المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نبيل حاتم يرصد أحوال الجسد
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
عبد الرحمن حلاق
نبيل حاتم يرصد أحوال الجسد في
«سلطان وليلى وبعض الذئاب»





الخميس, 18 سبتمبر 2008
عبد الرحمن حلاق


بلغة بسيطة سهلة حيناً، شاعرية حيناً آخر، يقدم لنا نبيل حاتم مجموعته القصصية الرابعة «سلطان وليلى وبعض الذئاب» وتتوزع قصص المجموعة موضوعياً على تناول بعض الحالات الإنسانية كما في (أحلام سلطانية) و(الاختيار )، وعلى إعادة تصحيح التاريخ من خلال أحد أبطال الثورة السورية المهمشين، أما باقي القصص فتتوزع بين الموروث والعشق وتحدي العادات إلا أن ثمة رابطاً خفياً يمكن استيضاحه من خلال موضوعة كان الباحث إبراهيم محمود قد أشبعها دراسة في كتابه «جماليات الصمت في أصل المخفي والمكبوت» الصادر عن مركز الإنماء الحضاري 2002، وهي موضوعة تصميت الجسد، وتصميت الجسد هو إشارة إلى كل الممنوعات والمحظورات الاجتماعية والدينية والثقافية التي ترسبت وتموضعت وحجر عليها في أعماقه وتمت وتتم مراقبتها ومعاقبتها وتهديد ما ومن يحاول صحوها بشكل ما في المجتمع.

ولعل حقيقة تصميت الجسد في المجتمع العربي هي من كبرى الحقائق التي يجري حظر تداولها، أو حتى محاولة الإشارة إليها، لأنها في حقيقتها تنسف كل ما هو متداول اجتماعياً وسياسياً بشكله السائد « ص111 وكي تتوضح الفكرة أكثر نعود ثانية إلى الباحث إبراهيم محمود لنتعرف إلى هذا الجسد وأسباب سعي المجتمع إلى إلزامه الصمت.

حركية المجتمع

يعرف الباحث الجسد بأنه ليس كتلة وحجماً وإنما هو شبكة مؤثرات ومؤشرات، وهو مسكون بعلامات تتلبسه حتى قبل تكوينه الجيني، تكسبه هذه العلامات قيمة معينة: اجتماعية / معيارية، تستهدف توجيهاً ما لحركية وحراك الجسد كما تستهدف بقاءه وهذا الاستهداف محكوم وظيفياً ضمن وظيفة مرسومة له بغية السيطرة على ما في هذا الجسد من قوى تتفتح وأخرى تنغلق وما بين الانفتاح والانغلاق ثمة قوى أخرى تعيش وضعيات ومسارات متنوعة ومختلفة فقد تنغلق ظاهرياً وتنفتح داخلياً أو العكس، ولهذا ثمة درجات وحراك غير مقروء بدقة لعمل هذه القوى، وهذا الحراك «إنما يشير إلى حركية المجتمع في بنيانه الاجتماعي، وكذلك يتجلى بكونه لوحة المجتمع بكل تناقضاته « ص 110 أما ما يُصمِت الجسد فهو الميراث الذي يعرفه الباحث بأنه «كل ما يجعل الجسد في حالة مراقبة مستمرة، وكل ما يجعله مسكوناً باللعنة والفساد والفسق، ثم يأتي هو من خلال مشروعية حضوره المشرعنة ليتدخل بالعنف المقدس والمبارك، في حركاته حيث يبدأ بترويضه أو بضبطه إلى مستوى ما يجب أن يكون ص 112.

