"عندما خرجت بطلة هنريك أبسن (نورا ) من بيت الدمية ، وصفقت الباب وراءها ، كانت قد فتحت باباً آخر على زمن عاصف بأغنيات النساء ،فمن يستطيع أن يغلقه !!!"
هامش على زمن الرواية
( التجربة النسوية )
( التجربة النسوية )
1/7
الآن ، وحتى إشعار آخر ، لا توجد مقولة أكثر مركزية وعمومية من :" زمن الرواية " ، ونتيجة للتمرير العفوى، وغياب الاختبار النقدى الجاد للمنتج الروائى المصرى ، من حيث ندرة الكتب والدراسات التطبيقية ، فإنه يمكن ملاحظة ، أن المقولة تعيش فى أفق نظرى بحت ، وتختبر فى كل مرة عبر سياقات شفاهية فى الندوات التى تنظم على نحو احتفالى بكل إصدار روائى جديد ، وفى أفضل الأحوال ، تأتى المتابعات الإعلامية التى تردد المقولة على نحو مفرط ، لتؤكدها بقين ، وكأننا بمجرد النطق بها ، فإن معنى واضحاً يستقيم فى وعينا عن زمن الرواية .من غير أن ننتبه ، إلى أن هذا التداول والشيوع البدهى ، يضع المقولة فى أفق من الالتباس والغموض . فالأشياء المعرفة بالبديهة، لا تقل غموضاً عن الأشياء غير المعرفة أصلاً . فنحن لاننتبه إلى التركيب المجازى الخلاب للمقولة ، التى تجعلها خفيفة على اللسان والذهن كأى مسلمة ، بحيث لا نعطى أنفسنا فرصة اختبار حدودية الزمن المقصود هنا وشروطه الثقافية . فنطريا يمكن استخدام نفس المقولة فى أى زمن آخر غير الزمن الذى نعيش ، بمعنى أنه ، يمكن لها أن تمتد إلى أزمنة مستقبلية .
إنها مقولة تعكس ذهنية بنيوية عظيمة ، انتهت من تصنيف الحراك الأدبى ، ونظمه على نحوهرمى ، بحيث توضع الرواية على قمته . وهكذا ، فبعد أن يقطع العالم شوطاً فى تفكيك المقولات المركزية تعود بنا المقولة إلى اختزال الحراك الأدبى فى معنى بسيط ووحيد .
وزمن الرواية كأى مصطلح مهيمن ـ وفقاً لدريدا ـ يعتمد على تعريف فرعي أو أصطلاح تابع وداعم له ، بمعنى أن المصطلح المهيمن يكتسب مكانته من علاقته بهذا التعريف الفرعي أو المهمش ، ومن ثم فإن مقولة مثل زمن الرواية ، تضمر معنى آخر ، أنه ليس زمن القصة القصيرة ـ مادمنا نحتكم إلى النوع ـ أوإنه ليس زمن الشعر ، على نحو مضمر يشى به قولنا : إن الرواية هى ديوان العرب . وهوقول يوحى بأن الرواية العربية قطعت شوطاً بعيداً يضعها على خريطة الأدب العالمى ، وهوزعم يعوزه الدليل . فزمن الرواية العربية ، وحتى الآن ، لم ينتج مشروعاً جمالياً يماثل أو يقارب رواية أمريكا اللاتينية مثلا .أو مشروع الراواية الأوربية الحديثة الذى حدد ملامحة فى السبعينيات من القرن الماضى منطلقاً من حبكات بوليسية بسيطة إلى أفق معرفى واسع ومعقد على نحو ما تمثل له روايات : " شرف كارنينا بلوم ـ العطر ( قصة قاتل ) ـ اسم الوردة ـ شيفرة دافنشى ، ثم أسمى احمر وثلج لأورهان باموق وغيرها .. " .
