السخرية .. اللغةُ الأقل شيوعاً في حومة السرد العربي
قراءة في مجموعة " العابرون فوق شظاياهم " للعُماني عبد العزيز الفارسي
زيد الشهيد
في تداوله السردي اتصف القص العربي بصفته الجادة ونحا صوب صياغة وتقديم الإخبار الحاصل اعتماداً على الحياد الوصفي في اغلب ما يُكتب .. غير أنَّ دخول القص في حومة السخرية - أو الفكاهة المُعبّرة - التي تنضح مرارةً وتقطر أسىً تُعد ذات نسبة ضئيلة مقارنة بالجاد منها . ولقد تتبعنا في قراءاتنا لما يُنشر وما يصلنا من تدوينات سردية في جنس القص عربياً أنّ القصاصين السودانيين هُم أكثر الساردين استخداماً للسخرية المدافة بالمرارة بحيث تستطيع وضعهم في خانةٍ خاصة تفرِّقهم عن تيار السرد العربي الحامل لصبغةِ الجدّية . وظننّا ان استخدام السرد الساخر يُعد من أصعب انواع السرود ، بل أن صبغةً مثل هذه تأتي كعنصرٍ بايلوجي في ذات السارد ، سارية في دمِه وآتية على لسانه ؛ وليست داخلةً من باب التكلّف والاصطناع . وفي عُمان التي تبعد كثيراً عن رقعة السرد السوداني ينبري عبد العزيز الفارسي بهذه الميزة فتأتي مجموعته القصصية الحاملة لعنوان ( العابرون فوق شظاياهم ) وهو عنوان هتافي أكثر مما هو تعبيري تقدَّم خمسة عشر نصّاً قصصيّاً ولم يُشر لنصٍّ داخل المجموعة ، نقول تأتي لتتجسد على (111) صفحةً من السرد الذي يفوح بالسخرية اعتماداً على موضوعات تطلبها القص واستوجبتها ظروفُ طرح الحال . ويصر الناص على تذييل نصوصهِ بمكان اسمه ( شناص ) كمدينة انبثقت من أديمها جُلُّ النصوص باستثناءِ نصّي " غنِّ لي .. وقد يتفتح الزهر حينا " و " نخلة واحدة في أرض شاسعة ؟ اللذين كُتبا في العاصمة مسقط - والمفارقةُ في هذين النصين خلوّهما من الكوميديا التي وشَّحت بقيةَ النصوص – والمدينة كما وصفها الناص في مقدمةٍ بلا تنويه مكانٌ " بين الجرح والفرح ، يظللها غمام الحب والرغبات " ؛ ومن هنا كانت النصوص تعوم وتغوص وتنبري بين هاتين الضفتين : الجرح والفرح أو الغمام والرغبات . ولأن التاريخ " لا يلتفت إلى الوراء " فانّه " تناسى شناص ، وتناسته هي أيضاً " فتولّى السارد مهمّة ادخالها إلى حومة السرد لتحفر وجودها في ذاكرة القراء ، وتُبعثِر ابناءها واماكنها على صفحات الورق كنثار نجوم في فضاء يتوخى الإملاء والإشغال .
في هذه المجموعة يطوف المتلقي في محطّات النصوص ليتملاها وقد حملته لغةٌ تمتلىء بحيوية ظاهرة تترك في دفين أعماقه صدىً لعذوبةٍ .. لغةٌ تخلّت عن الفَجاجة النثرية وآلت على نفسها أن تترجل بحيوية تتساوقُ مع مجريات القص وتنامي الحدث في مادة نصيّة .. لغة تنمّي في قرارةِ حكم المتلقي أنها لغة استحالت وسيلةً مؤثرة لإيصال الفكرة بيسرٍ ، فكانت بعيدةً عن التعقيد ، قريبةً من خلقِ لذاذةٍ متنامية في الذائقة ؛ وهذا يحسب لصالح خالق النص كمنتج يريد لنتاجه أن يصل فيُقبَل ، ويحُسب لصالح المتلقي كمستلم لرسالةٍ يُريد لها أن تكون واضحة ومفهومة تتسلل إلى مرابع الذات لتستقر عند طيب خمائلها ونقاء فضائها .
