المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
مستويات التشكيل في قصص الراحل زكي العيلة
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
السعيد موفقي
مستويات التشكيل
في قصص الراحل زكي العيلة







في كثير من المواقف يلجأ الإنسان إلى الطبيعة ، يستلهم منها مشاهد تكميلية لصور متخيلة ، كان حضورها مشوها ، و التعبير عنها قد لا يعني بالضرورة حضورا فوتوغرافيا لتركيبها ، و بذلك تلعب الألوان دورا أساسيا في خلق توافق تناغمي يحدث إيقاعا قويا يحرك الذات و يهز النفس تجاه موقف من المواقف أو مغامرة عاطفية أو رأي ملتبس في تحديد تشكيل فارغ بحثا عن الاسترخاء الروحي كما قال إميل نولده رائد المدرسة التعبيرية، من هذه الوجهة كثير من كتاب القصة ، و القصة القصيرة على وجه التحديد يستلهمون فكرة التعبيرية و تركيب المشاهد و إثارة المواقف و استفزاز الأشخاص و تحريك الكوامن من أجل ديناميكية فعالة في معارضة مختلف الصور و المشاهد السلبية مهما كان مصدرها أو تناقضت طبائعها ، لدى القاص الراحل زكي العيلة طبيعة مختلفة في رسم هذه الحدود و معالجة القضايا و إن بدت أهم القضايا التي أثارها في هذه المجموعة يطغى عليها التشكيل الفاعل في مختلف مستوياته ، فالصورة الحقيقية لطبيعة الصراع لدى الإنسان تكتسي عدة نماذج حية وظفها القاص بحنكة و دراية ملمة بجوانب تشكل الأشياء و تداعيها سلبا و إيجابا : ( القناص و أشياؤها ) ((عندما نهش القناصُ النورَ من جسد الطفلة ، غادرت علبةُ الألوانِ أصابعَها ، و تناثرت أقلاماً تتقافز فوق التراب .
مع جديلة الشمس التي كانت تتعلق الطفلة بخيوطها البرَّاقة بحثاً عن أسراب الفراشات ، و زقزقات الحساسين ، مضى القلم الأبيض .)) همات تداع في الأفكار و تسلسل في إغراق متاهات النهاية الغامضة ووقوع مكونات الذات بين مخاطر متنوعة ، الطفلة ، الألوان ، الشمس ، رموز لذلك البعد المتقارب من حيث تقاطع فعالياتها أفقيا و عموديا ، حيث البحث عن الذات مرهون بتواجد خلفيات صحيحة تشترك مع عناصر طبيعية محركة ففي قصة ( نوافذ أخرى للبوح)
خلسة يتواعدان ، ملهوفاً ينتظرها ، يترقبها ، يلتقيان ، يجتازان ميادين وإشارات مرور حجرية ، يلهثان ، يتوقفان تحت شجرة البونسيانا التي تفترش بطن الرصيف ، خربشات ورسوم تهجع فوق جذعها ، يضيفان حروفاً وقلباً يخترقه سهم مدبب ، زهرات حمراء تتفكك فوق رأسيهما ، تتناثر خيوطاً على أكتافهما ...
