ذهاب للمحتوى


صورة

وشم الأميرة


  • Please log in to reply
28 replies to this topic

#1 شريف صالح

شريف صالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3783 المشاركات:

تاريخ المشاركة 16 November 2007 - 07:36 AM

وشم الأميرة


إلى شاهر خضرة وحده


(و)

"وهم.. وهم"! رددها كثيراً الدكتور علي أبو الريش شيخ مؤرخي الأسرة العلوية التي حكمت مصر قرابة مائة وخمسين عاماً. وضرب مجلداً ضخماً على مكتبه كلما نسب صحفي، يجري معه لقاء، حكاية أسطورية جديدة إلى أميرة تدعى فوقية حيرت سيرتها عدداً من المؤرخين. لكن أبا الريش نفى وجود أميرة بهذا الاسم بين أميرات الأسرة الكبيرة بفروعها السبعة. وعارض بحدة أستاذاً جامعياً شاباً أكد لأكثر من صحيفة متحمساً أن البرنسيسة فوقية تنحدر من فرع السلطان حسين كامل، الذي حكم مصر فترة قصيرة قبيل ثورة 19 وكانت صورته تطبع على الجنيه والنكلة والمليم، وأنجب خمس بنات وولدين مات أحدهما طفلاً، قبل أن ينتقل الحكم إلى فرع الملك فؤاد آخر فروع الشجرة العلوية.

سر تشكيك د. أبو الريش في وجود شخصية حقيقية تحمل اسم "فوقية"، لأن العائلة لم تعرف انتشار الأسماء البادئة بحرف الفاء إلا في عهد فؤاد الذي ألزم رجال الأسرة الحاكمة بهذا التقليد. هو نفسه سمى وريثه الوحيد باسم فاروق الذي أنجب بدوره أميرات البيت العلوي الشهيرات فريال وفوزية وفادية. حتى أم البنات الثلاث الملكة صافيناز ذو الفقار غيرت اسمها إلى الملكة فريدة.

البرنسيسة فوقية كانت نسخة مطابقة في جمالها وحسنها من الإمبراطورة فوزية شقيقة فاروق التي جلست على عرش إيران بعد زواج لم يدم طويلا من شاه إيران. فهي آية في الجمال، وحسب الصورة الوحيدة التي عثر عليها الباحث الشاب، فإن جبهتها ناصعة البياض وذقنها مسحوب باستدارة فاتنة يزيده طابع الحسن جمالاً، وجهها يشبه للوهلة الأولى طلة المغنية الشهيرة أسمهان، لكن وجه البرنسيسة أكثر امتلاء ونضارة. أنفها شامخ دقيق يوحي بقوة شخصيتها واعتدادها بنفسها. حاجباها رفيعان، مرفوعان ومرسومان بدقة تعطي للجفنين مساحة تلاءم اتساع العينين اللتين تطل منهما نظرة نورانية مزيج من رقة وكبرياء، بينما يتموج شعرها الأسود الفاحم، الخشن قليلاً، محيطاً بها كالهالة، وتداعب أطرافه كتفيها العاريين، حيث اعتادت فوقية أن ترتدي فساتين مفتوحة من أعلى، كالتي نراها في أفلام ليلى مراد، لتظهر كتفيها الممتلئين، دون زيادة أو نقصان. أجمل ما فيهما هذا الاتساع الذي ينتهي باستدارة وامتلاء، كأن الذي صاغهما نحات ماهر يعرف مكامن سحر الأنثى.

من عادة فوقية، كما يذكر المؤرخون المتحمسون لإثبات وجودها، ألا تقابل ضيوفها إلا في كامل أناقتها، على رأسها تاج من الألماس المرصع بالأحجار الكريمة، وثوبها النبيذي اللامع يرسم للغواية تضاريس على الجسد. تتدلى من عنقها، كلما هزت رأسها بأنفة لتحية الضيوف، قلادة تتوسط سلسلة رقيقة من الذهب الأبيض. أكبر الشوارب في مصر المحروسة كان ينحني لذات الرداء النبيذي، ويقبل ببطء أناملها الطويلة وهو يمني النفس بجلسة خاصة في مخدعها الأسطوري. ومن صدته بإشارة من أصابعها المضمومة سرب للصحافة المناوئة للقصر أن البرنسيسة "ف" لا تقرأ إلا الروايات الفرنسية الماجنة.

في هذا الزمن، اعتاد أمراء وأميرات العائلة العلوية، بناء قصور آية في الفخامة مثل قصر محمد علي المطل على نيل المنيل والذي حوى نباتات وأشجاراً جُمعت من بقاع الأرض بعناية فائقة، وقصر المنتزه الذي بناه فاروق المعظم على بحر الإسكندرية. ومعظم هذه القصور العامرة انتشرت أضواؤها على النيل أو البحر المتوسط، لكن فوقية التي تتسم حياتها بقدر كبير من الغموض، أمرت عبيدها والفلاحين الأجراء لديها ببناء قصر من طابقين لها على حافة عزبة نائية تقع على أطراف مديرية الشرقية، وسط الدلتا الخضراء، ويفصلها عن صخب القاهرة حوالي مائة كيلو متر. طبعاً لم يجرؤ أحد أن يسألها عن سر الهروب إلى هذا المكان الريفي المنعزل وهي النجمة في حفلات النبلاء والباشوات الصاخبة! ولم يتأكد الكلام حول صدور تعليمات من القصر بأن تذهب بفضائحها بعيداً عن عاصمة جلالة الملك فاروق المعظم.

"قصر البرنسيسة"، هكذا يسميه الفلاحون، مازال قائماً حتى اليوم، مسوراً بأشجار الكافور العملاقة، بما لها من رائحة قوية ومحببة. خلفها قضبان حديدية كالحراب المشرعة فوق سور أسمنتي غليظ ومرتفع لأربعة أمتار. في الواجهة ساحة كبيرة تتوسطها نافورة بيضاء تنثر الماء على صورة شجرة لبلاب. على حافتها يقف كيوبيد ـ شاباً مفتول العضلات وليس طفلاً ـ فارداً جناحيه الملائكيين الصغيرين، بينما رأسه يميل نحو فتاة استلقت تحت زخات النافورة واستسلم جسدها العاري بين ذارعي كيوبيد الذي ينتصب منتشياً كأنه محارب روماني. يضع قدماً على حافة النافورة وأخرى معلقة في الهواء. ويسند بيده اليسرى ظهر الفتاة حتى لا تغرق في ماء النافورة. تنتهي خطوط التمثالين العاشقين، عند قبلة خالدة وعناق غير مكتمل.

في الفناء الخلفي للقصر الملون بالأبيض الشاهق، "براجة" حمام، مسحوبة لأعلى كمغزل صوف مقلوب، ومثقوبة بعشرات الفتحات. تبز منها قوائم خشبية صغيرة يحط عليها الحمام متأملا زرقة السماء الصافية، ولا يكف عن الهديل منذ شروق الشمس. "البراجة" أعلى معالم العزبة، تفوح من حولها في بقية الفناء خليط من روائح الأوركيد والأقحوان والليمون. في واجهة القصر تم تخصيص مساحة كبيرة ل "الكرتة"، لأن البرنسيسة فوقية لم تكن تملك سيارة، بل تقضي مشاويرها فوق "كرتة" مسقوفة تماماً بحيث لا يظهر من بداخلها، يقودها حصانان وسايس عجوز. صحيح أن لها أربع عجلات، صغيرتان في الأمام وكبيرتان في الخلف، لكنها تختلف عن "الكرتة" العادية نصف المسقوفة والتي يجرها حصان واحد.

"كرتة" البرنسيسة أقرب إلى غرفة مغلقة ذات نوافذ وتشبه طراز سيارة فورد التي انتشرت في العشرينيات من القرن الماضي. وكان كل أهل العزبة يستيقظون في الليالي المقمرة على وقع حوافر الحصانين يجريان بأقصى سرعة حتى تقدح حدوات الحوافر شرراً. يسمع الفلاحون فرقعة السايس بالسوط وضرباته المتلاحقة، الصهيل الغاضب، اصطكاك العجلات بأرض صلبة. أصوات صاخبة ليلية مثل لحن بري متوحش، يخالطه أنين القطار القادم من القاهرة أو عواء ذئب البراري. إنها الأميرة تعود ليلاً من سهرة غامضة، قبل أن تصيح الديكة لطلوع الصباح، وهي تنفض عن ريشها الملون قطرات الندى.

