لغة لا تتخلي عن شعريتها وكشف للبطريركية الاجتماعية

دق الطبول جديد محمد البساطي:

21/04/2008

القاهرة ـ القدس العربي من محمود قرني: تثير رواية دق الطبول للروائي الكبير محمد البساطي نوعا من العبث الذي تقوم عليه عدد من روايات البساطي مثل رواية الخالدية التي تنمو ككيان وهمي وسط مجتمع يفقد صوابه شيئا فشيئا، عبر نقطة شرطة متوهمة ومدينة متوهمة أيضا، وتعتمد الرواية نوعا من الفانتازيا المرتبطة بعبثية الحراك الاجتماعي نفسه، حيث تقوم علي فكرة شديدة الصراحة تتحصل في أن واحدا من موظفي المالية بوزارة الداخلية يستولي علي أموال الوزارة، عبر اختراع مدينة وهمية ليس لها وجود في الواقع هي الخالدية ، وهو ما يسوغ له فيما بعد، اختراع قسم شرطة للمدينة شاملا بالطبع المأمور والجنود والأسلحة والسيارات والعقاد والمؤن وكل ذلك يعني أن ثمة رواتب ومكافآت شهرية تصرف من أجل أمن المدينة الوهمية، وتستمر دراما الرواية علي هذا النحو الفانتازي الذي تبشر به أيضا الرواية الأخيرة للبساطي دق الطبول .
فالرواية تنهض علي عدة مفترقات وعناصر تثير العديد من الأسئلة الوجودية، لا سيما وأن عنصر الغربة والاغتراب في الزمان والمكان يقومان بالدور الأساسي المبطن لدراما الحركة السردية:
ينهض العالم الروائي لـ دق الطبول في إحدي الإمارات الخليجية الصغيرة، حيث العمالة الأجنبية ـ عربية وغير عربية ـ تنهض بكافة الشؤون اليومية، فيما يعكس نمط الانتاج الريعي للإمارة، كمعظم الإمارات الخليجية، أما السرود التي تبدو محايدة ففي طريقها دوما لترسيخ صورة غير متعسفة يعمقها التراكم الزمني داخل الحديث الروائي، فيتصاعد المعني ويتضافر في صياغة الموقف الوجودي الإجمالي، السالب علي الأغلب، من كافة الأبطال الفاعلين في الرواية، وكأن ثمة إشارة خفية إلي أن عنصر المكان بثقافته يظل أكثر قدرة علي التعبير عن نفسه عبر هؤلاء الأبطال الضعفاء.
فعبر نماذج مصرية وشبه آسيوية، باكستانية، بنغالية، هندية، تتكون أحشاء قصر الأحداث الروائية، ونرصد مع الروائي نهوض هذه العمالة الوافدة بكل شيء تقريبا، أما أهل الإمارة لهم فقط هذه الجنة الأفلاطونية التي تخلقها المكنة المادية القادرة علي استعباد البشر والآلات، أي أنها مكنة قادرة علي استقدام التكنولوجيا وتسخيرها عبر هؤلاء الرعاع الذين قدموا من بلدانهم الأشد فقرا طلبا للرزق.
وعبر صور عديدة للتفرقة تتبلور النقائض وتتنامي الثنائيات، فهناك الأسود والأبيض، المسلم وغير المسلم، الغني والفقير، المقرب من صاحب القصر والمغضوب عليهم، الغني والفقير، ثم السيد والخادم، وهذه الأخيرة هي الثنائية الأكثر بروزا في مجتمعات لم تتبلور فيها صيغة أكثر تطورا لعلاقات العمل المنتظمة التي لا تعتمد علي الأنظمة الأبوية بترسيخها الدائم لمفهوم السيد والعبد.
وربما كان التوقف أمام هذا المفهوم القاهر في العلاقة الإنسانية سببا مباشرا يصلح لقراءة نتيجتين أساسيتين أسفر عنهما النمو الطبيعي لمثل هذه العلاقات عبر النسيج الروائي.
النتيجة الأولي التي تبلورت عبر السرد الروائي وهي ظهور علامات العجز الجنسي علي كل العاملين الأجانب داخل الإمارة.
