قراءة في قصة( فصول لا تشيخ)
للقاصة أسماء محمد مصطفى
بقلم : زمن عبد زيد الكرعاوي
[/color]
لكل قاص بصمته المميزة والخاصة به وهذا التميز ناجم عن طريقة القاص في إدارته للسرد من لغة و شخوص ، من هنا نلحظ إن قصة فصول لا تشيخ تحتوي على ثيمات متعددة تشترك كلها بتكوين قصة تنتمي وبجدارة للقاصة أسماء ، فأنها تحتوي على بصمة الكاتبة التي لا تشبه بصمة كاتب أخر وفي محاولة هنا لإخضاع هذه القصة للتحليل لنفك رموزها ونسبر أغوارها ونستكنه دلالاتها نقف عند ثيمتين هما :
1- التوظيف --------- الطبيعة
---------- اللون
2- اللغة الإيحائية .
فالتوظيف المتمكن والعالي للطبيعة فتح آفاقا رحبة عبر شبكة من العلاقات المتجاورة والمنتجة لوظائف جديدة إرادتها القاصة بصورة واعية (حلمتُ بالفصول تتوالد كما الأطفال يتكاثرون )
فالفصول تتوالد في الطبيعة فصلا بعد فصل ، الشتاء والربيع فالصيف والخريف ومن ثم الشتاء فالربيع ... ، مثلما الأطفال يتكاثرون ، وعند فك القدر الجامع بين الفصول والأطفال نلحظ أن هذه الفصول ليست متساوية الخصائص فالشتاء وبرده يختلف عن الربيع وجماله وحيواته ويختلفان عن الصيف الحار الرطب وعن الخريف القابض على الحياة النباتية وكذلك الأطفال فمنهم الجميل البار بأهله ومجتمعه ومنهم البارد غير المحبب ... ، والقدر الجامع بين الفصول والأطفال هو التكاثر لكن هناك فرقا بينهما في كون ( الفصول لا تشيخ والأطفال يهرمون)ثم دعمت هذا التوظيف والمقارنة بين الطبيعة من جهة والإنسان من جهة أخرى حين قالت ( الصيف مازال حاراً لم يتغير فيه شيء.وحدنا
نتغير )فالحرارة تمثل الحياة التي يمتاز بها فصل من فصول السنة والذي عدّته القاصة بديلا موضوعيا للحياة بكاملها والبرودة تمثل الموت كما هو معروف وهو ما يؤول إليه الإنسان ( وحدنا نتغير ) ثم تستمر أسماء بعقد المقارنات مع الطبيعة(شظايا خريف قادم ) فالشظية تؤدي إلى الموت أي الانتهاء أو إلى الإصابة والخريف يمثل الانتهاء، إن التلاعب بثنائيات كهذه جعل من القصة ولاّدة للصور الذهنية فلقد خلقت الكاتبة صورة للشمس ( وجه الشمس على جذع الشجرة ) فالشمس رمز من رموز الحياة والخصب ولم يأتِ رسم وجه الشمس على جذع الشجرة عفويا وإنما جاء قصديا أو باللاوعي المعرفي الذي تمتلكه الكاتبة فوجود وجه الشمس على جذع الشجرة يولد علاقة للخصب والنماء وتستمر القاصة في توظيفها المتمكن للطبيعة حتى تصل إلى نتيجة اتحاد مكون من مكونات الطبيعة وهو الربيع الذي يحمل الخصب والحياة والتفتح مع محمد بطل القصة ( أنّ محمداً هو الربيع ) لتعلن بذلك أن محمدا هو ركن من أركان هذه الحياة بل هو أهم ركن فيها فهو الخصب والنماء ، وقد عاد الربيع بعد حروب وشظايا فالربيع لا يتغير ( الربيع لا يتغير . . محمد يعود صبياً )وهنا جعلت من الربيع معادلا موضوعيا لمحمد.