وثمة مفارقة ، فخلال ما نتحدث عنه بوصفه زمن الرواية العربية ، فإن التمثيل البازغ له ـ عالميا ـ يأتى من زمن سابق على زمننا هذا ، وأعنى به رواية عمارة يعقوبيان التى اعتمدت مشروعاً جمالياً لايختلف ناقادان ـ وليس هذا حكما بالقيمة يخرجها من الصفة الجمالية ـ على أنه ينتمى لمرحلة تم تجاوزها واستهلاكها فى الماضى .ولسنا بصدد الطعن فى رواية حازت اهتماما ًملفتاً ، غير أن هذا الاكتساح القادم من الخلف ، يعنى أحد أمرين :
ـ إما أن ما نتحدث عنه بوصفه زمناً للرواية العربية هوكيان هش قابل للتداعى
ـ إما أننا نفتقد إلى معيار دقيق قادر على تسمية زمننا هذا .
والأمر الثانى هو الأقرب لتصورى ، ليس من قبيل التفاؤل ، بل لأن الرصيد الروائى العربى شاهد على تطوره وتجلياته عبر الأجيال المتعاقبة بما يستحيل تجاهله، وبما يعنى أنه يتحرك وفق سيرورة متنامية غير مطمئنة ، وهذه الصفة ( عدم الاطمئنان ) هى ما تعطيه دافعية الوجود والاستمرار . أما هذا الاطمئنان لزمن الرواية ، فشواهده شفهية وإعلامية بالدرجة الأولى ، فضلا عن النشاط التسويقى لبعض دور النشر . يحدث هذا فى غياب حراك نقدى حقيقى يختبر المقولات والمصكوكات التى احتشدت بها حياتنا الأدبية ، والتى تظهر كمرادفات لزمن الرواية ، من قبيل : رواية التسعينيات أو الرواية الجديدة .
وقد يكون من المناسب ، النظر للأمر على أن الرواية العربية تبحث عن هويتها أو عن مشروعها الذى يميزها فى عالم يتعاطى السرد على نطاق واسع ، متسم بالتعدد الثقافى والتنوع الوسائطى ، فالسرد لم يعد شأنا أدبيا خالصاً ، وكأننا نعيش زمن السرد فعلا ، وهو تعريف يخلصنا من حاكمية النوع ، والتراتبية الهيراركية التى نجدها فى مقولة ( زمن الرواية )، بحيث يمكّننا من النظر إلى مدخولات سردية جديدة ، ليس فقط فى الأنواع الأدبية والفنية القديمة كالشعر والقصة بطبيعة الحال ، بل وفى صناعات إبداعية جديدة كالسينما والفيلم الوثائقى والفديو كليب وبرامج الجرافيك التى تنهض على محاكاة الواقع المعاش بآخر افتراضى وتدخل فى برامج التعليم والتدريب لقطاعات عملية واسعة .
ولعل هذا الانفجار التقنى للسرد له شواهده فى السرد التقليدى . من حيث تقاطعه مع السرديات الكبرى أو المؤسسة تاريخياً ، والتى أبرزها مؤسسة النوع التى نهضت على معنى ذكورى ، حيث يمكن ملاحظة الحضور الفذ للمرأة فى هذه الصناعات الإبداعية الجديدة ، بما يشير إلى أن زمن السرد الذى نقصده هنا ، يضمر زمنا آخر هو زمن النساء .
ولسنا بصدد الكلام عن الحركات النسوية وقدر استفادتها من السرد الجديد ، بقصد خلخلة المركزيات السردية القديمة التى تأسست على هيراركية الأنواع . وكنا ، وفى مناسبة سابقة * ، أشرنا إلى الثورة التقنية التى حملتها القصة القصيرة وسربتها إلى الرواية . فالقصة القصيرة بمثابة معمل الطاقة الذى يغذى الرواية ويمنحها تلك العافية التى نشهدها الآن ، وكأن الأسد ليس سوى مجموعة خراف مهضومة . إن هذه الإشارة لازمة إذا ما أردنا تحليل الخطاب الروائى المعاصر ، وحتى لاننسى ـ تماما ـ دور القصة القصيرة فى صخب الاحتفال بزمن الرواية .