أما بيوت القرية فهي من طين، وذات طابق واحد، معروشة بالقش والحطب، وجميعها ملتصقة ببعضها البعض تتساند رغم هشاشتها ضد المطر والريح. أحياناً تشتعل نار الكانون في أحدها فتلتهم معه بيتين أو ثلاثة. كلها معاً تشكل حدوة حصان، حول زريبة كبيرة فيها مائتي رأس من البقر والجاموس والضأن، تملكها البرنسيسة، التي تضمن بذلك ألا يسطو عليها قطاع الطرق ولصوص الماشية، فبيوت الأجراء تمثل سياجاً للزريبة، مفتوحاً على باب وحيد يتسع لعربة بحمارين، محملة بالبرسيم والذرة الخضراء. يجلس وراء الباب خفير نظامي معتمد من الداخلية، مسلح ببندقية بروحين. يعرف كل رؤوس العزبة من بشر وحيوانات ومواعيد عودتها من أبعدية البرنسيسة الشاسعة، ومتى تستحم كل امرأة لزوجها، بصابونة نابلسي، في ليالي الحصاد.

يأتي أذان العشاء شجياً بصوت الشيخ رفعت، إذ ينبعث من راديو مخفي في علبة خشبية كالحة اللون، ولا يوجد غير نسخة يتيمة منه في بيت شيخ العزبة وناظر الزراعة لدى البرنسيسة. اعتاد الفلاحون أن يحددوا مواقيت يومهم، القليلة جداً، حسب ما يبثه الراديو من برامج وآيات الذكر الحكيم. يفتحونه بحساب حتى لا تنفد البطارية. ما إن ينتهي الأذان، يكون كل فلاح حلب حصته من أبقار البرنسيسة وجواميسها، وحملت امرأته طواجن الحليب الدافئ إلى بيت شيخ العزبة، دون أن تخلط طاجن اللبن الجاموسي بطاجن اللبن البقري. يسري في الأطراف خدر النعاس اللذيذ حتى قبل أداء الصلاة، ومع إجهاد يوم شاق ما بين الزريبة والغيطان، ورائحة الروث المنبعثة من الزريبة الكبيرة باتجاه مسام كل بيت، يشعر أهل العزبة أن النوم المبكر هو الخلاص من كل هذا العناء، ومن تلك الرائحة التي تسكن تحت جلودهم حتى لو استحموا بماء الورد. ولأن ضجيج تناول وجبة العشاء على لمبات الكيروسين نمرة أربعة، يكون خفيفاً، يسمع الجميع، بين نائم ومستعد للنوم، "كرتة" البرنسيسة" وهي تنطلق إلى مجهول لا يعرفه أحد، خصوصاً في ليالي الصيف. تلسع "الكرتة" الأرض خفيفاً، وتخرس قرقعتها المنتظمة ألسنة الشائعات التي تهمس بحذر شديد أن البرنسيسة تواعد شاباً وتقضي معه الليالي المقمرة عاريين قرب أمواج البحر المالح.

السايس النوبي العجوز صموت، لا يعرف أحداً في العزبة. حتى تحية " السلام عليكم" يبخل بها على أي فلاح يمر به، مهما بحلق في عينيه طويلاً. لذلك لا يصدق الكثيرون حكاية مواعدة شاب عند البحر، لأن البرنسيسة تصطحب معها هذا النوبي العجوز في كل مرة، ومهما تفحصت العيون داخل "الكرتة" لا يرون إلا طربوش السايس يتأرجح في الهواء.

عندما تغضب فوقية أو "فوفو" كما أطلقت عليها صحافة أحزاب المعارضة، تجمع الفلاحين وتأمر الناظر بصفهم طابوراً تحت شمس الظهيرة الحارقة خارج سور القصر، كأنهم طابور في الجهادية. بعد ساعة تشير إليه بأربعة أصابع إشارة ملولاً، فيركع الناظر بالقرب منها حتى يسقط طربوشه، متلعثماً: "هم فعلا غلابة.. يا سمو الأميرة". لكن هؤلاء الغلابة يستحقون الجلد بعد أن سمحوا لأنفسهم بالكلام سراً عن البرنسيسة، الشابة الجميلة التي تعيش وحدها وتواعد عبداً أسمر يشبه "تمثال الفسقية".

نادت البرنسيسة الغاضبة على الناظر النحيل، ولم توقر شعره الفضي حين لطمته بعصا في يدها على وجهه، دون أن يعرف السبب. ثم طلبت منه دون أن يعرف السبب أيضاً، جلب مائتي فلاح تتراوح أعمارهم ما بين 15و55 سنة، وإجبارهم بالكرباج على تعميق الترعة التي تمد زمام أراضيها بالماء وتطهيرها من الأعشاب العالقة وجثث الحيوانات النافقة.

حفر وتطهير ترعة البرنسيسة، وكما هو مثبت في دفاتر نظارة الزراعة، استغرق قرابة شهرين. لكن لم يذكر أحد أنه امتص جهد وصحة المائتي فلاح ، من حجتها إلى حجتها، أي من طلوع الشمس وحتى مغيبها. وكان المفتش الروسي الذي اصطفته فوقية لكل المهام الغامضة، يمر بحصان عجوز على الفلاحين وهم يضغطون بأرجلهم حواف الكواريك، ويمسكون مقابضها الخشبية الطويلة بكلتا اليدين، فتغوص بهم في الوحل، ثم يقذفون كتل الطين فوق بعضها على جانبي الترعة، والعرق اللزج يتناثر على جباههم ويلتصق بسراويلهم القطنية المتسخة. على مسافات متباعدة تشرئب أعناق خمسة ملاحظين، كلما شعروا أن المفتش متجهماً، فهموا أنه غير راض عن سير العمل، فيهرعون إلى قطع الأغصان الغليظة من أشجار الصفصاف ويهوون بها على ظهور الفلاحين العارية فلا يصدر عنهم رفض أو سباب، مجرد أنات وصراخ ونحيب، ولا يظهر من أجسامهم الملطخة بالطين سوى مواضع الضرب بالعصوات، بينما يهز المفتش الروسي رأسه علامة رضى كلما شاهد أجيراً يقع على صخرة صارخاً، أو يغرق بكل جسده في الوحل، وأنفه يشم الطين غصباً عنه، فيصيح مهللاً بلكنة فرنسية في وجه شيخ العزبة:" برافوو"!

هل يشكون الملاحظ لشيخ العزبة، أم شيخ العزبة للمفتش الروسي؟! أم يبصمون على عريضة ضد المفتش يسلمونها للبرنسيسة التي لم يروها أبداً، رغم أنهم انصاعوا لأوامرها دائماً. أصلاً لم يسمعوا لها صوتاً، فهي لا تسمح لأحد بتجاوز سور القصر عدا ناظر الزراعة، الذي يرتدي مثلهم جلابية قطن ولا يتميز عنهم إلا بجاكت كالح فوقها، وطربوش بلا زر تحته منديل كرهات يقي الرقبة صهد الشمس. أما الأجراء الذين يعتنون بالبستان ونافورة كيوبيد، فليسوا من أهل العزبة ولا تعرف لهم ملامح، هم على الأرجح يعيشون في كوخ صغير ضمن ملحقات الفناء الخلفي.

بدا الكلام الذي نشر في أكثر من صحيفة عن عربدة أميرة علوية، مثل سهام طاشت في غير اتجاه، فالبعض اعتبر فوقية هي المقصودة به ولا أحد سواها. واستشهد صحفي وقع بحروف اسمه الأولى، بأنها عندما سافرت إلى ألمانيا وباريس جلبت معها أربعة كلاب دوبرمان سوداء، قصيرة الذيل، بالإضافة إلى كلب بودل صغير يقفز إلى حجرها كلما استرخت في كرسيها الهزاز، بينما خادمتها الأثيوبية تدلك قدميها بخلاصات الزيوت.

قيل إنها جلبت معها في الرحلة نفسها، رساماً هندياً له شارب ملفوف لأعلى، وبشرة حنطية مصقولة، وشاعراً فرنسياً صغير السن لديه خبرة في العناية بالكلاب، لكن حركاته وكلامه كما النساء. ثم عندما سافرت إلى منتجع العائلة العلوية في سويسرا تعرفت على أفاق روسي قدمته لطبقة النبلاء على أنه خطيبها وعينته مفتشاً عاماً على كل أملاكها. ليس هناك معلومات مؤكدة أين ذهب الرجال الثلاثة بعد أن هربت فوقية من ضجيج المدينة واعتزلت في قصرها الأبيض. صحيح أن الوثائق تذكر أسماء الرجال الثلاثة وأعمالهم وملامحهم وأعمارهم لكن لا توجد معلومة واضحة حول أنهم غادروا مصر، لا قبل الثورة ولا بعدها. وهناك قصص غامضة عنهم مع أميرات أخريات، وأنهم ينتمون إلى محافل ماسونية لتخريب عقيدة المسلمين.( يتبع)

#2 شريف صالح

شريف صالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3783 المشاركات:

تاريخ المشاركة 16 November 2007 - 08:36 AM

حكى بعض الفلاحين العجائز أنهم شاهدوا الرعاة يهبطون من المناطق الجبلية لرعي أغنامهم في الساحة العامرة بالعشب الأخضر على يمين القصر الذي يقع في ظهر العزبة مباشرة. كل ليلة يأتي راع غير الآخر، يعزف على الناي ألحاناً راقصة، وإذا العزف لم يعجبها كانت ترسل وراءه شيخ العزبة فيستولي على خرافه بحجة أنها تعدت على أملاك البرنسيسة. وقيل إنها أعجبت بعازف ناي أسمر فدعته لقضاء ليلة داخل القصر. الشاب نفسه تحدث كأنه زار الجنة ونام في حضن إحدى الحوريات، لكن كل الناس اتهموه طبعا ًبالجنون.. معقول، أميرة علوية تعشق راعياً يعزف على ناي من البوص! الراعي ذكر ببساطة شديدة كيف ضاجع البرنسيسة مضاجعة الأزواج، ولكي يثبت صدقه أراهم وشماً على ظهره بلون مزيج من الرمادي والأخضر الغامق، تبدو فيه صورة لرأس امرأة أقرب إلى المثلث أو زعنفة حوت، بقية الخطوط تحت الرأس توحي بجسد أنثوي غير مكتمل يستلقي في وضع فاحش. كانت ملامح الوشم غائمة وليس هناك دليل على أن الأميرة وشمت الراعي، سوى أنه حلف بالمصحف الشريف.

