العباس: محاولات كتابية تقاطعت في الخصائص ولم تأتِ بالجديد

الناقد السعودي محمد العباس

أمسية فارقة كسرت الشكل التقليدي للمحاضرات الثقافية تلك التي حظى بها حضور رابطة الأدباء ضمن جدول «شهر السرد» مساء الأربعاء الماضي في محاضرة ثقافية عنوانها «فن الكتابة خارج نسق البحر والنفط» قدمها الناقد السعودي محمد العباس حول الرواية الكويتية الحديثة من خلال ثلاثة نماذج تمثل الجيل الروائي الجديد في الكويت؛وهم سعد الجوير وبثينة العيسى وهديل الحساوي، وأدار المحاضرة الناقد فهد الهندال طارحًا في البدء الأسئلة المثارة حول الرواية الحديثة والمرجعيات التقليدية لها وكيفية تقييمها.

وبيّن العباس أن الورقة النقدية مقاربة لثلاث روايات اختيرت وفق خصائص مشتركة فيما بينها، لخصها بحضور«هاجس الكتابة» بشكل متضمن حينًا وتصريحي حينًا آخر، وذلك كما تماهى سعد الجوير في «باربار» مع إنكي بفعل الكتابة فامتثل إليه، وهديل الحساوي بكلام أرسطو حول الكتابة أيضًا.

وهي السمة الثانية المشتركة بين الروايات، حيث تعتمد الروايات الثلاث على تبطين العمل بإبراز الفرد مقابل المجموع والبحث داخل قيمة يؤسسها الفرد من خلال مطالبه الخاصة ومن خلال إبراز قيمه الذاتية بحس التفردن الطاغي على الرغم من أنه لا يرقى إلى مستوى الوعي والتعبير عن دستور الحرية الفردية، إلا أنهم من خلال الفرد يفتحون آفاقا سياسية واجتماعية وتداعيات لا تقر الرؤية الاعتباطية للموروث المشكل للمجال الاجتماعي.

الحاجة إلى الآخر

وذكر العباس أن الإعلان عن «الحاجة إلى الآخر» بكل أطيافه وخصوصا الآخر المستجلب من التاريخ أو من الآخر الغربي سمة مميزة للروايات، موضحًا إلى أن ذلك قد يبدو انزياحًا فيه ضرب من الرهاب أو الجهل بمكونات المكان، حيث تخلت هديل الحساوي في «المرآة مسيرة الشمس» عن التماس مع ملاحم «النواخذة» الممجدين كما كان في رواية الأديبة الكويتية فوزية شويش السالم التي اعتبرتهم «أسطورة الخليج»، إذ تطرح الحساوي الحكماء الأسطوريين ذوي الملامح الحياتية والكونية كسقراط وأرسطو وأثينا رجوعًا إلى اليونان.

ومن ذات المنطلق بين العباس اجتراح الجوير زيارة أسطورية إلى «باربار»، ليستبدل إله الأغوار السحيقة والمياه «إنكي» برحلات الغوص وعالم البحار التقليدي، وكذلك بثينة العيسى التي تطل على الماضي في «عروس المطر» من خلال «أبلة حصة» التي تختلف بمواصفاتها عن «وسمية» شخصية رواية ليلى العثمان «وسمية تخرج من البحر».

الانقلاب على المروي

وأضاف أن الروايات الثلاث تشترك في حس الانقلاب على المروي، وهو ما روي عن الكويت في مرحلة من المراحل «النفط وحكايات البحر» ولو كان بشكل بسيط، وهم غير معنيين بتحميل تلك العناصر مسؤولية خلق ظواهر الاغتراب الاجتماعي وإحداث الهوة بين النظامين القديم والجديد. واستشهد العباس بصرخة واعية في «باربار» الجوير التي تحتج على الإذعان لدورة الزمن، واكتشاف هديل «أن الشجاعة تكون في كسر الواقع المألوف» وتهريب البطلة من أكذوبة «القرية الآمنة».

