قصص( تيودورا)
لـ قدور بن مريسي
رمزية المشهد و غائية التعارض




عُرف الجاحظ بميله الشديد للحد من مظاهر الترف في مختلف فنون الحياة ، حتى تلك التي اعتقد كثير من القراء و الباحثين أنّها استطرادات و مشاهد لا تليق إلا بعصره، أقول هذا لأقف على جملة من التجارب الجديدة التي تحمل تصورات مختلفة ترتقي إلى السرد الهادف و إن كانت هذه الصور و المشاهد لوحات بلا ألوان لكنها تشخيص ممتع لا يخل من سخرية كأحد أساليب النقد الاجتماعي و التاريخي ، تمتزج فيه شاعرية عذبة و تصورات إنسانية تمجد الفطرة السليمة و النخوة و الشفقة المحببة ، تعتمد فلسفة المقاربة و المحاكاة في ربط الأشياء و تحليل المواقف و ردع الأفكار السلبية و السخرية من مختلف العادات و التقاليد و تصحيح
المفاهيم المغلوطة و الممارسات الغبية ...تلك هي مجموعة (تيودورا) للقاص قدور بن مريسي الذي ما أنفك يتتبع تجارب الآخرين من خلال نظرته لمحيطه الحقيقي أو الخيالي و في كثير من الحالات تستند إلى الحكاية و الأسطورة و المشاهد الشعبية الهادفة التي تمس الوسط الاجتماعي بمختلف شرائحه ، ثقافيا و سياسيا و اجتماعيا و حتى فكريا ، وهو طرح يستحق الوقوف عند حدوده في هذه المجموعة التي استهلها بصورة تراثية مضحكة أبدع في توظيفها القاص و استخلص المشهد الإنساني ، ( المعجزة ) تحميل مختلف لعلاقات الأشياء و الكائنات ، و انتقاد طريف (ماذا أفعل لهذا الشيخ الملعون إنّه يقتلني كل يوم مرات و مرات ، أحمل له الأثقال التي تنوء بحملها الجبال....) لأنّ سلوك بعض الأشخاص سخيف مرتبط بحماقات كثيرة لا تتعدى في حدودها لحظة ممارستها و لا تبلغ غايتها بشكل طبيعي ، و تظل تصوراته الكثيرة و الممتدة مع تفكير هؤلاء لا تحمل بداخلها إلا سذاجة كتلك التي يعتقدها فئة حاصرت نفسها بأحلام غيرها و تمانع بمواجة المواقف و تصحيح أخطائها بمقاييس بالية و ربما في كثير منها غرور يلاحق صاحبه كاللعنة (لأنّ أمي درداء و من "مانعات الفالي" ، كانت تقول لي دائما و أنا صغير يجب أن تشرب يا ولدي مباشرة بعد أن تورد الحمير فكنت أمتنع فتعيرني بالعاق...)