فقد اكتشف ذلك البنغالي عجزه الجنسي عندما التقي زوجته سرا ـ رغم أنه يعمل بالإمارة - بعد أن غادر شعبها الي حيث مباريات فريقهم الوطني المشارك في كأس العالم في إحدي الدول الأجنبية، فالرجل الذي كان يتحين الفرصة لرؤية زوجته، كان محروما منها بفعل الشروط القاسية للعقد، حيث كان شرط قبول الزوجة للعمل بإحدي القصور أن تكون غير متزوجة، لذلك فهي لا تستطيع الإعلان عن زيجتها والرجل لا يستطيع تجاوز أسوار القصر الذي تعمل فيه لأن ذلك يعني إنهاء عمل كل منهما.
وعندما حانت فرصة اللقاء بعد فراغ الإمارة من أهلها يكتشف الرجل عجزه التام عن معاشرة زوجته، ثم يتسرب الخبر إلي عموم الأجانب المقيمين، وبعد أن تتواتر أصداؤه، نجد أن الجميع يتشارك في الظاهرة وليس من تفسير للأمر. غير ان الروائي يفاجئنا بقراءة مختلفة، عندما ينقلنا إلي احدي المقاهي في الحي القديم بالإمارة، حيث يقيم معظم الأجانب، وحيث تبدو المناخات المحيطة أكثر إنسانية وشفقة بأهلها.
تبدو الصورة في المقهي أكثر عبثية مما يتصوره أي من الحاضرين عن مأساتهم حيث يقف رجل إفريقي أسود وسط حلقة من الحضور وإلي جواره طبق تسقط فيه الأموال المنتظرة لقاء العرض القادم، وبعد أن يشرب الرجل شايه ونرجيلته يقف وسط الحلقة ويندفع قضيبه إلي الأمام كعصا حديدية ثم يعلق فيه جردلا صغيرا من البلاستيك توضع فيه العملات فلا تقع علي الأرض، دليلا علي فحولته وقوة انتصابه، فيصاب كل الحاضرين بالذهول أمام ما حدث لهم.
ويبدو في اللحظة ذاتها أن سؤال الجميع يتمحور حول: لماذا هذا الرجل هو الذي احتفظ برجولته؟!
وهو سؤال نقيض للسؤال الأساسي الذي كان يجب عليهم طرحه وهو: لماذا خذلتنا رجولتنا؟!، أو لماذا فقدنا ذكورتنا؟!
وإن تبدي الأمر للوهلة الأولي وكأن ثمة فحولة فلكلورية يمكن أن ننسبها للسود الذين يشاع عنهم قوتهم الجنسية، فهو أمر مفهوم في الإطار الذي يحيل إليه الوعي الشعبي، غير أن السؤال الذي يعيدنا الي الأسباب هو الأحري بالبحث، إذن لماذا فقد رجال حقيقيون رجولتهم؟
هل لأنهم فقدوا حريتهم بينما هم أحرار؟، هل لأنهم تحولوا إلي خدم بينما كانوا سادة؟، فيصبح الجنس رديفا للرجولة، ورديفا للحرية، في الوقت نفسه، ويظل الإفريقي القادر علي الانتصاب والذي يبدو في الوقت نفسه أنه الوحيد الذي احتفظ برجولته، فهو الوحيد الذي لم يفقد شيئا، وكأن ثمة إشارة عكسية تشير إلي عبوديته الأصيلة، وعلي النقيض تماما يبدو الربط الوثيق بين القدرة علي الاحتفاظ بالذكورة وكأنه اختبار حقيقي لمدي القدرة علي الاحتفاظ بالحرية.
وعلي مسار آخر من الرواية تتجسد وتتكون علاقة أخري ليست بعيدة تماما عن الجرح العميق الذي تحفره دراما الأحداث.
فداخل قصر الأحداث تقبع المصرية زاهية إلي جوار سيدة الدار خديجة التي لا تنجب ولا يعاشرها زوجها بسبب سمنتها المفرطة التي تمنعها من الحركة.
