ذهاب للمحتوى


صورة

لغة الحوار في المسرحية والقصة والرواية


  • Please log in to reply
13 replies to this topic

#1 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 02 June 2003 - 12:38 PM

لغـــــــة الحــــــوار في المسرحية والقصة والرواية

بقلم: أ. د. حسين علي محمد
..............................

1-الحوار وسماته:
الحوار أداة فنية في المسرحية والقصة والرواية والتمثيلية المتلفزة والمُذاعة. والحوار: نمط من أنماط التعبير تتحدّث به شخصيتان أو أكثر في فن من الفنون السابقة، وينبغي أن يتسم الحديث فيه بالموضوعية والإيجاز والإفصاح"(1).
والحوار الجيد هو الذي يكون معبراً "ويتمثّل هذا النوع من الحوار فيما حسن تركيبه، وسهل قوله، واتضح معناه، وعبّر تعبيراً ملائماً، ويجب التضحية بزخرف الكلام وأناقته في سبيل المعنى، فلقد كان سومرست موم يفضِّل الكلمة القوية المحددة المعنى في الحوار على الكلمة ذات الجرس والرنين"(2).
ووظيفة الحوار كما يرى روجر م. بسفيلد:
1-السير بالعقدة، أي تقدمها أو تدرُّجها أو تسلسلها.
2-الكشف عن الشخصيات.
3-وينبغي أن تُوافق أجزاء الحوار المشهد التمثيلي أو السياق القصصي أو الروائي أو المسرحي الذي تُقَدَّم فيه "فمواقف المجد والعظمة تتطلّب جملاً قوية قصيرة، ومواقف الغرام تقتضي جملاً غنائيّة متدفّقة سلسة، فيها الفيض العاطفي والإحساس بالحب والجمال. والمواقف الفلسفية تستلزم جملاً رزينة متزنة، ذات صبغة منطقية … بحيث يتعدّى مضمون الجمل إلى مضمون الكلمات والمقاطع أيضا"(3).
ومن سمات الحوار الجيد:
1-الاختصار، والإفصاح، والإبانة.
2-انتقاء خير الأساليب والجمل والألفاظ المعبرة عن الشعور والعاطفة، وترك العبارات التي لا قيمة لها.
3-الإشارة إلى الواقع، لا نقله.
4-مراعاة طبيعة القارئ أو المستمع للحوار، فإذا كان الحوار بين طرفين أو ثلاثة ظاهريا، فإنه يوجد طرف آخر هو القارئ أو المستمع.
ومما يعيب الحوار: الإطناب، وهو ترك شخصيات العمل الأدبي تتحدّث كثيراً حديثاً لا طائل من ورائه، أي لا يُثري العمل الأدبي، أو يُعرِّفنا على الشخصيات التي تتحدّث أمامنا "ولذا يجب على المؤلف أن يكون متيقِّظاً، ولا يسمح بأية كلمة لا يكون لها دورها في عرض الأحداث، أو تصوير الشخصيّات، مدركاً أنَّ الإيجاز في استعمال الكلمات هو أساس القوة في الحوار"(4).
***
2-الحوار بين الفصحى والعاميات:
حينما وفد الأدب المسرحي إلى أدبنا العربي في منصف القرن الثامن عشر الميلادي، وبدأ العرب يبدعون مسرحيات على النسق الغربي، شغلتهم مشكلة الحوار: هل يكون بالعاميات المحكية المحلية أم بالعربية الفصحى؟ واختلفت خيارات المبدعين:
فمارون النقاش وهو من رواد المسرح العربي جعل حوار المسرحيات بالفصحى والعامية معاً؛ حيث جعل شخصياته تتحاور حسب منزلتها الاجتماعية، واستخدم اللهجات المحلية في مسرحياته.
ويعقوب صنوع كتب مسرحياته بالعامية المصرية، وكذلك فعل محمد عثمان جلال في المسرحية الوحيدة المؤلفة التي كتبها، وفي المسرحيات العديدة التي ترجمها.
وعلي أنور ومصطفى كامل كتبا باللغة العربية الفصحى.
وفي مصر ظهرت مدرسة تؤثر العامية على الفصحى في الحوار ـ وبخاصة في الإبداع المسرحي ـ ومن هؤلاء: محمد تيمور وإبراهيم رمزي، وعباس علام، وسعد الدين وهبة، ونعمان عاشور، ورشاد رشدي، ويوسف إدريس، وميخائيل رومان، ولطفي الخولي، وشوقي عبد الحكيم، ورأفت الدويري.
أما في القصة والرواية، فقد بدأ الفن القصصي بأسلوب أقرب إلى أسلوب المقامات ـ بالعربية الفصحى ـ عند المويلحي وحافظ إبراهيم، ثم تطور إلى لغة عربية صحيحة عند محمود تيمور (كتب قصصه الباكرة باللهجة العامية، ثم أعاد كتابتها بالفصحى)، وعبد الحميد جودة السحار، وعلي أحمد باكثير، ونجيب محفوظ، ومحمد عبد الحليم عبد الله، وثروت أباظة، ومحمد جبريل.
وقد آثر بعض كتّاب القصة والرواية ـ بدعوى الواقعية ـ أن يكتبوا الحوار بالعامية، ومنهم يوسف إدريس الذي نهج في معظم كتاباته هذا النهج، وقد عاب عليه الدكتور طه حسين ذلك في مقدمة كتبها لأحد كتبه، حيث أشاد فيها بمقدرة يوسف إدريس وبراعته، ولكنه طلب إليه " … أن يرفق باللغة العربية الفصحى ويبسط سلطانها شيئاً ما على أشخاصه حين يقص كما يبسط سلطانها على نفسه، فهو مفصح إذا تحدث، فإذا أنطق أشخاصه أنطقهم بالعامية كما يتحدّث بعضهم إلى بعض في واقع الأمر حين يلتقون، ويُديرون بينهم ألوان الحوار".
"وما أكثر ما يُخطئ الشباب من أدبائنا حين يظنون أن تصوير الواقع من الحياة يفرض عليهم أن يُنطقوا الناس في الكتب بما تجري به ألسنتهم في أحاديث الشوارع والأندية، فأخص ما يمتاز به الفن الرفيع هو أنه يرقى بالواقع عن الحياة درجات، دون أن يُقصِّر في أدائه وتصويره".
" والأديب الحق ليس مسجلاً لكلام الناس على علاته كما يسجله "الفونوغراف" …"(5).
ولا شك أن قول الدكتور طه حسين أصاب كبد الحقيقة، فالفن اختيار، ولغة المتحاورين في العمل الأدبي غير لغة حوارهم في البيوت والشوارع. وما أحرى كتّابنا أن يكتبوا حوارهم بلغة عربية صحيحة يستطيع العربي ـ في أي مكان من بلدان العرب ـ أن يقرأها فيفهمها، حتى يستطيع أن يتعايش مع العمل الأدبي الذي يُطالعُه.
المراجع:
( ) روجر م. بسفيلد: فن الكاتب المسرحي، ترجمة: دريني خشبة، القاهرة 1964م، ص218.
(2) د. طه عبد الفتاح مقلد: الحوار في القصة والمسرحية والإذاعة والتليفزيون، مكتبة الشباب، القاهرة 1975م، ص10.
(3) لاجوس إجري: فن كتابة المسرحية، ترجمة: دريني خشبة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة د.ت. ، ص420.
(4) السابق، ص10.
(5) يوسف إدريس: جمهورية فرحات، سلسلة الكتاب الذهبي، القاهرة 1954م، (المقدمة لطه حسين)، ص6.

#2 لبابة أبوصالح

لبابة أبوصالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 643 المشاركات:

تاريخ المشاركة 02 June 2003 - 03:27 PM

شكرا لك د. حسين ..

على هذه المقالة المفيدة جدا واللازمة لكل كاتب مبتدئ يحاول التطوير مما ينهج فيه من فن ( مثلي wink.gif ) ..

ويؤكد ما قاله الدكتور طه حسين , ما يقوله الأستاذ إبراهيم سعفان .. إنه من الخصائص الفنية للقصة القصيرة والإسلامية تحديداً .. " الحرص على استخدام اللغة النظيفة النقية , والصور الفنية الراقية والبعد عن إثارة شهوات المتلقين بالتعابير الجنسية الهابطة والألفاظ المسفّـــة باسم الواقعية الرديئة التي تقتضي , كما يتصور أصحابها استنطاق الشخصيات حسب مستواها العلمي والتعليمي , وهذا ما يدفعهم إلى استخدام اللهجة العامية ليس في الحوار فقط ولكن في السرد أيضا مما دفع المغاليــن من مثل هؤلاء الكتَّاب إلى كتابة الدراسات النقدية باللهجة العامية بل كتابة الروايات أيضا مثل رواية لبن العصفور ليوسف القعيد " *




rolleyes.gif محبتي
-----------------------
المصدر :
* مجلة الأدب الإسلامي - العدد (30 ) - المجلد الثامن - 1422هـ - 2001م - ص11 .


