برهافة حس وذكاء يدخلنا القاص جعفر البحراني إلي عالمه الثري بتفاصيل الحياة ,
ودون صخب أو ضجيج يتركنا نتعامل وحدنا كأشخاص ناضجين علينا استشفاف ما يدور وراء الكواليس ونسج تفاصيلنا نحن فوق أسطر قصصه, بلا تدخل أو وصاية منه ..
مثلا في قصة " سميرة " كان التعبير عن حالة متوارثة من القهر تعيشها بعض النساء في مجتمعاتنا العربية , ودون شجب وتنديد وصراخ حول حقوق المرأة والمساواة و .. و .. يتركنا ذاهلين ببساطة الصدمة عندما نري تلك السيدة التي لا تستطيع أن تحقق أمنية والدتها المتوارثة عبر أجيال لتسمي ابنتها بالاسم الذي عشقته طول عمرها " سميرة "
وفي قصة " إليك أنت " حالة إنسانية أخري .. تري فيها الخوف يسير جنبا إلي جنب مع الشجاعة .. هل هما حقا اثنان ؟ صديقان يتحدي أحدهما الآخر ؟ أم هي ببساطة رغبة كل منا في قهر خوفه والتغلب عليه والتعقل في مواجهته .
" بين فئتين " قصة أخري مثيرة للخيال : هل هذا الرجل كفيف أو لا .. هو لا يهتم بأن يخبرك بحقيقة أمره .. فقط يتركك مع الحالة والتساؤلات والوصف الدقيق له .. ولسان حاله يقول : لكل حالة وجهان فلا تضيق وجهة نظرك.
في " تداعي منفرد " غرور الإنسان الذي يصور له كل حادثة لغريب علي أنها أمر بعيد لا يطوله , فإذا اقتربت الحادثة وطالت شخصا يعرفه من بعيد ربما يتعكر مزاجه قليلا .. لكنه لا يستمع لصوت الحقيقة إلا والخطر يدخل من بابه شخصيا .
في قصة " الفضول " صورة معبرة للغاية رغم قصرها .. هل هو الفضول الذي يوقع الإنسان في الخطر ؟؟ أم هو التضليل من قبل أشخاص يفترض فيهم الثقة ؟
وفي " تفاصيل صغيرة " العلاقة المراوغة بين الرجل والمرأة وصفها بشكل جميل يصعد ويهبط بالمشاعر ويؤرجحها يمنة ويسارا تماما كما في الحياة , وكعادته لا يهتم بإخبارك عما آلت إليه هذه العلاقة ففي النهاية تدرك أنك عشت حالة الترقب مع أبطال القصة وهذا هو المهم .
في قصة " فصام " يعود ويتركك أمام حالة الازدواجية المزرية التي نعيشها في مجتمعاتنا العربية , فهذا الرجل الذي يلجأ للسيدة التي تعالج بالطب الشعبي , ذهابه إليها يعني اعترافا ضمنيا ببراعتها وشهرتها لكنه لا يستطيع وضع نفسه موضع الرجل الضعيف أمامها , أما هي فحين تراه علي هذه الحالة تجدها فرصة لرد الصفعة لتاريخ طويل من القهر الذكوري , فتتلذ بتعذيبه وخجله أمامها .
وهي بصورة أخري نفس الازدواجية الواضحة في قصة " الخروج من المتاهة " فكثير من الأمور اختلطت في أذهان الناس نتيجة الأساليب المتناقضة في إدارة الشعوب العربية فهذا شعب يقاطع وتلك حكومة تمد يد العون, وذاك يندد بالإرهاب وهذا يحذر من مخاطر الإباحية , فأذا كنت لا إلي هؤلاء ولا إلي هؤلاء فأنت غالبا مدانا من الطرفين .
نعم هي باختصار حالة من فقدان الهوية ..
و أما " وميض البرق " فهي تلفت النظر ببساطة إلي فنون التربية , ولمحات بسيطة قد يقوم بها الوالدين دون معرفة عظم تأثيرها علي الأطفال , فهذا الابن البكر وعلاقته بالمطر والبرق , فالموروث يقول – البرق لا يخطف إلا الولد البكر – هم يزرعون الخوف إذن منذ البداية , فماذا يا تري يحصدون ..
تتضح قسوة المفارقة حين تناديه أخته الصعيرة من تحت المطر : انظر .. أنا لا أخاف ..
ثم يأخذنا مع خياله الخصب الذي يصور له نفسه معلقا من مشجب الثوب حين يرفعه البرق بخطاف , فيلجأ إلي قطع المشجب باستمرار لتبديد مخاوفه . حيرة الأم , ودهشتها عندما تعلم السبب تجعلك تفكر مليا فيما نزرعه في أطفالنا دون قصد.
الفراشة البرية في " موت الفنتا " حالة أخري من رهافة أحاسيس الطفولة , وحنو الأم علي الولد المصدوم بموت صديقه , والتراث الشعبي الجميل في دعواتها له : يا غناتي .. يا بعد عمري .. وفي وصايا الجدة بكسر بيضة في الطريق , وسكب الماء الممزوج بالسكر.. بكلمات مكثفة أشاع حالة ثرية من الدفء الإنساني ملأت القصة ..
وتعود الطفولة لتطل ببراءتها وعمق تفاصيلها مرات أخري عديدة في " اللعبة " " هو والبحر " رائحة الرصاص " لنسير مع تفاصيلها التي تصلح أيضا لتكون هي تساؤلاتنا المستقبلية في عالم الكبار .