لم تكن الحقيقة واضحة و تشابك العلاقات لم ينته دفعة واحدة ، اعتاد التوجه القديم في استرساله حتى ولو لم تكن هناك علاقات واضحة تمهد للنهاية البعيدة ، فالتفسير الوحيد لهذا التناقض إنما طبيعته تبدأ بتشكيل و تنهتي بتشكيل آخر قد لا يكون على صورة واحدة ، فالحركة و الحيوية و النشاط الذي يتكرر بصورة متجددة يخلق من ورائه فعاليات أخرى تترتب عنها ديناميكية حية موتورة : تبهر، البصر ، تاكسيات ، عطر ،أغان صاخبة ، بحر ، زبد....و هناك عناصر و رموز أخرى توالت و ترابطت و في حالات أخرى تنافرت لعدم توحدها من حيث تشكلها الأساسي : (النيونات عريشة تبهر البصر ، تاكسيات يتصاعد منها عطر نفاذ وأغانٍ صاخـبة ، بحر شاسع على بعد أمتار يتقيأ زبداً ورغواً ، هاتف نقال يتحدث ، ربما عن صفقة وقود ، أو أغذية مضروبة ، ربما يرتب موعداً مع امرأة بلحم وفير متأجج ، تزوم وهى تفتح خزائنها المشتهاة .) و بصورة مفاجئة لا يترك القاص فرصة للقارئ أن يمعن النظر في هذه البداية حتى يفاجئك بالنهاية و هذه لفتة متميزة في خرجات الراحل زكي العيلة في تعامله مع الفكرة الصورة ، و تنقله أحيانا يربك القارئ بل يحرجه ليتخذ الموقف المناسب لأنّ المدركات الأسلاسية قد تلقاها في البداية و مع عليه إلا اتخاذ القراء بعد هذه الفترة و إن كانت خاضعة لمقياس الاستغراق الزمني الفني الذي يقابله الاستغراق الزمني الطبيعي بجميع حدوده السطحية و العميقة ، فالألم في التجربة الفنية تتبعه تأثرات مختلفة تسحب من ورائها مرتكزات جانبية لا تظهر كاملة إلا بعد عذابات تمر بها الذات ، كتلك التي عبر عنها القاص في قصة ( القبض على محمد الدرة ) ، اعتمد فيها على توزيع درامي كثيف و شديد التأثير ، إذ تتقاسم الذات مستويات تشكيلية متنوعة و متداخلة ، فمن الطبيعي أن تتناقض الأشياء و تتداخل في مستويات كثيرة و ربما هذه الذي اشتهرت به المدرسة التعبيرية في ربط الواقع بجزئياته الحاضرة و الماضية مع تغيير ذاتية يبتعد في مرتكزاته عن الموضوعية و صرامتها ، يترك للذات استقلالية موجهة في تحديد أفقها و رسم معالمها و إن انتابها غموض في محطات مختلفة ، محمد الدرة لم يكن إلا رمزا من أهم رموز العملي الفنية في تجاوز مرحلة معينة من العذاب أو المأساة ، و يمكن أن نفسر اهتمام القاص بهذا الموقف بمحاولته التذكير بالخيبة و الانتكاسة التي شهدتها المرحلة العربية و فشل العملية السياسية المتعفنة ( عندما انتشر الجراد و تَمددَ القحط ، و جفت ألسنة الشجر ، تراكضت
الأكفان ، و ابتعدت النجوم ، و راحت الأطيار تُنقّب عن سماء من فيء و زاد و نور، ضجَّ الخلق من البلاء ، و تجرأ بعض العوام فنقشوا على الحيطان حروفاًً و أشكالاً تتحدث عن القروح و الدمامل و أمواس الجوع و البراطيل ، فخرج كاتب المراسيم من قبته ببيان إحقاق الحق و إعادة الأمر إلى نصابه ، و الأمن إلى جِرابه ، تلاه بقرار إلقاء القبض على محمد الدرة الذي استهدف الميزان والثوابت حين ألقى بأيديه إلى التهلكة .)