لا ثلج في الشام
قصة لنبيل حاتم
تنتصر هذه القصة للحب ، وأي حب ؟ ذلك الذي صنعته المعاناة الخاصة بسيدتين يتخلى عنهما الرجل في ظرف غامض بوصفه الحامي ... والمسؤول عن تلك الأسرة الصغيرة . هذا التخلي أتاح للقاص أن يصنع أنموذجاً للحب فريداً ومتميزاً . فها هي الغزالة تطوح بحلمها جانباً وتندس في فراش أمها الدافئ . هذا التخلي أيضاً طوع السيدتين لتصبحا واحداً في مواجهة ظرف مغفلٍ قصصياً غير أن رائحته تفوح من بين السطور . هذا التخلي أوصلهما إلى لحظة القص لتقعا فريسة عيني نبيل حاتم ليبدأ حكايته التي جعل منها - بمهارة – قصة فنية. كيف؟؟ هذا مل يحيلنا إلى الحديث عن تقنية كتابة هذا العمل :
أولاً – اللغة :
1- ترتفع لغة هذا النص في مجمله عن المألوف في السرد الشفاهي الأمر الذي يمكن اعتباره دالة هامة في تحول الحكاية إلى قصة بالمعنى الفني ، وإن تكن دالة غير كافية بحد ذاتها . فالنثر الفني يبتدئ مع بداية العرض محيلاً القارئ إلى جماليات المكان -الذي يشكل حيزاً هاماً من البناء السردي للقصة – بما يشبه الشعر في استخدامه للمجازات والصور والمفردات الرقيقة :
( تمطت القرية على سفح تلها الصغير...... وبدأت نوافذها تستيقظ )
( النور الباهت الذي كان يجاهد للخروج من نافذة غزالة)
ويستمر تقدم السرد الوصفي هذا حتى انتهاء العرض تقريبا ، متملصاً من مأزق الوقوع في الوصف المجاني المعطل للسرد والذي يمكن اعتباره واحداً من المطبات القاتلة التي تسببها لغة الوصف أحياناً .
2- تتميز اللغة بمواءمتها لمادة الكتابة . فتتخلى عن الجزالة والمعجمية لصالح المفردات الرقيقة المعاصرة مما يعطي السرد مرونة تتناسب مع مادته كما ذكرت ، فالقصة تدور حول موضوع شفاف عاطفي ، وموقف إنساني دافئ تنجلي من خلاله موازين الشخصية المحورية "غزالة " فيما يتعلق بالفصل العميق الوجداني والعفوي بين رغباتها الذاتية ، وبين حبها الشديد لأمها التي تشكل جزءاً عضوياً من شخصها وتركيبتها .
ثانياً – الزمن :
1- زمن القص مفتوح على تواريخ غير محددة فهذا شتاء ما ... وثلج ما.... لا هو زمن الحرب مثلاً ولا زمن السلم .... ولا زمن الزلازل .... هو فقط مسرح الأحداث ، ولا يخفى ما لهذه التقنية الأسلوبية من ميزات ، فباعتمادها يستطيع الكاتب تقديم المادة التي يشاء دون الوقوع في مطبّات التكرار والاستهلاك ، وتبقى مادته طازجة ومعاصرة وصالحة للتناول القصصي .
هذا الثلج بمدلولاته سيكون ذات شأن لاحقاً في متن الحكاية ، إنه ثلج يأتي بعد سنوات من الصقيع والوحدة :
( عشر سنوات من الصقيع مرت على الغزالة وأمها )
ثم تكر الحكاية ، سلسة ، بسيطة مكثفة ودون أعباء ، ودون التوقف عند التفاصيل والشروح الزائدة التي ترهق أولاً زمن القص ، وتتلف متعة السرد ولذة الاكتشاف ثانياً .
ببساطة تستيقظ الغزالة على موعد مع " ذيب " حبيبها لتهرب معه ، تلمح أمها فتهتز عزيمتها وتبدل رأيها ، هنا في هذه اللحظة يقطع القاص الزمن ليعود بالقارئ بخفة إلى وقت سابق كان فيه للغزالة أب حاضر :
( حين قالوا لهما أنهم شاهدوا الأب يركب سفينة مغادرة إلى ميناء بيروت ...)