أما توظيف اللون فلا تقل أهميته عن ثيمة الطبيعة فلقد عمدت القاصة بقصديه إلى توظيف اللون توظيفا حسيا مبينة من خلال الألوان أحوال ومواقف تؤسس بها تواصلا مع المتلقي فلقد عملت على مجاورة اللون الأصفر الذي يحمل معه الدلالة الذهنية للمرض والانتهاء للتجاعيد (اصفرار تجاعيدها ) والتجاعيد تمثل علامة سيميائية للكبر والانتهاء ثم أعقبت هذه الجملة وبعد عدة عبارات جملة أخرى منحت بها المتلقي مساحة نفسية تؤهله لقبول الأمل الذي اعترى البطلة أمل من جراء انتهاء منافستها سها بالشيخوخة (جمع الثلاثة تحت سقفه الأبيض) فاللون الأبيض رمز الصفاء جاء هنا بقصديه ليعبر عن تفاؤل أمل وصفاء نفسها بسبب اصفرار وتجاعيد سها ولكن هذا الموقف التفاؤلي ما لبث أن غاب تدريجيا ليحل محله القلق وضبابية الرؤيا (ولمّا كان موقف الحافلة مزدحماً بأجساد اتشحت بالأبيض والرمادي والأزرق الغامق) فأنتقالتها من الأبيض إلى الرمادي فالأزرق الغامق خلق جوا نفسيا ضبابيا باردا لان اللون الأزرق من الألوان الباردة ، وان كانت الكاتبة لم تؤسس مع المتلقي أرضية مشتركة لسبب هذه التحول النفسي وهذه الضبابية . وتستمر أمل التي تتصدى للروي ( الراوي الجواني) كما يسميه سعيد يقطين، بتطوير هذا الجو النفسي المتضبب (السماء بدأت تتخم بالسواد والدخان) وتستمر الكاتبة بقصديه على ترسيخ و تأسيس ألوان توضح بها معالم شكل القصة فهي تؤكد على شبابية محمد هذه المرة ليس بالربيع وإنما بمفردة من مفردات الربيع وهو لونه الأخضر (رجل الورق الأخضر الأنيق الناعم )
أما الثيمة الأخرى ( اللغة الإيحائية ) وينهض خلال خطاب السرد خطاب شعري يتجاوز لغة السرد التقليدية ويجعلها تقترب من بنية الصياغة الشعرية .
تؤسس الكاتبة بهذه اللغة جوا شعريا إيحائيا ذا دلالات متعددة تشير إلى علاقة متناسقة مع الثيمة السابقة منتجة فضاءً متماسكا تجمعه شبكة علاقات متجاورة فهي توحي بصغر سنها بقولها (لأرصف عدداً من الأحجار ، واحدة فوق الأخرى ، وأقف عليها متطلعة إليك ) تأتي بعد ذلك لتوحي للمتلقي بطولها بعد مرور زمن معين وقد اختزلت الزمن وجعلت الحجارة معادلا موضوعيا لكل سنة فكل حجارة تبعدها تعني إضافة سنة من الكبر .
وتستمر الكاتبة بتركيز هذه الثيمة أي عدم الإفصاح عن معنى قادرة على إيصاله بالإيحاء وكما قال [color="#3366ff"]دي سوسير في كتابه دروس في اللسانيات العامة إن "الكلام هو القول المفيد بالقصد ، والمراد بالمفيد ما دل على معنى يحسن السكوت عليه " عبر إيجادها مفردتي الكوز والشق لخلق إشارة ذهنية ويرى سوسير الإشارة كيانا مزدوجا مكونا من( دال ومدلول) الأول مادي والثاني ذهني
( كوزاً غالباً ما تشاكسه أصابعنا ، فيصيب البلل الوسائد والشراشف) فذكرها هذا الدال( الكوز) في سياقه أنتج لدى المتلقي دلالة ذهنية ولحق هذا الدال فيما بعد دال آخر هو ( الشق ) ليرسخ هذه الصورة الذهنية (عبر ذلك الشق كانت أمل تراقب محمداً جارها) ثم تعود لتؤكد هذه الدلالة حينما تجمع هذين الدالين في (اختفى الكوز والشق) واختفاء الكوز والشق جاء مع شيخوخة سها والتحاق محمد بخطوط النار إلا أن أمل لم تتخل عن حياتها ففتحت شقا في فضاء غرفتها وباستطاعتنا هنا أن نقول كما قال امبرتو ايكو بأنه ( نص يغطي نصا أخر) والنص الآخر هو الرجولة والأنوثة (فافتح في فضاء الغرفة السفلية شقاً استرق عبره النظر إليك) ويستمر التأكيد على هذا الدال كمفتاح للحياة بعد عودة محمد من خطوط النار (محمد يعود صبياً ، يسرع إلى السطح المهجور ، ويُحدِث في الجدار الفاصل بين بيته وبيت أمل شقاً بشظية صرعها يوم استقرت في صدره . ينظر عبر الشق إلى أمل وهي تنشر الثياب البليلة على الحبل) لتثبت للمتلقي إن بعض الفصول لا تشيخ ألا وهو فصل الربيع (محمد) .