و هذه إحدى المقاربات التي استدركها القاص و اكتشف عيوب المرحلة و محنة المتشرد و معاناة الأطفال ، فحدث نوع من الفلتان و التشرد مرة أخرى غير أنّه هذه المرة كان أشد (فَلَتـَــان) ( حالما أنهى المؤلفُ روايتَه (فلتان) سرحَ للحظاتٍ في شخوصه، وتحسسَ عنقَه الذي تراءى له عيداناً مذبوحةً تشخبُ دماً يغطي السطورَ، فقررَ إعادةَ النظرِ في أصوات روايته وبنائِها السردي.) و لم يكن ذلك إلا انزلاقا جديدا في المرحلة ، و المرحلة تقتضي تجديد كثير من العمليات الملتبسة في عمق الذات و اللجوء إلى دواخل نفسية قد أصابها الرهاب و أحبطت الأعمال خارجيا و داخليا ، فتسببت في خيبة جديدة sad.gif بالممحاة داهمَ شخصياتِه غير النمطية التي تغوى الحديثَ عن البصاصين والمحاسيبِ وفوضى المُدى والدكاكين، والعمولاتِ، والقيء، والشخيرِ، والعري، والشبقِ والعُقم والندوبِ والملوِّثات والطحالبِ والشجرِ الأجرد والمراكبِ التائهة.)و في هذا المشهد كثافة واضحة تنم عن رؤية ثابتة و قناعة متجددة باستراتيجية الحياة المتعفنة و التي ضربت على حدودها عوالم مختلفة متآكلة في تواجد عناصرها و تقاطع مرتكزاتها ، فمن فلتان إلى (في نسب الفتى الذي)تظهر تطورات أخرى للقضية التي أثارها منذ البدء و تحمل أكثر من دلالة و ترتبط بأكثر من سبب ، الانشغال واضح و التيه بارز على مستوى المجموعة ، إنّ ارتطام الحقيقة بصخرة التناقضات و ضباب الأشياء صلب القضية التي أدار آلياتها كمحور ، البحث عن الانتماء ، الارتباط ، التواصل ، التكامل ، عملية استصعبا القاص لاعتبارات كثيرة لم يشأ أن يذكرها إلا وفق أنساق استنتاجية يدركها المتلقي عبر مراحل مختلفة في طرحها و طرقها : ( اختلفت القبائلُ في نسبِ الفتى الذي نعفته على الفورِ قذيفةُ الدبابةِ عيداناً ممزقة. كلّ قبيلةٍ تؤكد أنه سليلُ أصولِها وبطونها، ووصل الأمرُ حدَّ التلويح ببيانات التخوين والتهديدِ بعظائمِ الأمور.
قال خطيبُ القبيلةِ الأولى : ربطتنا بالفتى أواصرُ شتى، فالقصائد التي كتبها صهيلا ً في وجه الطوفانِ كانت جزءاً من أوراقنا.
من كفنه الفتى قطعاً معفرةً بالدماء، تأَمَّل القبائلَ اللاهيةَ المنعوفة، وتَراءى أمامه الطوفانُ الداهمُ الذي سيزدردُ الجميعَ، فتدلى عيداناً ممزقةً باحثةً عن موتٍ أسرع. ) ، يلتفت القاص إلى أهمية الاعتقاد و الارتباط و تعدد المفاهيم لدى مجموع الناس و اختلافهم في تحديد مستويات الهوية ، لم تكن العملية مجرد إبداء رأي بقدر ما تحمل من دعوة إلى اتخاذ موقف صارم و فعالية القرار و نجاعة التصور ، فالحقيقة لا يمكن أن تمر من دون صلابة في الاختيار و أنّ التشكيل الحقيقي و إن تعددت مستوياته في النهاية يعكس تصورا واضحا لحدود المشهد أو الصورة التي يتركب منها هذا الاختيار ، و بذلك يكون القاص قد اختار الأقرب منها و الأكثر تأثيرا كالقضية التي يؤمن بها ، على الرغم من قصر النصوص غير أنّها شديدة المفعول.
ــــــــــــــــــــــــــــ
قصص المرحوم من موقع القصة العربية
سمير الفيل




