
كما أن ذاكرته تصفها الألفاظ بأنها خرتيتية ( الخرتيت الكائن الأسطوري وحيد القرن بجسم فرس بذيل أسد منطلقاً غير هيّاب ) .
و تحيط السرد القداسة الكرنفالية المتخيلة للدرويش بالفكاهة ، فقبل لقطة تجليه الشخصي بأيام نسمع أن مقاس حذاء فضيلته ( نمرة خمسين ) كمؤشر مبكرٍ على عملقته ، و بعد ذلك تحيط بتجليه أصوات الأولاد يزفونه صائحين باسمه ذي التضمينات الهزلية :
( الله حي
فستك جي
ضرب البمبة
في فرح العمدة )
حاحا ( مثير للشغب ضد السلطات ) ، و يبدو مظهره محاكاة ساخرة لفارسٍ مغوار ، فهو يركب عصاه العوجة كالحصان ، مصدراً صوت حوافر الجياد : ( درجن .. درجن ) ، شاهراً سيفاً خشبياً ،
و يتجه إلى الغريب الأنيق الذي سيتقمص دوره في الصفحات الأخيرة للرواية معانقاً معلناً أنه ينتظره من سنين طويلة ، كأنه في محاكاةٍ ساخرة للموعود بكنزٍ مرصود على اسمه في الحكايات الشعبية أو المهدي المخلص المنتظر ( من عهد جدودنا كنا مواعدينك ) في بعض أشكال التدين الشعبي أو طقوس عبادة الحاكم في الإعلام الإعلاني ، و سيدعو الغريب فستك حاحا للجلوس بعد أن أمر المالك الجديد للمقهى بطرده ، و يعطي الدرويش للغريب سيفه الخشبي في محاكاةٍ هزلية لأحد تقاليد الفروسية في منح اللقب الرفيع .
و تبدو ساحة المقهى في المشاهد و اللقطات البصرية و الصوتية ( الشفاهية ) و التضمينات الاستعارية الأدبية الكتابية ، معرضاً لنماذج شخصية تُكثف التحوّلات في العلاقات الاجتماعية المرفوضة .
هناك ( الجعجاع ) الذي يعيش على الفكاهة و الفهلوة – يفتح على الرابع إذا تحدث – و لكن حكاياته ، إذ يحب أن يلعب دور قعر المجلس مدعي البطولات ( أبو العريف ) ، تستخدم طرق الفكاهة الشعبية في النزول بمستوى المظهر السامي الروحي إلى مستوى النصف الأسفل من الجسم ، يقول للقوّاد : ( العمل ليس عيباً ، العمل عبادة ، ينوبك فينا ثواب كبير كنت ترفه عنا في الغربة ) .
و لكنه يستخدم الفكاهة الشعبية في فضح المظاهر الخادعة استخداماً كلبياً رافضاً لكل قيم الجماعة الشعبية ، و يحفل المقهى بنماذج التسلق و المنافسة المحمومة و الأحلام الكاذبة ، و لأننا نقرأ الرواية الأولى للمؤلف سنجده يريد أن يقول كل الأشياء في نفس الوقت .
و ننتقل من الجزء الأول للمقهى في الحي الشعبي للمدينة إلى الجزء الثاني للتحوّلات ، و في بؤرته سيرة شخصية فردية تبدأ في القرية و تجسد تلخيصاً نموذجياً لمراحل التغيير التاريخية في ملامح الشخصية المصرية عموماً ، من وجهة نظر المؤلف بطبيعة الحال .
و يدعونا عنوان الرواية إلى الرجوع إلى عنوان كلاسيكي هو ( تحوّل الكائنات ) لأوفيد ( الشاعر الروماني ) ، و من موضوعاته تمجيد الأرض و العلاقات الجماعية الطبيعية الفطرية في الريف ، إذ تتضمن السعادة و الفضيلة و إدانة المغامرة براً و بحراً ، و الحصول على مكسب تجاري من بلاد أجنبية ، و بالمثل تبدأ أطوار الشخصية في الرواية باليوتوبي الطفل حيث يقال له : ( إنّ الملائكة ترفرف حول حدائق الباشا ) ، و يتلو ذلك وصف فردوسي للأشجار و الثمار كأنّ الفواكه تحملها الغصون من تلقاء نفسها دون عملٍ شاق ، و تعطيها راضية لولا الحارس .
و تبدو الفلاحة الأم البديلة للطفل كأنها تنمو من الأرض كالأشجار ، فلها لون الطمي و عيناها كالغدير ، أما الذين يتركون جذورهم فيعودون في نعوشٍ طائرة أو لا يعودون أو يعودون ممسوخين.
و يُذكرنا الطفل اليوتوبي بعبد العزيز في ( أيام الإنسان السبعة ) لعبد الحكيم قاسم ، ( الحضرة
و النشوة , الأوراد ) ، و سيكرر بطل الجزء الثاني المراحل المختلفة لتشكيل الوعي الاجتماعي دون اتجاه ارتقائي على العكس من ( قلب الليل ) لنجيب محفوظ ( تناقضات الانتقال من الوعي الديني الصوفي الأبوي إلى فردية الوعي الجسدي و العلمي الليبرالي ) .
و ننتقل إلى الطور الرومانتيكي بعد مصرع الأم البديلة و الانتقام لها ، إلى التدله في حب ( زهرة ) إنها تشبه ( البدر في منتصف شهر عربي ) ، و تبادله عهود الحب حيث " لا توجد قوة في الدنيا تستطيع التفريق بين العاشقيْن المتعانقيْن في أحضان الأشجار المتخمة بالتوت الأحمر و جدول المياه
