«الضباب أتى» ... بورتريهات تتشكل على تخوم السرد
صنعاء - علي سالم
في عمله الجديد «الضباب أتى...الضباب رحل»(دار نجاد للطباعة والنشر صنعاء 2008)، يستحضر الروائي اليمني الشاب محمد عبدالوكيل جازم صورة القرية، مسقط الحنين وفتق الذكريات، متتبعاً صيرورة علاقة الإنسان بالمكان عبر مجموعة أحداث ووقائع تشهدها القرية، التي وإن بدت وكأنها موطن الكاتب الراوي نفسه، إلا أن أحوالها لا تبتعد كثيراً عن أحوال القرية اليمنية بعامة.
الدفق الشعوري ومثاله الحنين إلى الماضي، يحتل حيزاً رئيسيا في بنية هذا العمل، الذي يصفه كاتبه بالرواية القصصية. المنزع الرومانسي لا يقتصر على الوقوف على الأطلال ورثاء ما أصاب المكان وعلاقات الناس من اندثار واضمحلال، بل ويأخذ أحياناً شكل الرفض للحداثة، وما تحدثه الآلة من تغيير في طبوغرافيا القرية من قبيل شق الطرق وغيره. وهو رفض تصدره نزعة ثورية رومانسية تعيد التذكير برواية «عناقيد الغضب» للأميركي جون شتاينبك. مع فارق مستوى الرؤيا والملحمية التي وسمت عمل الأخير. في حين جاءت رواية محمد جازم - 106صفحة قطع متوسط - أشبه ببورتريهات متفرقة ما يربط بينها هو الحديث عن القرية والانتماء إليها.
انبلاجات الحنين التي ترسم مسارات الراوي السارد، تنبثق في البعد كما في القرب وأحياناً من المأساوي المتلفز كإعصار كاترينا، الذي يحيي في مخيلة الراوي العواصف التي كانت تشهدها قريته. فعل التذكر يستغرق الراوي خلال تجواله في دروب القرية وحين يكون خارجها. ومع المناجاة ترتفع العاطفة إلى مستوى الوجود ما يؤدي إلى تغييب التفاصيل. فبدلاً من أن تكون اللغة الشعرية معززة للسرد، نجدها تكرس صورة القرية كما رسمتها مخيلة الطفل الذي كأنه الراوي، وليس بما هي حقيقة مكانية اجتماعية معاشة.
غياب الحياد الناجم عن النظرة التي تعتبر أن العالم صار قبيحاً، ولم يعد على الجمال الذي كان عليه في الماضي يلقي بظلاله أيضاً على صوغ شخصيات الرواية، وهي شخصيات قصصية أكثر منها روائية. فليس ثمة حبكة أو حدث مستمر بل مجرد نتف متفرقة لكل منها شخصياتها وحدثها الخاص. الحيوان بدوره يحوز مواضع خاصة به في المتن، وبعضه يتماهى مع البشر، إذ نلحظ أوجه شبه بين عنزة سليمان العبسي «نقش» وبين ابنته نقش التي تسمت العنزة باسمها. فالرواية إن جاز تسميتها كذلك، تنهل من الحكاية الشعبية. شيخ النسور المسمى عبدالرخام أحد الشخصيات التراثية في المحكي الشعبي، وهو في مخيلة الأطفال أنشودة توق إلى الهجرة والخلاص. فيما يحضر كبش سيدة الهوبي كدلالة على العلاقة الحميمة التي تنشــأ عادة بين الريفيات ومواشيهن ربما للتخفيف من الشعور بالوحدة، خصوصاً في ظل هجرة الكثير من الرجال إلى عدن وبحر العرب والسعودية.
كل ما يجري في القرية بما فيها حوادث الاغتيال السياسي، يأتي في الغالب من منظور طفل أوكهل. ولئن سجل محمد جازم في عمله هذا تجاوزاً قياساً بعمله الروائي الأول «نهايات قمحية» 2003 خصوصاً لجهة التمكن من الإمساك باللغة السردية بيد أن «الضباب أتى...الضباب رحل» في صورتها هذه، ربما شكلت مادة خام لمشروع رواية أكثر من كونها رواية ناجزة. والأرجح أنها بورتريهات تتاخم السرد.
الحياة السعوديه