أما الزوج فهو أحد الأثرياء الذي زاد ثراؤه أموال زوجته الثرية هي أيضا، وتبدو الزوجة في الجزء الأعلي من القصر أبعد ما تكون عن زوجها، هي تأكل فقط وتستحم وتشاهد التليفزيون، وتتسلي بحكايات زاهية أو حكاياتها المكررة والفقيرة لزاهية، والمرأة بطبيعة الحال لا تنجب، وزوجها يملك شقة بعيدة عن القصر يمارس فيها كل شيء مع أخريات وهي تعلم ذلك، لدرجة أنها التي دبرت له أول لقاء جنسي مع زاهية، بعد أن أشرفت بنفسها علي شراء قمصان نوم خاصة لها، بل كانت سعيدة بانطلاق هذه العلاقة بين زوجها وبين زاهية.
الأمر بعد ذلك يسفر عن كارثة أخلاقية، حيث تكتشف زاهية أنها حامل، وتحاول في البداية الخلاص من حملها فتتدخل الزوجة والزوج لمنعها علي أن تنجب ولدا يتم قيده بعد ذلك باسم الزوج والزوجة وتنتهي الرواية والولد ينظر شزرا إلي أمه الحقيقية التي لا يعرفها ويظل أسير المربية الانكليزية، والأم المزيفة خديجة.
وتنتهي زاهية جالسة في وضع حسير في حديقة القصر وخلفها في مصر زوج وابنه يكتفيان بالقروش التي ترسلها الأم الإمارة.
والتفكيك الذي تقدمه الرواية للعلاقة الاجتماعية في مثل هذه البقعة من العالم يعكس قدرا هائلا من الوعي الذي تؤكده السرود والبني واختيار الأبطال وحركتهم داخل الزمن الروائي ولتظل تتمحور هذه السرود حول تجسيد درجة عالية من التنكيل بالقيمة الإنسانية دون تعسف او افتعال أو خطابية، حتي أن حيدة الروائي محمد البساطي تكاد أحيانا أن تنتزع من الأحداث قدرا ليس قليلا من طزاجتها، لا سيما وأن البساطي يعتمد لغة متقشفة لا تشهد أية ترهلات، علي عادته في رواياته السابقة.
ويبدو مفهوم القيمة هنا مبعثرا ويواجه شتاتا واسعا وكأنه قيمة لا تعدو الإمارة كونها بوتقة له، وهو من هذه الزاوية لا يبدو وكأنه عمل من أعمال السياسة التي تستهدف الإدانة المباشرة، بل يجنح العمل الفني ـ بطبيعة وعيه المركبة ـ إلي انشاء وتكوين ما يمكن أن نسميه بالأجسام المضادة للتعري والمباشرة، فالمعني الإبداعي أعمق بالتأكيد من المعني السياسي، فالأول ينهض علي عناصر يغيب عنها الوعي المباشر بالمأزق المجتمعي لذلك فإن عناصرها تبدو أكثر إدراكا للمأزق الوجودي العميق وليس المجتمعي بمعناه المباشر، أما الثاني فينهض علي الوعي بالخطاب الجماعي المباشر الذي يجرح المعني، ويؤكده أو ينفيه. فرواية دق الطبول ليست إلا بنية واعية ـ بالمعني العميق ـ للهيكل المجتمعي البطريركي، الذي يلعب فيه الدين والموروث الشمولي والأبوية الأدوار الأساسية، لينقسم المجتمع، ليس إلي فئات ومهن وطوائف، ولكن الي سادة وعبيد، إلي أناس يرون أن عروقهم تسري فيها الدماء الزرقاء الشريفة، لأنهم غالبا ما ينهون نسبهم إلي بطون قريش وأشراف العرب والسلالة النبوية أو ما دونها من السلالات.
ومن نتاج هذا الوعي تتمحور وتتشكل العلاقات والبني الاجتماعية التي لا يمكنها إلا تزكية مثل هذه الفوارق المريعة وغير الإنسانية، المكرسة عبر قرون من الزمان، ويظل زمان الفن دائما في مدي قدرته علي اختراق وإعادة اكتشاف هذه البني التسلطية المتخلفة وغير الإنسانية دون صراخ أو ضجيج.

القدس العربي