تصادمات انهزامية في " أوقات برية " غامضة
"أوقات برية " ثالثة الأعمال الروائية للكاتب غسان كامل ونوس ، بعد ثماني مجموعات قصصية ومجموعة شعرية واحدة ، حاول الكاتب فيها أن يسجل موقفاً رؤيوياً فكرياً واضحاً تجاه الحياة وتجاه الواقع ، ولذلك نجحت الرواية ـ في المقام الأول ـ في أن تجعل من المفاهيم والأفكار بطلة رئيسة للنص ككل ، وهذا ما أدخل الأحداث في معملين منفصلين للتحليل ، حيث تم تحليل الأحداث من الداخل عبر السارد الذي جاء مساوياً للشخصية الرئيسة ، فالبطل هو من يحكي القصة ، وبالتالي هو من يشكل معبر الأحداث الوحيد للقارئ ، وهذا ما جعل الرواية ذات تبئير داخلي ثابت في مجملها ، وإذ يغيب السارد البطل تدخل الأحداث المعمل الثاني حيث تتم عملية تحليل الحدث من الخارج ، وهذا ما يحتم تدخل المؤلف ( الملاحِظ ) ليملأ ما تركه السارد ( البطل ) من فراغ فيأخذ مكانه ليساهم بدوره في إبراز بطولة المفاهيم والأفكار .
تتناول الرواية مجموعة من الطلبة وقد تركوا قراهم ، ووفدوا إلى المدينة لاستكمال دراستهم الجامعية ، وذلك في بداية الثمانينات من القرن المنصرم ، في اللاذقية تبدأ مرحلة الاصطدام مع الواقع حيث المعاناة الشديدة من الفقر ، وضيق السكن ، وتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات ، ومع امتداد الزمن الروائي منذ دخولهم الجامعة إلى ما بعد الانتهاء من مرحلة التجنيد الإجباري ، تتوالى الأحداث لتعكس الموقف الرؤيوي للسارد أولاً ( سعيد ـ المهندس الزراعي ) وللمؤلف ثانياً حيث يتبادلان الأدوار في سرد الحكاية ومن ثم التحليل أو التعقيب أو التقديم استباقاً للحدث .هذا التناوب بالأدوار أدى بالمروي إلى حالة انعدام الوزن زمنياً ، إذ تبادلت الأحداث مواقعها على الخط البياني الزمني ، ففقد بتصوري هذا الخط جزءاً كبيراً من أهميته ، وبات المتلقي غير معني بزمن التفاصيل مكتفياً باعتبار ذلك العقد ـ الثمانينات ـ وحدة زمنية حاملة للأحداث والوقائع ذلك أن هيمنة الأفكار والمفاهيم وغلبة السرد المُحلِّل جعلت من المروي رواية نخبة وليست لقارئ عادي ، سيتوه بكل تأكيد بين مفاصل الرواية ويشعر بعدم الترابط بين وقائع النص . ومما ساعد على ذلك انفراد ( سعيد ) برواية الحكاية والتعقيب بحيث لن يصل إلى المتلقي شيء إلا من خلال وجهة نظر هذا الراوي المستبد ، رغم محاولة المؤلف بكسر أحادية الراوي بالحوار لكنه لم يستطع السماح للأصوات بأن تتعدد ، وما جرى من حوار كان يخدم أولاً وأخيراً وجهة نظر الراوي .
يشكل سعيد شخصية ابن الريف بكل ما تحمله هذه الشخصية من نقاء وطهر وصفاء ، جاء محملاً بنسق فكري صاف تماماً كالطبيعة ، يعيش حالة انسجام متكامل مع نباتات الغابة وحيواناتها ، حيث كل شيء من حوله يعطي بلا حساب ، حتى العنف المُمارس في الطبيعة يبقى في سياقه الطبيعي حيث لا قتل إلا من أجل البقاء والاستمرار ، يأتي إلى المدينة ليعيش حياة الضيق والضنك ، فالناس محشورون في غرف ضيقة يجاهدون في سبيل تأمين لقمة الطعام ، إن كان في المرفأ حيث تُستغل الطاقات الإنسانية أو في الحارات حيث تنتفي العلاقات الإنسانية النبيلة ، ليحل محلها علاقات الفساد والاستغلال ، ومن خلال هذا التصادم يعرض سعيد رؤيته للواقع من حوله فنراه يسجل اعتراضه على ما جرى من اقتتال بين الأخوة والأهل في تلميح لما جرى أيام أحداث الأخوان المسلمين ، رافضاً فكرة أن يحمل الإنسان السلاح في وجه ابن جلدته ، كذلك يسجل رفضه لحالات الإثراء السريع التي يقوم بها متنفذون في السلطة عن طريق استغلال مناصبهم ، وذلك في عمليات التهريب أو استغلال عناصر الجيش في الخدمة الخاصة ، فالسيد وهو أحد الضباط الكبار يبني لزوجته مزرعة يحاول أن تكون أجمل من حدائق بابل ، ولأجل ذلك يستغل جهود الجنود في خدمته ، وإذ يفشل المهندس الزراعي في علاج أحد أمراض الأشجار نراه معاقباً في السجن حيث أمثاله كثر داخل القضبان .