تلك صورة رائعة في تعارض المشاهد الطبيعية و تحرك الغريزة بالاتجاه المعاكس و التحقق من النتائج و رفض مستويات الممارسات الغريبة و المعتقدات المقززة ، استطاع القاص أن يمزج أشياء من أوساط مختلفة و متعارضة و متناقضة ، نجح الاختيار لأنّ فكرة التركيب توافقت مع اعتدال النقد الموجه و احتقار تصرفات السذج ولو كان على مستوى أبسط من هذا المشهد ، و أما الصراع الذي يخوضه بعض الأشخاص ممن يفسرون دورات الحياة بالمناصب و تولي المسئوليات باستخفاف العقول و استسذاجة طبقة المقهورين و استغلال ضعفهم الممتد ، فكان مشهدا متحركا بث فيه القاص روح الدعابة و الطرافة و ليجعل الموقف محل سخرية ، بل حوّل هؤلاء السذج إلى طبيعة مغايرة تجعلهم يقلعون عن غبائهم دون اتخذ أي موقف معاد أو رد فعل مناقض ، في حين عنوان المجموعة (تيودورا)الذي اختاره القاص لقصصه لم يكن مجرد اختيار بقدر يحمل من تلاق لفضاءات مكانية و زمانية شهدت مختلف الانفعالات و الانطباعات ، الأفراح و الأحزان ، البكاء و الضحك ....في الحقيقة هذا نوع من الاستحضار التاريخي الممتزج بالحكاية و الطرفة ، أشبعه القاص من لمسات حقيقية مقاربة لوقائع و اهتزازات وجدانية فيها كثير من الحدة و التعارض مع الأشياء ، قد تكون شخصية (تيودورا) شخصا و لكن الانفصامات التي تحدث في عملية التنقل و تصوير المشاهد ترتبط بإحالات متوازية مع منطق الاعتدال و الاختلال و الفقد يتعقبها في عماء مما جعل امتزاج الطبيعة بخلفية الإنسان تكتسي طابعا مختلفا في سياق تاريخي بارع و هذه ملاحظة قوية من بين أهم ميزات القاص في استقصاء الفكرة قبل المشهد (غدا سيعود الأنس و الحبور لهذا الوادي الذي شتمه الزمن فشاح و تحوّل إلى وعاء كبير من الغبار ، غدا ستضج جنباته بالرقص و الغناء) ، إنّه الإغراق في متاهات متنوعة قزحية التناسق و التآلف ، استطاع القاص أن يتخلص فيها من ملل التكرار و تباعد الفراغات (قد عادت و فاض الوادي فيضانا لم تشهده البلدة منذ عشرات السنين ، لم تدم حيرتي طويلا فبعد أيام جاءني خبر نعيها ، لم أصدق في البداية لهول الصدمة على قلبي ، لكنني أيقنت أنّ الموت أيضا يعشق الجمال... )تصور جميل و تركيب مقنع على غرابة ما حاول القص استثارته من دهشة الموقف و تعارض المؤلم مع الممتع ، على الغم من ذلك أحدث ذلك نوعا من الانتشاء و التخلص من ألام الصدمة ، فتيودورا صراع و انتشاء و إحياء ، تلاقت فيها مراتب مختلفة من أجواء النفس الغامضة ، و المجموعة تتزاحم فيها الرمزية بشكل ملفت و هي دلالات واضحة في اختيار هذا الأسلوب الموجه ، قد يعني للقاص أكثر من توجه و قناعة حتى في تحديد عناوين القصص التي كتبها ، من وسام ... الصولجان... الرهان...
الصاعقة ... الليل...تبدو العملية بسيطة في تحديد معالم حركة الليل و النهار ، ظاهرة طبيعية في توافق الأشياء و تقاربها و تعارضها في استحواذها على الكون ، الأمر بسيط في مكوناته العامة ، و لكن (توقفت حركة الليل و النهار فنزل الليل ثقيلا على إحدى القرى الجبلية المعزولة ، فاضطربت حياة أهلها و تعطلت أعمالهم فمكثوا في بيوتهم....ينامون ليستيقظوا..و يستيقظون ليناموا...)تعاقب ممل و لكنه يحمل الهزيمة المميتة و لعل تصور القاص لهذا الموقف و إن لم يوضحه كان مقصودا لأسباب فنية قد يكون معنى الفكرة المرسلة للمتلقي تلميحا أقوى في استدراك معاني الأشياء و تداخلها مع طبائع أخرى من عوالم مجهولة كثير منها نتعارض في طبائعه ، من حيث الأشكال و الأحجام و التراكيب ، استقامة و انحرافا ، كلها في النهاية تنحصر في دائرة المرور و الاختراق ، و هذا النوع من التشكل يستحسن في مثل هذه الأنواع من القصص القصيرة على وجه التحديد و قد اعترف بذلك القاص نفسه في لقاءات عديدة ، و هنا يمكن القول ، للقاص مقدرة معتبرة في سرد المواقف و سياقها المختصر ، فإذا كانت للوحة موناليزة أكثر من رؤية جمالية فإنّ مجموعة (تيودورا)للقاص المبدع قدور بن مريسي أكثر من منحى و رؤية إبداعية .