مفارقات الذات في قصة (حاشاكم)
لـ عبد الخالق قادري
لـ عبد الخالق قادري
بلا شك الصورة أقرب معنى إلى مشاهد الحياة ، تتسم بتركيب بسيط و لكنها تحدث ظلا يمتد على مستوى المتلقي ، فتقرأ الألوان في تداخلها قراءات مختلفة تجعله يقارب الأشياء و يطابقها من حيث علاقتها بالواقع ،و يوازن بينها و بين مقاييس الحقيقة للخروج بانطباع أو وجهة نظر تحدد مغزى هذا المشهد ، غير أنّ الرسم بالكلمات يلعب دور الألوان في أبعد حدودها و أعمق نهاياتها ، قد يكون أسلوب السخرية أحد أهم الاختيارات التي يلجأ إليها كثير من الكتاب في طرح مشكلة أو معارضة رأي أو انتقاد وضع مزر ...مجموع النصوص التي كتبها المبدع عبد الخالق قادري تمتزج فيها روح الدعابة مع صرامة الموقف على بساطة ما يتناول بعيدا عن التعقيد قريبا من مشاهد الحياة التي يعيشها الإنسان في أي مكان من الممكن أن يكون قضية في نظره و يتخذ منه موضوعا قويا يتعرض له من حيث أسبابه و مظاهره الإيجابية و السلبية و لذا أجدني أقف عند أحد أهم نصوصه التي لفتت انتباهي (حاشاكم) البداية تداخل بين شخصيتين و هي حالة انفصام شخصية البطل التي تلعب دور المحرك النفسي في تعديل مستويات استقرار النفس المنشغلة بعوالم مختلفة و غامضة و متناقضة داخل حيزين مختلفين ، لأنّ الوضع الحقيقي هو تفاعله مع العالم الخارجي في اجتماع صوره التي استحضرها في مكان لم يكن في الحقيقة سوى عبثا بالأشياء المتراكمة على مستويين ، ذهني شارد متداخل مع وضع تأملي مشوش مرتبط بحوار موهوم ، و مستوى نفسي طافح يعاني ارتكازات هشة تتماوج مع تغيرات المكان الحاضرة و المفتعلة ((اليوم صباحا وهو في الحمام، وتحريا للدقة، مقرفصا بالمرحاض أعزكم الله ، أين يصفو باله ، وجد نفسه يفكر مليا في كيفية خروجه من البيت وقد استيقظ متأخرا عن العادة.))
إذن التوتر الحادث هوالخوف من التوقعات الكثيرة و الصدامات التي صنعتها أفكار قبلية مرتبطة أساسا بأسباب متوهمة سلفا جراء تفاعلها النفسي خوفا من العالم الذي يعتقد أنّه لا يتلقى تفاعلات الآخرين كما رسمها في هذا المكان الذي حاصره في أفكاره و في وضعه ، و تلك يومية من يوميات البطل الذي أصبح يتكيف مع هذه الأشياء بألفة و كأنّ العالم لم يعد يبالي بسلسلة الحياة البسيطة و استعداده لمواجه العالم الخارجي الذي يجمعه بالآخرين ، فتحدثه نفسه النهايات السيئة ، لأنّهم يعتقدون أشياء قد تختلف عن اعتقاده هم أيضا ،
((يخرج مرة واحدة كل صباح ، قبل أن يفتح جيرانه محلاتهم ويخرجون كراسيهم ، يجلسون على الرصيف بباب محل أحدهم ، يتبادلون أخبار البيع والشراء ، ومن ألقي عليهم القبض ليلة أمس من المهربين ، الرشاوي التي نجوا بها ...........))
فصورة الحركة المدركة على مستوى السلوك كما هو ظاهر في تفاعل الأشخاص قد لا يكون بالضرورة هو المستوى الذي تراكم في فراغات النفس ، الأسعار و البيع و الأرباح ، الرضا و الكره و الحب مفارقات حادة في عملية استقرار النفس و بالتالي الوصول إلى ((الطريق المستقيم)) قد يبدو هذا الأمر مجرد فلتة و لكنه في حقيقته أحد أهم مرتكزات النفس
((فرق كبير في الأسعار. كل واحد يبيع كما يحب ويرضى . المحل لا يعتمد على أرباحه . لتغطية نشاط آخر ليس إلا أو لربط ولد كي لا يحيد عن الطريق المستقيم .))
