المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
ماريو فاراغاس يوسا في شيطنات الطفلة الخبيثه:الرواية كبرج مراقبه!
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
نجمه عبد المحسن
ماريـو بارغـاس يوسـا« فـي »شيطنـات الطفلـة »الخبيثـة«


الروايـــة كبـــرج مراقبـــة


اسكندر حبش

ماريو بارغاس يوسا. اسم يحمل الكثير من التفاصيل: صحافي وروائي بيروفي، ورد اسمه مرارا كواحد من المرشحين إلى جائزة نوبل. ترشح للرئاسة في بلاده العام .١٩٩٠ مدافع لا يتعب عن حقوق الإنسان وعن قيم الجمهورية. كلّ ذلك ـ وبالتأكيد ثمة أشياء أخرى أيضا ـ جعل منه واحدا من أفضل وأشهر كتاب أميركا اللاتينية، بالأحرى واحدا من أهم كتاب العالم اليوم. فمنذ أن أصدر روايته »الكلاب والمدينة« في ستينيات القرن المنصرم، والتي كانت السبب في شهرته بين النقاد والقراء، وهو لم يتوقف عن تقديم نصوص تجعلنا نكتشف »سحر« أميركا اللاتينية كما مشكلاتها ليتقاسم مع القراء أعباءها وبخاصة تلك التي يصارعها شعبه في البيرو.
من هنا ولنقل منذ البداية، إنه مع روايته الأخيرة »شيطنات الطفلة الخبيثة«، (الصادرة مؤخرا في ترجمة عربية لصالح علماني، عن »دار المدى«)، يعود ليصالحنا مع الأدب، إذ استطاع القيام بذلك في هذه الرواية التي قد تبدو للبعض على قدر من الهذر (ظاهريا) إلا أنها في الواقع رواية »فعّالة« بشكل حيوي. لقد استطاع يوسا أن يمزج فيها تقنيات التحليل الاستبطاني الكلاسيكي عبر كتابة »سريعة«، أساسية، ذات إيقاع أدبي صرف. باختصار يمكن القول إنه تمكن في هذا النص من أن يزاوج بين أفضل ما يوجد في الرواية الكلاسيكية التقليدية ـ (انحداره من أعمال غوستاف فلوبير وأدبه، أمر واضح كلّ الوضوح، كما أنه لم يتوقف يوما عن مديح سلفه الفرنسي) ـ وبين الإبداعات التي هي بدون حدود والمناخات الاكــزوتيــكية والعمق التاريخــي. كل ذلك يمــرّ من أمام أعينــنا من دون أن تــقع اللُحمة الروائيــة في أيّ قيمــة إيديولوجية أو أن تسقــط في درس أخلاقي ما.
ربما تكمن حقيقة هذا المشروع بأسره في أن الروائي (الذي تخطى السبعين سنة)، يرغب في أن يعود ليشاهد علاقته مع زمنه. ومن دون أن يسقط في الرواية التاريخية ـ وهو نوع يقدره لكنه لا يشكل أي خاصية في خياراته ـ نجده يبحث عن توازن ما في »كاووس« الحياة، عن هذه الحياة المضطرمة وغير المتوقعة، أي عمّا كانت عليه حياته نفسها. من هذه النقطة نفهم هذا المشــروع الذي اختاره: زيارة ذكريات طفولته مجددا وكلّ الطوباويات التي كانت سائدة في تلك الفترة.
شخصية جديدة
أضف إلى ذلك كله، أنه قد يكون من الصعب بعد، في الأدب بالتأكيد، إبداع شخصية نسائية جديدة طالما أن »الضالات« و»الشريرات« و»الفاسقات« و»الداعرات« و»المخلصات« و»القاتلات« و»التافهات« و»الجميلات« و»القديسات«، الخ... موجودات في »ريبرتوار« الرواية في جميع أنحاء العالم. فمنذ »آنا كارينينا« إلى »مدام بوفاري«، مرورا بـ»أميرة كليف« وأوديت... وصولا إلى شبيهاتهن المعاصرات، تبدو الصورة وكأنها لم تعد تتسع لإيواء أي شخصية جديدة ـ شبقة بشكل غير معهود أو عاشقة على الطريقة الحديثة أو