المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
قمع الشخصيات في " بريد عاجل "
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
عبد الرحمن حلاق
شخصيات لا تملك أي سلطة في الرواية




ثقافة
الأربعاء6/4/2005م
انور محمد

عندما تقرأ رواية - اي رواية, فيجب ان تشعر بأن للكاتب خيالا , وان شخصيات روايته انما كانت تعيش دورها بمزيد من الثراء الروحي والوجداني حتى لو كانت ( مجرمة ) مثل راسكيل نكوف بطل ( ا لجريمة والعقاب) لديستويفسكي.

لكن وانت تقرأ (بريد عاجل) لخليل صويلح , وعلى عجلة ما جاء فيها كنص مستعجل يسعى لأن يشارك في السباق الماراثوني الذي يفترضه خليل- للرواية العربية, فانت ستسأل اول ما تسأل : هل ما قرأته كان رواية??‏


تبدأ ( بريد عاجل) بيوم اظنه يوما فأله حسن , وليس شؤما , كما يرى الصحفي صاحب البريد , وهو يتلصص - يسترق رقم هاتف امرأة كانت تقف امامه في طابور دفع فواتير (الموبايل ) فيتصل بها , فيسمع صوتها - ولا يكلمها !! فيحسن بنشوة (?!) مباغته فيغلق الخط وعندما تتذكره في آخر صفحات البريد العاجل, وتكلمه , ويسمع صوتها, ويواعدها , ويلتقيها تحت مظلة الحافلات التي تقع قبالة قسم شرطة باب تومافي دمشق ,وتطلب اليه , الصعود معها في سيارة اجرة تستقلها للذهاب الى بيت ليقضي وطره منها مقابل (50) خمسين دولاراً في الساعة الواحدة وليس الليلة فينزل غاضبا من السيارة ويصفق الباب بعنف وهو لا يتصور ان تطيح امرأة بمثل هذا السحر بأحلامه وعلى هذا النحو .‏

ما بين هاتين المخابرتين مع هذه المرأة التي سماها (شاكيرا) يمرر خليل صويلح ( سوالفه) التي حشا بها بريده العاجل فنتعرف الى زميلته ( ريم ) وهو يغمز من مؤخرتها والى الرسائل التي كان يبعث بها عبد الملك بن مروان , وابنه هشام وابو جعفر المنصور .. الخ عن طريق الحمام الزاجل الى عمالهم في الولايات الاسلامية.. وبعدها وفي سبعة اسطر ينتقد بتهكم بائس زملاءه في الجريدة حين كانوا يحتفلون بمقالاتهم بالاعياد الوطنية على كثرتها وهو في غاية الاستنفار الثوري كأنه اكثر من غيفارا , او اكثر من زعيم معارضة ديمقراطية , فتشعر ان خليلا يكتب بأسلوب جمله كانت تعرض احاسيس وانطباعات سريعة لاقيمة لها فنيا وفكريا لان خليلاً لم يستطع ان يعطي لاحاسيسه شكلا عقليا , فلقد كان يكتب باحساس بطل ( يتذاكى) و( يتفاكه) يكتب بذهنه فلا حدث يحدث بل انه حين كتب عن طفولته بعد ان سرق رقم هاتف (شاكيرا) وعن كيفية تعلمه القراءة والكتابة فانه كان يقلد سليم بركات في ( الجندب الحديدي) , وباسلوب انشائي . بل انه حين انتقل الى الفصل الثاني وكتب عن رياض حسين ونادر حسن وعواد الكاظمي , فانما كتب موضوع تعبير عن سهرة نفد فيها المشروب فوصف لنا كيف نزل هؤلاء الثلاثة الى ساحة المرجة بدمشق واشتروا الجعة والتبغ واللحم المشوي وعادوا ليكملوا السهرة.‏

هنا أسأل : ترى لو كل كاتب كتب لنا كيف قضى سرة ليلته الفائتة فكم من روائي سنربح ?? وكم من عاشق سيضاف الى ثروتنا الادبية وسيخترق سجل ( غينيس ) للارقام بعدد محظياته التي ملأ بهن خليل بريده العاجل واللواتي لم يسلمن من سخريته - سخرية بطله- فحتى سارة صالح التي صدقته خلال اقامتها لسنوات معه وفي سريره بدمشق وعرفته على حنين لم تسلم من انتقاده عندما هربت من سورية الى فرنسا لاسباب سياسية والتي نقضي معها الفصل الثالث وهو يصفي حساباته معها ومع شخصيات لم تكن تملك اي سلطة في الرواية.‏

ففي الرواية - اي رواية يفترض ان تملك شخصياتها سلطة تعبير قوية غير التي نصادفها في الواقع فمثلا نجد فيها : عواطف مركزة غرائز مركزة وطنية مركزة, بطولة مركزة , خيانة مركزة, جمال مركز, قباحة مركزة , بطل خليل صويلح لا يشعرك وانت تقرؤه في البريد انه صاحب مبدأ او موقف بل انه اساء الى غرائزه وعواطفه كلها حين استعملها وخاصة تلك التي اسمها غزيرة الجنس .‏

برأيي لو ان خليل صويلح احسن استخدام هذه الشخصية التي جسدها في انا ضمير التكلم كبطل في رواية وليس في مقالة انشائية لكان اضاف الى فن الرواية شخصية ( نموذجية) شخصية لم ترق الى ميكافيليتها شخصية في الرواية العربية , شخصية مارقة , لا وطن لها ولا شعب , شخصية تنكرت لماضيها ولحاضرها - ولوطنها - ولم تكن تملك اي وفاء له بل صارت تعبث بالقيم الاخلاقية فنرى زميلته ( ريم ) التي كانت تثيره وكان يختلي فيها في الجريدة تصير في نظره متخلفة ورجعية لانها لم تطاوعه بل انه يصف ( خطيبها ) ب¯ ( تيس) لانه عامل في ورشة وليس ب¯ ( متعلم ) جامعي مثله وكأن صويلح يعيد الى الاذهان صورة ذاك الثعلب الماكر الذي يسمى العنب حصرماً عندما لم تطله انيابه !!‏