ولا يؤكد رواية الراعي، إلا ما ذكره الباحث الجامعي الشاب حول تعرف فوقية على رسام هندي بوهيمي، كان يتكسب من رسم الوشم على أجساد الغانيات في ملاهي باريس. جلست فوقية نفسها أمامه وطلبت منه أن يرسم لها كيوبيد شاباً على بطنها، وبعد أن دلك بمرهم خاص بطنها المرتفع قليلاً، أجلسها على كرسي بلا مسند، حتى يتمكن من تخطيط الوشم، وراح سريعاً وبدربة فائقة يغرس سن إبرة نحاسية ليحدث ثقوباً متتالية، أقرب إلى رسم تخطيطي للوشم، ورغم نقاط الدم التي انبثقت، وتأوهات البرنسيسة، لكنه أكمل عمله بتأن، وبدأ في إنزال الأصباغ التي يحتفظ بها في أوعية نحاسية، ولم يتركها إلا بعدما حفر الوشم في أدمة جلدها الناعم، حتى لا يزول أبداً.

(ش)

شهدت العزبة مطلع الخمسينيات، تغيرات كثيرة ووقائع غريبة ومؤلمة، ربطها الفلاحون بالأميرة التي لم يروها أبداً، وكانت أقصى أحلامهم أن يقفوا على الطريق الزراعي عقب مرورها ويتشمموا عطرها الباريسي العالق في الهواء. كل الشهود تكلموا باستفاضة ـ بعد الثورة طبعاـ إن البرنسيسة كانت تذهب إلى البحر كثيرا في ليالي الصيف، وتستحم حتى يشع جسدها المنحوت من مرمر ويضيء الشاطئ. وأثناء ذلك يلقي عليها الفرنسي المخنث قصيدة لم تسمعها من قبل، ويعزف لها أحد الرعاة، فيخالط أنين الناي صخب الأمواج. بعد الاستحمام تستلقي على الشاطئ تتأمل النجوم وتسحب بيديها النسمات الرطبة كي تداعب جسدها المسترخي. وأخيراً يصل صديقها الروسي ويهبط من "الكرتة" ومعه شاب في العشرينيات من العمر، له مذاق الفلفل الحار.

كل الشائعات والحكايات كانت تدور حول مواصفات الشباب الذين يختارهم الروسي للأميرة، وقيل إنها كانت لا تريد رجلاً أجيراً في أملاكها، ولا موظفاً لا يجيد سوى الانحناء لأسياده. فهي لا تطلب عبداً ينحني لها في الفراش بل رجلاً حراً يصهل كالخيل البري عند العناق. كانت الأميرة تحب عرق الخيل وتتشمم الحصانين طويلاً، وقالت مرة للمفتش الروسي إن الرجل الحر رائحته قوية كالبن المحروق. لذلك تفضل الحداد ونافخ الكير الذي يعمل لدى نفسه، على الباشا الذي يعمل في خدمة أمراء العائلة. والجثث العشر التي لفظها البحر المالح، قبل أشهر من قيام الثورة، كانت كلها موشومة بوجه امرأة غائمة الملامح، وهي لشباب نجارين وحدادين ورعاة غنم أو غجر لا تُعرف لهم بلاد.

أصر الكهول أن القصر ظل مضاء. وأنهم ظلوا يسمعون صوت فريد الأطرش يغني كل ليلة الأغنية نفسها:" يا زهرة في خيالي"، التي غناها للمرة الأولى عام 47 وهو نفس عام بناء قصر البرنسيسة. واستمر فريد يصدح بأغنيته من وراء نوافذ القصر المغلقة، كل ليلة، حتى بعد 11 شهراً على قيام الثورة، وإعلان الجمهورية عام 53 برئاسة اللواء محمد نجيب. وعلى إيقاع الأغنية ترقص طيور ضخمة في العتمة وتهز أعالي أشجار الكافور كأنها أشباح أو أوز يسقط من السماء ويصطدم بأفرع الكافور القوية، فيهيج الحمام داخل البراجة ويصدر هديلاً شجياً يفسده عواء الكلاب الذي لا ينقطع.

أطلق على العزبة في التخطيط الجديد للوحدات المحلية، اسم "عزبة فوقية"، كعشرات القرى الصغرى التي احتفظت بنسبتها إلى أصحابها مثل عزبة البدراوي وسراج الدين وكوستا والألفي، وغيرها. وبدلاً من أن ينشغل أهالي العزبة بإعلان ولائهم للرئيس نجيب، والفرح بانتهاء "العهد البائد" إلى الأبد، كانت كل أحاديث المساء عن سماع صوت ارتطام "كرتة" البرنسيسة في مياه الترعة التي حفرها لها عميقاً مائتا رجل. فغاصت في أعماقها مع رجالها الأربعة المخلصين: العجوز النوبي والأفاق الروسي والمخنث الفرنسي والرسام الهندي. ولم يتسرب الخبر إلى الصحف باستثناء صحيفة الأخبار حيث نشر الصحافي اللامع مصطفى أمين خبراً صغيراً عن غرق أميرة من الأسرة المالكة، في ظروف غامضة، فسر البعض ما يقصده بالظروف "الغامضة" على أنها تحرش من سيارة تابعة للبوليس السري أجبرت الحصانين على القفز في الترعة وهما يصهلان صهلة الموت، التي دوت في كل آذان أهل العزبة واخترقت سكون الليل.

لم يأت محققون من مصر، ونفى الخفير الذي ظل خفيراً بعد الثورة وإن زاد جسده ترهلاً من الرقود الطويل وراء باب العزبة، أن يكون رأى سقوط "الكرتة" في الترعة، أو سيارة سوداء تهرول على الطريق الزراعي مثل ضفدعة دون أن تضيء الأنوار، ولا حتى سمع صهيل الحصانين. لكن الناس لم تتنازل أبداً عن هذه الحكاية، خصوصاً، أنه وفي الموعد نفسه من كل عام يتكرر المشهد نفسه، إذ يسمع الجميع صوت قرقعة عجلات "الكرتة" بعنف على الأرض الصلبة وضربات حوافر الحصانين، قبل أن ينفجر ارتطام رهيب كأنه زلزال يوقظ الفلاحين من عز النوم، ينتهي بصهيل مجروح وحاد.

بعضهم خمن أن البرنسيسة دبرت هذه المكيدة ببراعة، وسربت الخبر بنفسها لجريدة الأخبار، حيث تخلصت من رجالها المخلصين بعد أن أصبحوا عبئاً عليها، وضمنت بذلك ألا يطاردها ضباط الثورة الأوغاد. فهي لم تكن في "الكرتة" لحظة سقوطها، بل تعيش حتى اليوم معززة مكرمة في القصر. والدليل على ذلك أن الثورة لم تستول عليه، كما فعلت مع قصور كثيرة مثل قصر زينب هانم فهمي الذي أنشأته سنة 19 وأطلق عليه لاحقا قصر المجوهرات، حيث جعلته الثورة متحفاً يضم أوسمة ونياشين ومجوهرات ثمينة تخص رجال ونساء الأسرة العلوية، ويوجد للبرنسيسة فوقية نفسها ضمن المتحف، حسب رواية الأستاذ الجامعي الشاب، عقدان من الذهب المرصع بالبرلنت و آخر من اللؤلؤ، وحلق من العقيق مهدى لها من نبيل روسي، أما التوكة المصنوعة من البلاتين المرصع بالماس والمنقوش عليها حرف "ف" فليس من المؤكد أنها تخص فوقية.

