ذهاب للمحتوى


صورة

موضوع للنقاش


  • Please log in to reply
32 replies to this topic

#1 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 08 July 2007 - 11:15 PM

في إحدى المحاضرات كانت لي مداخلة في شكل سؤال :
هل يمكن أن نعتبر ظهور المناهج النقدية الحديثة بديلا لما فشل فيه المنهج النقدي الكلاسيكي ، و إذا سلمنا بهذه الفرضية ، فهل كانت هذه المناهج بديلا فعلا ؟

الخطأ و الصواب

#2 Guest_نجمه عبد المحسن_*

Guest_نجمه عبد المحسن_*
  • زوار

تاريخ المشاركة 09 July 2007 - 10:08 AM

(السعيد موفقي @ 9-07-2007, 12:15 am) عرض المشاركة

في إحدى المحاضرات كانت لي مداخلة في شكل سؤال :
هل يمكن أن نعتبر ظهور المناهج النقدية الحديثة بديلا لما فشل فيه المنهج النقدي الكلاسيكي ، و إذا سلمنا بهذه الفرضية ، فهل كانت هذه المناهج بديلا فعلا ؟



الزميل العزيز السعيد الموفقي
مداخلة جادة ومهمة فعلا وتستحق النقاش
لكن أرجو منك نقلها إلى الأدبي العام لأن هذا المنتدى يختص بالنصوص الإبداعيه المفتوحة فقط
شكرا لاهتمامك..وأنتظر شخصيا طرح هذه المداخلة لأستفيد لأن معلوماتي النقديه بدائية وبسيطه وأدواتي أشد بدائية وأكثر بساطه.

#3 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 09 July 2007 - 10:35 AM

(نجمه عبد المحسن @ 9-07-2007, 07:07 pm) عرض المشاركة

الزميل العزيز السعيد الموفقي
مداخلة جادة ومهمة فعلا وتستحق النقاش
لكن أرجو منك نقلها إلى الأدبي العام لأن هذا المنتدى يختص بالنصوص الإبداعيه المفتوحة فقط
شكرا لاهتمامك..وأنتظر شخصيا طرح هذه المداخلة لأستفيد لأن معلوماتي النقديه بدائية وبسيطه وأدواتي أشد بدائية وأكثر بساطه.


مادام الأمر كذلك سأنقل بعد الإذن الموضوع إلى الأدبي العام و انتظر مداخلتك و شكرا على التوضيح .

الخطأ و الصواب

#4 فيصل عبد الوهاب حيدر

فيصل عبد الوهاب حيدر

    نـصـو ص مـفـتـو حــة،الـقـصــــة و الـنــــقــــــد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1149 المشاركات:

تاريخ المشاركة 09 July 2007 - 09:07 PM

نقلت هذا الموضوع إلى الأدبي العام نزولا عند رغبة الأخت نجمة
الزميل الموفقي
يمثل النظرية النقدية الكلاسيكية أرسطو بنظرية المحاكاة imitation وملخصها محاكاة الفن للواقع وتقاس جودة العمل الفني بقدر صدقه في تمثيل او محاكاة الواقع . وقد ابتعدت النظريات الحديثة عن هذا المفهوم وصار الخيال والحلم والتقنيات الحديثة في الفنون المكونات الأساسية في تقويم العمل الفني بحيث أصبح الخيال أحيانا أكثر صدقا في تمثيل الواقع والتعبير عنه..واهم نظرية حديثة في اعتقادي هي نظرية موت المؤلف واعتبار النص ملك القارئ أو الناقد وليس المؤلف..تحية


#5 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 10 July 2007 - 11:53 AM

(فيصل عبد الوهاب حيدر @ 10-07-2007, 06:07 am) عرض المشاركة

نقلت هذا الموضوع إلى الأدبي العام نزولا عند رغبة الأخت نجمة
الزميل الموفقي
يمثل النظرية النقدية الكلاسيكية أرسطو بنظرية المحاكاة imitation وملخصها محاكاة الفن للواقع وتقاس جودة العمل الفني بقدر صدقه في تمثيل او محاكاة الواقع . وقد ابتعدت النظريات الحديثة عن هذا المفهوم وصار الخيال والحلم والتقنيات الحديثة في الفنون المكونات الأساسية في تقويم العمل الفني بحيث أصبح الخيال أحيانا أكثر صدقا في تمثيل الواقع والتعبير عنه..واهم نظرية حديثة في اعتقادي هي نظرية موت المؤلف واعتبار النص ملك القارئ أو الناقد وليس المؤلف..تحية