غسل العار

ويتبدى هذا الميراث في مجموعة نبيل حاتم جلياً في قصة «خرساء» حيث يرسم لنا القاص مشهد غسل العار فنرى الأب يسكت زوجته التي أرادت الصراخ والدفاع عن ابنتها قائلاً لها (ابنتك عابت يا رضية) وبمساعدة أبنائه الخمس يربط الفتاة ويغرس في صدرها وتداً أمام ناظري أختها الصغيرة ذات السنوات الخمس، التي أحست أن الوتد غرس في صدرها هي فخرست عن الكلام ولم تستطع أن تتكلم بعد ذلك أبداً، ترى هل تم قتل البنت بإرادة ذاتية من الأب وأولاده، أم أن ذواتهم خرساء أصلاً وهم إنما يتحدثون باسم المنظومة الميراثية، بالتأكيد لقد أصمتت ذواتهم الخاصة لينطقوا بالمستوى المراد لهم اجتماعياً أو دينياً. وجرائم غسل العار تتفق في مجملها على أن «البنت عابت» مع أن المجتمع العربي يحوي في طياته كثيراً من الملل والمذاهب والإثنيات وما هو عار عند ملة ليس عاراً عند أخرى، وكل ملة ترى في أسباب الأخرى أنها على درجة من التفاهة ذلك أن كل مجتمع قد خلق ميراثه الخاص، خلق آليات تصميت مختلفة لكنهم في المجمل يقرون قتل الجسد إذا نطق أما الجسد الميراثي الطائع المطواع المطوّع فهو المثال الذي يحتذى، ذلك أنه جسد فارغ يملؤه الميراث وفق نصوصه الجاهزة كي يتسنى لهذا الميراث أن يثبت فيه باستمرار أوامره ونواهيه، ولذلك تقدم العائلة على تنفيذ حكم الإعدام بالابنة إذا عابت في رسالة ميراثية للأخت الصغيرة، وعلى وبقية الفتيات أن يلزمن أجسادهن الصمت، وهذا ما فعلته أميرة وصمتت.

سلطة الميراث

أما في قصة (ليلى والذئب) نجد أن القصة اتكأت على الذئب كرمز لسلطة الميراث فقد «استيقظ الحب في روح ليلى ذات صباح فتزوجت ذئب جدتها» وهذا الذئب الميراث كبر فمه لأن ليلى صارت أكبر، وطالت يداه لأن ليلى ابتعدت أكثر، وازاد اتساع عينيه كي يراقبها أكثر، ووجدت أن لامناص من موتها على يديه لهذا راحت تساومه لتطيل بقاءها قليلاً، وكلما ساومته على قطعة من جسدها طلب منها المزيد، حتى لم يبق منها في النهاية سوى الروح التي راحت تحلق خارج جسدها، وذلك في قراءة ذكية من القصة لعلاقة الإنسان بالموروث الذي يستولي كلياً على صاحبه لدرجة أن الجسد بعد أن يصمت كلياً وتهدأ حركة القوى المتباينة في داخله يبدأ فيه العقل المستهدف الوحيد من عملية التصميت بإعطاء صاحبه إشارات خاطئة فيشعر الإنسان بالذنب ويشعر بالخوف من الخطيئة حتى تلتبس عليه الأمور كما نرى في قصة «محاكمة قحطان» الذي حوكم وحكم عليه بالإعدام وهو لا يعرف إن كان ساعد في أحداث الحادي عشر من سبتمبر أم لا، ولأن ثمة قوى متداخلة متفاوتة الدرجات وهي غير مقروءة بعد نرى للجسد طرقه الخاصة في مقاومة هذا التصميت يمكن أن تتجلى أحيانا بما يسمى «الخيانة» مثلاً كما رأينا في قصة طلاق حيث اعتمد الجسد طرقاً غير مشرعنة للحصول على أولاد، وذلك بتواطؤ خفي بين الزوج والزوجة، وقد يلجأ الجسد إلى استعارة الوهم فيخلق في مخيلته أصواتاً يعتبرها المجتمع أو الموروث معيبة ولذلك تبقى هذه الأصوات حبيسة المخيلة كما في قصة «حالة حب وثنية» إذ يتصور بطل القصة امرأة تشغل الكرسي الفارغ بجانبه في الباص، ويتصور كيف سيبدأ الحديث معها وكيف سيلمس يدها، ويتصور إحساساته عندما سيلامس شعرها كتفه إلى أن يغوص في المشهد بشكل كامل فيلتفت ولما لم يجدها يخبره شيطانه أن ليس ثمة امرأة أصلاً، ويتبدى تصنيع الحلم واضحاً جلياً في قصة «امرأة من اللامكان» حيث يتهرب الجسد من عملية التصميت عبر الحلم فيصنع ما يحقق الرغبة الجسدية، وليس المقصود في عملية التصميت هذه الأنثى وحسب وإن كانت الحالة تتبدى عبر المرأة بشكل أعنف وأوضح، وإنما هي عملية تطال الجسد الإنساني بشكل عام فتحاول ضبطه ضمن معايير اجتماعية أو سياسية، أو دينية، إن (جسد الإنسان هو المكان الوحيد الذي تتقاطع فيه وحوله علومه وممارساته كلها) حسب تعبير مطاع الصفدي مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 76 77 / 1995 صـ 7 ـ

