(العلم): فضاء الدلالة و طرائق السرد
جدارية لواقع مأزوم
يسري عبد الله

يتسم المشروع الروائي للكاتب (فتحي إمبابي) بفرادته الخاصة، و طروحاته المتعددة، غير أن ثمة قواسم مشتركة تبدو لافتة حين نشير إلى نصوص مثل: (العرس، نهر السماء، مراعي القتل، أقنعة الصحراء، شرف الله)، إن إمبابي الذي اختار ليبيا مكاناً للهويات المتصارعة في روايته الأولى (العرس) الصادرة في طبعتها الأولى عام 1980، يعود إلى فضائه الأول في روايته الجديدة (العلم)، فيرصد لنا التحولات السياسية/الثقافية التي عصفت بمجتمعاتنا العربية، سواء أتخذت شكلاً قبلياً ذا طابع بدوي، أم كانت حاوية إهاباً حضرياً، جاعلاً من أسرة (عمر بوزوي) البؤرة المركزية التي تتفرع عنها الأحداث، و تدور حولها الحكايات داخل الرواية. إذن فثمة إحالة Reference إلى النص الأول (العرس)، ربما لن يستشعرها سوى الراصد الدقيق لمشروع إمبابي.
يمثل العنوان بنية دالة في الرواية، فهو ليس مجرد عتبة مهمة من عتبات تأويل النص فحسب، بل إنه أيضاً يكشف عن فضاءات دلالية متنوعة بداخل هذا العمل . فالعلم في المعني القاموسي أو المعجمي تعني العلامة و سيد القوم، و الجبل، و الراية و الجمع أعلام. و نلحظ أن ثمة إشارات نصية مبثوثة داخل الرواية تحيلنا إلى أغاني العلم الشائعة في الثقافة البدوية الليبية، و التي تُعني بالتشبيب بالمحبوب و التغزل به، و هذا ما نلمحه مثلاً في المقطع التالي و الذي يشير إلى بدايات العشق بين (ونيس) و (سالمين): "استجمع شجاعته و أسعفته ذاكرته الهاربة. فألقى لها بكلمة تحمل كل المعاني التي يرغب أن ينقلها لها. همس قائلاً و هي تعبره مطرقة الرأس: يا علم". إذن فالعلم تحيل في مدلولها النصي الأول إلى منحى رومانتيكي يحتفي بالغزل العذري، و حالات الوجد بين العاشقين. ثمة مدلول ثانٍ يشير إليه العنوان أيضاً، و يتعلق بإحدى الشخصيات المركزية في الرواية (حميدة بن مفتاح بوزوي) هذا المناضل اليساري الذي وقف شامخاً كالعلم بعد إحراقه مقر الاتحاد الاشتراكي في ليبيا، ثم أُعدم و عُلق على المشنقة. ثمة مدلول ثالث يحيل إليه العنوان أيضاً، و يتعلق بالأسطورة الشعبية الخاصة بذلك الفارس العربي المسمى (علم)، و الذي أحب الملكة البربرية (طلطلة) حباً عذرياً،ثم هام على وجهه في الصحراء. فالعنوان إذن يأخذ في الرواية مناحي و مدلولات مختلفة (رومانتيكي، واقعي، أسطوري)، و رغم حركية الدال (العلم)، غير أن ثمة دلالة تتسم بالعموم، و تمثل قاسماً مشتركاً بين مناحيه المختلفة، و تتعلق بفكرة الإباء و الشموخ و الاستمساك بالجذور. ربما اعتمد الكاتب في عنوانه أيضاً مايعرف ببلاغة الحذف فبدلاً من (أغاني العلم) صارت الرواية تحمل عنوان (العلم) لتسبح المفردة في فضاءات دلالية مختلفة لا تجعلنا نقرأ النص وفق رؤية سابقة التجهيز.
