الأبواب والكتابة النّاقدة في "ليلة خروج المنتظر"
علي فايع الألمعي
في مجموعته القصصيّة "ليلة خروج المنتظر" الصادرة عن "فراديس" في ثمانين صفحة من القطع المتوسط يفتح القاصّ هاني الحجي الأبواب على مصاريعها، حين يتّخذ القصّ وسيلة فعليّة لتوصيل رسالته الاحتجاجيّة على كثير من الممارسات المذهبيّة، والإنسانيّة بشكل عام.
حيث تبدأ النّصوص بحوار فلسفي يثبت من خلاله نعمة الجنون وعبقرية أصحابها الذين عادة ما تشكّل الفراغات جزءاً كبيراً في حياتهم!.
تلك الفراغات التي تبحث عن العلاقة الفعلية بين الزمان والمكان، وبين السّراب بوصفه حقيقة، وليس وهماً كما يدعي العاجزون!.
كما يتناول بشيء من الألم فقر القرى، وعادات الرّيف، وحكايات شهريار وشهرزاد التي لا تنتهي، لكنّها تسقط هذه المرّة ضحيّة المذهب!.
كما أنّ النّصوص لا تغفل الجانب الإنساني البعيد عن تراكمات العادة والمذهب حين يقتطف لنا من مأساة "طريق خريص" بعض الحزن، ومن قصّة الموت في لحظة انتظار بعض الألم!.
كما أنّ النّصوص القصصيّة في مجموعة "ليلة خروج المنتظر" تبحث عن التعبير بصوت مسموع عن بعض الممارسات التي تركن إلى القول، وتتجاهل دور العمل كفعل منتظر كما في نص "ليلة خروج المنتظر" التي يبدو أنّ أفراسها اعتادت الانتظار بعد أن استسلمت له، وصدّقت أنّ القول أكثر تأثيراً من العمل!.
وفي جوانب الذّات الأخرى التي تقتلها العواطف الحانية التي تعبّر عنها أمّ مكلومة -في نصّ "حزن الأبواب"- مات طفلها أمام عينيها بعد أن دهسته سيارة.
ولأنّ النّصوص في أصلها ثورة فقد التزمت بالكتابة المستثيرة، مفردة، وتناولاً، والتي يمكن للقارئ من خلالها أن يتأمّل تأثير النّصّ على القارئ، وأن يتوقّع العديد من المفاجآت على مستوى الأفكار حين يتحوّل الحلم إلى جريمة، والسير أثناء النّوم إلى جناية والتّفكير بالطائر الأبيض إلى السجن كما في نصّ "محاكمة الأحلام" لمجرّد أن يقود الحلم صاحبه إلى الرغبة في الفعل!.
وقد تمتدّ تلك النّصوص في مستواها الفكري إلى تعبيرات مباشرة عن الضّيق الذي يُحوّل الكتابة إلى غضب، والحرف إلى لهب!.
ففي نص "دوائر لا تتداخل" ربط فعلي بين التفكير كحقّ وبين البلادة كمنحة يهبها القادر إلى غيره دون حساب لإمكانيّة الاختلاف وطريقة التّفكير.
ولا تكاد نصوص المجموعة تخلو من سخرية عالية تبدأ من الواقع المشاهد إلى الحياة باعتبارها صفحة بيضاء قابلة للكتابة التي تستطيع العبور إلى غايتها، لكنّها تقف عاجزة عن الإجابة على بعض الأسئلة بشكل مقنع لأكثر الأسئلة مشروعيّة!.
النصوص القصصيّة في مجموعة الحجي نصوص متنوعة، تتقاسمها العديد من الرغبات، لكنّ عين المذهبيّ الناقد كانت الأكثر حضوراً، وانتقاداً، والأقوى تأثيراً وإن أرادت الحياد إلاّ أنّ صوتها كان مسموعاً، بل ومؤثراً إن لم يكن مستثيراً!.
في نصوص هاني الحجي شيء من النقد اللاذع لبعض الممارسات التي تأخذ الدّين معبراً لها وتمارس مع الناس من خلالها نوعاً من الاستغفال، حين يجرح بقلمه بعض تلك الممارسات كما في نص "ملا بيجر في بورصة الحسينيات" أو في نصّ "فلسفة السرير.. عربي وفارسية" ونصّ "سجدة في حضرة الشيطان".
كما أنّ الإيجاز في الكتابة النّصيّة كان أكثر تعبيراً عن الحالة التي تتلقفها بعض العوارض كما في نصّ "أحلام مواطن عربي"!.
الشيء اللافت في المجموعة بشكل عام أنّ هناك الكثير من التداعيات المشتركة التي تنطق بها النّصوص والتي يمكن أن تُقرأ على أنّها نصوص متذمّرة، ناقمة، غير متصالحة إلاّ مع الحزن الذي يكون الموت طريقه في النهاية!.
كما أنّ تسارع الأحداث بفعل الكتابة المتلاحقة، والمفردات الموغلة في التبتّل، والتوظيف الفنّي للجنس في بعض النّصوص التي تبحث عن الحضور أضعفت لديّ كقارئ الوصول المقبول إلى النص الفني الباهر وإن كانت المجموعة في ذاتها وموضوعاتها لاتخلو من الإبداع إلاّ أنها كانت بحاجة إلى نفس أقل حدّة، كي تصل إلى القارئ بشكل مقبول!.
*ناقد سعودي
alifayia@alwatan.com.sa
الوطن