يعود بنا عشر سنوات ليروي لنا بسطر واحد قصة أخرى سيكون لها حضورها اللاحق أيضاً في قرار الغزالة وإن يكن خفياً ، يترك لنا القاص بعدها الفرصة لملء الفراغ الزمني المفترض ، وبالتالي تخيل تفاصيل المعاناة التي تعيشها الشخصيات في القصة
بعد ذلك يعود القاص إلى زمن السرد حيث يبدأ ما يمكن أن نسميه مرحلة النمو في القصة حسب " فرانك أوكونور " :
( عشر سنوات من الصقيع مرت على الغزالة وأمها .... " حتى جاء ذيب وأخذ حيزاً من ...إلخ " والأم تبكي في نهايات الليل ، تضم الغزالة وتحشرج بصوت يشبه الفرح :
- سيأخذك ذات يوم هذا الذيب .)
أقطع الكلام هنا لأتوقف قليلاً عند هذه اللقطة الجميلة والتي تشي بما يجول في رأس الأم أولاً وتكشف الكثير من جوانب شخصيتها حيث تتوضح لنا موافقتها الضمنية على زواج غزالة من "الذيب" وفي نفس الوقت خوفها من مرارة الفقد الآتي ، مفتتحاً أيضاً في هذه الجملة المنفردة ما سأسميه العنصر المسرحي للقص وبدء التعقيد الدرامي له حسب " أوكونور " أيضاً ، وأقصد بالجملة تلك ، العبارة التي وردت على لسان الأم :
" تحشرج بصوت يشبه الفرح "
وعلى صيغة التحبب والألفة في لفظ الأم لاسم ذيب مستخدمة " أل" التعريف .
قبل انتهاء القصة بحوالي سبعة أسطر يعود القاص إلى اللحظة الزمنية المنتقاة أساساً من زمن القص الفعلي كله ، اللحظة التي تنفرط فيها العقدة الدرامية النامية في بطن السرد خفيةً:
( وقفت في منتصف الطريق بين الفراش المقمع بشعر أمها الأبيض ، والباب الذي تقبع خلفه شقة الشام)
ثم ، وبأسطر قليلة ، كثيفة لغوياً ...قصيرة وسريعة ، يحسم القاص هذا التردد الدرامي منهياً القصة بخفة وبساطة
ثالثاً – النهاية :
1- ليس مهماً – برأيي _ سؤال من قبيل " هل هذه النهاية ممكنة ؟" أو " هل هي معقولة ؟" وذلك لأن سؤالاً كهذا لا بد من أنه سؤال من خارج النص الأدبي ذاته ، وأفترض بأن الأجدر أن السؤال الهام يتمثل في البحث عن جمالية النهاية من ناحية اندغامها في النص بوصفها جزءاً من السرد لا يمكن بحال الاستغناء عنه ، وبهذا يتلافى النص تهماً كثيرة من طراز " النهايات الملصقة " و" النهايات المقصودة " وإلخ....
2- خاتمة هذا النص _كما أرى _ جزء عضوي من بناءه ، وبدونها سيبدو النص مبتوراً ،لا مفتوحاً ، وفي الوقت ذاته الذي أدّت فيه الخاتمة وظيفتها السردية هنا ، فقد أدّت أيضاً الوظيفة المرجوة منها على المستوى الدلالي ، مكملة وظيفتها الإيحائية التي نمت عبر تكون السرد والحكاية معا مؤسسة لعلاقة مختلفة بين الغزالة وأمها ، تلك العلاقة التي ستشكل محوراً هاماً على مدى القصة ولسوف تتمخض عن انتصار الغزالة لذلك الدفء المنبعث منها ، الأمر الذي سيدفعها إلى التضحية – ولو على حين – بحلمها المتمثل في ذيب وشقة الشام .
أقول إلى حين ، لأن النهاية ذاتها لا تشير إلى انطفاء الحلم نهائياً قدر ما تشير إلى تأجيله تحت ضغط لحظة عاطفية محددة وقعت الغزالة في براثنها حين نظرت إلى أمها النائمة في الغرفة معها متيحة بذلك للقاص أن ينقض عليها دافعاً بلحظة التوتر الداخلي تلك للغزالة إلى السطح دون أي شروح زائدة مفسحاً لبطلته أن تعبر عنها عبر سلوكها وحده والمتمثل بالتخلي عن قرار السفر .
ختاماً ... هذه القصة متميزة بشفافيتها وتحمل شحنة عاطفية كبيرة ، خلل انتصارها لقيمة بالغة الخصوصية في لحظة من لحظات الحياة المنثورة حولنا ، لحظة أطبق عليها ذلك القاص العجوز فجعل منها صبية حلوة .
الشيب خالد
24/4/2008