موقعي الشخصي
http://loubabah.blogspot.com/

#3 عبدالحكيم المالكي

عبدالحكيم المالكي

    عضو نشط

  • الأعضاء
  • PipPipPip
  • 136 المشاركات:

تاريخ المشاركة 06 June 2003 - 11:42 AM

جميل طرح موضوع الحوار ،وجميلة الكتابة فيه ،طرح د.حسين مميز ،ننتظر المزيد من التوسع في الموضوع من خلال التجارب الشخصية للكتاب ،فتجاربهم الخاصة في التعامل مع الحوار ،أو ما يسميه الناقد المغربي سعيد يقطين ،المعروض المباشر وغير المباشر ستغني بلا شك وتثري هذا الموضوع القيم ،وستزيد من حجم الإستفادة ،واخص بالذكر أولئك الكتاب الذين مارسوا الكتابة الطويلة سواء قصة طويلة أو رواية أو مسرح ،وما الذي يحدث لهم عندما يغيرون من سرد ،او حكي علي لسان راو لحوار او معروض ،ما لذي بأمكانهم تسريبه من خلال المعروض وغير ممكن من خلال السرد ، ما هي الإنفعالات الممكنة اثناء الكتابة والتي من الممكن انجازها عبر الحوار ، وما هي الأنفعالات التي من الصعب انجازها كذلك .مزيدا من التفاعل والتحاور سيحقق الكثير من الفائدة.لكم جميعا التحية والسلام عليكم
عبدالحكيم المالكي

#4 إبتسام إبراهيم تريسي

إبتسام إبراهيم تريسي

    عضو مميز

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 3603 المشاركات:

تاريخ المشاركة 06 June 2003 - 11:03 PM

الدكتور حسين شكرا لك على المقال الهام
الأخ عبد الحكيم ، تحية
مع احترامي للغالية لبابة
إلا أني سأتوقف عند تجربتي الشخصية في هذا المجال .. عندما كتبت روايتي الثانية تناولت بيئة بلدتي الصغيرة
في فترة زمنية ما بين ـ 1925ـ حتى 1946 ـ وهي الفترة التي احتلت فيها فرنسا سوريا
وشخصيات الرواية فرضت علي لغتها في الحوار رغم محاولاتي الكثيرة للتخلص من العامية
وقد جرى على لسان الشخصيات عبارات أنا لا أستعملها في حياتي ولا أحبذ سماعها ، وأخجل منها أحيانا .
وحين وقفت في مواجهة روايتي والآخرين . وجدت نفسي في موقف حرج سببه لي أكثر من شخصية ( حشاش ، وقمرجي ، وزبال ، وعامل قميم في الحمام ) هل أستطيع أن أجري لغتي الفصحى المهذبة على لسان رجل أمي لا يعرف من الدين سوى قشوره ، يقضي نهاره في السكر وليله في لعب القمار وشرب الحشيش ؟ هل أستطيع تهذيب لسان رجل يعمل في القميم يقضي نهاره في جمع الزبل من مزابل البلد ليزكي بها نار القميم في الحمام ـ مع ملاحظة أني أعرف هذه الشخصيات وإن لم أعايشها إلا أني أحفظ في ذاكرتي منذ الطفولة ملامحها وأعرف شكلها الجسدي وتركيبتها النفسية وطريقة حديثها !
وكل شخصيات الرواية عاشت في بلدي وبعضها ما زال حيا إلى الآن .. ما الذي أستطيع أن أفعله حيال الواقع؟
قال لي أحد النقاد وهو الدكتور صلاح صالح ، أستاذ في جامعة الكويت : لا بأس من بعض الإفتراء على الواقع لتصلي بالرواية عالم الفن . ـ رغم قناعتي بكلامه إلا أني لم أستطع أن أفتري على الشخصيات البسيطة ، افتريت فقط على الشخصيات المثقفة لأني استطعت أن أعيد تشكيلها . أما هؤلاء البسطاء فوقفت عاجزة امامهم .
أستطيع القول أني خلال السرد لا احبذ سوى الفصحى وإن كان الحديث عن شخص بسيط
أما الحوار فلم أستطع التحكم بلغته كما يريد النقاد
وأصحاب القرار في النشر ( أقصد وزارة الثقافة السورية )
أما عن الانفعالات التي يمكن تسريبها من خلال السرد والحوار فأقول أنه من الممكن عبر السرد أن تطغى لغة الراوي ( الكاتب ) ويلبس عواطفه التي مر بها في مواقف مشابهة لشخص آخر يريده تركيبة مزدوجة منه كواقع ، ومن خياله كحجاب !
نحن نحجب عواطفنا برقابة داخلية تقيدنا إلى مفاهيم لا نستطيع التخلي عنها أثناء الكتابة ( أتحدث عن نفسي هنا ) قد لا يكون ذلك ما يحدث مع غيري .
أنتظر تجارب الكتاب هنا لإثراء المناقشة
أحيي الدكتور حسين
وأشكر الأخ عبد الحكيم على اقتراحه الجميل الذي أيدته بأن كنت اول المتحدثين .
"من يحبوننا لا نغفر لهم ولو رمونا بوردة".
http://ibtesamterrysy.jeeran.com/

#5 عبدالحكيم المالكي

عبدالحكيم المالكي

    عضو نشط

  • الأعضاء
  • PipPipPip
  • 136 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 June 2003 - 06:25 PM

مع المبدعة أبتسام تريسي بدأت رحلة البوح الجميل ،بوح ملئ بلحظات التخيل من أفاق التكونات لتلك الخربشات الأولي للنصوص البكر،أحترامي لكي سيدتي ومزيدا مزيدا من بوحك الجميل، أنت وكل من مارس فعل الكتابة الشاقة ،فلتجاربكم ،أخطأكم ،فزعكم ،وأحلامكم،السياقات المفتوحة والمنغقة أمامكم ،لكل ذلك رائحة شهية وفعل فني شجي ،فعل سيحقق لنا نحن المتهمون بالنقد المزيد من القدرة علي القبض علي ما ينثال باعماقكم ،ويحقق للكتاب الأخرين الأستفادة من ثراء مقولاتكم ،الدعوة موجهة للكل،كل الكتاب ،فلا مناص ولا مفر لكاتب مبدع من أن يقع تحت طائلة الحوار نوان يعرض عبر شخصياته ما يريدة من حالات أنية وأنفتاحات للنص مستقبلية ،سؤال إضافي للأخت أبتسام ولكل الأخرين من الروائيين وكتاب القصة السردية.
ماذا يعني فعل التبديل من حوار إلي سرد لكم ،هل هناك فعل قصدي لذلك التغيير ،ماذا يعني فعل النقل لكم في ظل تقسيمات السردية البوطيقية لمكونات الصيغية إلي
معروض(حوار)،مسرود(حكي)،منقول(ماتم إيراده علي لسان مختلف منسوب لشخص ما)
ماذا تعني هذه الصيغ في تبادليتها لكم نهل تم أستخدامها كلها ،هل أستخدمتم أحدها أكثر من الأخر،بالطبع أذكر انني أقصد بالمعروض الحوار المباشر أو بتدخل السارد المنظم أو من خلال بوح شخصية تتكلم لذاتها بصيغة المضارع (تبعا ليقطين)
وأقصدبالمسرود نوعيه الاتي(حوار ذات لذاتها بزمن ماضي)أو مسرود حكي
وأقصد بالمنقول المباشر وغير المباسر (المباشر بدون تغيير وغير المباشر ينظمه الناقل.
هل تجدون أرتياحا لزمن كتابي معين .،هل وظف الزمن في اعمالكم بشكل قصدي ،سواء علي مستوي الأختيار التاريخي كما أختارت أبتسام زمن قصتها الأصلية (تاريخيا) في فترة الأحتلال ،أو من خلال تغيير طرق عرض القصة الأصلية عبر الخطاب(التزمين).
بالطبع كل تلك الأسئلة كثير غيرها تثقل كاهل اي ناقد ،وهي الأسئلة المبدئية الفتراضية التي منخلالها يجوس النص الروائي أو القصصي.
الأخوة الأعزاء لا تبخلوا علينا وعلي انفسكم فكتاباتكم ستثري منتدانا وتثري أعمالنا كل في وجهته الخاصة ،بالطبع كتاب القصة القصيرة غير مستثنون مع ضرورة الوعي بأن المجموعة القصصية ذاتها جنسياقريبة منالرواية وعندما تطرح نقديا ككل كامل فيها شخوص أو فواعل متعددين ويستخدم لها صيغ سردية مختلفة ومتنوعة وتنثال تحركا عبر زمن خطابي وقصصي خاص.
لكم جميعا التحية وخاصة المبدعة أبتسام وبأنظار المزيد من تجربتها وتجربة الأخوة الأخرين.
أخوكم عبدالحكيم المالكي

#6 إبتسام إبراهيم تريسي

إبتسام إبراهيم تريسي

    عضو مميز

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 3603 المشاركات:

تاريخ المشاركة 08 June 2003 - 08:56 PM

تحية رائقة كوجه صباح في بلادي لعبد الحكيم المالكي
جميل سيدي أنك سميّت َ ما كتبتُه بوحا ، فقد أنقذتني من ورطة لا أحبها وهي أن أبدو كمتحدثة عن تجاربي بلغة النقد .
سأتابع البوح هنا ..
1 ـ الحوار المباشر ـ أولا أرجو أن أكون قد فهمت قصدك جيدا ـ فليس لي باع ٌ في المسميات النقدية .
أو ما سميته بحوار ذات لذاتها ، هذا يترك للكاتب أفقا واسعا ليدخل تجربته الذاتية ، عواطفه ، ثقافته . أحيانا أحتاج لكتابة حوار داخلي أو جملة في حوار لمراجعة كتاب في علم النفس مثلا ، أو لإجراء تجربة ، أو استبيان عواطف أحد معارفي
لأعرف ماذا يمكن أن يقول أو يشعر في لحظة مشابهة يمر بها بطل القصة التي أكتبها !
ولذلك ألجأ في الغالب للكتابة عن أشخاص وأحداث عايشتها ، وعشتها لأنقل واقعا حقيقيا ، وهذا ما أخذه النقاد على كتابتي .
( الغرق في الواقع إلى الحد الممل ) .
الحوار بين الشخصيات ، كان أول العيوب التي أخذت على روايتي تلك ، فقد طال الحوار إلى الحد الذي قرب الرواية من الكتابة المسرحية . هذا العيب لم أنتبه إليه في البداية ربما استسهلت الكتابة على شكل الحوار ، فالحوار الداخلي والسرد يحتاج من الكاتب جهدا مضاعفا ، يستطيع اختصاره بالحوار الذي يجريه على لسان الشخصيات .
الزمن في الرواية كان قصديا ، تعمدت اختيار هذه المساحة الزمنية بدءا بالاحتلال وانتهاءا بالاستقلال .
أما التقطيع الزمني داخل الرواية ، فيتحكم فيه إلى جانبي عوامل أخرى منها أهمية الحدث ، قد يأخذ حدثا زمنه قصير مساحة من الرواية كبيرة ، وقد يمر زمن يشار إليه بكلمات على أنه مضى ويبدأ الكاتب بالحديث عن آثاره أو ما تلاه .
استخدمت كل الأزمنة تقريبا في كتاباتي ، كتبت الحاضر الذي أعيشه ، والماضي الذي مر في طفولتي ، والماضي الذي عاشه جدي وأبي ، الصعوبة التي واجهتني في الحديث عن أيام جدي ، هي أني أحتاج كثيرا لخبرات الآخرين ـ سواء أكانت كتبا أو أحاديث شفهية ـ لأستطيع أن أضع نفسي في المكان والبيئة والعادات وشكل العواطف التي كانت تسيطر ، أسس التربية ، الثقافة ، العلاقات الاجتماعية ، ـ عندما أتناول هذا العصر الذي أعيشه أتحدث بلساني لأني ما زلت على احتكاك مباشر بالتجارب والحياة .
أرجو أن أكون فعلا قد فهمت أسئلتك وأجبت عليها
ويسرني أن أرى متحدثين آخرين لأستفيد من تجاربهم في هذا المجال .
للدكتور حسين تحية لفتحه هذا الحوار
لعبد الحكيم المالكي امتناني ، لاتساع صدره لقراءة ما كتبت
لجميع الأخوة الذين سينجدونني بتجاربهم أرق تحياتي
لجبير كل المودة
محبتي لكم
"من يحبوننا لا نغفر لهم ولو رمونا بوردة".
http://ibtesamterrysy.jeeran.com/