إنّ الممارسة النقدية في طبيعتها النظرية تختلف عن طبيعتها التطبيقية باعتبار النص الإبداعي مشكل من مكونات ذات قابلية تنوعية لدى القارئ أو الناقد ، بحيث لا يمكن أن يتفق هؤلاء النقاد أو القراء على رأي واحد و العملية تعتمد أساسا على آلية التذوق بالدرجة الأولى و بالتالي لا يمكن أن نحدد هذه الطبيعة بمعزل عن القيم التي حددها النقد الكلاسيكي سواء عند العرب أو عند الغرب، مادامت العملية اللغوية مهما كثر الاصطلاح عليها أو تشابهت من حيث تقارب الممارسات و تشابه النظريات ، المستمدة من روافد تراثية أو مستوردة من فكر متفتح حتى ولو كان مدرسيا ففي النهاية اعتماد النقد كمعيار تصنيف أو ترتيب يخضع بالضرورة لجملة من الاعتبارات الذاتية التي تفرضها المكتسبات الثقافية و المؤثرات البيئية بمختلف تياراتها اللغوية أو الفكرية ، و ما النص إلا واسطة بين طرفين مختلفين من حيث المكان أو الزمان أو الاثنين معا و من هنا لا يمكن الفصل بين العمليتين حتى ولو ادعى النقد الحديث استحداثه لممارسة جديدة للتطبيقات النقدية لا يمكنه أن يعوض الممارسة الكلاسيكية في الوصول إلى القيم المتضمنة بما يسمى بالنقد الحديث ، لأنّ النص المستهدف عرضة لعملية التشريح الخاضعة بدورها لتأثيرات لغوية أسلوبية و فكرية و أحيانا قد تجتمع في الممارسة النقدية دون اختيار ، ففي تقديري ليس هناك تنوع في النقد إنّما ممارسة مستقلة تبتعد في كثير من التجارب عن الأكاديمية التنظيرية و تنفرد بجملة من العمليات و الممارسات من هنا و هناك تتداخل فيها مستويات تقتضيها العملية النقدية ، يطبعها المستوى النفسي وعلوم مختلفة يفرضها النص بعيدا عن تلك الإسقاطات التي كثير منها يقتل النص و المؤلف معا . في تصوري على الأقل .

الخطأ و الصواب

#6 فيصل عبد الوهاب حيدر

فيصل عبد الوهاب حيدر

    نـصـو ص مـفـتـو حــة،الـقـصــــة و الـنــــقــــــد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1149 المشاركات:

تاريخ المشاركة 11 July 2007 - 05:37 AM

إنّ الممارسة النقدية في طبيعتها النظرية تختلف عن طبيعتها التطبيقية باعتبار النص الإبداعي مشكل من مكونات ذات قابلية تنوعية لدى القارئ أو الناقد ، بحيث لا يمكن أن يتفق هؤلاء النقاد أو القراء على رأي واحد و العملية تعتمد أساسا على آلية التذوق بالدرجة الأولى و بالتالي لا يمكن أن نحدد هذه الطبيعة بمعزل عن القيم التي حددها النقد الكلاسيكي سواء عند العرب أو عند الغرب

عزيزي الموفقي
بالطبع مازال للنظرية النقدية الكلاسيكية مؤيدون كثر ..ولكن هذا لا يفترض بالضرورة الاعتماد عليها كمقياس أساسي في النقد ونظرية النقد الموضوعي مثلا تعزل النص عن المؤلف وتعامله كوحدة قائمة بذاتها بعكس مفاهيم النقد الكلاسيكي..أما عن اعتماد الية التذوق وهذا يجعلنا نشير الى النقد الانطباعي وسلبياته(لي مقالة منشورة في هذا الموقع عنه) فان النظريات الحديثة في النقد تحاول جاهدة الابتعاد عن هذا المفهوم واعتماد مقاييس موضوعية مثل تحليل اللغة والعلاقات داخل النص وما الى ذلك..ومن هنا نرى مدى الاختلاف الشاسع بين القديم من النقد وحديثه..تحية