و المستلقييْن على المرج السندسي المنسكب في الغيطان " ، و تعدو زهرة كنمسة بين الحقول و لكنها تتزوّج ابن العمدة الذي باعها والدها الفقير إليه .
و بعد أن فقد الأم و الحبيبة هل كان من المحتم - لأنه وفقاً للأسطورة التي تقول إنّ من ينزل في نهر القرية ساعة نومه يأخذ قوة هذا النهر و خصبه و شبقه – أن يتحوّل إلى كائن شهواني عربيد ؟
و يتتبع الراوي اندهشات الاكتشافات الأولى للجنس و تجاربه بعد ذلك في لغة شديدة الحسية ،
و من خلال الشبق يكتشف في كلبية انحطاط الذين يبدون أخياراً ، و كأنه يكرر كلمات الجعجاع في المقهى ، و يمارس السادية في تلذذ .
و دون تمهيد نجده راديكالياً سياسياً في حركة الطلبة بالجامعة في الثمانينيات ، ويبدو أن معلومات الراوي عن حركة الطلبة شديدة الضآلة ، لأنه يختار كاريكاتيرات لماركسي و إخواني ، و يضيف إليهما ماهر ابن معلم القهوة الغائب طوال الجزء الأول .
و ماهر ينقل عن أبيه قوله : ( عش نذلاً تمت مستوراً ) ، و هو في السياسة ( تور الله في برسيمه )
( في تخصصه في الزراعي ) ، و يعتبر نفسه عضواً في ( حزب وداد قلبي ) ، و ليس في دماغه إلا النسوان العارية رغم الشائعات عن استشهاد بطولي ، و عن غيابه الذي دفع بوالده المعلم إلى الجنون.
أما الشخصية ذات التحوّلات التي وصلت إلى المحطة الراديكالية فترجع جذور تحوّلها إلى أنه كان ولداً مشاكساً مثيراً للمشاكل بمشاجراته ، و إلى عودة أبيه بغتةً من بعثةٍ مظفرة .
فوالده غريب عنه يمارس طقوس الأب الكلاسيكية لذلك يتمرد المراهق عليه ، إنه يشعر بنشوةٍ شيطانية عارمة لا حدود لها حين يمارس حقه في الرفض و التغيير ، و قد لا ينجح تفسير الراوي في إقناعنا أن هذه العناصر كافية لتبرير نزعته الراديكالية ، و التفسير هنا لفظي ، يرد كلمة راديكالي إلى تغيير كل الأشياء من جذورها ، و بعد ذلك سيكتشف عبث السياسة حينما يتأكد من أن زميله الإخواني ( عصفورة ) تغرد على أغصان الأمن ، و يسلم الماركسي للسجن .
و تبدو الراديكالية هنا سطحية ، لا تتعدى ردود الأفعال السيكولوجية العائلية ، و ما أسرع ما يتحول إلى داجن بعد تخرجه و عمله في الإذاعة موظفاً أميرياً عبداً للحكومة ، خاضعاً للتعليمات الإدارية و الأمنية ، و سنجده يخاطب طيف الفلاحة التي كانت بديلاً لأمه قائلاً : ( حين تلمحينني أمشي عرياناً على يدي في الطريق ، لا تتهميني بالجنون ) ، فربما كان الجنون حالة أعظم قدراً من حالة الثوري المتمرد الذي انسخط دابة مستأنسة في حظيرةٍ كبيرة هي الحياة .
و في هذه الرواية نرى ( الجنون ) يسود معظم النهايات ؛ غريب المقهى الأنيق يكرر دور الدرويش المجذوب في ملابسه الرسمية البالية ، بعد أن أضاف إليه دور المذيع في علبةٍ معدنيةٍ مربوطة بحبلٍ حول عنقه ، محذراً من هجوم التتار . إنه يذيع حكاية شديدة التعقل عن قزمٍ حقير يدعو شيخاً كريماً إلى المصافحة ( هل كان من الضروري أن يكون القزم معقوف الأنف تجسيداً لدلالةٍ رمزية مفترضة ؟! )
و حينما يمد الشيخ يده للمصافحة السلمية يصفعه القزم على قفاه ضاحكاً :
( كنتُ أحسب قفاه يده ) .
و بعد ذلك يندفع المجذوب كما فعل أستاذه من قبل مع المقهى ، كأنه القذيفة إلى السوبر ماركت الذي حل محله محطماً كل ما قابله من أشياء .
و تنتهي الرواية بمجنونٍ آخر ، في العباسية هذه المرة ، ينظم حركة المرور ، و يعترضُ حركة سيارة زلمكة سوداء ، ذات ستائر لكبير ثري تخرق الإشارة الحمراء ، و تدوسه فيتمدد بطول جسمه على الأرض .
و كل هذا الجنون في الرواية ( هل زادت وظيفته عن الحد ؟ ) يطمح إلى أن يجعل رؤيتنا لأنفسنا
و لعلاقات واقعنا أكثر عقلانية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نُشرتْ هذه الدراسة في جريدة ( القاهرة ) العدد : 149
* رواية تحوّل الكائنات : هشام علوان ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مشروع القراءة للجميع عام 2002


سمير الفيل


إبراهيم فتحي ناقد ثقيل الوزن

وهو في تناوله النقدي لرواية هشام علوان " تحول الكائنات " يؤكد أن الورق حلو

وكتابة هذا الجيل مختلفة

.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.