هل من الادب ان نصف الانسان بأنه حيوان نشتمه ونحقره بهذه الطريقة الاستعراضية ونصيره خصما ونحن لا نعرفه وهو لا يعرفنا .. ? ثم ان من يقرأ هذه الرسالة الطويلة التي اسمها ( بريد عاجل) وليس الرواية - صورة النساء اللواتي تعرف عليهن بطل البريد, فلن يجد مثلهن رقيقا ومن سقط المتاع فالمرأة تقدمية فيما لو سمحت له ان يستبيح حرمة وكرامة جسدها , ورجعية فيما لو تمنعت عليه وحافظت على عذريتها !! ألهذه الدرجة يسف بطل صويلح التقدمي?‏

بطل خليل صويلح هذا في بريده العاجل يستعجل علينا فيحرق كل شيء يقف في وجهه رغم ان لا شيء ولا أحد يعترض مشاريعه الذهنية التي صبها في علبة البريد التي امتلأت (بالسوالف ) والاخبار المنزوعة من بطون الكتب وكأنك امام كومة ( نفايات) ما تقلب صفحة حتى تنبعث روائح العفن والصدأ الذي ينحبس في صدر بطله في صدر ( انا ) لا ترى الا ذاتها, انا خاملة انا تنفعل لأي سبب انا منطوية غير واعية انا تكتب بسطحية عن مشكلتها مع غرائزها البدائية الفظة.‏

انا مشوشة هي ليست ( انا ) جيل عشنا فيه ومعه احلامه وانكساراته و دفعنا مع من دفع ثمنا باهظا لم نساوم ولم ننهزم امامها . انا اخذت شكلا لغويا ثابتا لم يتغير على مسار النص الانشائي للبريد العاجل انا بقيت عنصرا مفردا في الجملة مفردا ومتكررا لم يستطع الصويلح ان يولد منه جملاً لنص روائي فحركة الكلمات بقيت متقلقلة في الجملة لم تقدر ان تصنع حدثا روائيا ولا صورة روائية بل بقيت انا غير ذات معنى لم تستطع ان تملك كلامها بصفتها فردا متكلما انا صادرت الضمائر التي ظهرت على مستوى القول الانشائي فلم نقدر ان نتواصل معها - فحضورها كان مثل غيابها سواء شاكيرا او ريم او ما ياكوفسكي او ليلى او رزان او جولييت او سارة صالح او حنين او رياض حسين او نادر حسن او عواد الكاظمي لانها بقيت الفاظا ليس لها دلالات معنوية او مادية وكذلك فهي لا تحيلنا الى امكنة ولا الى ازمنة اعتبارية حتى انها لم تستطع ان تلقي بنا في ضمير بطل البريد فنتعاطف معه او نحنق عليه لانها انا (جثة) كانت اشاراتها الشهوانية هي التي تتفسخ فيها وروائحها تملأ فضاء النص انا لم ترسم, لم تسمح لخليل برسم مشهد روائي.‏

في ثلاثية نجيب محفوظ كمال عبد الجواد كان صوتاً, كان انا كمال عبد الجواد وليس نجيب محفوظ هنا في البريد لم نتلمس سوى انا كانت ( تتطبرك) ليس على ريم وسارة صالح وحنين ورياض حسين ونادر حسن , بل وعلينا كقراء ولسبب ان خليلاً صادر هذه الشخصيات وعبأها في كيس انا بطلة طبعا نحن لسنا ضد البطل او ضد هذه الشخصيات سواء أكانت خائنة ام بطلة غبية ام ذكية الفن عموما والرواية منه هي عمل فيه موقف من الحياة موقف تقرأ فيه فلسفة الكاتب وليس سخطه على الناس وعلى الحياة ولهذا السبب تعيش وتخلد مثل هذه الروايات .‏

خليل اسكت شخصيات بريده الغى صوتها هو لم يدرك انه بذلك انما ضيع تعبه كان عليه ان يتناسى اناه الثقيلة ويطلق لريم وسارة ورياض وحنين ونادر (اناهم) الحبيسة فتشعر بكرامتها وتعيش واقعها فنرى شجاعتها وخياناتها وبذاءاتها وايضا احلامها فيجعلنا كقراء نعيش احداثا لا نقرأ تقريرا انشائيا . رجب اسماعيل في شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف رأينا قوته وهو (يعذب) سجانيه -جلاديه بصموده وهم ينكلون به رأينا كذلك انهياره وخروجه من السجن وسفره الى فرنسا للعلاج وعودته الى السجن الى شرق المتوسط ليموت فيه تحت التعذيب- رجب كان (هو) كان ضميرا من لحم ودم ولم يكن (انا) ضميرا من ورق وحبركما في بريد عاجل .‏

http://thawra.alwehda.gov.sy/_archive.asp?...920050405200323
ماجد رشيد العويد
لا أدري لم انتابني الشعور بأن أنور محمد تحامل في مقالته كثيراً على خليل. بالنسبة لي أعرف الكاتب والمكتوب عن نصه معرفة جيدة جداً ولا أنحاز الى واحد دون الآخر. التحامل واضح من خلال معرفتي لبعض نصوص خليل وأجده يكتب بشكل جيد.
.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.