لم يتغير من معالم قصر البرنسيسة سوى اختفاء "الكرتة"، كما أن لونه الأبيض أصبح كالحاً مترباً. وعبثاً حاول عدد من الصحفيين المتحمسين للثورة فتح ملف فوقية أكثر من مرة ونشر أخبار متعمدة عن هروبها مع رجالها الأربعة، إلى روما التي سافر إليها الملك فاروق نفسه، وأنها دبرت غرق "الكرتة" ووضعت فيها كلابها الدوبرمان، كي تبعد الأنظار عنها فلا يطالبها مجلس قيادة الثورة بالمجوهرات والتحف والآثار التي هربتها بمساعدة أحد الرعاة الجبليين. مراسل الأهرام في روما ذكر أن الأميرة السابقة فوقية شاركت في معرض خيري للأزياء مع عدد من بنات الأمراء على مستوى العالم، وأنها تحاول تقديم نفسها لنبلاء أوروبا كأميرة سابقة تأكل من عمل يدها وتصمم أجمل ثياب السهرة لسيدات المجتمع المخملي.

لكن الناس في العزبة " لا يأكلون" من كلام الجرائد، هذا إذا قرأوها أصلا! صحيح أنهم سارعوا لتقديم قوائم بأسماء كل أسرة ذكوراً وإناثاً لهيئة الإصلاح الزراعي، وفرحوا أن زمام البرنسيسة الذي يضم خمسمائة فدان، تم توزيعه بالكامل على حوالي مائة وعشرين أسرة، من عزبتهم ومن قرية أخرى تقع على بعد خمسة كيلو. لكن اليقين في وجود البرنسيسة الشابة لم يتبدل. وأحدهم أقسم بالختمة الشريفة أنها ضربته بالسوط ليلاً بينما كان يروي أرضه وقالت له غاضبة: "اطلع من أرضي .. فلاح حقير"!

ظل الفلاح المسكين مصاباً بالحمى أسبوعين وحين زاره حكماء الفلاحين قالوا إن البرنسيسة ماتت لكن روحها معلقة في المكان، مثل شبح شرير يعذب شبابنا ويغويهم. هذا حدث مع بيت العمدة في القرية المجاورة، والذي لا يجرؤ مخلوق على المرور بجواره ليلا، إلا إذا ركب حماراً، لأن العفاريت تخاف أن يرفسها الحمار بحوافره. وأي شخص يمر بالبيت يكون راكباً، ولا يتزحزح عن البردعة، حتى لو تمطى الحمار في الأرض واشرأب بأذنيه أو ارتفع في الهواء، فكلها حيل عفاريت لإسقاط الفلاح عن ظهره والعبث بعقله.

فلاح آخر غامر بوضع أكوام عالية من القش كي يرى من فوق سور القصر، النافورة وهي تنثر الماء الرائق مثل شجرة لبلاب، وإذا ما كانت البرنسيسة تستحم فيها ليلاً كما يشيع البعض، لكنه قفز إلى أسفل فور أن سمع نباح كلابها الأربعة.

في هذه الفترة ظهرت في العزبة مجموعة من الدراويش يلفون رؤوسهم بعمائم خضراء ضخمة، ويحملون بيارق خضراء كتب عليها الشهادتان. كانوا يطوفون ببيوت العزبة التي مثل الحدوة، وهم ينشدون لله والرسول وآل البيت، ويترنحون كالسكارى على إيقاع الدفوف والصاجات النحاسية الكبيرة. كانت جولتهم تنتهي في كل مرة أمام قصر البرنسيسة، حيث يتحلقون في دائرة ويوزع عليهم كبيرهم أطباق الفتة واللحم الأحمر والمرق. ونصح كبير الدراويش أعيان العزبة الذين انضموا إلى الاتحاد الاشتراكي أن يقدموا مما يأكلون إلى البرنسيسة لأن الله غفر لها ذنوبها وأصبحت "ولية مباركة".

(م)

مازالت البرنسيسة الحسناء، رغم القرابين التي تتلقاها بواسطة دراويش العزبة، تظهر لهم في الغيطان المروية ليلا، تداعب عشرات الشباب وتأمرهم أن يذهبوا إليها على شاطئ البحر المالح. وفي الليل تصدح اسطوانة " يا زهرة في خيالي" ويعزف أحد الرعاة على الناي حتى بزوغ الفجر واقفاً كصنم عاشق أمام سور القصر، بينما عطرها الباريسي يضوع في الطريق المؤدي إلى البوابة الرئيسية.

روى صبي يافع يدعى رضا ـ قبل أيام من وقوع النكسة ـ أنه شاهدها في كابوس وهو جالس على حافة قارب صيد صغير، كانت تشق الماء باتجاهه ولا يبدو منها سوى زعنفة ضخمة قوية، تثير موجات صغيرة، وفجأة انتفضت من أعماق الماء وخطفته من رجليه. فظل يصرخ ورائحة حلوة تخدره، حتى سمعه أصحاب عمه الذي عثر عليه غريقاً وموشوماً قبل عشرين عاماً، فحملوا المشاعل لإحراقها في الماء كما نصحهم شيخ الطريقة، وأسرعوا عراة إلى الشاطئ وأضرموا النار في الماء. تفجرت شذرات نارية كحفل ألعاب، وقفز الصبي من وسطها صارخاً والنار تمسك بأطرافه، فغرق واحترق ولم يبق منه سوى وشم غامض أسفل الظهر، أمسكه أصحاب عمه بأيديهم المرتعشة من الخوف.

رضا نفسه بعد عشرة أيام من الكابوس المشؤوم، مات غريقاً في البحر المالح وظل خفر السواحل وأهله، يبحثون عنه يومين، قبل العثور على جثته، ولأنه وحيد أبويه، أصرت أمه التي كانت ذات يوم أجمل فتاة في العزبة بوجهها المصقول كطبق البنور، على أن تغسله وتكفنه بنفسها، وجلبت له من البندر أجمل العطور والطيوب وقطناً مستورداً، ثم سبقت رجال العزبة ودخلت إلى القبر ليلاً لتسويته من الحصى على ضوء لمبة نمرة أربعة. وصل النعش والحانوتي يصيح بها: "اطلعي يا أم رضا.. خلينا نشوف شغلنا" وهي تقول باكية دون أن تفقد إيمانها: "هاتوا لي ابني يا جماعة.. أنا عارفة علاجه". ثم مدت ذراعيها وتناولت رأسه الملفوف في الكفن وأراحته في مثواه الأخير وهي تنهنه: "ارتاح يا ضناي بين ايدين رب كريم". قبل أن تغادر قبلته في جبينه وكشفت لفائف الكفن عن ظهره، وبيدها الحانية لامست الوشم ومرت عليه بحنو، فانمحى من موضعه كأن لم يكن. وقيل إن وحيدها في تلك اللحظة انتفض في رعشة أخيرة للروح، على حجر أمه، قبل أن يستسلم للسكون الأبدي.

بعد مثل هذه الحوادث التي يؤرخ بها أهل العزبة أيامهم، كثرت اللعنات بحق الأميرة الغامضة، فعقد شيخ الدراويش اجتماعاً في دار عضو الاتحاد الاشتراكي، وهو نفسه نجل ناظر العزبة الذي سجنته الثورة في بداياتها ـ رغم شيبته ـ تطبيقاً لمبدأ القضاء على الاستعمار و"أعوانه"، حيث لقي حتفه في السجن. خلص كبراء العزبة أن فوقية ستظل تخطف شبابهم ما لم يتوقفوا عن لعنها ويقدموا لها الاحترام الواجب، تماما كما كانت في الحياة. فلا يكفي أن يقدموا لها القرابين ثم يلعنون سراً " خطافة الشباب"! لم يقتنع أحد على الأقل في البداية بكلام الدراويش، لكن مع كثرة الحوادث الغريبة مثل سقوط جاموسة عُشَر في الترعة أو رفسة حمار أسود لأم جمال وهي حامل، جعلت الفلاحين يوزعون ـ بحب وإجلال ـ ما يفيض من أكلهم وشربهم ما بين قصر البرنسيسة ـ حيث يتولى كبير الدراويش مهمة إدخاله دون أن يراه أحد ـ وبين ضابط النقطة التي أنشأتها الداخلية في القرية المجاورة ويتولى خفير العزبة بنفسه أخذ أقفاص الطيور والبط وصواني المشلتت إلى اليوزباشي محي الدين، الذي توسط للكثيرين لتأجيل سداد ديون الجمعية الزراعية، أو تغيير أماكن تجنيد أبنائهم.