التخفف من الإرث الاجتماعي والتاريخي

كما تميل الروايات المختارة كما عبر العباس إلى التخفف من الإرث الاجتماعي حيث لا تتحدث عن مضامين اجتماعية وليست مهجوسة بهذا الهم بتاتا، إضافة إلى أنها «مراودة الذات» عن الارتداد إلى التاريخ وتحطيم تقاليد السرد ورفض السطوة التلقينية الثقافية والروحية والمادية بشكل عام.

فالجوير لا يغادر راهنه كما أشار العباس من خلال التعاطي مع المادة التاريخية بالشكل التقليدي فيشير إلى تعلم «الغوص» من خلال كلكامش عن طريق أوتنابشتي، وهديل تضمن تاريخها الشخصي داخل التاريخ العام، وبثينة.

المرجعية السسيولوجية

ويؤكد العباس أن الروايات الثلاث تحاول البحث عن مرجعية سسيولوجية مختلفة عما كانت عليه في السابق، وهي «البحر» أولاً ثم «النفط»، مشيرًا إلى أنها تعادل «المخيم» كمرجعية سسيولوجية للروايات الفلسطينية، و «الحرب» للروايات العراقية، و«الحارة» للمصرية، مبيًنا وجود تيار جديد يحاول أن ينقلب على هذه المرجعية السسيولوجية وإنتاج مرجعية جديدة إلى حد ما أشبه ما تكون بـ «الهوية»، وهي في حالة صيرورة، وهذه الرواية تحاول أن تقبض على هذه الهوية، أو هذه الصيرورة وهي في لحظة «صيرورتها». وفرق العباس بين هذا النزوع لإنتاج المرجعية الجديدة المزعزعة لقدسية المكان وبين التمسك بها كما في روايات طالب الرفاعي وناصر الظفيري ووليد الرجيب.

لغة مجتمعية

ولفت العباس إلى وجود «لغة مجتمعية» جديدة داخل هذه الروايات تم التواطؤ على تشظيها من قبل جيل مغاير، تركزت في النماذج الثلاثة، وجاءت بشكل أقل في روايات أخرى كرواية ميس العثمان «عرائس الصوف» حيث يرى أنها لا تتقاطع مع هذه الأعمال تماما ولكن فيها بعض الزحزحة عما تم التوارث عليه. واستشهد العباس بمقاطع وإشارات من الروايات المختارة في حديثه عن الخصائص المشتركة في ما بينها واصفًا إياها بالتمارين الكتابية، مبينًا أن تلك الذوات الروائية لا تملك حلا جاهزًا ولا تعي بدقة ما تبحث عنه بقدر ما تعيش من خلال حضورها النصي علاقة استبدالية مع المجتمع محتمة برؤية تعكس رؤيتها للعالم وتفاعلها مع المجتمع، وأنهم لم يسردوا شيئا بقدر ما تدربوا على الكتابة، مركزا على أنها أهم مآزق الكتابة الروائية الكويتية الحديثة، فتلك الهوية التي يحاول الروائيون البحث عنها ليست قارة بقدر ماهي آخذة في التشظي حيث إنها تقدمت في منطقة هي أشبه ما تكون بالتعالي العمودي أي الوعي بتفاهة القيم وموتها العام والتطلع الرومانتيكي إلى قيم مجهولة وخفية في آن واحد.

صراحة.. وانزعاج

حاور «العباس» الحضور بثقة واقتدار رغم تباين أراء المحاورين في مسألة «النقد» و «النماذج المختارة» و «عنوان المحاضرة» بشكل ميز المحاضرة بكمّ الصدقية فيها والصراحة وخاصة فيما يتعلق برأيه في النتاج الأدبي مما أزعج البعض بشكل ملحوظ.
أفراح الهندال.
أوان الكويتيه