ليلة المعراج رواية للامريكية زاوي فيراريز:




محقق فلسطيني في معطف كولومبو يكشف عن وقائع قتل نوف الغريبة في جدة
28/04/2008

معظم الروايات عن السعودية الصادرة في العالم الغربي تعمل علي فكرة الفنتازيا والمحرم وتصوير المجتمع عبر رؤية خارجية تنظر من خلف الجدران والستائر وتحلل ما توفر لها من معلومات وتجارب في مجتمع محرم او مجتمع حريم، السعودية هي بلد بديل او معادل لبلد الخيال، وفيه تبدو لعبة الدين، الرقابة والاخلاق والشائعات عن الحب المحرم والحفلات السرية امرا شائعا وسائدا. رواية ليلة المعراج هي الاولي للامريكية زاوي فيراريز، وهي رواية ذات اهتمام خاص وطابع خاص في تفاصيلها اذ ان كاتبتها عاشت مع زوجها السعودي في مدينة جدة قبل ان تعود لامريكا، فهي اذن كانت قريبة من اجواء الحياة في السعودية ولم تكتب عن بعد، بل كانت عارفة باجواء الحياة العائلية وظروفها وموقع المرأة فيها وكذلك دورها ونتيجة روايتها انها قدمت عملا مليئا بالتفاصيل عن الحياة العامة والعلاقات الاجتماعية واسرار الحفلات الخاصة المختلطة بين الرجال والنساء وعن هموم ومشاكل الطبقة المتوسطة فليس كل السعوديين اغنياء، وليس كل السعوديين لديهم الفرصة للسفر ومشاهدة العالم بعيدا عن جو الكبت والرقابة والشرطة الدينية المطوعين واجواء الممنوع والمباح المفروضة علي النساء. اخترعت فيراريز في النهاية رواية يمكن ان تسمي بوليسية اسهمت الي حد كبير للنوع الادبي المعروف بالروايات الاثنوغرافية وهي وان اختارت شكل الرواية البوليسية الا انها نأت عن حصر ابطالها في اطار وشكليات روايات التحقيق البوليسية من الاثارة والمتعة. ما تمنحه القراءة لهذه الرواية انها تعمل علي فكرة ان للبيوت اسراراً فخلف التدين وخلف الغني يقبع هناك في داخل نفوسنا وحيواتنا سر واسرار نحاول أن نخفيها عن بعضنا البعض او حتي مخاتلة انفسنا وعدم التصديق ان لدينا اسرارا. في قلب الرواية عائلة ابو تحسين الشراوي التي تعيش في جزيرة قريبة من مدينة جدة وهي نتاج الطفرة النفطية والانشغال بالاعمال التجارية، عائلة يبدو انها تملك كل شيء المال والرفعة الاجتماعية والقصور والحشم والخدم والابناء المتزوجين، ولكن هناك نوف الشابة بنت السادسة عشرة التي تختفي فجأة عشية زواجها بعد ان غافلت او ربما رتبت مع سائقها رحلة الهروب ليعثر علي جثتها بعد ايام في واد بعيد في الصحراء. هروب فتاة كانت تحضر لزواجها من قريبها من نفس العائلة يفتح اسئلة كثيرة، لماذا هربت ولماذا التوقيت؟ وكيف هربت، بعد ان اخذت جملا من جمال الزريبة ووضعته في سيارة تويوتا؟ واين كانت متجهة وكيف ماتت، هل ساعدها احد من داخل العائلة ام كانت علي اتصال بآخرين رتبوا لها رحلة الهروب الي مكان غير معروف؟ هنا نتعرف في الصفحات الاولي علي المحقق الاول في الجريمة، انه ناير الشرقي، فلسطيني متسعود، له قصته الخاصة رباه عمه الباحث في الاثار، سمير، وعاش معه في اكثر من رحلة وحفرية، ناير صديق لعائلة الشراوي، عثمان الذي كان يحضر لزواجه من خطيبته كاتيا حجازي، باحثة في مختبر البحث الجنائي تشكل فيما بعد مع ناير فريق التحقيق. ناير رجل ملتزم، ومتزمت احيانا يؤدي فروضه الدينية، غير متزوج، ويعيش توزعا بين اهوائه وشهواته وخوفه من العقاب او ارتكاب الاثم، وهذا التوزع يظهر في المشهد الاول من الرواية عندما نراه يؤدي الصلاة ويتذكر صورة نوف وهذا اسم القتيلة ممددة، عندها يتذكر الله ويستغفر لذنبه. اضافة لذلك فناير يعيش بين البحر والصحراء اي يعيش علي قارب او كابينة اسمها فاطمة متوحدا ووحيدا، كما ان حبه للصحراء جعله قريبا من البدو لدرجة ان بعضهم كان يعتبره بدويا، الامر الذي احيانا يدهشه ويغضبه في احيان كثيرة ذلك ان اسئلة الناس حول هويته البدوية تؤكد موقعه كغريب عن البدو وعن السعودية رغم تسعوده. ناير، يحمر وجهه خجلا عندما يتحدث لامرأة ورغم محاولاته غض طرفه الا ان شيطانه يدفعه في كثير من المواقف لرؤية وجه او مواجهة نساء سافرات قرب مسبح او يتحدث وجها لوجه الي كاتيا، وحتي رؤية يدي القتيلة نوف. يبدو ان عائلة الشراوي التي هربت ابنتها لم تكن راغبة في ان تذهب للمشرحة ومتعجلة في دفن ابنتها هنا يتطوع ناير الذي يعمل في مصالح العائلة للذهاب للمشرحة واخذ جثتها حيث يسلمها للعائلة، بعدها تجري مراسم سريعة لدفن نوف، ويلاحظ ناير انها عندما انزلت القبر لم يوجه وجهها للقبلة، مما يعني انها كانت حاملا وقت قتلها. عثمان لم يكن مرتاحا للطريقة التي اقفل بها التحقيق ولهذا يطلب من صديقه ناير ان يقود عملية كشف الحقيقة، في هذه اللحظة تتقاطع حياته مع حياة كاتيا حجازي، الحاصلة علي درجة الدكتوراه في الكيمياء وتعيش مع والدها المتقاعد واضطرت للعمل بعد ان لم يعد راتب والدها التقاعدي يكفي لتأمين حاجيات البيت ودفع الفواتير المتراكمة. كاتيا تمثل نوعا مختلفا من المرأة السعودية، المستقلة والقوية رغم انها في بعض الاحيان لم تكن مقنعة ولكنها مقارنة مع حريم عائلة الشراوي وحشمه وخدمه تظل شخصية عملية ترغب في اثبات نفسها لوالدها المتشكك من زواجها من العائلة خاصة ان لديه ملاحظات حول تربية الابناء وانه خائف من ان يترك وحيدا بعد ان ماتت زوجته، ام كاتيا بعد عشرة ثلاثين عاما. كل هذه الهموم داخل البيت وداخل بيت الشراوي ومواقف زميلاتها في داخل المختبر ومديرتها مضاوي التي تعتقد ان كل عاملة في المختبر تظهر مبكرا في العمل ربما تكون هاربة من بطش وسطوة زوجها، اي عنف العائلة، ومضاوي التي تعتقد انها مديرة العمل فضولية، خاصة انها تسرق الوقت لدخول مكتب مدير العمل من اجل ان تستخدم آلة صناعة القهوة ومشاهدة القنوات الخارجية من الفضائيات الكثيرة والاستمتاع للحظات في الجلوس علي مقعد المدير الجلدي المريح. كاتيا عندما تقرر ان تقوم بفحص عينات اخذتها خلسة من جسد نوف تدخل نفسها في معركة ضد التيار وتؤدي لتقاطع مع ناير الذي تبدي اعجابها به اول ما شاهدته، خاصة ان صورته جاءت مطابقة لاوصاف خطيبها عثمان له. وهي