وعندما ركب عشرون رجلاً حميرهم مرتدين جلاليبهم النظيفة وذهبوا إلى نقطة البوليس فيما يشبه مظاهرة سلمية، لأنهم علموا أن الحكومة تشتري طن السماد المستورد بحوالي 15 جنيها وتبيعه لهم بخمسة وعشرين جنيها، والعكس تشتري منهم قنطار القطن بخمسة عشر جنيها وتبيعه بخمسة وعشرين، أي تكسب الضعف منهم في الحالتين. كل هذا الكلام كتبوه بوضوح في عريضة الشكوى وطلبوا مقابلة الزعيم جمال عبد الناصر شخصياً. يومها أصبحت العزبة حديث القرى والنجوع المجاورة إذ عادت الحمير العشرون إلى العزبة بعد أذان المغرب، ولم يعد الرجال حتى أذان الفجر. وحين خرج الشباب إلى نقطة البوليس لاستطلاع ما جرى رأوهم في سجن النقطة وسط روائح العرق والعفن، ما بين كسيح وجريح، وقبضة الضابط ورمت خدودهم، غير بيادة أمين الشرطة التي انطبعت أسفل ظهورهم. وقبل أن يسمح اليوزباشي محي الدين لزعماء ثورة الحمير بالعودة إلى بيوتهم أجبرهم على توقيع عريضة مغايرة تؤيد الزعيم الخالد بالروح والدم، وتعاهده على تجاوز آثار النكسة.

حكى الفلاحون العائدون من جحيم النقطة، لأصدقائهم الدراويش ما جرى بالتفصيل، فوعدهم شيخ الطريقة متندرا بالانتقام من "مفسد الدين" هذا، وأكد أن الأميرة الولية ستتدخل شخصياً بعد تقديم القرابين التي تليق بسموها. بعد أسبوع من تقديم القرابين أمام قصرها الأبيض تم نقل اليوزباشي محي الدين إلى الصعيد. فزاد أهل العزبة إيمانا بكرامات الأميرة "الولية" وأقسم لهم شيخ الطريقة أنها ما إن سمعت بالخبر حتى أرسلت فوراً في طلب عبد الناصر نفسه، وأصرت على نقل الضابط وفصل أمين الشرطة من عمله، وإلا فإنها ستخصي عشرين وزيراً، وقالت له بالحرف:" راس براس، والبادي أظلم".

ولتطييب خواطر الأهالي ـ حتى بعد نقل الضابط وفصل الأمين ـ زارهم عضو من مجلس قيادة الثورة، وكانت المرة الأولى في تاريخ العزبة التي يدخلها مواطن يرتدي بدلة وليس جلباباً بلدياً. احتشد له الرجال في سرادق كبير أعد على نفقة الاتحاد الاشتراكي. وجلس الفلاحون في جلالبيبهم الكستور حول العضو الموقر، بكبرياء مبالغ فيه، رغم أنهم حفاة وجلاليبهم تفوح منها رائحة الروث. شربوا القهوة في اطمئنان وتبادلوا ابتسامات بلهاء. كان بعضهم اشترى لهذه المناسبة زجاجة كولونيا خمس خمسات، رش على نفسه نصفها قبل أن يصلي العشاء ويلحق بالمؤتمر الشعبي. بينما النساء طالعن الحدث التاريخي من فوق الأسطح المعروشة بالقش والحطب وهن مستلقيات، يرسلن البصر من وراء أكمات مثل أرانب برية. "سيادة الأخ العضو الموقر"، هكذا طلب منهم أن يخاطبوه، حدثهم بنبرة تفاؤل عن زيادة عدد أجهزة الراديو في العزبة، وفتح فصل لمحو الأمية، كما أن المياه النقية وصلت إلى القرية التي تبعد عنهم خمسة كيلو، وكلها إنجازات تمت في وقت قياسي.

وحين شلح الرجال العشرون جلاليبهم كي يرى الأخ عضو مجلس القيادة، آثار بيادة أمين الشرطة مطبوعة على ظهورهم، أكد لهم متجنباً النظر إلى ظهورهم، أن هذه الأمور" انفلات محدود في مسيرة التقدم" ولا يمكن مقارنتها بما كان يحدث في العهد البائد. وهنا هاج الحمام في "براجة البرنسيسة" وغطى السرادق في سحابة كبيرة ومن أفواه الطير تساقطت قاذورات جافة على كل من في السرادق، ففروا في غير اتجاه وهم يصرخون والنساء يولولن فوق البيوت.

كان الدراويش قد اختفوا في الصحراء ـ بعد ثورة التصحيح ـ وزاد عدد أجهزة الراديو إلى عشرين، وأقيمت طلمبة مياه نظيفة خارج باب العزبة مباشرة، تظل تسح المياه ليل نهار حتى تشكلت بركة عطنة الرائحة يسقون منها المواشي ويستحمون فيها.

صحيح أن الشباب الذين اكتشفوا الوشم الغامض على ظهورهم لم يغرقوا، كما كان يحدث قبل سنوات، لكنهم أصبحوا يهاجرون إلى بلاد بعيدة. ومن أجبره أهله على الذهاب إلى مستشفى الأمراض الجلدية للتخلص من الوشم، خوفاً عليه من الموت غرقاً، قيل له إنه نوع من البكتريا غير الضارة تنتج هذا الفطر ولا يمكن إزالته إلا بإزالة الجلد نفسه، مثل رائحة الروث في يد الفلاح لا يزيلها أقوى عطر في الوجود.

عاد في هذه الفترة إلى العزبة شاب حاصل على دبلوم زراعة من البندر، وكان يرتدي القميص والبنطلون مثل نجوم السينما. لكنه أطلق لحية خفيفة مشذبة حسب تعليمات الإمام حسن البنا. وعندما سأله الفلاحون عن الوشم الذي كان فوق ظهره قبل أن يغادر العزبة، قال إن نور الإيمان نصره عليه، وحكى كلاماً جميلاً يضمن للناس أن يتخلصوا من الحوادث الغريبة مثل احتراق بيتين متباعدين في وقت واحد، أو هجوم حمام البراجة على غيطان القمح والتهام كل سنبلة خضراء، أو إصابة طفل بعضة كلب مسعور. كل هذه المشاكل يمكن حلها بشرط أن يخلصوا النية لله، وقال إن البرنسيسة ماتت لكن بسبب جهلهم لا يصدقون ذلك، وهذا كفر والعياذ بالله، والأحداث الغريبة سببها عدم دفن الموتى، كما يوصينا الشرع الحنيف، ورشح من كل بيت شاباً قوي البنيان لانتشال الكرتة بمن فيها من قاع الترعة ودفن جثث الأميرة ورجالها الأربعة.

جمع مندوب الإخوان عشرين شاباً كلهم يملكون القوة والجرأة ويتقنون فنون السباحة. أدوا الصلاة جماعة، ثم وقفوا على شاطئ الترعة وتعوذوا من الشيطان الرجيم وفتنة الجان ورددوا أذكاراً مخصوصة علمها لهم. ثم خلعوا ملابسهم عدا سراويلهم القطنية الطويلة وغاصوا كالسهام التي ترشق وجه الماء فيهتز طرباً.

وقفت النسوة على الشاطيء ليلاً يوقدن لهن المشاعل، بينما مندوب الإخوان يتناوب مع الحانوتي وأزهري كفيف تلاوة أجزاء من القرآن دون توقف. عشرون ساعة من صعود وهبوط في عمق الماء، كأنهم ضفادع تلتقط الهواء وتغوص، تارة يصعدون فرادى وتارة أخرى ينتصبون وأيديهم متشابكة، وأجسادهم تقاوم لسعة البرد المباغتة. ثم قالوا في نهاية المهمة إنهم شاهدوا بأعينهم "الكرتة" نظيفة ولامعة، راسية في قاع الترعة، ليس فيها أثر لأية جثة، لم تعلق بها الطحالب ولا النباتات المائية الطفيلية. ومن كان يحاول الاقتراب منها يشعر بدوار رهيب في رأسه. وقبيل ارتداء جلاليبهم لمعت تحت ضوء المشاعل ظهورهم العارية المبللة وجميعها موشومة بوجه امرأة غائمة الملامح.