قاسية بشكل غير معروف ـ ومع ذلك هذا ما يقوم به الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا في هذا الكتاب، حين يبدع مخلوقا (روائيا) نسائيا جديدا، على الأقل، مخلوقا لم ألتق به سابقا على مرّ صفحات الروايات. إنها وحش لطيف جدا، »غلامة« تملك الكثير من العاطفة والحنان، شيطان مليء بالأخلاق. قد تستمر التوصيفات إلى ما لا نهاية. لكن السؤال الذي لا بدّ أن يطرح، من أين جاء الروائي بـ»خرافته« هذه؟ من أيّ بقعة حياتية واقعية أم خيالية؟ كم من الوقت ترك هذه الشخصية تنضج في داخله؟ في هذا الحيّز يكمن السرّ الروائي الذي لا بدّ أن نسأل عنه. لكن مهما كانت الإجابة، لا بدّ أن نعترف بأن نتيجة ذلك أمر مدهش: فهذه »الطفلة الخبيثة« ـ ( للكلمة الاسبانية وقع أجمل : »ni?a mala«) ـ التي تنثر الطفولة في محيطها، تبدو من أكثر الشخصيات الروائية التي يمكن لها أن تثير دهشتنا في ما يمكن لنا أن نقرأه اليوم من روايات. لذلك، ليس عليكم لتتأكدوا من ذلك، إلا أن تقوموا بزيارة رواية يوسا »شيطنات الطفلة الخبيثة«.
نحن إذا أمام طفلة خبيثة. لكن ماذا يعني ذلك؟ لنقل إنه في بداية هذا النهر الطويل، غير المطمئن، هناك »طفلة« تثير عذاب الراوي، ريكاردو، (وهو بيروفي مثل يوسا كما أنه أيضا مثل الروائي بكونه متعدد اللغات ويحب الثقافة الفرنسية). طفلة، تقنع جميع سكان أحد الأحياء الراقية في »ليما« بأنها فتاة من تشيلي وذلك لتخفي أصولها الفقيرة والبائسة كي تتمكن من الدخول إلى قلب شلة »هؤلاء السادة« الذين يترددون على الأندية الرفيعة المقام وأكثرها غنى. سرعان ما يقع الراوي في حبها حتى أنه يعدها بالزواج. ومع أنه كان يثيرها إلا أنها ترفض عرضه قبل أن تختفي، حين تعرف العائلات الكبيرة التي تقطن الحي بأنها ليست سوى فتاة عادية »حقيرة« وفقيرة. وبدءا من هذا المشهد البدائي تبدأ الرواية بالدوران والتنقل من مكان إلى آخر: من باريس إلى طوكيو، ومن لندن إلى كوبا ـ (كل هذه الأمكنة كان يوسا قد عاش فيها لفترات من حياته) ـ لترسم لنا كل المؤثرات التي تتراقص أمامنا منذ أكثر من نصف قرن.
شغف الراوي
من إحدى خاصيات هذه الفتاة أنها كانت تتمتع بعبقرية أن تظهر مجددا في كل مرة تختفي فيها. كان الراوي يلتقي بها طيلة حياته، وبأشكال متعددة: مرة في أوساط ثوار أميركا اللاتينية، ثانية وهي تتأبط ذراع موظف كبير تحت اسم مدام أرنو (اسم يشير جيدا إلى انحياز يوسا إلى الكتابة الفلوبيرية، نسبة إلى غوستاف فلوبير)، فيما بعد يجدها عند مربي خيول في »نيو ماركت«، ومرّة رابعة عند وكيل أبنية في جنوب فرنسا، الخ... لكنها في كلّ مرة، كانت تبدل اسمها، تكذب، تثير الآخرين، تسحرهم، تعيد إحياء شغف الراوي وميله لها الذي لم يفتر بالرغم من مرور السنين، قبل أن تعود لتغادره مجددا. وفي كل مرة كان يعتقد أن الأوان قد حان، ليعيش قربها، وبخاصة أنه يمتلك ثروة جيدة. بالتأكيد لا يبدو الأمر خارقا: نحن أمام امرأة غير مؤمنة بالحب، تطرد الثروة التي كانت تنقصها وتلقيها من خلف ظهرها لتعود بانتظام »إلى هذا الرجل الطيب« الذي كان يفقد عمره وهو بانتظارها. لكن ما يشدنا إلى هذه الشخصية قدرة