وتكاد الرواية تقتصر في تبيان المفارقة بين الريف والمدينة على عاملين اثنين ، عامل الفقر وهذا مشترك بين أناس الريف وأناس المدينة ، وعامل العلاقات الإنسانية حيث الفساد يطال الجميع أما غير ذلك فأظن الرواية تحاول معالجة الفروقات الواضحة في نسبية تأقلم أبناء الريف في المدينة ، فما حصل من صراع بين سعيد وباقي الشخصيات كان صراعاً فكرياً ، فسعيد وباقي الشخصيات في معظمهم من أبناء الريف فمنهم من حافظ على أصله ومنهم من نأى بسلوكه عن بساطة الريف وصدقه حتى على الصعيد الجنسي حيث نرى زوجة الضابط ـ وهي ابنة القرية ذاتها ـ تحاول استجرار سعيد بالخديعة إلى قصرها لممارسة الجنس فقط لأن زوجها ينام مع أخرى لكن سعيد ينأى بنفسه عن ذلك ، كما نأى بنفسه عن ممارسة الدعارة أثناء زيارته لأحد أصدقائه ، وإذ يفشل سعيد في التأقلم مع حياة تمور بالفساد والخديعة والاستغلال يترك كل شيء في المدينة ويعود أدراجه إلى الغابة ليعيش في محميته الطبيعية بمساعدة صديق السجن حمدان ، مسجلاً بذلك موقفاً انهزامياً لمثقف لم يستطع أن يقدم أي شيء لأي إنسان لا على صعيد الفكر ولا على صعيد الواقع ، وهو حتى في عودته هذه لم يعد بمساعدة أموال نظيفة وإنما عرف أنه يبني قلعته داخل الغابة عن طريق غسيل الأموال ، وبذلك يكون قد انهزم مرتين . وإذا استطاعت الرواية أن تطرح رؤية للواقع وما فيه من فساد أو انحراف إلا أنها لم تستطع صنع أنموذج إيجابي رافض ، هل لأن هذا النموذج غائب أساساً عن الواقع ، أم أن ذلك تمّ لمجرد الانتصار للريف في مواجهة المدينة ؟ هذا سؤال يبقى برسم الإجابة ، إذ لا نستطيع الجزم بغيابه في الواقع لكننا نستطيع الجزم بأن المسألة ليست ريفاً أو مدينة ، وإنما هي إنسان أولاً وأخيراً خاصة وأن المدينة تبقى خطوة متقدمة على الريف ، وهي الحاضن الأساس لأي تغيير يمكن له أن يأتي .
وإذا كانت الرواية قد استطاعت تحليل ما يعتري هذا الإنسان من ضعف وجهل واستغلال ، إلا أنها لم تستطع طرح أي رؤية من شأنها أن تساعد في انتشاله من هذا البؤس كذلك لم تستطع أن تقدم أنموذجاً يرفض هذا الواقع من خلال رؤية فكرية واضحة ، أو يقاوم هذا الواقع فما ذكر من شخصيات في المجمل تقريباً كانت تحاول تحقيق عيش أفضل بغض النظر عن شرف الوسيلة ، هل يخلو المجتمع من هكذا نموذج ، حتى يقرر سعيد الانكفاء إلى الغابة ليعيش عيشة حيوان ؟ هل يقول لنا مثلاً أن معيشة الحيوانات أفضل من البشر ؟ وإنشاء علاقات طبيعية مع نباتات الغابة وحيواناتها أفضل من إنشاء علاقات مع المجتمع ؟ وهل أضحى المجتمع مجرد شريحتين إحداهما ثرية والأخرى مضطهدة وليس مطلوباً ممن يفكر بالإثراء سوى اللجوء إلى الأساليب الملتوية ( التهريب ـ الغش ـ الرشوة ـ بيع الجسد ) إلى ما هنالك ، أعتقد أن الرواية صرخة لإعلان موت أكثر منها دعوة للحياة ، خاصة وأن الراوي وهو يلامس بعض القضايا الحمراء كان يراوغ حول الفكرة ملمحاً من بعيد غير قادر على التصريح ، ما جعل ظلال القضايا تبدو مشوشة غائمة وهذا من جملة ما أثقل أيضاً على القارئ ، وجعل طريقه في تتبع الخطوط الدرامية وعرة وصعبة .
عبد الرحمن حلاق
أوقات برية ـ رواية
المؤلف : غسان كامل ونوس
إصدار : دار إنانا 2006
نقلاً عن أوان الكويتية :http://www.awan.com/node/94596