#7 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 09 June 2003 - 04:32 PM

هذه هي المقالة الثالثة عن قصص إبراهيم المصري
[وبقيت لدينا مقالة عنه، قد نضيفها لاحقا]
***
***
الحوار في قصة «العودة» لإبراهيم المصري( )
بقلم: د. حسين علي محمد
***
على الرغم من أن عنصر الوصف يقوم بدور بارز في بناء القصة القصيرة في أدب إبراهيم المصري (1900-1979م)، فإن قصة «العودة» تكاد تهتم بالحوار ملمحاً فنيا متميزاً لا تقوم به قصة أخرى من قصصه.
وقصة «العودة» هي إحدى قصص مجموعة «الوجه والقناع» التي صدرت في سلسلة «كتاب اليوم» (العدد 61 – يناير 1973م)، ( ص ص 108-123).
وتدور القصة حول مسجون يخرج من السجن بعد خمسة أعوام قضاها فيه، فيرتكب جريمة في يوم خروجه من السجن ليعود إليه مرة ثانية.
وتبدأ القصة بخروج البطل (ولم يضع القاص له اسماً، وهذا ملمح مهم في أدب إبراهيم المصري فهو يضع دائماً أسماء لأبطال قصصه،) من السجن، والقصة تبدأ بهذه الفقرة:
«خرج الرجل من السجن وتلفت حوله مذهولاً ثم وقف، افتقد نفسه لحظة ثم وجدها، ولكنه لم يصدق بصره .. كان يخيل إليه أن الحياة قد تغيّرت، ولكنه أبصرها جميلة شائقة خلابة كما كان يعهدها منذ خمس سنوات .. الكون فسيح، والسماء شاسعة، والأضواء متلألئة، والناس يغدون ويروحون كأن حياتهم اليوم ما تزال موصولة بحياتهم أمس، وكأن لم يتغيّر في العالم أي شيء»( ).
إن هذا الوصف ـ كما يبدو ـ ليس وصفاً ظاهريا للأشياء؛ وإنما هو وصف من خلال حوار الرجل مع نفسه. إنه كان "يظن" أن الدنيا تغيرت خلال سجنه ولكنها مازالت «جميلة شائقة خلابة كما كان يعهدها منذ خمس سنوات .. ». إذن عليه أن يستأنف حياته السابقة.
لقد خرج "الرجل" من السجن وأمامه طريقان: الأول الذي يفضي إلى بيته (حيث زوجته وابنه المريض)، والثاني (حيث أمه وأسرة أخيه).
إنه يريد أن يسير في الطريق الثاني (الطريق المؤدي إلى بيت أمه وأسرة أخيه)، ولكنه يجد إنساناً (مديد القامة، شبه جبار) يسد عليه الطريق، إنه «القدر» ذاته!، ويدور بينهما هذا الحوار، الذي يفسح فيه القاص مكاناً لانفعالات الرجل:
«تقدم الإنسان نحو الرجل وقال له وهو يبتسم:
ـ مساء الخير يا عزيزي ..
فانقبض الرجل وغمغم :
ـ من أين جئت؟ ..
ماذا تريد مني؟ .. كنتُ أعتقد وأنا في السجن أني قد تخلصتُ منك إلى الأبد.
وضحك الجبار وقال:
ـ وهل يمكن أن يستغني أحدنا عن الآخر؟ .. هل من المعقول أن يكون في وسعك أن تخرج من الموت إلى الحياة دون أن أكون أنا في صحبتك؟
فاقشعر بدن الرجل وصاح:
- لستُ في حاجة إليك!
أنا رجل حر .. لن أدعك تلاحقني! .. أريد أن أسير بمفردي.
وتشجع وأردف:
ـ وسأنطلق بمفردي رغبت أنت أم أبيت ... أفسح لي الطريق»( ).
إن الإنسان الذي يُخاطب البطل الحر لتوه من أغلال القيود، هو القدر بعينه كما أشرنا، ولقد جعل القاص من القدر شخصاً جباراً، لكنهُ يُحاورُ بالمنطق.
ويكشف هذا الحوار ـ الحقيقي أو المتخيَّل ـ عن خوف الإنسان الفطري من المقدر والمكتوب، ورغبته الدفينة في أن يتحرر منهما، ومن ثم يدفع هذا الخوفُ الرجلَ إلى أن ينطلق إلى بيت أمه.
ويكشف الحوار عن سر اندفاعه إلى بيت أمه، لا بيته هو الذي يضم زوجته وطفله:
ـ أنا رجل حر! .. لن أخرج إلا وحدي! .. ولن أسير إلا بمفردي! .. وسأسير من هنا .. من هذا الطريق، مؤكداً إرادتي رغم كل شيء!
فهز القدر رأسه، وأمسك بذراع الرجل، وقال وهو يُلاطفه ويربت على كتفه:
ـ لا تنطح الصخرة، واستمع إليَّ .. أنا أعرف كل شيء .. أنا أعلم لماذا تريد أن تسلك هذا الطريق بدل الآخر. إن هذا الطريق الثاني يؤدي إلى منزل والدتك .. أما الطريق الآخر فيؤدي إلى بيتك، إلى حيث تعيش زوجتك .. ولكنك يجب أن تسلك الطريق الأول .. يجب أن تذهب إلى زوجتك »( ).
تأمل كلمة "أخرج"، مع أن الرجل يقولها وقد "خرج" من السجن فعلاً، وأصبح حراً يُمارس فعل حريته كما يهوى، وكأن هذا الفعل "خرج" تعبير نفسي عن محاولة "خروج" الرجل من ربقة المقدر والمكتوب! هذا الذي ساقه إلى السجن خمسة أعوام، فهل يستطيع؟
ومن الحوار بينه وبين القدر نعرف لماذا دخل السجن:
« ـ ... كل شيء حدث بالرغم مني .. لقد أسرعتُ لنجدة ذلك العامل الصبي المسكين الذي كان يضربه صاحب العمل ويُنكِّل به، فلمّا تطاول عليَّ صاحب العمل وسبَّني، طاش صوابي، فضربته ضرباً مبرحاً أصيب من جرّائه بتلك العاهة المستديمة التي كانت السبب في سجني خمس سنوات ..
فضحك القدر وقال:
ـ لماذا تدخّلت فيما لا يعنيك؟ .. أردت أن تنصر الضعيف .. أن تكون شهماً .. أليس كذلك؟
فصاح الرجل:
ـ ألست أنت الذي أفقدتني صوابي وحرّكت يدي؟
فقال القدر:
ـ بل هي كبرياؤك التي أعمتك؟
فعاجله الرجل بقوله:
ـ كيف تلومني على أني كنتُ رجلاً طيب القلب .. كان في وسعك أن تخمد نار حماستي أو تجنبني رؤية هذا المشهد الذي أثار أعصابي .. ولكنك لم تفعل .. تركتني وشأني»( ).
ويكشف هذا الحوار عن ملمح فكري هام، هو نسبة ما نفعله من أحداث لا نرتاح إليها أو أخطاء نهرب من تذكرها إلى القدر، وكأنه هو المسئول عما نفعل لا نحن!!
ونعرف من الحوار نفسه لماذا لا يريد الرجل الخارج من عقوبة السجن أن يتوجه إلى منزله حيثُ زوجته وابنه في قوله من حواره مع القدر:
« ـ أنت المسئول عن نكبتي .. أنت الذي حرمتني من تربية طفلي! .. أنت! أنت الذي أفقدتني فوق ذلك زوجتي!
فتفرس فيه القدر مليا، وتمتم وهو يُخفي ابتسامة ساخرة:
ـ زوجتك؟ .. ولكنها باقية لك .. لماذا تقول إنك فقدتها؟
فصرخ الرجل من أعماق قلبه:
ـ لأنها خانتني! .. كنتُ أحبها، كنتُ مفتوناً بها، كنتُ غيوراً عليها حتى من نفسها، كنتُ أحرص على إخلاصي لها حرصي على حبة عيني الغالية»( ).
ونعرف من الحوار أن سعادته معها لم تدم أكثر من سنة واحدة، ثم دخل السجن، وكانت تزوره وتحمل معها طفلهما الصغير، ثم امتنعت عن زيارته وعرف من صديق له أن ابنه مريض وهي تقوم على رعايته ومن ثم هي مضطرة لعدم ترك الطفل المريض وحيداً والمجيء لزيارته، ولما ضيق الخناق على صديقه أعلمه أن شبهات كثيرة تحوم حول امرأته، وأن كل أبناء الحي يتهامسون بأن الممرض الشاب الذي كان يُعاون الطبيب في معالجة ابنه قد ألف التردد على بيته، وأنه قد أصبح عشيقاً لزوجته!
ولكن الإنسان الذي يُجسِّم القدر يبدو رحيماً معه، وينطق الحقيقة الجديرة بالتأمل فيها والاستماع إليها، وهو يدعوه لئلا ينساق وراء شكوكه المدمرة:
« يا لك من غر .. إن الشاعر نفسه لا يمكن أن يكون أكثر حماقة منك؟ .. ما هذا الخيال الجامح المضلل؟! .. كيف تحكم على امرأتك لمجرد أقاويل وشبهات؟ .. كيف يُطاوعك ضميرك على أن تتهمها دون أن تسمع دفاعها؟ .. أين هي شهامتك؟ .. أنا أعلم أنك تركت لها ذلك المبلغ الكبير الذي كنت ادّخرته. ولكت ربما كان مرض طفلك قد استنفد هذا المال، فاضطرت المرأة بدل أن تسلك سبيل الغواية أن تؤجر غرفة لذلك الممرض الشاب .. لا تظلمها .. حرام عليك .. أنت تحبها .. أنت تتلهف على رؤيتها، فأقلع عن خوفك الوهمي من نفسك ومن غيرتك، ولا تعتقد أنك لا بد سترتكب جريمة ثانية .. اذهب إلى امرأتك! .. انطلق في الطريق الأول المؤدي إلى بيتك»( ).
ويتجه الرجل إلى الطريق الثاني حيث بيت أمه، حيث لم يلبث إلا وقتاً قصيراً، ثم توجّه إلى بيته، ليقتل زوجته وعشيقها، ولكنه يرى العشيق مقتولاً بيدي الزوجة!
وهاهو الحوار ـ على لسان زوجته ـ يكشف له الحقيقة:
«كان المرض قد اشتد على ولدي، وحال بيني وبين زيارتك، وكان هذا الشاب يُعاون الطبيب في علاج الطفل ويبدو أنه نبيل النفس طيب القلب. فلما التهم المرض معظم نقودي عرض الشاب أن يستأجر غرفة عندي، فقبلت مكرهة وكتمت النبأ عنك .. أبيت أن أُضاعف عذابك .. وثقتُ في الشاب واعتقدتُ أنه شريف وكان بالفعل شريفاً حتى هذه الليلة .. ومنذ برهة .. منذ لحظة، دخل عليَّ سكران يصيح ويهذي، ثم غازلني .. فانتهرته، فسبني ، فطردته، فثار ثائره، وحاول أن يغتصبني، فصرخت مستنجدة، فهجم عليّ وأخمد صوتي، فتاه عقلي، وتملّصتُ منه بعد عناء، ثم قذفته بالزهرية الكبيرة، فشجت رأسه وقتلته لساعته»( ).
وجس الرجل يد ولده فوجده محموماً، وأخرج النقود التي أعطيت له من قبل إدارة السجن عند خروجه وأعطاها لزوجته، ودار بينهما هذا الحوار المعبر:
ـ خذي .. هذا كل ما أملك .. اعتني بابنك جهدك .. وليكن الله معك!
فغمغمت المرأة موجسة:
ـ ما معنى هذا؟! ..
فقال وهو ثابت:
ـ أنا سأتهم نفسي! ..
سأقول إني أنا الذي قتلتُ دفاعاً عن شرفي! .. يجب، يجب أن أعود إلى السجن .. لا مفر .. يجب أن أعود! ..
فصاحت:
ـ محال .. بل أنا التي قتلت، وأنا التي يجب أن أسجن!
فابتسم الرجل ابتسامة مرة، وقال:
ـ أنت يجب أن تبقي وتعيشي وتكافحي من أجل طفلنا!
فتفطّر قلب المرأة وصرخت:
ـ أتخرج أنت من السجن لتعود إلى السجن، وأكون أنا، أنا السبب؟! .. هذا فظيع! .. أبداً .. أبداً .. دعني أسلم نفسي ولو احترق قلبي على فراق ولدي!
فقال الرجل:
ـ أنتِ أمه ويجب أن تبقي معه، وهذه إرادتي!
فصاحت:
ـ الويل لي، لقد أهلكتك وأهلكت نفسي! ( ).
لقد قام الحوار في هذه القصة بتصوير شخصية البطل من الداخل، ودفع الأحداث إلى الذروة، وقام بدور رئيس ـ مع الوصف ـ في إظهار حبكتها، وفي بنائها حتى وصل بها إلى النهاية.
وقد كان إبراهيم المصري موفقاً في إدارة حواره، ولا غرو فهو قد كتب عدداً من المسرحيات في بداية حياته الأدبية، ومنها مسرحيات «الأنانية»، و«نحو النور»، و«الفريسة» ... وغيرها من المسرحيات التي مُثِّلت على مسرح رمسيس.






















#8 عبدالحكيم المالكي

عبدالحكيم المالكي

    عضو نشط

  • الأعضاء
  • PipPipPip
  • 136 المشاركات:

تاريخ المشاركة 13 June 2003 - 12:45 PM

الأنتظار للمزيد والمزيد من الكتاب الأخرين ،فموضوع الحوار وقضاياه يصلح لكي يكون ورشة محترمة يبوح كل من عاني مرارة الكتابة فيها بعض مما يراه أو ينشده أو يشده ،نحتاج للمزيد من الكتابات هنا من الروائيين والمسرحيين خاصة.
تحية لمن ساهم وبأنتظار ان يثري الموضوع اكثر
أخوكم عبدالحكيم المالكي


#9 عبدالعزيز الرواف

عبدالعزيز الرواف

    عضو مشارك

  • الأعضاء
  • PipPip
  • 66 المشاركات:

تاريخ المشاركة 14 June 2003 - 02:16 PM

يمكننا ان نجعل تجربة الكاتب بوحا لما يشعر به ولكن الايرى معي عشاق الكلمة ان البوح لا بد ان يكون شاملاا لاحاسيس الغير بمعنى ان لا يكون ذا خصوصية جد مغرقة في التجربة الشخصية او البيئية نسبة الى البيئة التى خرج منها الكاتب .
حيث ارى ان لابد للكاتب من خلط بوحه الشخصي بما يجعل الاخرين يللتقون معه في هاجس البوح .

#10 عبدالحكيم المالكي

عبدالحكيم المالكي

    عضو نشط

  • الأعضاء
  • PipPipPip
  • 136 المشاركات:

تاريخ المشاركة 14 June 2003 - 05:17 PM

مع كل التحية للمبدع عبدالعزيز وكل الخوة نطبيعيا كلا تجربته القصصية او الروائية الخاصة نولكن ما قصدته من خلال طرح فكرة البوح عن موضوع الخصيصة الحوارية كصيغة سردية ناقصد به المسالة التقنية وارتغب من خلال ذلك تحقق فعل تعليم متواصل للروائي والقاص من جهة وللناقد وهو يستمع لاحاديث القاصين والروائيين التقنية ،مثلا ما الذي يمكن طرحه عبر الحوار ولا يمكن طرحه عبر السرد نما هي التغييرات الاستراتيجية التي يحققها التغيير من حوار لسرد او من حوار خطاب منقول لدي القاص ،هل تجد ضرورة لوجود السارد أو الراوي المنظم لفعل الحوار بين المتحاورين او تجد للحوار الشبه مسرحي (المعروض المباشر)كفايته الذاتية ناي اننا نتسأل من خلال هذه المقالة الجميلة والطرح المتواصل للدكتور حسين علي ننتسأل عن التجارب الشخصية التقنية وليس عن البيئة الأجتماعية او الخصائص البيئية لكل كاتب ،والحقيقة أن المبدعة ابتسام تريسي بدأت وأتمني منها المزيد من التحدث (البوح) عن الخصائص التقنية لتجربتها الروائية من جهة توظيف الحوار او باقي الصيغ السردية ،مثل السرد الذي ينقسم للوصف والخبر ،أو المنقول .
تحية للاخ عبدالعزيز وبانتظار المزيد من باقي الأخوة.
عبدالحكيم المالكي

#11 محمد شلاكه

محمد شلاكه

    عضو مشارك

  • الأعضاء
  • PipPip
  • 43 المشاركات:

تاريخ المشاركة 14 June 2003 - 11:15 PM



( حول فنون القص )