في نص ( ايهم عبر خط بارليف اولأ ) يعيدنا إلى حرب اكتوبر 1973 وعبور خط بارليف الساتر الاسرائلي الذي جعلته من متممات اسطورة الجيش الذي لا يُقهر عبر تذكارات مدير المدرسة ومعلمي التاريخ والتربية الرياضية وهم مصريين يعملون في مدرسة عُمانية وكلّ واحد يُعلن أنه أول مَن عبر خط بارليف وترجى من التلميذ الذي سيلقي كلمة بمناسبة انتصار العرب على اسرائيل أن يذكره . لكن هذه الذكرى الكبيرة التي جرت فيها الدماء انهاراً نُسيت من قبل الجميع ولم يعد أحد يتذكرها بدليل أن السارد / التلميذ المناط به مهمة القاء الكلمة سأل المعلم التونسي والفلسطيني عن اول مَن عبر خط بارليف فلم يردوا بغير عبارة تسكب تهكماً واستغفالاً : " أي خط بالضبط ؟ فالخطوط كثيرة ؟ " ... هل اراد الناص القول ان معلميه الذين اشاروا إلى انهم اول من عبر خط بارليف يستغفلونه ويبغون ايضاً استغفال الطلبة فيضعون لانفسهم مجداً زائفاً على حساب عابرين حقاً أم أراد القول ان صانعي المجد قد همشوا فلفظهم الوطن عن ارضه بعد ان قدّموا التضحيات فتركهم لأعاصير التبعثر والغربة ؟
في نص ( الرادار ) يحيلك السارد إلى الوسائل الحضرية التي تضعها الدولة لأناس لا يمتلكون من أمر سوى التحايل على الدولة ووسائلها التي تبغي من ورائها ضبط الحركة السائبة وتطبيق القانون الذي يخلق نظاماً حضرياً يقلل من غائلة المسار الفوضوي للذين يجدون في النظام تضييق لحريتهم العبثية . فتراهم يتحايلون أو يبتكرون الوسائل للتخلص منه فتمت سرقة الرادار وتهشيمه ثم اطلقت النار على عين الرادار البديل ، ثم تخفيض السرعة عند الوصول إلى الرادار ومن ثم الانطلاق بعد ان يكون رصد المركبة قانونياً باقصى السرعة .. وهكذا يتوالد التجاوز مع ولادة الوسائل البديلة والمبتكرة ... ويتناول نص ( عمتي لا تعرف نجيب محفوظ ) حالة الهاجس الذي يعتري الأم الشرقية في رغبة زواج ابنتها وكأن البنت حمل ثقيل أو ضيف لا تحتمل الذاكرة ابقائه ضيفاً على ارضية حوش البيت وغرفه . وبنفس السخرية المعهودة في مسار الناص / سارد الاحداث تبدو " سندية " الانموذج للمرأة الثرثارة التي تشكل فاتحة حديث يولّد حديث ، داخل حديث ومتوالية من الاحاديث المتوالدة فيما يبقى مضمون " رشيدة " بنت سندية موضوعاً تدور حوله الفكاهة وتتشابك داخله الحكايا الساخرة وهي تقطر مرارة دفينة ولّدها عبء البنت في ميزان سيرورة العائلة وتحركها . وهذا كله يجري بين استهلال النص الذي يشير إلى قارىء مغرم بقراءة الكتب والخاتمة التي تؤشر قراءة آخر كتاب في اليد وقد حمل عنوان " القاهرة الجديدة " لنجيب محفوظ .
وتبدو المفارقة المتشربة بالسخرية في نص ( الدعاء ) حيث دعاء الحاج علي بن سليمان الذي توفي في مكة في مناسك طواف الوداع لأن يدعو الله أن يقبض روح الشيخ خليفان داخل حرم المسجد إذ كان فرح الشيخ خليفان عظيما عندما سمع بذلك فصار ينتظر موته داخل الحرم . لكن الذي جرى أن الذي مات داخل الحرم هو " صلبوح " السكير الزنديق فيما فارق الشيخ خلفان الحياة في احدى دورات المياه .
إن الاعتماد على رأي يُقال لا يشكل محصلة لا بد من الثبات عليها ، وان الاقدار لا يسيرها الانسان وليس له يدٌ في تكريسها إذ هي من عِداد الزمن الذي لم يأت والذي يُقال عنه في عداد الغيب . لقد قاد خالق النص متلقيه على متوالية من الإخبار والتمهيد لتقبّل الحاصل ، ولكن على اساس الكوميديا المشرَّبة بسخرية لا تنتهي لحظ تذوقها بل تستمر في إيغالها إلى العقل الباطن لتختزنها الذاكرة كإحدى مفارقات القدر .
وفي مساءات محشوة بالانتظار " يتخذ النص صفة التقطيع ( مساء البداية / مساء الشاب الوسيم / مساء كبير التجار / مساء الاثنين ) ونهاية مفتوحة تقصَّدها الناص فترك لوعة معرفة الخاتمة الحديثة التي سيقف إزاءها المتلقون منقسمون وبعض يرى ان المسدس سيكون أسرع في تنفيذ مهمة القتل ، وبعض آخر يجد في الخنجر المسلول الخطف أقدر على احراز ابقاء الحياة وصرع المقابل المتآمر .
قد يكون مرورنا على نصوص مجموعة " العابرون فوق شظاياهم " من باب قراءة المتعة لا لذاذة التلقي المنصب على النقد وابداء الآراء ، لكن والحق يقال انها مجموعة تسرق القارىء وتهرب به إلى أجواء السرد المرغوب فقد انمازت النصوص بالسبك المحكم للجملة والشعرية العالية التي تمخضت عن حالة السخرية التي لا تتخلى بطبيعتها عن أريج الشعرية . وإذا كان عبد العزيز الفارسي قد تقدّم بهذا الانجاز السردي كأول نتاجٍ له فهذا يعني أنه يلج حومة السرد بعدَّةٍ مُحكمة واقتدار يُشار إليه على أنه سارد دفع بالسرد القصصي العماني نحو مراتب متقدمة وجعل من اسمه لافتة للقص الساخر يُضاف إلى الاعداد القليلة ممن يكتبون هذا النمط الخاص والمتميز .