تتشكل الرواية من أربعة أجزاء، يتلوها (فصول للموتى) تبدأ تحديداً من الفصل الحادي و العشرين و حتى الفصل الرابع و العشرين الذي يختتم به الكاتب نصه. و الملاحظ أن الكاتب لم يجعل من فصوله الأخيرة جزءاً خامساً، فيما يعد استكمالاً للشكل ذاته الذي صنعه طيلة الرواية، و إنما عنونها بلافتة (فصول للموتى) في إشارة دالة على حالة الموت و الموات التي أصابت الشخوص المركزيين بداخل النص، و لذا فالفصول الأخيرة تتصدرها شخوص ثلاثة (سالمين، الدكتور رفعت بيومي، حميدة)، و لكل شخصية من هؤلاء مأساة تؤول إليها حياتها، و فشل يظلل علاقتها بالعالم، فسالمين لم تستطع الزواج بمن تحب، و اضطرت تحت وطأة العرف للزواج برجل اغتصبها شرعاً بتوصيف الكاتب: "غداً تغتصب سالمين شرعاً". و الدكتور رفعت بيومي اليساري المصري الذي ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فطن إلى أن ثقافة القمع و التلصص تظل هي الحاكمة في الأنظمة العربية المختلفة، ليلازمه شعور دائم بالأسى، وإحساس عارم بأنه تخلى عن (حميدة) حين أراد اللجوء إلى مصر. وصولاً إلى (حميدة بوزوي) المناضل الذي آلت حياته إلى الإعدام شنقاً و الذي تكشف مذكراته المكتوبة بخط اليد عن فضح للأقنعة الزائفة و كشف للمسكوت عنه في مجتمعاتنا.
يصدر الكاتب كل جزء من الأجزاء الأربعة الأولى ببيت شعري من أغاني العلم، و التي تعد هنا جزءاً من البنية السردية للرواية، فالبيت الشعري الذي يصدر به الجزء الأول مثلاً يحوي إشارة إلى فحوى هذا الجزء و مراده:
كذاب يا منام الليل تجيب في عرب طال يأسهم
و إذا كانت ليبيا بتفصيلاتها المتنوعة، وأماكنها المختلفة (مدينة القبة- درنة- الجبل الأخضر- طرابلس) مكاناً مركزياً في الرواية، فإن الارتحال إلى (القاهرة) أحياناً يبدو كاشفاً عن عوالم جديدة، تمنح الرواية أبعاداً أكثر عمقاً، حيث تصير (القاهرة) بمثابة المحرك لما يجري، و كأن فكرة المركز/المتن تثبت حضورها الفاعل في الرواية، على اعتبار أنها قادرة على استقطاب الأطراف، و ذلك عبر علاقة جدلية قائمة بينهما: "عندما علم عمر بأنه ضمن لائحة المطلوب القبض عليهم، انتقل من اليونان إلى لندن حتى تنجلي الأمور عن وجهها الحقيقي، مؤكداً إشاعة مرضه بالكبد، و أنه في انتظار إجراء عملية جراحية. اعتزم أمراً فكر فيه كثيراً من قبل. فرحل إلى القاهرة حيث نزل ضيفاً على أحد أعضاء مجلس الشعب من الاقطاعيين السابقين. و طوال أسبوعين دُعي إلى سهرات المجتمع المصري، أثرياء و رجال اعمال جدد و أصحاب توكيلات أجنبية، سياسيون و نواب بمجلس الشعب، و ضباط كبار و وزراء و فنانات مشهورات بالسينما و التليفزيون من الدرجة الأولى و الثانية. رجال عمليون لعصر جديد".
يمثل (ونيس) الشخصية المركزية و المسرود عنه الرئيسي بداخل الرواية، و هو موزع بين عالمين: مجتمع قبلي و عشائري، يحميه العرف، و قانون الجنرالات، حيث ثمة ذهنية Mentalityذات مرجعيات تقليدية تتحكم في زاوية النظر إلى العالم، و عالم آخر منفتح (نتاج مباشر لدراسته الطب في ألمانيا)، دال على ذهنية حداثية تحوي وعياً و استنارة مغايرين. إن الشخصية الروائية هنا (ونيس) تعد علامة على مجتمع مشوه و ممزق في الآن نفسه، حيث تعلوه قشرة الحداثة الغالبة عليه، و التي تخفي تحتها طبيعة صلدة و مغايرة عما فوقها. و لذا فالرواية لم تكن معنية برصد هذا التناقض الكامن في البنية الذهنية للمجتمع الليبي فحسب، و لكنها كانت معنية أيضاً بالإحالة إلى هذه الذهنية العربية المسكونة بتناقضات متعددة، و المسئولة عن الواقع العربي التائه و المرتبك في آن.
في (العلم) ثمة وعي بجدلية العلاقة بين الماضي و الحاضر، و العلائق المتشابكة بين ما كان و ما هو قائم، فالمدينة التي ارتحل إليها (ونيس) ليعمل طبيباً في مستشفاها العام (مدينة درنة) بها بعض رائحة أندلسية (تشبه غرناطة)، تصل الماضي بالحاضر، بمجده الغابر و انكساره الذي ران عليه؛ و (حانوت) الشاب (علي) يشير إلى حوانيت تجار بغداد أيام العباسيين، بجوارييها، و بالفعل لم يكن (علي) سوى نخاس جديد في مجتمع تسيطر عليه العلاقات السرية نتيجة الكبت الكامن بداخله، و الادعاءات التي تظلل قشرته. لنصبح أمام مراجعة لواقع تتكسر فيه الأحلام تحت أقدام الصفقات المريبة و القوادين و الساسة.
تنهض الرواية على آلية التوالد الحكائي، حيث تتناسل الحكايات من بعضها البعض و تتفرع، و لذا فالأجزاء الأربعة تأتي متداخلة، و إن كانت ثمة حكايات مركزية بداخلها مثل: (عودة أسرة بوزوي إلى مدينة القبة- العالم الجديد لونيس و استلامه العمل في المستشفى- قمع الانقلاب الذس كان سيتم في القاعدة الشرقية للبلاد- رحيل عمر إلى القاهرة- توهج العلاقة العاطفية بين ونيس و سالمين- تنامي العلاقة المحرمة بين ونيس و ثريا زوجة أخيه عمر- إعدام حميدة شنقاً).
و تتعدد الخطابات بداخل الرواية، حيث ثمة خطاب يصنعه ما يسمى بالسارد الرئيسي Main narrator و الذي يقبض على زمام الحكي في النص، و ينهض حوله عدد من الخطابات الممثلة للشخوص في الرواية (ونيس- ثريا- حميدة- عمر- رفعت بيومي- سالمين...)، و قد يلتحم أحياناً خطاب السارد الرئيسي مع خطاب الشخصية المركزية (ونيس) ليشكلا معاً رؤية العالم بداخل النص، و التي يهيمن عليها الاحساس العارم بالمفارقة: "هو الآن عاشق رومانتيكي في بلاد البادية، معلق بين صحراء البوادي التي عاش شبابها في القديم على معاشرة الحمير بينما بناتها ملفوفات في جرد الإخفاء و معازل التنك، و بين مدن الحضر خيث تلاشت الحمير و حلت محلها أحدث موديلات السيارات السبور.. تواً صار فيه تطور، تواً يركبن السيارات، ينزلن غادي مصر بيش ينكحن عاهرات القاهرة و الأسكندرية".
و بعد.. في (العلم) نحن أمام نص روائي ثري، متعدد الطبقات، يمتزج فيه السياسي بالفني، حيث يصبح للسياسة حضور واعد في فضاء الرواية، غير أنه الحضور المسكون بالاشتراطات الجمالية التي تظلل هذا النص و تكمن فيه.
جريدة الحياة اللندنية