شكرا يا سعيد على هذا الجهد الكبير

موفق دائما في كتاباتك النقدية

وباقة محبة للراحل د. زكي العيلة..



قادري عبد الخالق
(السعيد موفقي @ 11-08-2008, 06:37 pm) *

مستويات التشكيل
في قصص الراحل زكي العيلة


.................................


دراسة قيمة

والتفاتة جميلة من ناقد محنك

لأعمال الكاتب الكبير زكي العيلة

شكرا للصديق السعيد موفقي


سعيد رمضان على
عزيزي السعيد موفقي
جهد يشكر على أعمال صديق عزيز
أرسلت رابط الدراسة للصديق
محمد العيلة بفلسطين لوضعها ضمن
الأعمال التى كتبت عن الصديق زكى
مع تحياتي
السعيد موفقي
(سمير الفيل @ 12-08-2008, 02:46 am) *



شكرا يا سعيد على هذا الجهد الكبير

موفق دائما في كتاباتك النقدية

وباقة محبة للراحل د. زكي العيلة..

القاص الرائع زكي العيلة يستحق هذه الإضاءة ، أشكرك على القراءة و الاهتمام.

(قادري عبد الخالق @ 12-08-2008, 03:57 am) *

دراسة قيمة

والتفاتة جميلة من ناقد محنك

لأعمال الكاتب الكبير زكي العيلة

شكرا للصديق السعيد موفقي


الصديق العزيز عبد الخالق قادري...
أعتز بهذه الشهادة من كاتب بارع و متابع نشيط ،
القاص زكي العيلة قلم محترف يستحق الذكر ،
أشكرك على القراءة و الاهتمام .


(سعيد رمضان على @ 12-08-2008, 04:16 am) *

عزيزي السعيد موفقي
جهد يشكر على أعمال صديق عزيز
أرسلت رابط الدراسة للصديق
محمد العيلة بفلسطين لوضعها ضمن
الأعمال التى كتبت عن الصديق زكى
مع تحياتي


الصديق العزيز سعيد رمضان علي
إنّ القاص الراحل زكي العيلة يملك قلما ممتازا و يستحق الذكر و المتابعة
أشكرك صديقي على القراءة و المتابعة وأرجو أن تبلغ سلامي للأخ محمد العيلة
تحياتي للجميع .
السعيد موفقي
قصص الراحل الواردة في موقع القصة العربية


1 ( القناص و أشياؤها )
الثلاثاء 30 اغسطس 2005
2 ( نوافذ أخرى للبوح )
الأربعاء 31 اغسطس 2005
3 ( القبض على محمد الدرة )
الخميس 1 سبتمبر 2005
4 فلتان *
الجمعة 23 سبتمبر 2005
5 (في نسبِ الفتى الذي..)
الخميس 13 اكتوبر 2005
6 (.. مِنْ أينَ لَه ؟؟!!..)
الاثنين 24 اكتوبر 2005
7 ( الخطبـــاء)
الثلاثاء 22 نوفمبر 2005
8 ( العَـلَــــم )
الأربعاء 7 ديسمبر 2005
9 ( لافتـاتهم )
الجمعة 30 ديسمبر 2005
10 ( صورته )
السبت 4 مارس 2006
11 ( الولــد الذي... )
السبت 16 ديسمبر 2006
12 ( حمَّالــــة )
السبت 23 ديسمبر 2006
13 مكاتيب للمطـــر
الجمعة 23 فبراير 2007
14 كلهــــم أبنائـــي
الأربعاء 28 مارس 2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر

حسن غريب
الصديق العزيزوالكاتب الناقد المميز الاستاذ : السعيد موفقي
شكرا لك علي ما قمت به من جهد طيب وكبير تجاه اعمال الراحل الدكتور زكي العيلة وقد افلحت كثيرا فيما كتبت عنه .
دوما الي الامام وبالتوفيق
الشربينى المهندس
شكرا للعزيز السعيد الموفقي
دراسة تستحق القراءة عدة مرات
وفي مناسبة ذكري رحيل استاذ لنا
رحم اللـه زكي العيلة وكأنه ينادي ليلحق به محمود درويش وغيره وتبقي فلسطين وعالمنا العربي ينبض رغم كل شئ
اقرأ من دراستك ((اختلفت القبائلُ في نسبِ الفتى الذي نعفته على الفورِ قذيفةُ الدبابةِ عيداناً ممزقة. كلّ قبيلةٍ تؤكد أنه سليلُ أصولِها وبطونها، ووصل الأمرُ حدَّ التلويح ببيانات التخوين والتهديدِ بعظائمِ الأمور.
قال خطيبُ القبيلةِ الأولى : ربطتنا بالفتى أواصرُ شتى، فالقصائد التي كتبها صهيلا ً في وجه الطوفانِ كانت جزءاً من أوراقنا.
من كفنه الفتى قطعاً معفرةً بالدماء، تأَمَّل القبائلَ اللاهيةَ المنعوفة، وتَراءى أمامه الطوفانُ الداهمُ الذي سيزدردُ الجميعَ، فتدلى عيداناً ممزقةً باحثةً عن موتٍ أسرع))
هل كان يقرأ الغيب ..؟
سمير الفيل
(الشربينى المهندس @ 14-08-2008, 06:52 pm) *
شكرا للعزيز هل كان يقرأ الغيب ..؟