غير أنه ـ ونحن بصدد الكلام عن السرد الروائى ـ لايمكننا تجاهل هذا الحضور المزدهى للرواية النسوية فى المشهد الروائى العربى ، وهو حضور لم يكتف بالتمثيل المشرف للمراة ، بل ينقلها من الهامش إلى المتن ، من حيث قدره الخطاب الروائى النسوى على خلخلة كثيراً من المركزيات البنائية المعتمدة قبلاً فى مفهوم النوع الأدبى ، وضلوعه فى ضرب البنيات الرأسية والمؤسسة فى التاريخ الثقافي ، والنيل من شرطى الفحولة والاكتمال الذكورى ، فضلا عن الاحتفاء بما هو ذاتى وشخصى ، والاعتداد بالخبرات الخاصة / النوعية التى كان ينظر إليها من قبل على سبيل العادى* ومخاتلة السموق اللغوى بنبرات الارتجال العفوى والتقريرة اليومية . وغير ذلك من المدخولات التى مررتها كتابات النساء ، وأصبحت ـ فى حد ذاتها ـ علامة على تطور الرواية التى نكتبها الآن بغض النظر عن جنس كاتبها .
وإذا كانت الكاتبات دأبن على تناول التجارب التى تعبر عن نمط الخبرات النسائية الخاصة بما يمكنهن من التعبير عن أنفسهن ، وبما يدخل سردهن فى أنماط من التعبير الشعرى ، كما نجد فى روايتى : الأراولا وسحر التركواز لكل من ( منى الشيمى ومى خالد) ، فضلا عن نزوعات البوح والاعتراف والتسجيلات اليومية والسيرة الذاتية كما نجد فى روايتى : الحكى فوق مكعبات الرخام ويوميات امراة مشعة لكل من ( نهى محمود ونعمات البحيرى ) ، فهذا لايعنى عزوف الكاتبات عن تناول التجارب العامة التى بدت تمثيلاً حصريا للكيان الذكورى ، كالمجتمعات العسكرية ، ومجالات العمل ، وتجارب السفر إلى الخارج ، والممارسات الدينية والطقوسية ذات الأداء الذكورى كحلقات الذكر ، وحيث يكون للمرأة فى مثل هذه المجتمعات دور التابع ليس إلا ، أو على حد وصف ( بام موريس )(1) إن النساء اللاتى شاركن فى اعتصامات الطلاب بفرنسا 1968 ، وتمكّن من إسقاط حكومة ديجول ، أصبن بصدمة كبيرة من زملائهم الرجال ، عندما بدا الأمر بعد ذلك ، أن الرجال هم الذين كتبوا البيانات ، وغالباً ما أدركوا النساء على أنهن اللاتى يصنعن الشاى .
ومن الطريف أن تتناول الكاتبة ( هويدا صالح ) فى روايتها عمرة الدار ، تجربة التصوف ، وهى تجربة ممهورة بطقوس ذكورية تتناسب مع طابعى القداسة والطهر الذى منحته الثقافة الدينية الشعبية للرجال وحجبته عن النساء بوصفهن ناقصات عقل ودين . مع العلم ، أن التاريخ يسجل رابعة العدوية نموذجاً لأول تجربة تصوف فى التاريخ العربى الإسلامى ، ومغزى اقتحام ( هويدا صالح ) لهذه التجربة ، هو فضح طهرانية هذا العالم ، وحيث تكون النساء هن أول ضحاياة أو بمعنى آخر ، هن الشهيدات الحقيقات لهذا العشق الإلهى .
وفى سياق آخر تتناول عزة بدر تجربة السفر للخارج ، التى مازالت محاطة بقوانين تحد من حرية المرأة فى السفر بوصفها تابعا لزوجها ، فضلا ً عن أن بعض المجتمعات العربية الرديكالية مازالت تشترط على المرأة اصطحاب محرم ، وهكذا تتجاوز كتابات النساء حدود التعبير عن الذات ، لتبدأ الضرب فى عمق الموروث الذكورى ، وفى أعتى مؤسساته .
وسوف نتناول ـ فى هذه الدراسة ـ قراءة فى عدد من الروايات التى كتبتها نساء حرصن على تسريب وجهات نظرهن سواء فى تجاربهن الخاصة أو فى رؤيتهن لطبيعة وظروف المجتمع من حولهن ، إنهن كاتبات شابات ـ عادة أسهمن فى دفع تجربة الرواية المصرية فى مجملها إلى أفق جديد ، وهن : " هويدا صالح ـ منى الشيمى ـ عزة بدر ـ نعمات البحيرى ـ مى خالد ـ نهى محمود ـ نورا أمين ـ جمالات عبد اللطيف " .