#7 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 11 July 2007 - 12:30 PM

(السعيد موفقي @ 9-07-2007, 08:15 am) عرض المشاركة

في إحدى المحاضرات كانت لي مداخلة في شكل سؤال :
هل يمكن أن نعتبر ظهور المناهج النقدية الحديثة بديلا لما فشل فيه المنهج النقدي الكلاسيكي ، و إذا سلمنا بهذه الفرضية ، فهل كانت هذه المناهج بديلا فعلا ؟



النقاد يتحدثون

/ الجزء الأول/
(01)

المقاييس الفنية في نقد النقد الحديث
د. سلطان سعد القحطاني


تمحور النقد في بدايات النهضة حول المقاييس النقدية التراثية، كما هو مذهب مدرسة الإحياء، فقد كانت فكرة النقاد البداية الحقيقية، من حيث انتهى الآخرون في عصر ازدهار الأدب، في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وكان ذلك في المعاهد الأزهرية في مصر، وقد تميز بعض النقاد في هذا المنهج بآليات النص التراثي وفي مقدمته (الذوق) على مذهب ابن طباطبا، الذي عرضنا له من قبل، وقامت مدرسة شوقي وحافظ إبراهيم، والنقاد من ورائها، مثل المويلحي وسيد المرصفي بترسيخ هذا المفهوم نقدياً، وامتد هذا التيار إلى البلاد العربية وأقربها، قلباً وقالباً منطقة الحجاز، الذي بدأ النقد فيها بمقياس اللغة والنحو في نهضته الأدبية، وكان مؤسس النهضة الأدبية الحديثة، عبد القدوس الأنصاري (ت1403 1983) ممن اهتم بهذا الجانب، فمن دراسة ينقد فيها رواية أحمد السباعي (فكرة) يقول: (وفيها كذلك مآخذ لغوية، منها، مثلا "في نواديهم" والصواب في أنديتهم، فالنوادي لغة شوارد الإبل، جمع نادية، كالبوادي والبادية). وكذلك نقد محمد حسن عواد لديوان القرشي: (وفي البيت خطأ آخر هو قوله "روضة جرداء" بنصب الخبر وهو مرفوع، فإن أراده وصفاً لروضة فكان حقه التعريف لا التنكير ليطابق الموصوف، وإن أراده حالاً فالحال يتقدم على النعت في موقع كهذا كما اهتم النقد ونقده بالعروض في الشعر، والوزن والقافية، فقد نقد إبراهيم هاشم فلالي قصيدة للسيد حسن فقي، عنوانها (محاورة) ذكر فيها كلمة (عجول) فقال الفلالي: (إن لفظه عجول هذه التي اختارها لأن تكون تتمة البيت وخاتمته.. كانت في غير محلها.. ولكن وزن البيت لم ينته فاضطر إلى إقحام لفظه عجول ليتم الوزن..).
لقد قدمت هذه النماذج لنرى رد فعل النقد (نقد النقد) هل سلم بهذه الآلية، جملة وتفصيلا، أو كان له عليها تحفظ؟ وأكتفي هنا بنقد واحد يعبر عن رأي الأغلبية، فقد عقب أحمد عبد الغفور عطار على هذه الآلية بقوله: (إن الشعراء الممتازين هم الذين عرفوا أن الشعر ليس هو الوزن والقافية، وهي من لوازم الشاعر)، ونحن نتفق مع العطار على أن هذه لوازم، ولكنها ليست كل ما في القصيدة، ومن المقاييس الآلية للنقد في بداية النهضة، المقياس البلاغي، كالاستعارة والمحسنات البديعية والحشو و الإحالة وبراعة الاستهلال، والوضوح والغموض في المعاني واستعمال الألفاظ في غير مواضعها، فالعطار ينقد الشاعر حسين سرحان، فيقول: (...صوغاً غير سليم، لا بارد ولا كريم: هذا دليل على استعمال الألفاظ في غير مواضعها) ووضوح المعنى مقياس من مقاييس إبراهيم هاشم فلالي، يقول في نقده لأحد أبيات قصيدة للعمودي: (معان واضحة في بيان واضح، لا لبس فيها ولا دوران، الحق إني أميل إلى الشعر الواضح وأمجد صاحبه، ذلك لأن المعاني كامنة مخبوءة في النفوس، وميزة الشاعر في بيانها وتوضيحها...).
كانت هذه لمحة عن بداية النقد التقليدي في الحجاز (السعودية) في بداية النهضة، فهل ما زال كذلك، وهل قابل نقدا يحد من انتشاره ويدعو إلى التجديد؟ نعم، أما بالنسبة لهذه المقاييس فستبقى ما بقيت اللغة وهي لوازم من لوازم الكاتب والشاعر والناقد، لكن آليتها اختلفت تماماً فلم تعد هي الأساس المعول عليه في الدراسات النقدية، ونقدها، أما أن هناك في ذلك الزمن من عارضها، فنعم، محمد حسن عواد من أشد المعارضين لها، فقد هاجمها في كثير من مقالاته النقدية، ودعا الكثير من الشعراء والكتاب إلى التخلي عنها والكتابة بالأسلوب الحديث، وما جاء منها فليكن عفو الخاطر، يقول في نقده لديوان حسن قرشي وينصحه أن يلقي قدر المستطاع عبء الاستعارة فالعواد لم يطلب منه التخلي عنها كلية، بل طلب منه التخفيف منها.

مقاييس حديثة:

لم يكن النقد الأدبي الحديث يرفض القديم جملة وتفصيلا، كما يظن البعض من المتعصبين، ولم يقرأ النص النقدي العربي الحديث قراءة تمكن الناقد من استكناه الوعي المتجذر في روح العربي عندما يعالج النصوص برؤية جديدة وبآلية تختلف عن الآلية التي تعود عليها المتلقي والناقد التقليدي، والتي يرى فيها الكثير من النقاد حماية لهم من نقد الآخرين لنقدهم بالأسلوب الحديث، وكانت الآليات الحديثة المستخدمة في النقد ونقده مستغربة في بعض الأحيان، لكن النقاد الواثقين من علمهم وأدواتهم النقدية أثبتوا صلاحيات هذه الآلية وتلك من خلال دراساتهم النقدية، وهناك بعض منهم لم يوفقوا في استعمال هذه التقنيات، لضعف في الموهبة النقدية، وشرَّق الكثير منهم وغرَّب في النقد، معولاً على المذاهب الحديثة، وأخطأها، فحمل الشرقي تبعة الغربي، وسأكتفي بثلاث آليات مارسها النقاد في البلاد العربية، وستكون السعودية نموذجاً على ذلك:
الأولى: الإحصائية: وهي آلية في النقد ليست من الجديد ولا من القديم، بل هي مزيج بينهما، فهي موجودة في الدراسات النقدية القديمة، لكنها لم تلق العناية الفنية في تلك الدراسات، مثلما لقيتها في الدراسات الغربية الحديثة، وتقوم على إحصاء المتكررات من الألفاظ وعلامات الترقيم، واستعمال لفظة بعينها لعدد من المرات.. ومنها يحكم الناقد على ثقافة المبدع، أو الناقد، من خلال القراءة الأولى أو الثانية، وما بعدها، ونجد في النقد العربي في السعودية، وفي غيرها نماذج من هذا النوع النقدي، ولكن تكمن المشكلة في استخدام هذه الآلية، فهناك من الدارسين من حول الفن الأدبي إلى معادلات رياضية صماء، لا روح فيها، وقد أوقعت بعضهم في مأزق شديد، كان في غنى عنه، فالإحصاء محمود إذا أحسن استعماله وجاء في مكانه، والعكس صحيح.
ويعتبر أول كتاب في النقد الأدبي الحقيقي في السعودية كتاب (المرصاد) لإبراهيم هاشم فلالي، وقد تعرض هذا الكتاب للنقد بعد صدور جزئه الثاني، من عدد من النقاد، فهذا عبد الله عبد الجبار ينقد نقد الفلالي لبيت من قصيدة للأستاذ أحمد إبراهيم الغزاوي.

قلب ترف به الذكرى محلقة * فوق (الأناسي) بالأملاك يقترن



فيقول فلالي: (ولا اعتراض لي إلا على هذين القوسين اللتين حصرتا فيهما كلمة الأناسي فما معنى ذلك؟) ويعقب على هذا القول عبد الله عبد الجبار، بقوله: (وكأن الفلالي بهذا الاستفسار قد جهل أو تجاهل السمة الكبرى للأستاذ الغزاوي وهي حشد علامات الاستفهام والتعجب والحواصر وغيرها من أدوات الترقيم في شعره حشداً لم نر له مثيلا في التاريخ الحديث وأنا إذ أقول هذا أعني ما أقول، وليس في قولي أية مبالغة، خذ أيها القارئ أية قصيدة من شعره المنشور في الكتب أو الصحف تدرك صدق ما ادعى.. أو تعال معي نقرأ أية قصيدة له في كتاب (شعراء الحجاز)، ولتكن (تحية الجيل الجديد) فماذا نجد؟ نجد(9) علامات تعجب، و(28) علامة استفهام و(29) علامة اعتراض وثلاثاً وثلاثين كلمة بين الحواصر مع ملاحظة أن الترقيم في هذه القصيدة يعتبر نسبياً أقل من المتوسط كثيرا مما هو مثبوت في شعر الغزاوي.
ويعلل عبد الجبار نقده للفلالي بأن العلم الحديث قد أثبت الحالة الشعرية النفسية عند الشاعر، ومصدرها القصور الشعري، فهو على حد تعبير الناقد عاجز عن التعبير تحت مصطلح (Inferiority Complex) (عقدة النقص) فعوض عن هذا النقص باستعمال أدوات الترقيم!! ولم يوضح الناقد في نقده للناقد عن مهام أدوات الترقيم في العمل الأدبي وهي: أهمية الكلمة، وغرابتها، وحصرها يدل على معنى من المعاني، يجب على الناقد أو يدرك معناها، ولو بالتأويل الفني، وهو مذهب جديد من مذاهب النقد الأدبي.
الثانية: الشعرية، معنى جديد في النقد الأدبي في اكتشافها، ولو أنها قديمة قدم الفن الأدبي، فشعرية المكان في أدب ما قبل الإسلام (الجاهلي) لا تحتاج إلى دليل، والشعرية التي يقصدها النقاد اليوم، هي الذوق الذي اكتشفه وأكده ابن طباطبا في نقده للشعر، ولكن هذه الآلية الحديثة في الدراسات الغربية تحت مصطلح (Poetic) وهو ما يدعو المتلقي للتفاعل مع النص (الذوق) الفني، وهناك من يرى الشبه بينها وبين الأسلوب، لكنها في النهاية اختيار اللفظ المناسب، في يسر وسهولة، وعندما نقد الفلالي الشاعر عبد الوهاب آشي في بيت يقول فيه:

دعاني أساجل أحرارها * وقوما لنقفو آثارها



يرى الفلالي: (إن دعاني لفظة غير شعرية، وإن خلياني أشعر منها) ويعقب عبد الجبار بقوله: (فهل هذا صحيح؟ وهل كان العرب في مثل هذا المقام يؤثرون خلياني! انهم كانوا يقولون: دع ودعاني، كما يقولون خلياني، ولا نريد أن نمثل بما قالوه في الجاهلية وصدر الاسلام والعصر الأموي، وإنما نكتفي بمثالين من شعر أبي نواس الحجة في الذوق وحسن الاختيار على الأقل إذ يقول:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء، ويقول:

دعيني أكثر حاسديك برحلة * إلى بلد فيه الخصيب أمير



ويبدو من نقد الفلالي انه متحيز ضد منقوديه، وقد سبب له هذا التحيز نوعاً من الإحراج، فما ذكر أنه خطأ أثبته النقد على العكس، وهذه ميزة نقد النقد، انه يصفي ويغربل النص الثاني، ويحاول إنصاف النص الأول، ولو أن فلالي تريث قليلا لوجد الكلمتين صحيحتين، ولو نظر إلى شاعر قد جمع الكلمتين في قصيدة واحدة لوجد الفن الشعري يمتد بلا حدود، فها هو مهيار الديلمي يقول:

دعوني فلي إن زمت العيس وقفة * أعلم فيها الصخر كيف يلين

وخلوا دموعي أو يقال نعم بكى *وزفرت صدري أو يقال حزين


والكلمتان بمعنى واحد (اترك) ولكن يتوقف المعنى على الدلالة والتذوق الفني لسياق الكل.
ثالثا: الثقافة الفلسفية، يرى بعض النقاد أن الفلسفة تحدد موقف الأديب، ويرى البعض عكس ذلك، فالفن إذا قيد بفكر معين تحول إلى نظام، ولكن الناقد (كولرج) يرى المزج بينهما واجباً من واجبات النقد الأدبي، وقد اهتم بعض النقاد العرب بهذا الجانب الفلسفي، لكن ما نعنيه هنا الثقافة بمعناها الواسع، ونظرة الإنسان للحياة، ولعل العقاد يكون في طليعة هذا المنهج بآليته الفلسفية، ويرى بعض النقاد أن هذا المنهج من الأدب الحي، ويرى محمد حسن كتبي: أن المتنبي استطاع وحده ان يبدأ تلك العملية الشاقة المضنية، عملية إدماج الفلسفة في الشعر، وإشراب الشعر روح الفلسفة، وهذا يعني المزج بين العقل والخيال بطريقة فنية لا تغلب واحداً على الآخر.
هذه بعض المظاهر النقدية، فماذا قال عنها نقد النقد، وما هي رؤية النقاد عليها، لعلي أكتفي بواحد، إضافة إلى ما قيل باختصار في الصفحات السابقة، يقول الدكتور صالح بن عبد الله الخضيري: (إن الجهود التي قدمها نقاد مرحلة البواكير خلال فترة امتدت ما يقرب من ثلاثين عاماً ذات أهمية خاصة، فقد وجدوا طريقاً مليئاً بالصخور، ولم يتوقف جهدهم عند تمهيد وتعبيد الطريق بل تجاوزوه عندما توافرت لهم أسباب النهوض.. وإن لم يوفقوا في بعض الآراء التي طرحوها، ولذلك كان للصحافة دور.. كان نقدهم نقداً قيمياً يكاد يقتصر على الحكم على العمل الأدبي.. وإذا كانت هذه النتيجة التي توصل إليها الدكتور الخضيري في دراسته على بواكير النقد في السعودية (الحجاز) في فترة البدايات، فماذا قالت الدراسات التي ظهرت بعدها؟

ــــــــــــــــــــــــــ
الرابط :
http://www.al-jazira...06/fadaat11.htm

الخطأ و الصواب

#8 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 14 July 2007 - 10:30 PM

النقاد يتحدثون
/الجزء الثاني/
(02)

النقد الأحدث من الحديث الأسلوبية والبنيوية

هنري جيفورد ـ ت.موسى عاصي


الترجمة عن الإنكليزية‏


اقترن عنوان النقد الحديث بسوء الطالع دائماً، شأنه شأن الحداثة التي انبثق منها في بعض وجوهه، لأنَّ زمناً سيحلّ قريباً لن يبقى فيه جديد أو حديث. وفي خضمّ السنوات الثلاثين الماضية انطلقت محاولات عديدة مندفعة من جرّاء المأزق الواضح المتعلّق بثبات النصّ الأدبي والنقد الحديث. إنّ أحد الأمثلة التي لا تحمل عنواناً عاماً، لكنّه قابل للتطابق بيسر مع تطوّر كليّات الجامعات الخاصة بالفنون المسرحية ودراسات المسرح، هو الإصرار بأنّ المسرحيات ليست قصائد مأساوية، بل هي قابلة للفهم بصورة أفضل "وقد يستسيغ البعض القول إنّها قابلة للفهم، بوصفها نصوصاً مخصّصة للتجسيد على الخشبة ـ في سياق تاريخ المسرح ونظريته. لم يُثر هذا فهمنا لقانون المسرح التقليدي وحسب، بل وسّع مداركنا كثيراً للأركان التي تشكِّل الدراما الموثوقة ـ على سبيل المثال، وجد قيمة في مسرح الشارع وفي مسرح الحواشي وفي مسرح العلاقات القبلية كما في مسرح الجماهير وكذلك في المسرح الإيمائي والمسرح الموسيقي، وهذه المسارح كلّها تتبدّى جلية في خصوصيتها، لكنّها تُسهم أيضاً في توضيح التقاليد المسرحية العظيمة. لكنّ المسألة التي لم تحظ بحلٍّ هي إذا كانت تطوّرات دراسات المسرح قادرة على انتزاع دراسة الدراما من النقد الأدبي، أو من حيث استقرّت منذ زمن أرسطو، لتشكّل فرعاً مستقلاً أو نوعاً من الطرائق النقدية أو تأكيد طرائق نقدية مشروعة خاصة بها.‏

إنّ التطوّرات المتعلّقة بالدراما ليست سوى أعراض لتطوّرات أخرى في النظرية النقدية التي يقترن الكثير منها مع ما يُطلق عليه على نطاق واسع: نظرية التواصل، والتي هي بدورها مزيج من الرؤى المستمدّة من علم اللسانيات وعلم الاجتماع وعلم النفس. ونستطيع أن نعتبر "الأسلوبية والبنيوية" طريقتين نقديتين برهنتا على أنّهما مثمرتان، رغم أنّه ليس يسيراً أن نحدّد دائماً موقع نهاية إحداهما وبداية الأخرى.‏

تمّ استخدام "الأسلوب" مصطلحاً نقدياً على نطاق واسع طيلة قرون، وغالباً ما اقتصر ذلك على طريقة انطباعية نسبياً، في محاولة لجذب الاهتمام ناحيّة ميّزات الاستخدام اللغوي أو غرابته في نصّ أدبي محدَّد، أو لدى مؤلّف معيّن، أو في مرحلة محدّدة. بيد أنَّ الأسلوبية الحديثة محاولة لمقاربة قضية الأسلوب نقدياً في سطور أكثر دقة وأكثر منهجية، وليست فرعاً من فروع المعرفة بذاتها، بل هي أشبه بمعبر يوصل بين علم اللسانيات، الذي يعتبر النصوص الأدبية مجرّد مادة مستقلّة تُثير الاهتمام في الدراسة المتعمّقة للغة وبين النقد الأدبي. وينطلق ذلك من الافتراض بأنّ أي فكرة أو مفهوم يمكن توضيحها/ توضيحه في واحدة من عدّة طرق متباينة، وأنَّ المؤلف يمارس خياراً "عن وعي أو دون وعي، ويمليه عليه ذوقه الشخصي، أو متطلبات القارئ، أو الجنس الأدبي أو أي شيء آخر" في تقرير شكل الكلمات الدقيق التي يتوجّب استخدامها. إنَّ هذا الافتراض اتفاقي، وقد حرّمه النقد الحديث الذي يرفض التفريق بين شكل الأدب ومضمونه: ما كُتب قد كُتب.‏

تفرض "الأسلوبية" لنفسها مهمّة إخضاع مدى الخيار اللغوي المُتاح للمؤلفين وتصنيفه، وتحدّد الطرائق التي تتبدّى فيها معالم الشكل اللغوي لنصّ مثيرة للاهتمام في أسلوبها التعبيري، أو في طرائق أخرى يمكن أن تكون "طليعية"... ومصطلح "طليعية" مصطلح مفتاحي في الأسلوبية الأدبية. بعدئذ يمكن تطبيق التصنيفات على نصّ محدّد، أو على عدد من النصوص، بصورة ما تُمكّن من إنارة ميزاتها اللفظية الغريبة. ويمكن تطبيق الإجراء السابق على عدد من الاستخدامات: على سبيل المثال، إقامة الدليل للتأكيد أو للنفي بأنّ أحاسيسنا الانطباعية تشكّلت من جرّاء معالم محدّدة من معالم الأسلوب التي هي ميّزات لأشكال محدّدة في الأدب أو لمراحل معيّنة منه. لكنّ المسألة الأكثر خلافية هي أنَّ بالإمكان استخدامها حتَّى في محاولة لعزل البصمات الأدبية لمؤلف بالذات، وربَّما لتحديد المؤلّف الحقيقي، من خلال مشهد، لنصوص أدبية مجهولة المؤلّف، أو مختلف عليها. لكنّ هذا الإجراء مفيد للغاية للنقد الأدبي في حال تطبيقه على نصوص بطريقة تشير إلى أنّ النصوص ليست مجرّد بنى لفظية، وكما يُطبّق النقد الحديث في الغالب الأعم، وليست مجرّد مجموعات صرفة من الرسائل، بمعنى أنها معلومات فنية عن الأفكار، بل هي شيء متفرّد بذاتها، وهذه أمثلة تُطلق الأسلوبية عليها لقب "الحديث أو المحادثة". ولعلّ حالة "المحادثة" هذه، والتي يعتمدها مؤلّف في نصّه، هي التي تحدّد الطريقة التي يعيها القارئ بوساطتها، ولذلك، فالتناسب طردي بين تعليل تلك الحالة وتحديدها وبين التفسير، أو التعبير عن كيفية أداء النص الأدبي لدوره.‏

