كونديرا بين هاجس الخفة والثقل !
أستطيع أن أصنف هذه الرواية بأنها من أشهر رواياته التي قدمها لقرائه وأمتعها ,ليس نقصًا في " الهوية , البطء , الخلود ,الحياة هي في مكان آخر .." وكلها روايات كتبها " ميلان " في أمكنة متنوعة وأزمنة مختلفة , لكن هذه الرواية " كائن لا تحتمل خفته " استطاعت أن تخلق الدهشة والمتعة في وقت واحد ومن خلالها أستطاع الروائي أن يقدم لنا طبيبًا يُطرد من وظيفته لأنه غير منتم لحزب البلاد الحاكم الذي أصبح – أي هذا الحزب - أسيرًا للشيوعية الروسية في حرب الروس ضد البلاد . وسلط " ميلان " الضوء على هذه الشخصية , وأصبحت منعطفًا هامًا لكل أحداث الرواية وشخصياتها المتعلقة بها حيث عمل " توماس " الطبيب المعالج والجراح المشهور بعد طرده منظفاً لزجاجات النوافذ في البيوت والمكاتب والمؤسسات البعيدة .
يفتتح " ميلان " قسمه الأول من روايته بالحديث عن مفهوم " العود الأبدي " وهذا المفهوم تعرض له الفيلسوف " نيتشه " ويعالج فكرة " التكرار الأبدي " في الحياة التي يعيشها الإنسان و" ميلان " يتعاطى مع هذه الفكرة في روايته خوفًا من ألا نستمتع بهذه الحالة التكرارية في حياتنا الطويلة : ( لو قدر لكل ثانية من حياتنا أن تتكرر مرات لا حصر لها , لكنا معلقين على الأبدية مثلما علق المسيح على صليبه ..) ص(6) .
وفي هذا القسم يتساءل " كونديرا " عن مفهوم الخفة والثقل كضدين طرحهما " بارمنديس " على نفسه في القرن الخامس وكان يجيب هذا الفيلسوف على كل التساؤلات المحيطة بهذين المفهومين وتطبيقهما على المستوى الحياتي المعاش , بأن الخفيف هو الإيجابي والثقيل هو السلبي بعدما يرد الكثير من الأضداد من بينها : ( النور – الظلمة ),( السميك – الرقيق ), ( الحار – البارد ).
بعد ذكر مفاهيم العود الأبدي وهاجس الخفة والثقل التي تمثل المدخل العام لروايته وترتكز عليها أحداثها وشخصياتها يقدم لنا " ميلان " قصة " توماس " و" تيريزا " متناولاً العلاقة التي تربطهما ببعض وكيفية المحافظة عليها إلى الأبد , بأسلوب رائع وجذاب : ( رأيته واقفًا عند نافذة شقته وعيناه تحدقان بثبات عبر الجهة الأخرى من الفناء , إلى حائط المبنى المقابل . ولم يكن يدري ماذا عليه أن يفعل . وكان قد تعرف إلى تيريزا منذ ثلاثة أسابيع تقريبًا في مدينة صغيرة من بوهيميا ..)ص8
فــ" توماس " شخصية عانت من حزبها الحاكم كثيرًا , وتعرض لاغتصاب أفكاره , لكنه واصل حياته بما تقتضيه حوائجه وغرائزه وخاصة " الجنسية " فهو شخصية شهوانية إلى حد كبير , لكن الصدفة الحقيقية جمعت " توماس " بأنثى أخرى هي " تيريزا " هذه المرأة التي استطاعت أن تحب " توماس " لكنه لم يستطع أن يمنع ميله الجنسي ناحية النساء الأخريات حيث كان يتكئ على أكثر من امرأة شبقة .
رواية " خفة الكائن " رواية متنقلة مثل عربة يجرها أكثر من حصان , حيث استطاع الراوي التنقل في أكثر من مشهد وأكثر من زمان وأكثر من شخصية .انتقل بنا في العتمة والضياء وتنقل بنا بين مدن مختلفة : براغ \ وزيروخ \ وبوهيما \ حتى استطاع , وبحنكة روائية أن يخلق لنا قصة أخرى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقصة " توماس " و" تيريزا " , حينما يعرفنا على " سابينا " الرسامة التي تعيش متحررة من أكثر من قيد فرضتها ثقافة بلدها عليها , وتعرفها بأستاذ فيلسوف سويسري هو " فرانز " دونما أن نفقد - نحن القراء - القصة الرئيسة في الرواية أو تبعدنا عن التركيز على المفهوم الأكبر لدى الروائي " ميلان " وهو تجسيد مفهوم الخفة والثقل من خلال تلك الشخصيات والأحداث .
مفهوم الخفة والثقل أستطاع أن يكرسه حتى على الحيوانات من خلال شخصية " كارنينا " تلك الكلبة التي أبتاعها " توماس " لتيريزا المستمتعة بقراء رواية " أنا كارنينا " والتي من خلالها أطلقت اسم " كارنينا " على تلك الكلبة تيمنًا بمتعتها ببطلة الرواية . واستطاع الروائي أن يجعل لها فصلاً أخيرًا عنونه بـ" ابتسامة كارنينا "
في هذا الفصل الأخير أقرأ له مقارنة عجيبة بن الإنسان والحيوان فيقول
أسلوب " كونديرا " يرتكب الجمال في كل سطر ويميل إلى الذكاء حد التوق الذي يجعل القارئ منجذبًا لاكتشاف أو ربط حدث بآخر , أو شخصية بأخرى , وثمة مشاهد في الرواية تعد من المشاهد الفضائحية التي لايتقبلها القراء وأجد هذا من شأنهم وليس من شأن " ميلان " الذي حتما يرمي إلى خلق تقنية واقعية تميز أسلوبه عن بقية التقنيات التي في الروايات الأخرى ويجعل من روايته متفردة في كل شيء . ولنقرأ توماس وتيريزا في هذا المشهد : ( عراها من ثيابها ’ وبقيت خلال هذا الوقت جامدة تقريبًا , وحين قبلها لم تتجاوب شفتاها معه , ثم شعرت فجأة أن فرجها رطب فذُهلت لذلك " ص153 ’
وقد ابتعد " ميلان " عن الحذر في كتابة روايته فهو لم يعتبر ذاك المقطع من روايته إلا شيئًا اعتياديًا تمامًا كما يتحدث عن الجنس وعلاقته بالذات الإلهية في هذا المقطع المثير : ( إذا كان الهياج الجنسي آلية يتسلى بها الخالق ’ فإن الحب , خلافًا لذلك لا ينتمي إلا إلينا ويمكننا من خلاله الإفلات من قبضة الخالق ) ص240 مجسدًا بذلك فكرة أن الجنس حرية من الحريات التي يجب ألا يتدخل فيها الخالق .
ويجب أن أشير إلى أن الرواية تم تقسيمها إلى أقسام , بعض منها احتوى على مدخل لفلسفة ما كما في قسم " الخفة والثقل " وهو أول هذه الأقسام , والتي سيكتشف القارئ الحذق مايقصده الروائي من كتابته لهذه الرواية , ومن مفهومي الخفة والثقل , أما القسم الثاني فقد جاء بعنوان " الروح والجسد " وفيه يجبر ميلان قارئه بأن شخصيات الرواية لم تخلق من جسد امرأة ’ بل من بضع جمل موحية أو من موقف حرج فيقول عن توماس : ( توماس خلق من جملة : مرة واحدة لا تحسب , مرة واحدة هي أبدًا . أما تيريزا فخلقت من بضع قرقرات معوية ) ص39, وبعد ذلك يسترسل الكاتب في رصد التجارب الأساسية للشخصيتين . أما في القسم الثالث فقد جاء بعنوان " الكلمات غير المفهومة ج1" فقد تحدث عن فرانز وسابينا وكيفية عشقهما للآخر , واحتوى هذا القسم على " معجم صغير للكلمات غير المفهومة في نظر الكاتب " , لكنه قام بتناولها كل على حده مثل كلمة : (امرأة \ الموسيقى \الضوء والظلمة ) ومعجم آخر صغير للكلمات غير المفهومة ج2 مثل كلمة : (المواكب \ جمال نييورك \وطن سابينا \المقبرة \), ومعجم أخير للكلمات غير المفهومة ج3 اشتمل على : (كنيسة أمستردام القديمة \القوة \العيش في الحقيقة ) ومن خلال تلك المعاجم قدم للقارئ رحلة عشق ومفاهيم كثيرة تناولت حياة كل من فرانز الفيلسوف , وسابينا المتحررة , وهكذا أجده في كل قسم من الأقسام المتبقية وهي : الروح والجسد \ الخفة والثقل \ المسيرة الكبرى \ ابتسامة كارنينا " يتناول - من خلالها - فكرة فلسفية ويعالجها عن طريق شخصيات الرواية وأحداثها الممتعة .
حقًا رواية تعيش معها حتى آخر سطر فيها , رواية تشعرك بأسلوب قلما يجده القارئ في روايات أخرى من المتعة والشوق للوصول إلى النهاية غير المتوقعة, أو المتوقعة ربما , لكنني كقارئ لم ترق لي بعض المداخل التي استغرق فيها الكاتب وقتًا طويلاً من أجل الولوج لمفهوم الفكرة الحقيقي كما أن بعض أحداث الرواية قد مدد في تشخيصها كثيرًا بشكل أصاب الرواية بالنظرة الكمية .
ميلان من خلال هذه الرواية التي أجاد في عنوانها كثيرًا "كائن لا تحتمل خفته " على ذمة ترجمة " ماري طوق " والتي قام " المركز الثقافي العربي " بنشرها , والتي منعت مؤخرًا من ارتياد معرض القاهرة الدولي للكتاب أحسب كثيرًا أنه من الروائيين العالميين الذي يجب أن يُقرأ له , لأنه بكل بساطة إضافة كبيرة للمشهد الروائي العالمي .
بقلم : طاهر الزارعي
قاص سعودي
قاص سعودي