8 ـ17/10/2007




#3 منى عرب

منى عرب

    مـر حــبـــــــاً

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 5355 المشاركات:

تاريخ المشاركة 16 November 2007 - 12:26 PM

حكايات الأميرات دائما محبببة للقراء smile.gif وهذه الرواية الجميلة مزجت بين الخيال و التاريخ والأبداع الراقي وتشد القاريء بشدة من أول كلمة smile.gif و حتي النهاية
لكن لماذا أهديتها لشاهر blush.gif
وحده يا شريف
مفيش واحدة لي tongue.gif

A diamond with a flaw is worth more than a pebble without imperfections..
ماسة بها عيب صغير أكثر قيمة من حصي بلا عيوب

http://bonbbony.blogspot.com/

#4 شاهر خضرة

شاهر خضرة

    عضو مميز

  • موقوفون
  • 2589 المشاركات:

تاريخ المشاركة 16 November 2007 - 06:48 PM

هل يكفيني أن أقول شكرا لك على هذه الرواية الصغيرة المهداة لي
هل يكفيني أن أقول إنني قرأتها وبمتعة فائقة من خلال هذا الوصف الرائع
للبيئة التي تدور فيها القصة ولهذه التفاصيل التي تأسر ولا تثقل على القارئ
بل بهذه الطريقة التي جعلت من البرنسيسة بطلة العشق والغرام والاستغلال
دون أن يراها أحد
ساحر أنت يا شريف ساحر حقيقي
والوشم لوحده حكاية مع ما جعلته من رمز وما قارنته بوشم بوليص ما بعد
الثورة على الظلم
على أسفل ظهور الموشومين
بلا شك هناك من يرمز لهذا الوشم على أنه وشم كان يترك في الجسد شاهدا
على أنه مر تحت أصابع اللذة للبرنسيسة الفنانة وما إلى هنالك من شتى التأويلات
والتفسيرات .
على فكرة
ذكرني هذا الوشم الجماعي بفيلم شاهدته قديما
لقسيس راهب في كنيسة القرية ومن المفروض أن يكون هذا
الراهب عاصما نفسه عن الزنا والخنا ولكنه كان يستغل مكانته الدينية
ويغوي النسوة فيضاجعهن ويحملن منه وقد كان هذا الراهب يحمل أسفل
ظهره شامة كبيرة مميزة انتقلت منه لكل أولاده الذي ولدوا سفاحا من نساء القرية
وينتهي الفيلم بأن يلحق به شباب كثر يطالبونه بدفع أموال لهم ولأمهاتهم
وكل منهم واضع يده على الختم أسفل الظهر .
وإن ذكرتني بهذا الفيلم فهو بعيد عن فكرته
وروايتك عم شريف رواية لها هوية البيئة المصرية
وتميزك بفن السرد الذي يجعل للصور روحا ولحما ودما
أنت سينمائي في كل ما تكتب وأعمق بالكلمة أعمق
يا شريف .
-----------------------------
لمن يهمه الأمر
أهداني شريف هذه الرائعة لسبب بسيط
حكيت له مرة أنني خطفت ذات ليلة من أميرة عربية وبعد ثلاثة أيام وجدت نفسي معادا
إلى برحة الشاحنات وأنا مخدر وكان على جسدي وشمان واحد طبيعي والثاني
لا طبيعي وحكيت ما حصل لي وشاهدته أكثر من رعيان وشباب عزبة البرنسيسة فوقية
ولهذا فكر الصديق شريف أن يهديني البرنسيسة الحاضرة الغائبة كأنها سيدنا الخضر وبنفس الوقت جنية النهر الشريرة
وهذا الخيال في الوجود وعدمه له علاقة جدا قوية بشعر شاهر الخضرة
وأيضا من شروط إهدائه ( وأنا مستعد لتقاسم الإهداء ) وجود وشم في أسفل الظهر
وهذا صعب على نساء أصلا ومن أجيال ما بعد الردة . . إلى جيل
السباحة في جلابيب وغطاء رأس


بعرف كنت مجنون أو سكران

لكن بعد ما متّ صَـــــــحّوني

سحبوا ألف صوره من عيوني

وظلّت إطـاراتي لهــ الديـدان


من ديوان //غناء على مؤخرة الحياة //شاهر خضرة

http://shaherkhadra.blogspot.com/
http://www.arabicsto...?showtopic=5264
http://www.doroob.com/?author=673

#5 شريف صالح

شريف صالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3783 المشاركات:

تاريخ المشاركة 16 November 2007 - 11:21 PM

(منى عرب @ 16-11-2007, 12:26 pm) عرض المشاركة

حكايات الأميرات دائما محبببة للقراء smile.gif وهذه الرواية الجميلة مزجت بين الخيال و التاريخ والأبداع الراقي وتشد القاريء بشدة من أول كلمة smile.gif و حتي النهاية
لكن لماذا أهديتها لشاهر blush.gif
وحده يا شريف
مفيش واحدة لي tongue.gif



شكرا لمرورك اللطيف الشفيفي يا د. منى

أسعدتني كلماتك وأن تكوني أول من يعلق على هذا النص "الالياذة" biggrin.gif

إذا كتبت مرة أخرى عن أية أميرة سيكون الاهداء لك بالتأكيد wink.gif

مودتي

#6 بان حسني

بان حسني

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1982 المشاركات:

تاريخ المشاركة 17 November 2007 - 12:06 AM

وشم الأميرة ،
قصة الوهم و الإدراك . الوهم البصري و النفسي مع الإدراك الحسي و الذهني.
ILLusion & Perception
كيف نؤسطر الخيال و نسخره لإسقاط كل مايحدث لنا .
و كيف يستعمله البعض ببراجماتية متناهية و ينساق له البعض الآخر كالقطيع.
قصة جميلة ، طويلة لكن لا يهم. أنا مرة شبهت قصص هويدا بقصص أليس مونرو و القصة عند الأخيرة تصل إلى أربعين صفحة عندما تختصر.
جميل هذا الغوص في الريف و جميلة هذه العدسة التي تلتقط كل ما يدور في خلفية المشهد الرئيسي.

و جميل أن يكون الإهداء لشاهر فهو صائد الأضغاث و هو من يهذي باحمراره !

مبروك اكتمال المجموعة . وشم الأميرة اسم جميل و جاذب ، أجده روائيا ! مش عارفة ليه
يمكن الغواية الأولى تناسب المجموعة ككل ، فكل قصة كان فيها غواية أولى بشكل أو بآخر.
مع جميل أمنياتي

#7 إبتسام إبراهيم تريسي

إبتسام إبراهيم تريسي

    عضو مميز

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 3603 المشاركات:

تاريخ المشاركة 17 November 2007 - 01:00 AM

الأول خالد ، وسكتنا
والآن شاهر ؟
وبعدين
؟
تخنت biggrin.gif

"من يحبوننا لا نغفر لهم ولو رمونا بوردة".
http://ibtesamterrysy.jeeran.com/

#8 عبير ميره

عبير ميره

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 614 المشاركات:

تاريخ المشاركة 17 November 2007 - 01:57 AM


سلام عليكم شريف ،

هذه هدية عيد ميلاد قيمة ، أشكرك عليها و لو أنه كان واجب علينا ، لكن أحنا و أنت واحد برضة smile.gif
أجد أنه بالنسبة لمن يذكر دائماً أنه "يمل الكلام و الكتابة " فهذه الرواية القصيرة عمل بطولي ..
بدأت بقياس القصة "بالشبر" كما أفعل غالباً لأرى إن كان الوقت المتاح لي للقراءة سيكفي ، و قلت لنفسي " ياه .. دي طويلة قوي " ، ثم بدأت أقرأ على أية حال و أعترف أنها أخذتني تماماً .
التفاصيل ، و الوصف ، و الرسم الدقيق للأماكن و الأشخاص ، المصحوب بخلفية تاريخية أضافت مصداقية لوقائع القصة ، عمل رائع بكل المقاييس .
تقسيم القصة و بدأ كل جزء بحرف هل كان له هدف معين ؟ لم أفهم الهدف ، و إن كان هذا التقسيم سيسهل على الإشارة إلي انني وجدت قليل من عدم الإنسجام في مجرى القصة بدأ من الفقرة الرابعة في الجزء (م) ، الكلام عن أحوال ما بعد الثورة في القرية كان يمكن إختزاله كثيراً دون الخلل بقصة الأميرة و هو الخط الأساسي للقصة ...
أهنئك على عمل ممتازة و كتابة تستحق كل الوقت المبذول فيها ...
خالص الود ..

#9 إبتسام إبراهيم تريسي

إبتسام إبراهيم تريسي

    عضو مميز

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 3603 المشاركات:

تاريخ المشاركة 17 November 2007 - 02:24 PM

يا شريف
بعد التحية والسلام ، الرواية جميلة ، ووممتعة .
"من يحبوننا لا نغفر لهم ولو رمونا بوردة".
http://ibtesamterrysy.jeeran.com/

#10 شريف صالح

شريف صالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3783 المشاركات:

تاريخ المشاركة 17 November 2007 - 07:54 PM

(شاهر خضرة @ 16-11-2007, 06:48 pm) عرض المشاركة

هل يكفيني أن أقول شكرا لك على هذه الرواية الصغيرة المهداة لي
هل يكفيني أن أقول إنني قرأتها وبمتعة فائقة من خلال هذا الوصف الرائع
للبيئة التي تدور فيها القصة ولهذه التفاصيل التي تأسر ولا تثقل على القارئ
بل بهذه الطريقة التي جعلت من البرنسيسة بطلة العشق والغرام والاستغلال
دون أن يراها أحد
ساحر أنت يا شريف ساحر حقيقي
والوشم لوحده حكاية مع ما جعلته من رمز وما قارنته بوشم بوليص ما بعد
الثورة على الظلم
على أسفل ظهور الموشومين
بلا شك هناك من يرمز لهذا الوشم على أنه وشم كان يترك في الجسد شاهدا
على أنه مر تحت أصابع اللذة للبرنسيسة الفنانة وما إلى هنالك من شتى التأويلات
والتفسيرات .
على فكرة
ذكرني هذا الوشم الجماعي بفيلم شاهدته قديما
لقسيس راهب في كنيسة القرية ومن المفروض أن يكون هذا
الراهب عاصما نفسه عن الزنا والخنا ولكنه كان يستغل مكانته الدينية
ويغوي النسوة فيضاجعهن ويحملن منه وقد كان هذا الراهب يحمل أسفل
ظهره شامة كبيرة مميزة انتقلت منه لكل أولاده الذي ولدوا سفاحا من نساء القرية
وينتهي الفيلم بأن يلحق به شباب كثر يطالبونه بدفع أموال لهم ولأمهاتهم
وكل منهم واضع يده على الختم أسفل الظهر .
وإن ذكرتني بهذا الفيلم فهو بعيد عن فكرته
وروايتك عم شريف رواية لها هوية البيئة المصرية
وتميزك بفن السرد الذي يجعل للصور روحا ولحما ودما
أنت سينمائي في كل ما تكتب وأعمق بالكلمة أعمق
يا شريف .
-----------------------------
لمن يهمه الأمر
أهداني شريف هذه الرائعة لسبب بسيط
حكيت له مرة أنني خطفت ذات ليلة من أميرة عربية وبعد ثلاثة أيام وجدت نفسي معادا
إلى برحة الشاحنات وأنا مخدر وكان على جسدي وشمان واحد طبيعي والثاني
لا طبيعي وحكيت ما حصل لي وشاهدته أكثر من رعيان وشباب عزبة البرنسيسة فوقية
ولهذا فكر الصديق شريف أن يهديني البرنسيسة الحاضرة الغائبة كأنها سيدنا الخضر وبنفس الوقت جنية النهر الشريرة
وهذا الخيال في الوجود وعدمه له علاقة جدا قوية بشعر شاهر الخضرة
وأيضا من شروط إهدائه ( وأنا مستعد لتقاسم الإهداء ) وجود وشم في أسفل الظهر
وهذا صعب على نساء أصلا ومن أجيال ما بعد الردة . . إلى جيل
السباحة في جلابيب وغطاء رأس




والله ايها العزيز شاهر مهما قلت لن أوفيك حقك

والكلام لا يعدل محبتك في قلبي

ولا امتناني لسطورك التي تغمرني بها

هذا النص تخلق في الماء فكان من الطبيعي أن يهدى إلى سيد الماء

معك حق .. بدلا من جنية النهر.. ظهرت جنيات من نوع آخر tongue.gif

#11 نبيل حاتم

نبيل حاتم

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 2466 المشاركات:

تاريخ المشاركة 17 November 2007 - 08:13 PM


العزيز شريف ..

حكاية .. جميلة .. لغة ونصاً ..
أتدري يا مسبع الكارات ... أنك تحرك الكاميرا بنصك .. كساحر ..وكأني أستند إلى مقعد وثير وأشاهد سينما رائعة .. لي .. ولي وحدي ..
لا أشك لحظة أنك كاتب سيناريو .. ممتاز ... هل حاولت ؟
اليوم يا شريف أنت تخوض تجربة من نوع آخر .. أن تتجاوز الكلاسكيات بالقص إلى حداثة من نوع آخر .. يمزج الرواية بالقص القصير .. بالسينما .. كل ذلك من خلال حكاية مروية بأناقة ..

أعجبني إهداؤك لسيد الماء ..
وأعجبني عندما قال :

وهذا الخيال في الوجود وعدمه له علاقة جدا قوية بشعر شاهر الخضرة
وأيضا من شروط إهدائه ( وأنا مستعد لتقاسم الإهداء ) وجود وشم في أسفل الظهر
وهذا صعب على نساء أصلا ومن أجيال ما بعد الردة . . إلى جيل
السباحة في جلابيب وغطاء رأس


أجل هو كذلك .. ولكن إياك تقاسم الهدية معه .. فشاعر مثله .. سيأكل الأخضر واليابس
ولن يترك لك إلا الفتات ... ولكن أخي شاهر يستاهل .. وأكثر ..

لكما محبتي


نبيل
أبو لوركا...

#12 شريف صالح

شريف صالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3783 المشاركات:

تاريخ المشاركة 18 November 2007 - 05:43 PM

(بان حسني @ 17-11-2007, 12:06 am) عرض المشاركة

وشم الأميرة ،
قصة الوهم و الإدراك . الوهم البصري و النفسي مع الإدراك الحسي و الذهني.
ILLusion & Perception
كيف نؤسطر الخيال و نسخره لإسقاط كل مايحدث لنا .
و كيف يستعمله البعض ببراجماتية متناهية و ينساق له البعض الآخر كالقطيع.
قصة جميلة ، طويلة لكن لا يهم. أنا مرة شبهت قصص هويدا بقصص أليس مونرو و القصة عند الأخيرة تصل إلى أربعين صفحة عندما تختصر.
جميل هذا الغوص في الريف و جميلة هذه العدسة التي تلتقط كل ما يدور في خلفية المشهد الرئيسي.

و جميل أن يكون الإهداء لشاهر فهو صائد الأضغاث و هو من يهذي باحمراره !

مبروك اكتمال المجموعة . وشم الأميرة اسم جميل و جاذب ، أجده روائيا ! مش عارفة ليه
يمكن الغواية الأولى تناسب المجموعة ككل ، فكل قصة كان فيها غواية أولى بشكل أو بآخر.
مع جميل أمنياتي



خالتي فرنسا

"الوهم جميل ل اللي عايش فيه" على رأي ليلى مراد biggrin.gif

شكرا لكل كلمة سطرتها هنا

أستفيد الكثير من ملاحظاتك فلا تحرمينا منها

فعلا أنا محتار بين عنواني الغواية الأولى ووشم الأميرة.. سأرى

شاهر يستحق كل جميل وليس اهداء فقط


ـ مسألة القصة الطويلة والقصيرة والرواية.. أنا مستوعب الى حد لجدل الأجناس.. لكن بعد أن أنهيت هذه القصة شعرت أن النفس كان روائيا جدا، لكن تم ضغطه بصرامة وبلا شفقة.. ولا أقصد الحجم أبدا.. بل احساسي بأن كل مشهد أو كل فقرة هنا كانت تصلح فصلا في رواية. لا أعرف هل هو مزاجي يتململ بحثا عن شكل أكثر اتساعا واستيعابا.. حتى رؤيتي للفلاحين كانت تحمل هما سياسيا واجتماعيا أقرب الى روح الرواية.

أيا كان التصنيف.. هو كما قلت اكتملت بالنسبة لي المجموعة وأشعر بالرضا النسبي عنها.. اتمنى أن يكون حظها أفضل من سابقتها على مستوى الطباعة والغلاف وقلة الاخطاء اللغوية التي تزعجني

خالص مودتي

#13 شريف صالح

شريف صالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3783 المشاركات:

تاريخ المشاركة 18 November 2007 - 11:23 PM

(إبتسام إبراهيم تريسي @ 17-11-2007, 01:00 am) عرض المشاركة

الأول خالد ، وسكتنا
والآن شاهر ؟
وبعدين
؟
تخنت biggrin.gif



سيدة الشفافية

اشكرك مرتين
على مرورك مرتين
قلت فيهما أربع جمل
لو معترضة على الاهداء فالموضوع عند شاهر .. وهو وضع شروطا لمن يرغب في تقاسمه wub.gif

أنتظر مرورك الثالث

فنحن الان في موسم تقبل الملاحظات tongue.gif

#14 شريف صالح

شريف صالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3783 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 November 2007 - 01:27 PM

(عبير ميره @ 17-11-2007, 01:57 am) عرض المشاركة

سلام عليكم شريف ،

هذه هدية عيد ميلاد قيمة ، أشكرك عليها و لو أنه كان واجب علينا ، لكن أحنا و أنت واحد برضة smile.gif
أجد أنه بالنسبة لمن يذكر دائماً أنه "يمل الكلام و الكتابة " فهذه الرواية القصيرة عمل بطولي ..
بدأت بقياس القصة "بالشبر" كما أفعل غالباً لأرى إن كان الوقت المتاح لي للقراءة سيكفي ، و قلت لنفسي " ياه .. دي طويلة قوي " ، ثم بدأت أقرأ على أية حال و أعترف أنها أخذتني تماماً .
التفاصيل ، و الوصف ، و الرسم الدقيق للأماكن و الأشخاص ، المصحوب بخلفية تاريخية أضافت مصداقية لوقائع القصة ، عمل رائع بكل المقاييس .
تقسيم القصة و بدأ كل جزء بحرف هل كان له هدف معين ؟ لم أفهم الهدف ، و إن كان هذا التقسيم سيسهل على الإشارة إلي انني وجدت قليل من عدم الإنسجام في مجرى القصة بدأ من الفقرة الرابعة في الجزء (م) ، الكلام عن أحوال ما بعد الثورة في القرية كان يمكن إختزاله كثيراً دون الخلل بقصة الأميرة و هو الخط الأساسي للقصة ...
أهنئك على عمل ممتازة و كتابة تستحق كل الوقت المبذول فيها ...
خالص الود ..