و الأخطر من كل هذا الانقلاب الداخلي الذي أحدثه تغير المكان و تشوش الأشياء و تجدد الأشخاص ، لهذا الفعل منعكسات أخرى تجبره على تعميق تفكيره و البحث عن بدائل أخرى تساويها أو على الأقل تشبهها ((هؤلاء ليسوا جيرانه ، جيرانه القدماء الذين كبر معهم ، باعوا ديارهم واستقروا على هامش المدينة . هؤلاء حديثو العهد بجيرته، لذا يثابر كثيرا على عدم رؤية سحنات وجوههم . هم فئة الدرجة الرابعة من الناس ،))
إنّ الكاتب قد حصر كل هذه الصور و المشاهد لغاية مجزأة بين بقائه في المكان الذي حاصره و بين العالم الذي ينتظره بضيقه على رحابته ، مفارقة غريبة أرد الكاتب أن يختلق جو العالم الذي انحصر فيه البطل و هي فرصة لتحليل الوضع و قد اكتشف فيه استقرار ه النفسي أكثر مما يتوقعه في هذا العالم الذي تسبب له في اختناق الأفق و الشعور بالانفلات ، فحديثه عن الأرياف و الثورة و التهريب و الدعم و استصلاح....ما هي إلا إرهاصات تفوقت على مستوى مدراك البطل الذي أصبحت شغله الشاغل سعيا وراء السعادة المفقودة ، و البحث عن اختيارات جديدة ، على الرغم من أنّ الوضع الذي تمايزت فيه نفس البطل متوترة (( الذين بقوا في الأرياف بعد الثورة . كونوا ثروة من التهريب و منح الدعم الفلاحي واستصلاح .......))ثم ما معنى انتقال المشهد إلى وسط جديد قد يبدو مجرد تغير في المكان أو تنوع في البيئة ((وسط هذه التقلبات غرغر السيد. لو لم يتقن في صغره السباحة والغطس من الجروف العالية لأكله بوبي مند زمن. سباحة الضفادع، الشراغيف ، الغيالم ، الشبابيط ، السراطين ، كلاب الماء وشكامي الحوت . لم يكن الأمر بالسهولة التي تخطر على البال . تعليم السباحة صعب، عوقب ضربا مبرحا مرارا ، لما كان طفلا في العاشرة ، من والدته وأخيه الأكبر.....))
تمكن الكاتب من توسيع الدائرة منذ ولوج البطل هذا المكان و اتساع هذه الدائرة مرتبط أساسا بمحيطه كمتنفس مختلف ، عالج من خلاله كل القضايا العالقة ، و هذا نوع من السخرية و العبث كما رسم ذلك الكاتب و أراد أن يجر البطل إلى مكان غير الأمكنة و تخليصه من عقدة المواجهة و الوقوع في صراع قد يمحق ذاته و يشوه مرتكزاته التي اعتادها في غير هذا المكان كما عبر عن ذلك الكاتب نفسه ((....ألقى سطلا من ماء وراءه . خرج من الحمام . ارتدى حذاء رياضيا. استجمع قواه واتجه نحو القذر . زبد على أطراف شفتيه والشرر يتطاير من عينيه . غير عابئ بالآخرين، وقف أمامه وقال بنبرة الواثق من نفسه :
ـ كم تعطيني في البيت ؟
رد عليه :
ـ سأفكر !))
هذه الاعتبارات التي رسمها البطل داخل هذا المكان لم تكن واضحة في بدايتها و كانت كافية في نهاية المطاف لصنع حدث و العزم على موقف صارم يواجه به البطل التيارات الخارجية
كان ذلك بمزحة بدفقة ماء أزاحت كل الأفكار و مصادر الأذى و تجديد الحيوية بشكل مختلف و على رؤية بعيدة عن هذا الضغط و ليس تحت رحمة هذا المكان الضيق ، لأنّ الضيق الحقيقي ينبعث من الآلام و التفكير المشوه لا يصلح أن يكون مصدر اعتدال .