في كثير من المرات تشعر بنوع من الاثم او الذنب لانها تكذب علي والدها وتكذب من اجل ان تبحث عن حقيقة وفاة نوف. ناير وكاتيا يمثلان محققين مستقلين، عينا نفسيهما وفرضا وجودهما علي من حولهما. ناير يقدمنا لعالم قصاصي الاثر، سهيل ومطلق، حيث يعين الاخير مكان العثور علي جثة نوف في الوادي وانه كان موجودا في مكان اخر، كما يتداخل عمل كاتيا مع ناير الذي يحاول ان يعطي صورة عن نفسه، صورة المحقق علي شاكلة المحقق الامريكي كولومبو المعروف بمعطفه، ويبدو ناير بمعطفه في حر ورطوبة جدة مثيرا للغرابة ولكننا نتحدث عن رواية تريد ادخالنا في عالم السعودية وبيوتها واسرارها واسرار اسواقها. ناير كما قلنا يقوم باستجواب كل من كانت له علاقة بنوف، ويبدو ذات سلطة عجيبة في مجتمع كالسعودية اذ ان الجميع يستجيبون لأسئلته ويقدمون له معلومات يضعها لاكمال حل لغز وفاة نوف، في مجتمع لا يفتح اسراره نري ان الخطيب قاضي الذي كان سيتزوج نوف، يجيب بحرارة وعاطفية عن علاقته بنوف وكيف تعرف عليها من خلال العائلة وكيف تحدث اليها عبر الهاتف وماذا طلبت منه. هنا تظل صورة نوف غامضة نوعا ما، ولكن من مجمل السرد العام نعثر علي صورة فتاة طامحة تريد اختيار مستقبلها وان لا تترك لعائلتها حق الاختيار، خاصة تعليمها، فقد شاهدت فيلما عن حياة باحثة في علم الحيوان او الانثروبولوجيا، تعيش مع الكلاب وحيوانات اخري في افريقيا، وكانت تحلم بدراسة علم الحيوان ولهذا كانت تطلب من مرافقها محمد ان يأخذها لحديقة الحيوان. محمد، المرافق هو قطعة اخري من لعبة شطرنج تفكيك حياة نوف ووقائع اختفائها الغريبة ونهايتها. محمد يكشف لناير ان هناك امريكيا كان يعيش في مساكن الاجانب التي تختلف عن مساكن السعوديين في تحررها وحراستها وطبيعة سكانها وحياتهم التي لا تختلف عن اسلوب حياة سكان لندن او نيويورك او اية مدينة غربية، الامريكي اسمه اريك، كان محمد كما زعم يأخذ نوف الي بيته وقد تعرفت عليه في واحد من مراكز التسوق، ووعدها بتهريبها الي نيويورك بعد ان تذهب مع زوجها قاضي الي هناك لقضاء شهر العسل، واعطاها مفتاح شقته في المدينة، وقد دفعت له مليون ريال للهرب، هل كانت علي علاقة حب وهل كان اريك والد الجنين داخلها ساعة وفاتها؟ تحقيق ناير لا يثبت هذا، وهنا تتجه الاصابع الي محمد مرافقها الذي زاره ناير في بيته، وقابله اكثر من مرة وعبر عن ندم في انه كان سبب موتها كما عبر عن ذنب يشي انه كان علي علاقة حب معها وكان يأخذها لمناطق سرية علي الكورنيش ولحديقة الحيوان. محمد يبدو متحررا حيث تحضر زوجته اثناء مقابلة ناير معه، وفي لفتة غير معهودة يقوم محمد بتقبيل زوجته امام محققنا كولومبو ويقدم له ابنته التي لاعبها كولومبو علي استحياء. زاوي تنقل اجواء المدينة، جدة في اختناقاتها المرورية وحرها ورطوبتها واسواقها الشعبية ومراكز التسوق فيها وحياة وهموم الطبقة الوسطي التي تكافح للبقاء واحلام وطموحات الجيل الجديد، وقصص الحب المحرم والمقاهي السرية، واشكال الحياة المتوفرة للاجانب وعالمهم المختلف. وهي تمزج كل هذا بحبكة تتخذ طابع الرواية البوليسية ولكنها لا تخضع ابطالها لها، فنحن امام بطلين، ذكر وانثي كل منهما خارج عن السياق العام لثقافة البلد تجاه المرأة ودورها وتجاه الغرباء، ما يجمع كاتيا وناير انهما غريبان، فهي غريبة عن جو عائلتها الغنية، ولا تحظي بنفس الوضع وهو ما يخيف والدها وهي ايضا غريبة في مجال تخصصها وعملها يجعلها علي اتصال مع الذكور، وناير فلسطيني، غريب بلا بلد، يحلم دائما احلاما رومانسية. اختارت فيراريز اماكن مثيرة لقص الحكاية وحل عقدة مقتل نوف، حديقة الحيوانات، الصحراء، السفينة، شوارع جدة واسواقها، وعوالم اللقاءات السرية، والنساء الامريكيات في جدة، وعوالم نساء ابناء الشراوي الكسولة. فيراريز تقطر في سردها وترشح في فصل بمعلومة عن الحكاية من اجل ان تجعل قارئها يواصل القراءة وتقليب الصفحات، ويبدو سردها خفيفا وسهلا غير معقد، وتجيد تجديل القصة وترتيب سياقاتها، ناير وان بدا محققا واثقا من نفسه ويقوم بالتحقيق نيابة عن العائلة استخدم هنا لكي تدخلنا من خلاله الكاتبة لعالمها او عالم السعودية الذي عاشته بتقلباته وافكاره، وقد يبدو معادلا لها كغريبة او خارجة عن المجتمع، ذلك ان ناير، بشخصيته الذكورية لدية القوة والسلطة لتقديم صورة عن عالم المدينة، جدة وما حولها، ولم تختر فيراريز كاتيا لان انوثتها تظل عائقا امام انفتاح العالم بكامله، فهي وان دخلت عالم النساء وتفاعلت مع زملائها في المختبر والتقت مع خطيبها في السيارة، في نقطة مظلمة من الشاطئ الا انها تعرف حدود حريتها المقيدة بمرافقها احمد وعيون شرطة الاخلاق.
نعرف في النهاية ان القاتل لم يكن بعيدا عن البيت، كان عثمان، فهو والد الجنين، العلاقة بين نوف وعثمان تقترح سفاح المحارم، ولكنه اي عثمان لم يكن اخا شقيقا بل تبناه رب العائلة ابو تحسين شفقة عليه، هناك ثالوث محرم في علاقات نوف: عثمان واريك الامريكي ومرافقها محمد، كل له او تقترح الرواية أن له علاقة مع نوف، عثمان كان له ضلع في قتلها لانها كانت تريد الهروب مع اريك، وهناك ايضا قاتلة اخري، هي عبير شقيقة نوف الصغري التي كانت لها مصلحة في اختفاء اختها كي تتزوج من قاضي التي تعتقد ان نوف لم تكن تحبه، وانها كانت تريد استخدامه واستخدام ماله. يعمل محققنا الفلسطيني مع كاتيا علي عقد الجريمة مع ان الكاتبة من بداية الرواية اشعرتنا ان القاتل ليس بعيدا عن البيت، واوهمتنا انه ربما كان عثمان، واخيرا ادخلت عبير في لعبة الاثارة. فيراريز تقول ان اسم الرواية جاء من رحلة الاسراء والمعراج، ورحلة ناير هي في النهاية معراج روحي بحثا عن الحقيقة. طبعا هناك اسئلة عن دوافع ناير الحقيقية علي التحقيق في قضية نوف، هل كان يحبها؟ ان احبها فقد انتهت رحلته الروحية بان يحب كاتيا حجازي.

ابراهيم درويش

كاتب من اسرة القدس العربي

The Night of Mi'raj
By: Zoe Ferrraris
Lile Brown
London/2008
القدس العربي