العزيزة عبير

افرح لمرورك دائما

الحمد لله انها لم تشعرك بالملل

وشكرا لرأيك فيها

الجزء الذي شعرت أنه بحاجة الى تكثيف .. ارجو أن تظلليه وحده.. لافكر فيه مرة أخرى

مودتي

#15 إبتسام إبراهيم تريسي

إبتسام إبراهيم تريسي

    عضو مميز

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 3603 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 November 2007 - 01:54 PM

مررت فقط لأقول لك إنّي لا أتقاسم الإهداء مع أحد ، أريده خالصاً لي glare.gif
ولي عودة biggrin.gif

"من يحبوننا لا نغفر لهم ولو رمونا بوردة".
http://ibtesamterrysy.jeeran.com/

#16 فاطمه.ن.

فاطمه.ن.

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 2006 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 November 2007 - 03:59 PM

سمها ما شئت يا شريف..
رواية قصيره..
قصة طويله(هناك قصص بالاربعين والخمسين صفحه ..اسأل بان حسني!)
لكنها في كل الإحوال شديدة التميز..والإختلاف ..

انت تعرف طبعا موقفي من العهد الناصري وكل ما يحيط به..ذلك حب سقانا اياه اباءنا ومشى في دمنا..لا نستطيع سحبه من عروقنا!

روايتك الصغيرة تستحق الإحتفاء حتما.
والاستاذ شاهر حتما يستحق الإهداء.
تحياتي لك.

، الحكاية أنْ لا أحد في البستان ولا أحد في الخيمة ومن كان ينام ويزرع كان خيالا .لا خيمة ولا بستان لكنْ قيل ذلك كي يظنَّ الشجر أنَّ له ظلاً ،ويظنّ التراب أنَّه أُمّ.
وديع سعاده


#17 شاهر خضرة

شاهر خضرة

    عضو مميز

  • موقوفون
  • 2589 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 November 2007 - 04:39 PM

رأيت اليوم مناما أحكيه لك يا شريف :
كنت في أحد المقاهي الذي شعرت أنه مقهى للمثقفين ودخل علينا الرئيس
جمال عبد الناصر بطوله الفارع وسمرته الحنطية وبعمره الممتلئ حيوية
ومصطحبا معه بنتا وولدا بدا أنهما من أولاده البنت في العاشرة والولد أصغر
منها وكانت الصورة في المنام بالأبيض والأسود . . جلس إلى طاولة جانب
طاولتي وهجست أن الرجل ليس من الأموات بل هو حي ولكنه مستقيل من
العمل السياسي وغير راض عن الأوضاع العربية والمصرية ، وصارت الحركة في المقهى غير عادية لوجود الرئيس جمال عبد الناصر ، واكتنفني شعور بالحب غير
عادي نحو الرجل حتى أنني على غير عادتي فقدت ما أعرفه في نفسي إذا
التقيت برجل مشهور وقمت إليه مسلما ومعرفا بنفسي كـ سوري يحبه
وشعرت أنه انحنى قليلا يريد تقبيلي ولكني لم أدعه يكمل فقد طلبت منه
أن يقبل أن آخذ صورة معه كتذكار ووافق مباشرة ، وخطر ببالي حينها
أنني سآخذ الصورة إلى رجل من سوريا ناصري أعرفه لأفخر عليه بها
ولكن حصل ارتباكٌ ما جعلت أخذي للصورة معه لا يحصل وجلس بعد أن وقف
إلى جانبي لأخذ الصورة وانسحبتُ أنا ورغم كل مشاعر الحب التي غمرت قلبي
شعرت بخيبة صغيرة أنني لم أحصل على صورة تخلدني معه .
خارج المقهى تذكرت تعاطفي مع البرنسيسة فوقية فقلت في منامي :
سأرجع وأحكي للرئيس جمال عبد الناصر عن البرنسيسة فوقية
ولكن المنبّه حال بيني وبين إكمال المنام . . آمل أن أراه غدا
وأحكي له وآخذ صورة معه آمل آمل . .



بعرف كنت مجنون أو سكران

لكن بعد ما متّ صَـــــــحّوني

سحبوا ألف صوره من عيوني

وظلّت إطـاراتي لهــ الديـدان


من ديوان //غناء على مؤخرة الحياة //شاهر خضرة

http://shaherkhadra.blogspot.com/
http://www.arabicsto...?showtopic=5264
http://www.doroob.com/?author=673

#18 خالد الجبور

خالد الجبور

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 2500 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 November 2007 - 06:43 PM

نفس روائي ، وأحداث مكثفة ومتجاورة ، والسرد يجمع بين لغة التوثيق ولغة الحكي الفني ، أما شخصية الأميرة ، فقد ذكرتني بشخصية تلك الملكة الخرافية في رواية مملكة الأطلنطيد ، والتي قرأتها في مراهقتي .
النص بديع وأستطيع أن أقول بثقة إنه ينتمي إلى أدب الواقعية السحرية ، ولا أدري لم تمنيت لو أنه لم يسقط في فخ السياسة الصريحة ، ربما لأنني شعرت بأن فضاء الحكاية قد اعتكر بتسجيل موقف سياسي لحقبة الثورة التالية لزمن أحداث حكاية الأميرة فوقية .

أبارك لك هذا التألق يا شريف .
محبتي الخالصة .

قطرة دافئة في نهر الحياة

#19 شريف صالح

شريف صالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3783 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 November 2007 - 11:30 PM

(نبيل حاتم @ 17-11-2007, 08:13 pm) عرض المشاركة


العزيز شريف ..

حكاية .. جميلة .. لغة ونصاً ..
أتدري يا مسبع الكارات ... أنك تحرك الكاميرا بنصك .. كساحر ..وكأني أستند إلى مقعد وثير وأشاهد سينما رائعة .. لي .. ولي وحدي ..
لا أشك لحظة أنك كاتب سيناريو .. ممتاز ... هل حاولت ؟
اليوم يا شريف أنت تخوض تجربة من نوع آخر .. أن تتجاوز الكلاسكيات بالقص إلى حداثة من نوع آخر .. يمزج الرواية بالقص القصير .. بالسينما .. كل ذلك من خلال حكاية مروية بأناقة ..

أعجبني إهداؤك لسيد الماء ..
وأعجبني عندما قال :

وهذا الخيال في الوجود وعدمه له علاقة جدا قوية بشعر شاهر الخضرة
وأيضا من شروط إهدائه ( وأنا مستعد لتقاسم الإهداء ) وجود وشم في أسفل الظهر
وهذا صعب على نساء أصلا ومن أجيال ما بعد الردة . . إلى جيل
السباحة في جلابيب وغطاء رأس


أجل هو كذلك .. ولكن إياك تقاسم الهدية معه .. فشاعر مثله .. سيأكل الأخضر واليابس
ولن يترك لك إلا الفتات ... ولكن أخي شاهر يستاهل .. وأكثر ..

لكما محبتي


نبيل



ابا لوركا

هل أقول أنك حادس ( من الحدس) عبقري؟ من قال لك أنني رغبت في كتابة السيناريو؟ يوما ما فكرت وذهبت الى مخرج قادم من ايطاليا لكن لم أنتظم طويلا في الورشة.. المهنة تأكل وقتي كما تعرف.. لدي فكرة لا بأس بها عن فنون السينما بما فيها السيناريو لكن لم أجرب عمليا واشعر انها بحاجة الى سينارست كبير تتدرب معه لفترة.. ربما اعود لهذا المشروع يوما


شكرا لكلامك النبيه جدا عن النص

أما شاهر فهو كما تعلم شيخ طريقة وهؤلاء يمشون على الماء ولا تطول منهم شيء الا إذا ارادوا.. اراه عادلا معنا؟ أم لك رأي آخر؟ tongue.gif

#20 إبتسام إبراهيم تريسي

إبتسام إبراهيم تريسي

    عضو مميز

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 3603 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 November 2007 - 11:34 PM

يا شريف .
مساؤك ورد .
الرواية ، القصة ، سمّها ما شئت . لكنّها تحمل نفساً روائياً جميلاً .
شدّتني بقوة بكلّ تفاصيلها ، التي اقتربت من الأسطرة ، لقد صنعت من العادي فناً راقياً ، ممتعاً .
أما الجزئية التي تحدّثت فيها عن عبد الناصر ، فقد عصرت قلبي ، إنّه حبٌ لا يمكنني التخلي عنه .


شاهر لأنّي لم أكن في المقهى حصل ذلك الخلل ، تتصور مع عبد الناصر بدوني ؟ :excl: angry.gif

"من يحبوننا لا نغفر لهم ولو رمونا بوردة".
http://ibtesamterrysy.jeeran.com/




0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين