بانتظار الماء
قصة نبيل حاتم من مجموعة "لا ثلج في الشام"
أميل إلى الاعتقاد بأن القراءة الأولى لا بد أن تجنح إلى تأويل النص أكثر_بمعنى أنها تتجه نحو رسالة النص أو مدلولاته الأخيرة ، بينما تميل القراءات اللاحقة إلى دراسة العلاقات بين أجزاء النص والتي ينبني عليها في المآل الأخير نجاح ذاك النص أو فشله ، ولكل نص أجزائه وعلائقه الخاصة به ، فهنا يختفي المكان ، وهناك يغيب الزمان ، وما إلى ذلك من تقنيات في الكتابة .
من وجهة النظر هذه أتناول قصة نبيل حاتم بعنوان " بانتظار الماء " .
أولاً – السطحية وتعدد الأوجه :
لا تتجاوز الحكاية في هذه القصة مشهداً بسيطاً يظهر فيه الراوي على ضفة نبع صغير جاف وهو يراقب ضفدعاً قرب الضفة الأخرى ، يقترب منه ليكتشف بأ نه ميت ، هذا هو كل ما تقوله مفردات اللغة في هذه القصة ، هذا هو سطح القصة بالمعنى الذي أتحدث عنه ، ولسوف يكون من السذاجة التوقف عند هذه الحكاية البسيطة دون الغوص تحت سطحها المعلن هذا ، عندها سينجلي النص عن مكنونه الخفي ... حكاية اليباس .. الجفاف ... الموت ونقطة اللاعودة .
" جف النبع الصغير " ، " تشققت أرضه وابتلع اليباس جمال مياهه " ،"غدت الضفة عارية ممزقة كجندي مهزوم " ، " والماء غار بين شقوق الأرض المتشظية" ، "إلى أين سيقفز ؟ لا مكان، قفر موحش وأرض يباس " ، " ويلقي بنفسه بين الشقوق القاتلة " ، " وأقدامي تدوس على كتل الطين اليابس "
هذه مقبوسات من القصة ، ولنلاحظ كيف استطاع القاص أن يخلق الوجه الجديد للقصة عبر مجموعة من الجمل القصيرة ، السريعة،المتناثرة هنا وهناك مستخدماً مجموعة كبيرة من المفردات الدالة على حالة القحط والجفاف التي أراد لها الكاتب أن تمثل المستوى الدلالي الثاني والأهم لهذا النص ، وفي نفس الوقت تتساوق كلها مع المستوى الدلالي الأعمق المتمثل في حالة الموت التي تسيطر على جو القصة العام :
" اختفت عروق الخضرة التي كانت تستريح على ضفافه " . " الماء الذي كان يحميه غار بين شقوق الأرض " . " كان جامداً .. متيبساً .. وعيناه جاحظتان جامدتان " ."تركته ليسقط بين الشقوق ويغيب في ظلمتها"
لا شائبة تشوب هذا الموت، كل المفردات التي تراصفت سرداً ووصفاً تشي به ، وتدغمه في مناخ النص .
ثانياً : الإيجاز والتكثيف في قصة لا ينمو فيها الحدث :
لا تنبثق هذه القصة عن سبب يؤدي إلى نتائج ، الأمر الذي يجعلني أصف الحدث بأنه لا ينمو، بمعنى انه لا يتشعب ويتعقد درامياً ثم ينحل عبر السرد ، فكل الأسئلة والتخيلات والسلوكيات الحركية والنفسية وردت على لسان البطل عبر المونولوج الداخلي ، فغاب الحوار واستقر السرد سيداً ، وصفياً أحياناً ، مباشراً أحياناً ، وفكرياً أحياناً أخرى ، فيما ظل الحدث المدهش ثاوياً في سريره حتى اللحظة الأخيرة . إن حدثاً بطيئاً كهذا ، يحتاج إلى حرفة شديدة تصوغ منه أدباً ذا قيمة ، وفي الوقت ذاته يحتاج إلى لغة مكثفة موجزة تقدم له بأسرع ما يمكن ، بحيث تقي الكاتب شر الإطالة .
ثالثاً : الزمن – تقنيات السرد :
تتخلى هذه القصة عن الكثير من تقنيات السرد الفنية المعهودة وعلى الأخص تلك الخاصة بالزمن فهو هنا تسلسلي ، لا استرجاع ، ولا استشراف ، ولا تقطيع ، تنساب الحكاية بتسلسل هادئ ، منذ اللحظة الأولى ، وتجدر الإشارة هنا إلى أن طبيعة الموضوع- من حيث هو موضوع قوي وطاغ -ٍ لا تتيح للقاص أن يغامر في لعبة الزمن، فهو ذاهب مباشرة إلى هدفه ، بخفة ، مثيراً خلل لهاثه عاصفة من القحط والجفاف يسيطران على أجواء النص ، مدعماً تلك الخاتمة المفجعة الصادمة.
رابعاً : عثرات :
لم يخل هذا النص من بعض المنغصات ، وأشير هنا إلى بعض الشروح الزائدة التي لم يكن القاص بحاجة إليها لإتمام الانطباع الذي عمل عليه منذ البداية . يرد مثلاً في المقدمة إشارة منه إلى أن الراوي كان يرتاد المكان مع شريك آخر، يبدو أنه الحبيبة المفترضة كما تشي به لغة النص :
" ونمد أرجلنا إلى مائه الرقراق البارد حتى يصل الفرح‘إلى قلبينا "
ولا أدري إن كان هذا التفصيل سيشكل فرقاً يذكر على مستوى دلالة النص أو جماليته
أخيراً لا أجد بداً من الوقوف بدهشة أمام هذه القصة البسيطة التي قالت بسطور قليلة حكاية الكثيرين .
الشيب خالد
27/5/2008