كان المرحوم زكي العيلة تعيسا لما حدث في غزة

ولم يكن يملك شيئا ..

رحمه الله رحمة واسعة ..

السعيد موفقي
(حسن غريب @ 15-08-2008, 02:42 am) *

الصديق العزيزوالكاتب الناقد المميز الاستاذ : السعيد موفقي
شكرا لك علي ما قمت به من جهد طيب وكبير تجاه اعمال الراحل الدكتور زكي العيلة وقد افلحت كثيرا فيما كتبت عنه .
دوما الي الامام وبالتوفيق


مرحبا صديقي العزيز حسن غريب
طال غيابك ، المهم أنت بصحة و عافية
أشكرك على مرورك الكريم كما اعتدته


(الشربينى المهندس @ 15-08-2008, 03:52 am) *

شكرا للعزيز السعيد الموفقي
دراسة تستحق القراءة عدة مرات
وفي مناسبة ذكري رحيل استاذ لنا
رحم اللـه زكي العيلة وكأنه ينادي ليلحق به محمود درويش وغيره وتبقي فلسطين وعالمنا العربي ينبض رغم كل شئ
اقرأ من دراستك ((اختلفت القبائلُ في نسبِ الفتى الذي نعفته على الفورِ قذيفةُ الدبابةِ عيداناً ممزقة. كلّ قبيلةٍ تؤكد أنه سليلُ أصولِها وبطونها، ووصل الأمرُ حدَّ التلويح ببيانات التخوين والتهديدِ بعظائمِ الأمور.
قال خطيبُ القبيلةِ الأولى : ربطتنا بالفتى أواصرُ شتى، فالقصائد التي كتبها صهيلا ً في وجه الطوفانِ كانت جزءاً من أوراقنا.
من كفنه الفتى قطعاً معفرةً بالدماء، تأَمَّل القبائلَ اللاهيةَ المنعوفة، وتَراءى أمامه الطوفانُ الداهمُ الذي سيزدردُ الجميعَ، فتدلى عيداناً ممزقةً باحثةً عن موتٍ أسرع))
هل كان يقرأ الغيب ..؟

الصديق العزيز الشربيني المهندس
هكذا هم المبدعون يتألمون كثيرا ، و الدكتور زكي العيلة خبرة متميزة حافلة بشهادات تستحق الوقوف،
شكرا لك صديقي على القراءة و الاهتمام.


(سمير الفيل @ 15-08-2008, 01:13 pm) *

كان المرحوم زكي العيلة تعيسا لما حدث في غزة

ولم يكن يملك شيئا ..

رحمه الله رحمة واسعة ..

ماذا يمكن أن يملك غير محنة تمزق أعماقه ، و وطن مذبوح....
شكرا صديقي على القراءة و الاهتمام .
السعيد موفقي
من روائع الراحل زكي العيلة


كلهــم أبنائـي*


والشمس ترسل خيوطها الأولى تغادر باب بيتك.. لا تدري أين
تقودك قدماك، أين تصل بك الطريق، يسكنك القهر، الغصة قمم في داخلك، يكاد رأسك ينشق، يقولون إن من الأفضل إبلاغ الصليب الأحمر في مثل هذه الحالات، خاصة أنه لا يحمل بطاقة هوية، صغير السن.
قبل انتصاف الليل كانت دربكاتهم تمزق قلب السكون، بساطير، زمجرات لا سلكي، رطن، ارتطامات أحذية ثقيلة، طرقات، يكاد الباب ينسحق تحت ضرباتهم، تهب مفزوعاً إلى الحوش، الكشافات تدمي عينيك.
هراوات تلكز خاصرتيك، كتفيك، يرشقونك بكلمات تقطر سياطاً :
- أين الأولاد؟
يندفعون صوب الأبواب، يدفعونك، يفلت منك توازنك، يرفرف أمجد بين أيديهم كعصفور ابتعدت عنه الأشجار.
- ماذا تريدون؟ إنه صغير، لا يحمل هوية.
يزقونك، يجرجرون (أمجد) يلقمونه الأرض، صراخ ، خنجر مثلوم يحز شرايينك، تركض خلفهم ، يدفعونك ، تنقلب على ظهرك ، رغو فوار يتكدس في الحلق.
- نحن في حالنا، ليس لنا دعوى، لا نحتك بأحد، لا جيش ولا غيره.
تتوه منك الطرق والأبواب ، حيلتك للزمن ، ولد على رأس خمس
بنات، تتطلع فيه عشر مرات، تضعه بين عينيك، ترخي عليه جفونك.
هل يهمهم صليب أو غيره؟ المطلوب مطلوب، لا بد من إبلاغ الصليب، إبلاغ طوب الأرض إذا لزم الأمر، لكن كيف الوصول إلى غزة؟ وصول غزة اليوم أصعب من دخول جمل في ثقب إبرة.
المشكلة ليست في المشي، ليست في انعدام السيارات، المسافة من جباليا إلى غزة ليست بعيدة، كثيراً ما قطعتها مشياً، المشكلة أن الملاعين لا يتركون أحداً في حاله ابداً، اليوم إضـراب، يتصيـدون المارة لرفـع المتـاريس، إطفاء الإطارات، إزاحة الحواجز، وتمر ساعات النهار ثقيلة بطيئة وأنت لم تصل إلى مقصدك، تأتيك فكرة، لماذا لا تتلفن من العيادة ، ذلك أسرع وأجدى وأسلم.
صورة (أمجد) تسد عليك الطريق، طول الوقت وأنت تطلب منه أن يظل في حاله ، أنت صغير على المطاردة والرجم وتعب البال ، ماذا يمكن لباطن اليد أن تفعل في مواجهة حد السكين؟؟ تعلم أنه يتظاهر بسماع كلامك.
كان يحاول أن يرضيك بتظاهره، ترى أين ذهبوا به؟ هل سلموه إلى أنصار مباشرة، أم أبقوه في مركز الجيش طول الليل؟
رجفة تدهمك، تعلم تماماً ما يحدث في مركز الجيش، قصة (هاني الشامي) لا تغادرك، انتزعوه من بيته عصر يوم، قالوا في روايتهم المسلوقة إنه قاوم اعتقال ابنه الصغير، ظلوا يضربونه وهو مقيد اليدين والرجلين على كل بوصة فيه بالهروات وأسياخ الحديد أمام ابنه، يدعسون صدره ووجهه حتى انطفأت في رئتيه الأنفاس، غادر الضوء عينيه، تشربت حيطان المركز نوافير دمه وفتافيت لحمه.
* * *
تقترب من الساحة الموصلة للعيادة، جمهرة، أصوات، صخب ، حشد، يباغتك فزع، تنزلق فوق الشارع، أصوات مشحونة بالغضب:
- يقولون أنهم وجدوا ثلاثة أولاد معصوبي الأعين ومقيدين من أطرافهم، ألقاهم اليهود في بيارة عساف بعد أن كسروهم، ولولا لطف ربك وعنايته ما بقي أحد حياً، امرأة سمعت أنينا جنب السياج ، نادت الخلق، لحقوا بهم على آخر نَفَس.
تندفع إلى غرفة المعالجة، أجساد نحيلة غضة ممددة فوق النقالات،
أجساد ترشح دماً وطيناً وماء، همهمات، حشرجات، أنين، تيار بارد يثلجك دفعة واحدة، صدرك يعلو ويهبط تغادرك صرخة متصدعة، صرخة نازفة: - أمجد ..
صوت الطبيب متسارعاً: - لا بد من نقلهم إلى مستشفى الشفاء، يحتاجون إلى عمليات نقل دم، هناك كسور ونزيف.
تتدافع مجموعات من الشباب نحو السيارات التي تحمل الصبية، يتكدسون داخلها يشمرون عن سواعدهم، نقالات، غابة من الأيدي، الدم يعفر المكان، ينقر عظامك، تغيم عيناك، ماء مالح يتخثر في فمك، حرقة، حيلتك للزمن، تشبعه وصايا في الطالع والنازل، ذهاباً وإياباً ، تغمض عليه جفونك، تغالط الحقيقة المختبئة داخلك، الحجر أمام الدبابة، باطن اليد وحد السكين.. تجاسر مرة وردّ عليك:
- إنهم لا يتركون أحداً في حاله ، يتحرشون بكل الناس، لا أحد يسلم من شرهم.
كلامه ما يزال يتفجر ساخناً في أعماقك، القاعد والقائم سيان عندهم، لا أحد ينجو من بلائهم، لا يستثنون كبيراً أو صغيراً، ينغصون على الكل، الابتعاد عن طريقهم لا يجدي، دفن الرأس في التراب وماذا تفعل باطن اليد إزاء السكين يجعلهم يتمادون أكثر، يطمعون في دمك ولحمك أكثر فأكثر.
باطن الكف يمكنها أن تتحول إلى سيف يثلم حد السكين، يكسره، يهرسه إذا اكتست عزماً وصلابة، الحجر حِصن للحمك، المقلاع قلاع لدمك، لدم الناس جميعاً.
هتافات خارج العيادة، متاريس، حجارة، مقاليع ، قضبان حديد، مواسير إسمنتية، دخان، مجموعات نساء ينقلن الحجارة في سلال.
تتمنى لو تتشظى مقلاعاً ، حجراً في أيدي الشباب، غضباً ينهمر على مركز الجيش.
وأنت تركب سيارة الإسعاف يهاجمك سؤال الطبيب:
- من منهم ابنك؟
تصمت لثوان، صور مشبوبة تسابق اندفاعة السيارة، بدا صوتك معجوناً بالدم والطين وأنت تقول له:
- كلهم أبنائي.