ميدان السلطة

لقد استطاعت قصص المجموعة هذه أن تنقل بذكاء آليات عمل التصميت وتناولت الظواهر الناجمة عن ذلك، وإن من خلال ما هو اجتماعي، ولم تنفرد ببعدها السياسي غير «محاكمة قحطان» محققة بذلك مقولة فوكو: «إن الجسد غارق مباشرة في ميدان سياسي، فعلاقات السلطة تمارس تأثيراً مباشراً عليه، إنها تستثمره، توسمه، تروّضه، وتعذبه، تفرض عليه أعمالاً، تلزمه باستعراضات، تتطلب إشارات.



أوان :
http://www.awan.com.kw/node/115058
شاهر خضرة
بوركت يا عبد الرحمن
أستاذ الكتابة عن . . .
وأستاذ الكتابة في . . .
نبيل حاتم يستاهل كل خير هو وما يكتب
نبيل حاتم
أخي عبد الرحمن

والله غمرتني باهتمامك .. وأبدعت في تقليب النصوص ونبش بواطنها و من زاوية
شديدة الحساسية ..
أخي لقد أرسلت لك وللأخ شريف المجموعة الجديدة " لا ثلج في الشام " مع المهندس أنور حاتم
هاتف رقم " 009656533415
أتمنى أن تصلك ..

مرة أخرى أحس مدى شفافية قراءاتك وعمقها بآن

لك مودتي

نبيل
عبد الرحمن حلاق
العزيز شاهر
تحية من القلب
شكراً على مرورك الجميل ، رأيك أعتز به دائماً
تحيتي لك




الجميل أبو لوركا
تستحق الأجمل دائماً
اتصلت بقريبك من أجل النسخ ، لكن للأسف ولسوء حظي أنه لم يأت بها لأنه نسيها في سوريا
تحيتي لك ولأم لوركا وللأصدقاء جميعاً .
فاطمه.ن.
حظيت هذه المجموعة لأبو لوركا بمجموعة من الدراسات والمقاربات النقديه،اتذكر اني قرأت قبل فترة عنها في الراية القطريه.والحقيقة أن دراستك يا استاذ عبد الرحمن، اهتمت بشكل خاص برصد أحوال الجسد في قصص المجموعة وهي زاوية هامة ومفصل اساسي في معظم سرود الاستاذ نبيل حاتم الذي يتناولها بالكثير من الشجاعة والواقعية في نفس الوقت.

أحييك.واتمنى ان لا تبخل علينا بالمزيد من هذه الكتابات النقدية التي يحتاجها المنتدى بشكل مستمر.
ورمضان كريم..لك للأسرة كلها ان شاء الله.
عبد الرحمن حلاق
العزيزة فاطمة
أشكر لك مرورك الجميل ورأيك وسام أتقلده
تحيتي لك مبدعة وصديقة
.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.