يوسا على إضافة الكثير من المرح وربما الطيبة على هذا »البروفيل« ليغنيه، ما يدفعنا إلى التشتت قليلا، كما إلى تشتيتها وإلى تخضيبها بسحر مطلق. صحيح أنها كانت تغش، إلا أنها سرعان ما كانت تعترف بذلك، وكأنها ملعونة بشراهتها. من هنا كان الراوي، كما القارئ أيضا، يسامحها على الدوام. إزاء ذلك كله، نجد أنفسنا ـ وبدرجات متعاقبة ـ ننزلق أمام فتاة عاهرة بطريقة كلاسيكية لتصل لأن تكون فتاة معذبة مليئة بالمرح. وفي كل مرحلة من مراحل »شيطنتها« نشعر بأنها كانت تتطهرن وبأن كل شيء سيسير بانتظام...
بيد أن الأمر الجميل الذي يثيرنا في هذه الرواية الكوسموبوليتية بامتياز، هو أن بارغاس يوسا، يجعل الرواية أشبه ببرج مراقبة يسمح له بأن يعود ويرى كل شي، بأن يزور مجددا كل الأمكنة التي لعبت دورا ما في حياته يوما، هذه الأماكن التي جعلته سعيدا: باريس في الدرجة الأولى التي يضفي عليها سحرا لم نجده من قبل. أضف إلى ذلك إلى أن نعود لنرى مجددا كل الآمال والتطلعات »الأخروية« التي كانت سائدة في تلك الحقب المختلفة مقارنة مع تضاداتها القاتلة، أي من حركة الدرب المضيء إلى الكاستروية، ومن »موت الإنسان« وصولا إلى »الرغبة في الثورة« التي كانت موضة جيل الـ ٦٨ الأوروبي الذي لم يكن يعرف كيفية إبداع مستقبله مجددا. لكن اللحظات الأجمل والأروع في هذه الرواية، باعتقادي، تلك التي تأتي من مناخ آخر، هو المناخ الياباني إذ ينحو إلى سبر أغوار المازوشية الإيروسية، وعلى غير المتوقع، إذ لا بد أن تتساءل كيف أمكن للمرشح الرئاسي السابق، وإلى هذه الدرجة، أن يكون خبيرا بهذه الأمور التي كتب عنها جورج باتاي مطولا. وكيف أمكن لبطلته، التي كانت ذات ميول جنسية كلاسيكية أن تصبح هذا الكائن الليلي التائه في مواخير طوكيو؟
ثمة رغبة، تتملكك منذ البداية، وأنت تقرأ عن هذه الرواية ـ التي لا بد أن تذكرنا أيضا برواية الإيطالي دينو بوتساتي »Amore« ـ تكمن في أن تعرف اسم هذه »الشيطانة الخبيثة«، إلا أنك لا تنجح في ذلك، إذ لا تكتشفه إلا في صفحات الكتاب الأخيرة، كما لو أنه هوية هاربة، مخفية، أليمة. هوية تحاول العديد من النساء الهرب منها طيلة هذا الوجود المليء بجثث الذين أحبوهن. في البداية يلتقي ريكاردو بهذه »الطفلة الخبيثة« تحت اسم ليلي، من ثم باسم أرليت. لتعود وتظهر، متزوجة من الدبلوماسي باسم مدام أرنو. من ثم تعود لتتزوج من مربي الخيول، لتصبح السيدة ريتشاردسون، قبل أن نجدها في اليابان باسم كوكيتو.
بفضل هذا الشغف الكبير بالأدب، ينجح يوسا في رهانه. استطاع أن يرسم علاقة أخرى بين المتخيل والواقع، وهذا ما نلحظه بالضبط في هذه الرواية. إذ يعرف الكاتب فن أن يسحر القــارئ عبر بحثه في تجربته الخاصة وعبر اختياره لدروب سردية قد تثير اضطرابا ما، لكن من دون أن يسقط في الاستهجان.

السفير
ماجد رشيد العويد
شخصياً أعتز بترجمة صالح علماني لأنه ببساطة خير من ترجم عن الإسبانية.
سمير الفيل
شكرا نجمة على اختياراتك الموفقة دائما ..

يومك سعيد

أنا مع نثمين دور صالح علماني المترجم المحترم

اوافقك يا ماجد ..



.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.