بقلم : الباحث البولندي يجي زوميك

ترجمة عدنان المبارك





يقول الخبير المسرحي المعاصر إنه يوجد فن المسرح ، المتميز وذو الإستقلال الذاتي، كما يوجد (العمل ) المسرحي الذي هو ليس منحدرا من المؤلف الأدبي ولا تنفيذا له. والخبير الفلمي يجزم بشيء مشابه عن العمل الفلمي ولكنه لايملك حسّاسيّات خبير المسرح، فصلات الفلم بالأدب ، رغم خطرها ، هي متخلخلة وخالية من محاولات هيمنة الأدب على الفلم. وفي الواقع تكون حسّاسيّات الخبير المسرحي مبّررة تأريخيا لكنها جاءت متاخرة، ولأن التجديد في الإخراج المسرحي يخص مجالات أخرى غير النصّ عادة.
أكيد أن مثل هذه الحسّاسّيات في فن المسرح غير مبرّرة اليوم . فالأدب كف عن النزوع صوب الهيمنة. وليس هناك من أحد ، عدا منظري الأدب ، يريد البرهنة على الخصائص الأصيلة للعمل الأدبي والتي تتكون من العلاقات القائمة بين عناصر النص من ناحية و بين النص واللغة من ناحية أخرى. فهؤلاء المنظرون هم القائلون أكثر من مرة بأن الدراما ليست صنفا أدبيا على الإطلاق.
ولاتبعث على القلق الدعوة الى أن يكون المسرح مسرحيا والفلم فلميا والتصوير تصويريا ، لولا أن فيها ، عدا النداء من أجل الحق في إستقلال الفنون ولغاية الإنفصال التام لبعضها بعضا، شيئا يخلو من الطرح الموضوعي. فإشكالية العلاقات المتبادلة بين الفنون لابد أن تقودنا الى مسألة القصّ أي المتن الحكائي. فالقصّ هو ذلك العنصر في الفنون ، مع إستثناء العمارة والموسيقى، والذي يقوم بالربط ويسمح بعقد المقارنات بين الأدب والمسرح والفلم والتصويرالتشخيصي. وفي الوقت نفسه يكون المتن الحكائي ذلك الصعيد من أصعدة العمل الأدبي والذي كان في وقتها مادة الإهتمام الوحيدة، إلا أنه اختفى فيما بعد من سجل مواضيع الخط الأول في عملية التأليف. ومعلوم أن اللوم يلقى هنا على الإتجاهين السيميائي والبنيوي اللذين أهملا هذه الإشكالية. صحيح أن إنتباه البنيويين قد توّجه في البدء إلى التنظيم اللغوي للعمل الأدبي ولكنهم أحدثوا إنعطافا جوهريا فيما بعد عندما إستكشفوا المناطق المسماة بالأنظمة الدلالتية العليا وشعرية السرد.
نحن نفهم المتن الحكائي كمجرى للأحداث صيغ وفق الزمن الموضوعي. أما السرد فنفهمه كتقديم لمجرى الاحداث خاضع للتنظيم بصورة تكوينية. وللقص شتى الأسماء في هذه اللغة وتلك أو في هذه المدرسة وتلك. و يفهم المتن الحكائي كأمر حدث فعلا ولغرض التمييز عن الكلمة التي إستخدمها الشكلانيون الروس، وتعني طريقة يتعرف القاريء بها على الحدث. كذلك ليس حقيقة ما كتب بأنه يمكن وصف المتن كخلاصة من ( خامة ) الحدث المروي ويكون تركيبها من تجربة المؤلف ومطالعاته إلخ. وعند قبول الفرضية القائلة بأن للعمل الأدبي بعدين أي أنه قصة و تعبير يطرحان بصورة متزامنة ،علينا أن ننبذ فرضية تودوروف القائلة إنه على صعيد التعبير لا ينبغي أن تؤخذ بعين الإعتبارالأحداث أي مادة السرد بل المهم هوالاسلوب الذي يقّدّم لنا السارد به تلك الأحداث. وفي هذه القضية قد نفضل إقتفاء أثر فكتور شكلوفسكي في مواقفه الأخيرة حين أكد على عدم إنفصال الجزء الحدثي عن النظام التكويني ، فقد وجد أن العمل هو موّجه صوب الواقع خارج الأدبي والتعرف عليه.
إن أصعب ما في هذا الأمرهو العثور على الجواب الواضح على السؤال : بأي طريقة يحدث القص ؟. السيميائيون الفرنسيون يجيبون : بطريقة تجريدية ، أي أنها لاتوجد بحد ذاتها إمبيريا ، فالقص نتلقاه دائما في حالة سرد يكون هو قد شيّد منها. إلا أن هذا لايعني بأن المتن الحكائي هوخلاصة جاءتنا من السرد أو أنه يسبقها وراثيا. بالأحرى يمكن مقارنة المتن الحكائي بالأسطورة وفق ليفي - ستروس ، مع فارق واحد هوأن المتن لايخلق نظاما مغلقا لاعودة فيه، وبذلك ليس هو كلاما ( لغة ) بالرغم من أنه مع فعل التكرار يبلغ حالة من التركيز قريبة من اللغة. وبتحديد أدق يمكننا القول إن كل أسطورة مروّية في العمل الأدبي هي متن حكائي ولكن ليس كل متن هو أسطورة.
كذلك بمقدورنا القول ، لكن مع شيء من المجازفة ، إن علاقة المتن الحكائي يالسرد المنظم في الجمل تشبه علاقة ( المصطلح المفهومي ) لدى وليم أوكيم ، بالأخرالموسّع. لكننا سوف لن نستخدم مثل هذا الجهاز بل نكتفي بلفت الإنتباه الى إمكانية معاملة المتن الحكائي ك( إشارات طبيعية ) تلقى تعبيرا لها في الإشارات المنطوقة، ومن الأحسن القول إنها تلقى تلفظا لها بدل ( تلقى تعبيرا لها ). و حين نترك جانبا القضايا المهزوزة لأنثولوجيا المتن الحكائي، لنقم بفحص علاقة المتن بالسرد. فهنا يكمن جوهر الصعوبات حيث أن المتن يوجد بالصورة التجريدية ولكنه محفوظ و يبقى تحت تصرف السرد أي أن النطق يكون عبر السرد وسيلة للقص. ومفهوم النطق والذي هوالأساس في تمحيصاتنا سنكرس له الإنتباه بعد قليل.
يكتب أندريه مارتينيه في مؤلفه( أصول اللسنيات الوظائفية ) أن النطق،أي التوصيل المفصلي،( يتكشف في مستويين : كل مفردة ناتجة من التفرع الأول هي بدورها تفرع الى وحدات من نوع آخر. إن التفرع الأول للغة هو تفرع تكون ، وفقه ، كل حقيقة للتجربة التي عليها أن تكون فحوى البلاغ، وكل حاجة يكون المسعى منها هو إبلاغها لشخص آخر، تتفرق الى نسق من وحدات لكل منها شكل صوتي ودلالة(...). والتفرع الأول هو الأسلوب الذي ينظم التجارب المشتركة لجميع أعضاء المجتمع اللغوي (...). وهذه الوحدة لايمكن شطرها الى وحددات أصغر لها دلالاتها: الوحدة تبلغ بكامل كلمة ( رأس ) و لايمكن أن تمنح مثلا مجموعة صوتي ( ر أ ) و حرف ( س ) معان مستقلة يعادل مجموعها معنى ( رأس ). إلا أن ما يتعلق بالهيئة الصوتية هو أن المجموعة تنقسم الى نسق من الوحدات تسّبب كل واحدة منها نشوء التفرقة بين كلمة ( رأس) و بين غيرها من الوحدات مثل: فأس ، كأس أو رس . وهذا ما سنسميه بالضبط ، التفرع الثاني للغة) . والنطق الثاني هوالاخير في الوقت ذاته ولأن وحدات هذا النسق ليست إشارات بالمعنى الصحيح للكلمة. وبعبارة أخرى تتصرف اللغة بوحدات ثنائية الطرف وأخرى أحاديته. الثنائية هي إشارات مستقلة، فمن جهة توميء الى شيء ليست هي إياه ، ومن جهة أخرى تبقى هي مشفرة بمساعدة الوحدات الأحادية الطرف أي أنها تخدم هذا الشيء حسب ولكي تشيّد منها وحدات ثنائية الطرف أي الإشارات الصحيحة.
وفي اللغة التي تؤدي ،عادة، وظائف إتصالية يكون مستوى الوحدات الأحادية الطرف هو المستوى الذي يمكننا أن نسميه ب( الشفاف ).
وفي العمل الأدبي لايكون المستوى الصوتي شفافا ، فهولا يخدم التشفير وحده بل يخلق أيضا فائضا معيّنا من التنظيم ويؤدي في الوقت ذاته الوظيفة المسماة بالشعرية التي لا يمكن تجريدها من قابلية الدلالة. إن درجة اللاشفافية معتمدة على التقليد، وعادة يكون هو التقليد الصنفي. وفي الشعر تكون اللاشفافية ذات أشد كثافة. أما في النثر الحكائي فليس النطق على المستوى الصوتي وحده يمكن أن يكون شفافا، نسبيا، بل كذلك النطق على مستوى الوحدات الثنائية الطرف، والجمل.
وتزدادهذه الشفافية كلما ضعفت الصلات التنظيمية الداخلية على مستوى النطق. ولإعتبار معين يمكننا أن نلحق بهذه المسألة علاقة الثيمات الحكائية بالوقائع الفعلية للحكاية أي صيغ السرد
و ليخدمنا هنا مثالا معروفا هو الحكاية التي قام دبليو . بروب بتحليلها:
1 - القيصر يمنح الفتى نسرا.
2- العجوز يعطي سوشينكا حصانا.
3- الأميرة تعطي إيفان خاتما.
4- الساحر يعطي إيفان قاربا صغيرا.
كما معلوم يبيّن بروب بأنه في الحكاية تتكشف قيم ثابتة و أخرى متبدلة : الوظائف ثابتة، أي أنشطة الشخصيات في حين أن ما يتبدل هو أسماء الشخصيات وصفاتهم.
بمقدورنا أن نستخدم العلامات من علم الجبر لغرض تحديد هؤلاء الواهبين ( القيصر ، العجوز، الأميرة ، الساحر)، والموهوبين( الفتى ، سوشينكا ، إيفان ) والهبات ( النسر ، الحصان ، الخاتم ، القارب الصغير) وكذلك الوظيفة الأساسية للهبة. ومن واصل منحى بروب يأخذ عليه بأنه أعلى من دور الوظيفة على حساب الشخصيات الفاعلة. وهذا حق ، لكن علينا تذكر أن نصّ بروب (مورفورلوغيا الحكاية) كان بالكاد الجزء الأول من فحوصات واسعة توقفت لأسباب بعيدة عن إرادة المؤلف و لم تستأنف إلا بعد مرور سنوات طويلة. ولنطرح شكوكنا هنا بصورة أخرى: هل يمكن الإقتصار على تحديد الوظيفة ، أي هل نعتبرالنطق في الأسماء ( القيصر، العجوز ، الأميرة ، الساحر ) شفافا ولأيّ درجة ؟.المقصود هنا : هل القيصر والعجوز والأميرة والساحر سيكونوا محض صيغ أم أن هذه الأسماء ، سوية مع مميزاتها ، ستكون مخططات للمستوى التالي من النطق وكذلك للسرد الذي يخلق مناخا متميّزا ومزاجا لن تكون الحكاية بدونهما حكاية.
ولنأخذ مثالا آخر .المخطط الحكائي الذي نحن قادرون على تسجيله: ( الأب يضحي بحياة إبنه نزولا عند أمر الرب )، يمكننا نطقه بجمل تتكلم عن قصة إبراهيم وكيف ضحى بإسحق بأمر من يهوه، أو بجمل عن تضحية أغاممنون بأفيغينيا عندما أمرته ديانا. و إذا إعتبرنا حالات النطق هذه كصيغ نكون قد تصرفنا بالشكل الصحيح إذا أخذنا بالفحوصات على ضوء التسجيل الميثولوجي. إلا أننا نخطيء كفاحصين للأدب إذا إعتبرنا حالات النطق هذه شفافة.
وعلى شتى مستويات النطق تظهر علائق من طراز منسّق أو مسبوك وآخرإنموذجي. ولفحص هذه العلائق يكرس علم الأدب الكثير من الإهتمام. الا أنه نادرا ما يتم فحص العلاقات الناشئة بين مختلف مستويات النطق. وهذه العلاقات أسماها أميل بينيفست بالتكاملية.
وتظهر هذه العلاقات بمختلف درجات القوة في مختلف الأصناف والشعريات. وأقواها نلقاها في الملحمة والتراجيديا حيث تكون المستويات محمّلة ، و بصورة متساوية، بالوظيفة السيميائية. إنها أضعف، نسبيا ، في الرواية والدراما الواقعية. والغرض من هذه الطروحات هو أن تظهر فرضية قد تعدّل مفهوم الوظيفة الشعرية وتوّسعها لكي تصبح علاقات تكاملية أي ( شاقولية). ومن المناسب هنا أن نفرّق في العمل الأدبي بين ما هو لغوي بالضرورة وبين ماهو لغوي ولكن بدون ضرورة .
إن المتن الحكائي هو جزء من العمل الأدبي محروم من الطبيعة اللغوية. فهذا المتن لايملك معجمه ولا نحوه. إنه يقترب من المعجم عبر تكرارالعنصر ( الموتيف ). والنحو يلتزم به على مستوى السرد. و يخطيء تودوروف عندما يقوم بتحليل أحوال التكرار والفرضيات المضادة و حالات التدرج والتوازنات كقواعد لغوية ل( القصة ). فهذه جميعا تعود الى السرد. وعندما لايملك المتن الحكائي طابعا لغويا يمكن التعبير عنه في حالات سرد مشيّدة من مختلف الشفرات. فالحكاية نفسها يمكن روايتها بلغة الأدب والفلم والعمل التشكيلي والمسرح. كما تسهم الحكاية نفسها في خلق شتى الأعمال التي تكون بفضل ذلك قابلة للمقارنة والتلخيص ( الإيجاز ). ومفهوم العمل الذي خضع للتلخيص ليس بفكرة تتعارض مع المنحى البنيوي. إن تلخيصية العمل هي خصيصته التي تملك شتى درجات الشدة : من درجة الصفر في الشعرأوعلى الأقل في بعض أصناف الشعر، الى الدرجة التي لا يمكن تحديدها بالطبع من الناحية العددية كما لا يمكن قياسها بالطبع، ولكن يحصل هذا في التطبيق العملي بمعونة المثال. ويخلق المتن الحكائي نفسه أعمالا متنوعة في حالات نطق متنوعة. ولنقل بوضوح : المتن الحكائي ليس ملكية للأدب. وإذا كان الأدب يؤدي في أغلب الأحوال و بين كل الفنون الحكائية، دورا إيحائيا فهذه مسألة أخرى تماما. وفي الأخير يحصل العكس. فغالبما تنهض أعمال أدبية من أخرى فلمية مثلا.
وقد يبقىالمتن الحكائي نفسه في مختلف حالات النطق ولكنه يخضع عادة للتحوير بسبب حالة خاصة من التقييد أوعلى العكس بسبب إمكانيات التوسيع التي يملكها هذا النطق أو ذاك. إن النطق في السرد اللغوي هو أفقي على الدوام في حين أن الفلمي أو المسرحي هو ميداني وتتابعي .
إن الحكاية هي مفهوم مشترك بين الفنون بينما السرد يعود دائما الى فن ما، وبعبارة أدق : يعود هو الىاللغة. وعملية التلخيص بإستخدام ( كلمات خاصة ) هو سرد أيضا بالرغم من أن التلخيص الدارج لانسّميه فنا مع إستثناء حالات نادرة من التلخيص كعملية خاصة و صعبة من عمليات النقد الأدبي.
إن التعامل مع الحكاية كظاهرة مشتركة ليس بعملية طوبولوغية كما أنهالا تخص علم المصطلحات. وتبقى هناك القضية الأهم والأصعب أي السؤال : هل أن الحكاية المفهومة بهذه الصورة محرومة من الصفات السيميائية؟. بمكنتنا القول ، ولكن على صعيد الإفتراض حسب ، إن المتن الحكائي لايملك لغته الخاصة والمتميزة لكنه يتقبل عناصر الأنظمة السيميائية ذات الطبيعة الثقافية العامة والتي ليست هي فنا مثل الطقس والتقليد والعادة والتسلية إلخ. وتحافظ الإيماءات السيميائية القادمة من هناك ، على دلالتها بدون تغيير ، وأيّ كان أسلوب نطقها في السرد.

