رواية «بنت الجبل» لصلاح القرشي... فن التأمل الهادئ في حياتنا غير الهادئة
فهد العتيق


تأمل قلق وأسئلة عالية جعلت أجواء السرد وصوته الخاص عند صلاح القرشي تكون أقل غنائية وأكثر ألماً، وهي تنتقل من عالم القصة القصيرة، إلى عالم أكثر اتساعاً، يبدو فيه صوت الراوي وزمنه ومكانه أكثر وضوحاً، وأيضاً علاقاته بالآخرين، في روايته «بنت الجبل»، هذا الصوت نلاحظه في جميع فصول الرواية بقدراته الدقيقة في المراقبة، يرقب كل شيء حوله بعينين يقظتين جداً، قد نعتبرهما روح النص.
من هنا ينطلق صلاح الذي عرفناه قاصاً بالصوت الهادئ في مجموعته القصصية «ثرثرة فوق الليل»، إلى أفق أوسع وأكثر جدة، في مشوار سردي واعد بتقنية جديدة في حياتنا الأدبية هي التلقائية، التلقائية التي شعرنا بها عند أمل الفاران في روايتيها «روحه الموشومة بها» والثانية «كائنات من طرب»، إذ أبدع الحوار بلغته البسيطة غير المتكلفة والأداء السردي الجميل، ووفاء العمير «في حدة الأشواك»، وليلى الجهني في «الفردوس اليباب»، ورجاء الصانع في «بنات الرياض»، وعبدالواحد الأنصاري في «أسطح وسراديب»، ومحمود تراوري في «ميمونة»، ويحيى أمقاسم في «ساق الغراب» التي كانت متحررة من مشكلات المبالغة واللغة المتكلفة في كثير من روايات الجيل السابق، وهذا على سبيل المثال الواضح، أدب جديد جعلنا نبتهج قليلاً بأدب غير مفتعل على وشك النهوض في حياتنا الأدبية.
هل يمكن القول إن الروح البسيطة غير المصطنعة لحارة الجبل، وعفوية المكان التي تم افتقادها في حارات مكة، عوضتها عفوية الكتابة في رواية «بنت الجبل» لصلاح القرشي؟ قد نقول لا، للأسف، فقد هجم الاسمنت والزجاج والمطاعم السريعة والحياة الاستهلاكية، مثلما هجمت الأحداث السياسية وضربت روح وعفوية المكان ونفسيات أبطاله، بحالة قتل صغيرة، لم تقض على كل شيء، فرغبات العيش أقوى من ظروف الحياة المادية.
لكن على مستوى الكتابة الفنية، ربما منذ عقدين، وحتى الآن، والأداء السردي في معظم قصصنا ورواياتنا السعودية يفتقد العفوية والسلاسة والتلقائية، وخلال الفترة الأخيرة لاحظت في قليل من الرواية السعودية الجديدة شيئاً مختلفاً وطازجاً ومتجدداً، وجدت روحاً جديدة، تؤكد أن عفوية النص تريد أن تنهض من عثرة قديمة، إنها تمثل بلا جدال مرحلة جديدة فعلاً، روايات مبهجة، تعتبر نماذج لسرد، إذ تحرر من الافتعال والمبالغة والتكلف والمصادفات المقصودة والأحداث غير المنطقية، مثلما تحرر من لغة البلاغة القديمة ولغة الصحافة التقريرية المباشرة.
بإيجاز اعتمد الكاتب في الأداء السردي لروايته، وفي بناء العلاقات بين شخوص «بنت الجبل»، على الحكايات الصغرى التي تتنامى لتشكل مكتملة حكاية بنت الجبل، وذلك من خلال الحكي في الفصول الذي تناوبه شخوص الرواية حسن وشيخة وعبدالله وهشام وسلوى وطارق ونرجس، سردوا حكايتهم مع حارة الجبل، مستعيدين أحداثاً كثيرة مرت بهم ورفدت علاقاتهم الحميمية الخاصة.
وربما كان واضحاً استعادة حياة الطفولة، تلك المنطقة الخصبة من حياة الإنسان، إذ تناوب الحكي كل من حسن وشيخة التي صبرت على زوجها حتى أنجبت أربعة فانكفأت تداوي جراحها، ثم عبدالله وحكايته مع نرجس ابنة الجيران، لكن المؤلم دائماً هو حاراتنا التي لا تستقر على حال، كأنها حالاتنا النفسية المرتبكة دائماً، إذ تبدو الحارة وقد غيرت جلدها ولونها ورائحتها، هذا التغير وعدم الاستقرار له آثار نفسية سيئة على أهل الحارة، حين تفقد الحارة استقرارها يفقد الناس استقرارهم، وهذا ما حدث فعلاً لكل حاراتنا في العقود الثلاثة الماضية، ومن هذه النقطة تطرح الرواية أسئلة غاية في الخطورة عــــن احتمالات ســـيئة لنفسياتنا، حيـــن غـيـــرت الحارات جلدها فتباعد ناسها وفقدت حميميتها والفتها. والأسوأ فقـــد النــــــاس لتعارفهم القديم الذي هو ركيزة حياتهم الأسرية والاجتــــماعية، في أوقـــات صعبة وظروف أكثــــــر صعوبة. وقــــد لفتني فنياً الحركة الهادئة للأداء السردي وملاحظته للتفاصيل الصغيرة في الحي بعين يقظة، وكان الجدل الصغير عالياً حول شخصيات تألمت من ظروف الواقع الموضوعية المحيطة، التي كانت ظروف عدم استقرار على كل المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، هذا العدم استقرار هو الذي ساهم في توتر النفسيات، فضلاً عن عدم تقدمها خطوة إلى الامام اجتماعياً وثقافياً، إذ لم يعد هناك وقت ما لنهضة أسرية أو اجتماعية صغيرة تقرب بين الناس، لكن كانت هناك أحداث تزلزل القلوب والأرواح، وتجعل الإنسان في حال من عدم الاستقرار النفسي والذهني، مثلما كانت هناك حركة فنية على وشك النهوض في النص.
