رواية قديمة .. تضيف جديداً إلى ببليوجرافيا الرواية العربية
لم يعد يتردد الآن في الأوساط الثقافية العربية أن رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل (1888- 1956) هي النص المؤسِّس للفن الروائي العربي, حتى وإن أضفنا "الناضج فنياً" لتسويغ ريادتها. فقد أظهرت الجهود البحثية المختصة بهذا الشأن كثيراً من النصوص الروائية "الناضجة فنياً" قبل "زينب" بأكثر من خمسين عاماً.
وإذا لم تكن الآراء قد استقرت بعد حول بداية مؤكدة للرواية العربية؛ فمن قَائل إنها موغلة في القِدم مشيراً إلى التجارب المبكرة في البث الحكائي متمثلة في "ألف ليلة وليلة" التي يُذكر أن أكثر من مؤلف كتبوها, وذلك لاختلاف الأداء السردي فيها, وتراوُح أسلوبها بين العُلُوّ والدنوّ, و"حيّ بن يقظان" لابن طفيل (ت 575هـ/1179) وسيَر البطولة الشعبية التي برزت في العصور الإسلامية الوسيطة وما بعدها مثل "سيرة بني هلال"، و"عنترة"، و"سيف بن ذي يزن"، وغيرها, ومن هؤلاء مَن يُلحق بهذا الفن مقامات الهمذاني والحريري والسيوطي وابن حبيب وغيرهم, ومنهم من يعتبر "بدائع الزهور في وقائع الدهور" لابن إياس (ت930هـ/1524) ومِن بعده "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" لعبدالرحمن الجبرتي (ت1237هـ/1822) نوعاً من الفن الروائي المعتمد على فكرة كتابة اليوميات, ومِن قائلِ إن الرواية العربية المعاصرة هي نتاج غربي بدأنا بترجمته ثم حاكيناه منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر.
وأياً كان القول في ذلك فقد ظهرت في الآونة الأخيرة أكثر من ببليوجرافيا للرواية العربية تعتمد كلٌّ منها نصاً ورائياً سابقاً لرواية "زينب" وتعلن ريادته وأسبقيته التاريخية مع ذكر ما جاء بعده من نصوص.
وسنكتفي هنا بذكر البواكير التي كتبت قبل عام 1900.
فقد ذكرت الببليوجرافيا التي أَعَدَّ الجزء الأولَ منها الدكتور طه وادي من البداية حتى عام 1974 أن النص الروائي الأول هو رواية "عَلمَ الدين" لعلي مبارك (1824- 1893), المنشورة عام 1882 (1), تليها رواية "نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال" لعائشة التيمورية (1840- 1902), المنشورة عام 1888, ثم الروايات التاريخية لجُرجي زيدان (1861- 1914) التي بدأت برواية "المملوك الشارد" عام 1891, و"أسرة المتمهدي" عام 1892, و"استبداد المماليك", و"جهاد المحبين"، و"أرمانوسة المصرية" المنشورة ثلاثتها عام 1893, و"عذارء قريش" المنشورة عام 1898, وفي العام ذاته تنشر لبيبة هاشم (1880-1947) رواية "حسنات الحب".
وفي عام 1899 ينشر أمير الشعراء أحمد شوقي (1868-1932) نصاً نثرياً هو رواية "لادياس" أو آخر الفراعنة. وفي العام ذاته تنشر الأديبة اللبنانية زينب فواز (1860-1914) روايتها "حسن العواقب" التي ظنها الباحث اللبناني حلمي النمنم الرواية الأولى وأطلق على صاحبتها لقب "أم الرواية العربية".
وفي الوقت الذي يذكر فيه الباحث محمد يوسف نجم أننا عرفنا الرواية الأولى "الهيام في جنان الشام" عام 1870، على يد سليم البستاني (1848-1884), يقول الأديب والباحث المصري د. السيد نجم في دراسة له، وهو يتحدث عن الطبعة الأولى التجريبية من "ببليوجرافيا الرواية العربية الحديثة" التي صدرت عام 1998 عن قسم الدراسات العربية بالجامعة الأميركية بالقاهرة, تحت إشراف الدكتور حمدي السكوت, أن البدايات الروائية العربية الأولى كانت في الشام, عام 1865 برواية "غابة الحق" للأديب والشاعر السوري فرنسيس مرَّاش (1836 -1873) التي قال عنها الدكتور جابر عصفور إنها الأسبق في تاريخ الرواية العربية.
ثم يعلن الباحث المصري محمد السيد عبدالتواب, عبر رسالة ماجستير حديثة, ريادة الأديب اللبناني خليل الخوري (1836- 1907) بروايته ذات العنوان اللافت "وي.. إذن لستُ بإفرنجي" التي نشرها للمرة الأولى, على حلقات, في جريدته "حديقة الأخبار" عام 1859, وبعد انتهاء نشرها في الجريدة على مدى ثمانية عشر شهراً, طبعها في كتاب عام 1861. ثم أصدر المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة طبعة مصورة لهذه الرواية, كتب مقدمتها الباحث المصري د. سيد البحراوي.
ويقول الباحث العراقي د. عبدالله إبراهيم، الحاصل على جائزة شومان للعلوم الإنسانية والمشارك في موسوعة تاريخ الأدب العربي التي أصدرتها جامعة كمبردج Cambridge History of Arabic Literature ، إنه كتب عن هذه الرواية باعتبارها أول رواية عربية وخصص لها موقعاً في كتابه "السردية العربية الحديثة" الذي صدر في مطلع عام 2003 (ص214- 216), ثم في "موسوعة السرد العربي" التي صدرت في عام 2005 (ص418- 420) أي قبل نشرها في مصر عام 2007.
قصة فؤاد ورفقه محبوبته
هي رواية مهمة أغفلتها كل ببليوجرافيات الرواية العربية والموسوعات التي تتبعت السرد العربي منذ نشأته حتى وقتنا الراهن. وهي ضمن مجموعة نفيسة من الكتب النادرة التي تحتضنها مكتبة عبدالكريم سعود البابطين وتُعني بها حفاظاً على ذاكرتنا التراثية وهويتنا العربية المستهدفة.
بدأت قصة اكتشاف هذه الرواية مع بداية الإعداد للمجلد الثالث من سلسلة "نوادر النوادر من الكتب" حيث لفت انتباهنا أن تاريخ طباعتها هو عام 1872, أي قبل "زينب" لمحمد حسين هيكل باثنين وأربعين عاماً, وقبل "عَلَم الدين" لعلي مبارك, التي قال الدكتور طه وادي إنها النص الروائي الأول, بعشر سنوات.
و"قصة فؤاد ورفقه محبوبته" هي رواية أخلاقية تتحدث عن المرأة الجميلة عندما تنطلق بلا حدود دون وازع من عقيدة أو ضمير, فلا يكون هناك حصن يحميها ويقي الآخرين من فتنتها, وما يمكن أن يؤدي ذلك من الفساد والإفساد؛ فيحدث ماحدث لبطل الرواية "فؤاد".
والرواية كتبها نخلة صالح (000-1899)(2) وهو كاتب ومترجم مصري, من آثاره "الكنز المخبا للسياحة في أوربا"، و"الدليل الأمين"، وهو رحلة قام بها من مصر والإسكندرية إلى بلاد الشام سنة 1874, و"الدرة الحقيقية البهية" في خروج بني إسرائيل من مصر وذكر بعض الآثار المصرية, ترجمه عن الفرنسية, وتترافق الترجمة مع النص العربي في مجلد واحد.
طُبعت الرواية في مصر بالمطبعة المصرية ببولاق سنة 1289هـ/1872
ولا يزال البحث في الكنوز التراثية لمكتبة البابطين يُسفِر عن الكثير الفريد من القديم الجديد.
عبدالمنعم سالم ـ الكويت
(1) توجد بمكتبة البابطين طبعتُها الأولى بأجزائها الأربعة.
(2) Brockelmann: 2: 749
عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين 13/83, خير الدين الزركلي: الأعلام 8/15, يوسف إليان سركيس: معجم المطبوعات العربية والمعربة 1189.
نوبلز نيوز