ـــــــــــــــــــــــ


محمد شلاكه

#12 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 18 June 2003 - 04:37 PM

نشكر الأساتذة الأفاضل: محمد شلاكة، وعبد الحكيم المالكي وعبد العزيز الرواف على هذه الإضافات القيمة.
وأرجو أن أضيف بعض الإضافات قريباً عن الحوار، بعد الفراغ من هموم الامتحانات، مع تمنياتي لكم جميعاً بإجازة سعيدة.

#13 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 02 April 2005 - 09:57 AM

جزء من محاضرة ألقيتها في رابطة الأدب الإسلامي، عن عناصر السرد:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5-الحوار:
قد تشتمل الرواية على حوار قليل، وقد لا تشتمل على أي حوار، وإذا وُجِد الحوار فإنه يكون جزءاً من بنائها العضوي، ويكون عاملاً من عوامل الكشف عن أبعاد الشخصية، أو التطور بالحدث، أو تجلية غموض يكتنف الشخصية أو الفكرة المُراد التعبير عنها.
وينبغي أن يتآزر الحوار مع الوصف في البناء الروائي، حتى لا نحس أن الحوار جزءاً غريباً على نسيج الرواية، ولنأخذ مثالاً لهذا هذا الجزء من رواية مؤمنة أبي صالح «البحث عن الجذور» حيث التحم الحوار مع الوصف، وكان مكثفاً قادراً على تعميق الحدث وإضاءة الشخصية:
«دامت السهرة حتى منتصف الليل، ثم أعلن عمي خالد أنني يجب أن أرتاح، وأنه سيتم بالغد تخطيط برنامج لإجازتي بمشاركة الجميع، ثم التفت إليَّ وقال:
ـ هل ستُمانع؟
ابتسمتُ وقلتُ:
ـ لا بالطبع، لا، وشكراً لكم جميعاً.
انصرف الجميع، ولم يبق أحد غيري، وأحمد في الحديقة، وسمعتُ عمي يقول لزوجته:
ـ جهزي غرفة الضيوف ليوسف، سينام عندنا الليلة.
فردت سلمى:
ـ أبي، نحن لا نعرفه جيداً.
ـ ماذا تقصدين؟ إنه ابن أخي
ـ نعم، ولكنه مازال أمريكي العادات والتقاليد، سنشعر بالحرج وهو بيننا.
سمعتُ صوت عمي غاضباً:
ـ لقد تجاوزت حدودك يا سلمى»( )
***
ولقد قدّم ثروت أباظة صورة نموذجية للعمدة في روايته "هارب من الأيام"، كاشفاً عن شخصية حاكمة، متسلِّطة، مرتشية، تحكم بالهوى، وتأخذ من الدين قشوره وظاهره، ورسمها في هذه الصورة المعبرة:
"وصاح الشيخ في تظاهر بالغضب يصحبه هدوء مستريح:
يا بنت هاتي ماء الوضوء، الفجر سيفوتني.
وفي هذه المرة رجع النداء بالخادمة نفسها تحمل إبريقاً وطستاً، وأخذ العمدة يتوضأ والخادمة تصب الماء، ولكن العمدة لم يطق أن يتوضأ فقط، وإنما هو ـ على عادته ـ يسأل الخادمة عن أفراد البيت فرداً فرداً، فتختلط ألفاظ الوضوء بألفاظ الأسئلة:
ـ بسم الله الرحمن الرحيم، نويت فرض الوضوء ..
أين ستك؟
فتجيب الخادمة وهي تصب الماء:
ـ نزلت عند الفرن.
ـ اللهم اجعلني أمسك كتابي بيميني .. وأين ستك درية؟
ـ تُعدُّ لك الفطور.
ـ اللهم ولا تجعلني من أهل اليسار، وماذا عندكم اليوم من الفطور؟
ـ عندنا يا سيدي ما يُرضيك إن شاء الله، عندنا فول وقشدة وعسل، الخير كثير والحمد لله.
ـ اللهم ثبِّت قدمي اليُمنى على الصراط المستقيم، الحمد لله، هذا شيء عظيم، أسأل عني أحد اليوم؟
ـ لا.
ـ ألم يُحضر صالح أبو سعد فراخاً؟
ـ يا سيدي إننا مازلنا في الفجر.
فيُجيب العمدة في شبه غيظ:
ـ ولكنه مدين يا فاطمة. الدين يا بنتي. أينسى أحد دينه؟
وتسأل فاطمة وهي لا تزال في ذهولها:
ـ هل اقترض منك فراخاً يا سيدي؟
ويُطلق العمدة ضحكة ساخرة من غفلة خادمته، ثم يقول وهو يُثبت قلنسوته على رأسه:
ـ يا مغفلة! أرأيت أحداً يقترض فراخاً من العمدة؟!
ـ أنا الأخرى أتعجب يا سيدي!!
ـ لقد حكمت له في قضية أمس فأقسم أن يُحضر لي فراخاً اليوم، اليوم فجراً، وهاهو ذا الفجر يولي، وهاهو لم يجئني. كم أنت ثرثارة يا فاطمة. الفجر سيفوتني .. الله أكبر .. الله أكبر .. أصلي الصبح فرضاً حاضراً لله العلي العظيم .. الله أكبر"( ).
إن شخصية العمدة هنا نموذج لشخصية العمدة في الأدب الروائي المصري، فهذه الشخصية المتسلطة التي تسير في ركاب السلطة، تعمل لمصلحتها، وتحكم لصالح من يرشوها، والحوار السابق «يُظهر ضعف التدين عند الشخصية، وجشعها، وقبولها الرشوة، وهي تمثل نموذجاً عاما ينطبق على كثير من الناس الذين يتخذون من الدين قشوره ومظاهره التي أصبحت تقليداً يُؤدونه بحكم العادة، دون أن يدخل الإيمان في قلوبهم» ( ).
ومن ثم جاءت صورة العمدة في رواية "هارب من الأيام" صورة نمطية مسطحة"( ).
ويقوم الحوار بدور بنائي لا يُنكَر في رواية «ملكة العنب»، من دفْعٍ للأحداث، وتصوير للشخصيات، وإضاءة أماكن وجوانب لا يستطيع الوصف السردي أن يُعطيها حقها.
فبعد تعذيب الراعي كشكل في السجن، وعدم قدرته على تحمل الإيذاء البدني، يدور هذا الحوار الذي يكشف عن ملامح الشخصية النفسية:
«قال له الضابط:
ـ لماذا تبرم شاربك؟
قال الراعي والدموع في عينيه، وابتسامة بلهاء على ثغره:
ـ ليقف عليه الصقر.
وضحك الراعي، لكن الضابط لم يضحك.
ـ يبدو أنك لا تُريد أن تخرج من هنا يا راعي.
زحف على يديه وركبتيه، وانكبَّ على حذاء الضابط يقبله، وهو يقول:
ـ أريد أن أخرج بأي ثمن.
ـ فلتعترف على حسب الله.
ـ وأخرج؟
ـ نعم وتخرج.
ـ أعترف يا بك.
ـ بمحض إرادتك.
ـ هذا واجب وطني.
ـ ودون إكراه؟ ..
ـ طبعا..»( ).
ولقد قام الحوار في المقطع السابق بدوره في تصعيد الموقف، ورأينا الراعي كشكل (هذا الإنسان الذي ارتبطت حياته كلها بالمخدرات وعجز عن التخلص منها)، على استعداد لأن يضحي بكل شيء في سبيل الحصول على ما يعدل مزاجه السادر في غيه، وهذا ما استغله ضابط التحقيق ليجعله يعترف على «الشيخ محمد أحمد حسب الله» زوراً وبُهتاناً، ويتهمه بأنه رئيس التنظيم السري الذي يعمل على قلب نظام الحكم وإشعال الفتن في الدولة!
ويكشف الحوار السابق عن سقوط «الراعي كشكل» الذي يريد الخروج من السجن بأي ثمن، ومن ثم يكون الأمر ممهداً لإخراجه من السجن يعد أن يتفق معه الضابط على أن يكون عيناً له على أبناء القرية، ويخبرهم بكل صغيرة وكبيرة، وأن يبلغ عمّن يتوسّم فيه الشر ولو كان أخاه، وسيُعطونه مبلغاً كل شهر( ).
ومن الحوار الذي دار ـ في الرواية نفسها ـ مع عوض العوضي، نرى القدرة على تكثيف الحوار ليصعد بالأحداث إلى الذروة، كما يؤكِّد لنا الأجواء البوليسية التي يتم فيها التحقيق، والتي لا بهمها أن تعرف الحقيقة المجردة، بقدر ما يعمها أن «تغلق ملف» إحدى القضايا التي تشغلها:
«انتهى عوض العوضي من تدخين السيجارة، وقال:
ـ لا أستطيع الوقوف يا بك.
صاح الضابط بأحد المخبرين:
ـ احضروا له كرسيا .. عوض مواطن متعاون ..
حينما جلس عوض شعر بالاسترخاء .. وجاءه سؤال جديد:
ـ ما هي أهداف التنظيم ؟
ـ قتل صدام حسين 00 لأنه يقتل إخوتـنا في العراق.
صرخ الضابط بغتة وقال:
ـ يا ابن الكلب نحن في مصر، ولسنا في العراق.
ـ حقك علي يا بك 00 بصرني 000 ماذا أقول ؟
ـ تقول الحقيقة 00 تقول أنهم إرهابيون ، ويريدون قتل الرئيس والوزراء حتى يستولوا على الحكم»( ).
لقد صور الروائي بيئة التحقيق والتعذيب التي يتعرض لها الموقوفون من المواطنين في مراكز الشرطة مستفيداً من تجربته في السجن ـ في فترة سابقة من حياته ـ فالضابط يبحث عن تهمة محددة يريد أن بلصقها بالمتهم، ولا يهمه إلا أن يعترف بها في سجل التحقيق.
وقد يصور الحوار بعض الأحداث ذات التداعيات التلقائية العفوية، التي تكشف عن بُعد واقعي للشخصية كهذا الحوار الذي يدور في رواية «مهما غلا الثمن» لعبد الله العريني بين الخادمة «نور حياتي» وسيدتها «ماما هيلة»، ويكشف عن خادمة مسلمة:
ـ ما دمت تجيدين التلاوة والترتيل فأنا أطلب منك تعليم الصغيرين خالد والعنود قدراً من القرآن الكريم، إنهما يقضيان أكثر الأوقات معك، وبدلاً من تضييع الوقت في ترديد أناشيد أو أغانٍ لا فائدة منها، علميهم شيئاً ينفعهم في الدنيا والآخرة.
ـ ولكن العمل يأخذ كل وقتي.
ـ لك أن تتفرّغي من أعمال البيت تماماً بعد صلاة المغرب، ثم تجلسين ساعةً واحدةً لهذا الأمر.
ـ هذا حسن.
ـ وسأعطيك مكافأة أيضاً، إذا حفظ أي منهما جزءاً من القرآن الكريم على يديك.
ـ سوف أبذل جهدي.
ـ أرجو لك التوفيق ( ).
إن الحوار ينجح في كشف الروح الإسلامية في شخصيتي «ماما هيلة» و«نور حياتي»، حيث تريد الأولى تربية أبنائها تربية إسلامية حقيقية تستمد نسغها من حفظ القرآن الكريم، وعدم تضييع الوقت في الأناشيد والأغاني، وستعطي خادمتها مكافأة على ذلك، والثانية نستشف من حوارها الإخلاص الحقيقي في أداء عملها الذي يكشف عن روح إسلامية استقت إخلاصها من معين القرآن الذي يحض على العمل والإخلاص فيه.
وينبغي أن يكشف الحوار عن الفكرة الرئيسة، ويدعمها، وهذا ما نراه في رواية «المينا الشرقية» لمحمد جبريل التي تدور في أجواء من المُطاردة البوليسية، ونحس طوال الرواية أن البطل يُعاني من وطأة هذه المُطاردة. ومن ثم فالرواية يُمكن اعتبارها رواية سياسية، تتماس مع السياسة في أكثر من أفق، وهذا ما يكشف عنه الحوار التالي:
"قال رأفت الجارم :
ـ المؤسف أن يكون ثمن انتصارنا في أكتوبر .. التحالف مع أمريكا، والصلح مع إسرائيل ..
قال نادر البقال :
ـ لكننا استعدنا سيناء ..
وداخل صوته أسى :
ـ وإن كنا لا نستطيع أن نحرك فيها جندياً واحداً ..
قال رأفت الجارم :
ـ مشكلة هذا البلد أنه ترك المسئولية لشخص واحد .. هو الذي يقرر متى نحارب ، ومتى نقبل السلام ..
قالت أسامة صابر :
ـ أنا لا أدين اليهود .. يعتدون ويعرضون السلام .. أنا أدين من سكت عن الاعتداءات ورحب بالسلام الذي عرضوه ..
لماذا يحرص رأفت الجارم على أن يتقافز فوق حقل الألغام؟ هل يلقى طرف الخيط ، فنلتقطه ، ويجد ما ينقله ؟..
قلت :
ـ ألم نتفق على عدم التحدث في السياسة ؟..
قال يحيى عباس :
ـ كلام السياسة مثل شعر الذقن .. نتخلص منه فيعود ثانية ..
كنا نتحدث في الأدب، لكن الأحاديث كانت تفضي إلى السياسة. نسأل، ونجيب، ونناقش، ونسترجع ما مضى، ونطرح التوقعات.


#14 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 13 April 2008 - 01:54 PM

للـــــــــــــرفـــــــــــــــع




1 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 1 الزوار, 0 مجهولين