كان ينقصها التداعي السردي الحر، الذي يفتح الآفاق للأسئلة والرؤى الفلسفية في مختلف مجالات حياتنا الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة على الدوام، إضافة إلى ضرورة أن يتخلى المناخ الفني العام عن سكونه قليلاً لفتح آفاق رؤى جديدة، في نص أفرحنا كثيراً ونحن نراه يقبض على أسرار الكتابة التلقائية بعيدة عن التعقيد والتكلف والمبالغة والافتعال، تلك التلقائية التي كانت بطلاً فنياً جميلاً في رواية تحمل على كاهلها عبء حارة فقدت شخصيتها وناسها، ولم يعد لها سوى أن تبكي بروحها على واقع صعب أفقد المكان نكهته وطزاجته وأغانيه وعفويته ورائحته.
مـــن أجواء الرواية الجميلة نلاحظ في البدء، شاباً يخرج من السجن تواً لكنه يحتار إلى أين يذهب، وحين ينزل في حي الخانسة، تبدأ آلة التذكر في العمل، تذكر كل الأماكن التي تركها ماذا حدث لها: «بعض النور يتسرب من لمبة صغيرة على باب الغسال، فيما يلف الظلام بيتنا والباب الخشبي مربوط بسلسلة متهرئة سحبت الحديدة التي تربط الدرفتين ودخلت». لكن مقبرة الخانسة ظلت ترحب بكم ليلاً ونهاراً، العبارة التي كتبها احد أصدقاء الطفولة، ومن هنا يبدأ الطريق إلى حارة الجبل، إلى حكايات فقدت روحها: «لا أثاث، أوراق صحف وأكياس متناثرة، هدوء مرعب وظلام وحتى أصوات الكلاب التي كان يمتلئ بها الجبل اختفت، رائحة رطوبة وعفن تملأ انفي، كم تشبه رائحة السجن، ولا ماء فالمغسلة بدت ناشفة ومحملة بالأتربة».
شيخة شقيقة حسن التي تزوجت زواجاً تعساً ظلت تزوره في السجن وأخبرته أن سلوى طلقت، وصديقه عبدالله كان يزوره أيضاً: «تزوجت شيخة ولم أر في عينيها منذ زواجها سوى التعاسة والحزن حزنها عميق ومقيم ولا حل سوى تقبل الحياة وتعود القيود واغتنام اللحظات التي تأتي كنسمة صيف».
الصور الحميمة تتوالى، فتمسك شيخه بزمام الفصل الثاني ضميراً للمتكلم، شيخة التي أنجبت ابنين وبنتين، تزوج زوجها عساف وأهملها، هو عساف الذي يسمي الصور أصناماً، الراديو الذي فوق الثلاجة دائماً يصدح ببرنامج البيت السعيد.
لكن حسن يسقط في فخ جماعة جيمان الإرهابية، ها هي صورته في الجريدة، الراوي يعود للمراقبة الدقيقة للحي، يسرد حكايته مع عبدالله بطريقة الاسترجاع أو التذكر، لقد ذهب بسبب الفراغ الروحي وحاجته إلى أن يكون مهماً وان يختلف عن الآخرين، نقطة غاية في الأهمية، الفراغ الروحي لدى شباب الحارات، أنهم جاهزون لمن يلتقطهم، لا يوجد نشاطات اجتماعية في الحارة، كيف تنشط الحارة اجتماعياً وهي موعودة بزلازل ومفاجآت متتالية، لا توجد أندية، لا يوجد اهتمام حقيقي بمواهب المراهق، حارات كأنها تعيش خارج الزمن أو خارج العيش أو خارج المدن في صحراء جرداء، ضياع كامل في الحارات، الذاكرة تمر بنرجس، لكن العراق يحتل الكويت ويفسد كل شيء في حياة حارة الجبل، الحارة بدأت تتغير أو تخلو بعد غزو العراق للكويت، وجارتهم أم عبدالله تبدأ تدابيرها المهمة خوفاً من صواريخ صدام. هكذا تتواصل صور سردية غاية في الهدوء، بلا مبالغات وبلا افتعال، في رواية، بقلم يعدنا بالأكثر جمالاً في نصوص جديدة.


الحياة 9 ربيع الثاني 1429هـ