* * *
من مجموعة (حيطان من دم) القصصية- منشورات اتحاد الكتاب- القدس 1989
تُرجمت هذه القصة إلى:
1- الفرنسية، ونشرت في كتاب:
12ecrivains palestiniens- ترجمة MARIANNE WEISS- المركز الوطني للكتاب، باريس، 1997.
2- الإسبانية، ونشرت في كتاب:
BAJO LA OCUPACION- - ترجمة- Maria Dolores Malaga ، ملقا، إسبانيا، 2003
كما قُررت القصة ضمن مساقات جامعتين
1- متطلب لغة عربية ـ جامعة بير زيت .
2- متطلب لغة عربية - الجامعة العربية الأمريكية - جنين.
سمير الفيل


الصديق السعيدالموفقي

حين قابلت الصديق د. زكي العيلة

اهداني مجموعة من كتبه



رحمه الله رحمة واسعة..



السعيد موفقي
(سمير الفيل @ 19-08-2008, 12:34 pm) *

الصديق السعيدالموفقي

حين قابلت الصديق د. زكي العيلة

اهداني مجموعة من كتبه



رحمه الله رحمة واسعة..

أدرجت هذه القراءة في الكتاب الاليكتروني الثاني الذي سيصدر قريبا ويحمل للمكتبة الاليكترونية الخاصة بمنتدى القصة العربية.
.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.