لا تطرح الأسلوبية نفسها بديلاً عن النقد الأدبي كما كان معروفاً في الماضي، بل تطرح بعض التشذيب عليه. وإنّ غالبية مؤيدي "الأسلوبية" الأدبية مستعدون للاعتراف بأنَّ النصوص الأدبية التي يختارونها ويخضعونها لطرائق تحليلهم الخاصة هي نصوص شائقة أو قيّمة في المقام الأول لعدد من التعليلات التي يمكن ملامستها مستقلة بذاك التحليل، فالأسلوبية تُسهم في وصف الأبعاد اللغوية بصورة مميّزة لإبراز التشويق أو القيمة. أمَّا بالنسبة للناقد الحديث الذي يقدّم قراءة مقنعة لقصيدة مهجورة منذ زمن بعيد فيمكن أن يأمل من خلال ذلك أن يجعل قرّاء نقده يعيدون النظر في تقييمها، والناقد الذي يُطبّق منهجاً أسلوبياً يستطيع حقاً أن يأمل في أن يجعل قرّاء نقده يرونها رؤية جديدة من خلال جعلهم ينعمون النظر في المعالم اللغوية التي تُشكّلها. ويبقى العمل الأخير" تقيّيم الأدب" بعد أن تقول الأسلوبية كلمتها.‏
ـــــــــــــــــــــــــ
الرابط:
http://www.awu-dam.o...adab121-006.htm


الخطأ و الصواب

#9 حسن غريب

حسن غريب

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 755 المشاركات:

تاريخ المشاركة 14 July 2007 - 11:11 PM

لن يختلف اليوم اثنان في أنّ النقد العربي الحديث باتجاهاته ومدارسه المختلفة ما زال يعيش على منجزات النقد الغربي، ويواجه نتيجة لذلك إشكالية أساسية تكمن في البحث عن هوية وتحديد مسار خاص به ومناسب لطبيعة النص العربي والثقافة العربية بشكل عام. ومن اللافت أن النقاد العرب الذين تأهلوا في الغرب ودرسوا مناهج النقد الحديثة في الجامعات الغربية هم - في كثير من الأحيان - الذين تنبهوا إلى غناء تراثنا النقدي القديم ودعوا إلى العودة إلى هذا التراث واستلهام منجزاته وتطويرها. ويمكن أن نجد صدى لتلك الدعوات في كتابات الدكتور عبد العزيز حمودة الذي يؤكد أن النقد العربي المعاصر يعيش حالة من الاغتراب والانقطاع عن جذوره الثقافية ويعاني من تبعية خانقة للنقد الغربي. وهذا ما دفعه إلى الدعوة إلى الاستفادة من كتب التراث النقدي العربي للخروج من التيه والتأسيس لنظرية نقدية عربية أصيلة.وفي الوقت نفسه لانزال نشهد باستمرار ظهور اتجاهات وممارسات نقدية عربية جديدة هي في الغالب صدى متأخر للمدارس النقدية الغربية. فالدكتور عبد العزيز حمودة يؤكد في خاتمة الجزء الأخير من ثلاثيته حول النقد العربي (الخروج من التيه، سلسلة عالم المعرفة، ص351) أن هناك مشروعا نقديا جديدا يجري الترويج له اليوم في أروقة المثقفين العرب هو النقد الثقافي الذي يمثل افتتانا جديدا بمشروع نقدي غربي تخطته الأحداث داخل الثقافة أو الثقافات التي أنتجته.ويعود ظهور أولى ممارسات النقد الثقافي في أوروبا إلى القرن الثامن عشر. لكن تلك المحاولات المبكرة لم تكتسب سمات مميزة ومحددة في المستويين المعرفي والمنهجي إلا مع بداية التسعينات من القرن العشرين وذلك حين دعا الباحث الأمريكي فنسنت ليتش إلى نقد ثقافي ما بعد بنيوي تكون مهمته الأساسية تمكين النقد المعاصر من الخروج من نفق الشكلانية والنقد الشكلاني الذي حصر الممارسات النقدية داخل إطار الأدب كما تفهمه المؤسسات الأكاديمية الرسمية، وبالتالي تمكين النقاد من تناول مختلف أوجه الثقافة ولاسيما تلك التي يهملها عادة النقد الأدبي.أما في اللغة العربية، فيرى سعيد البازعي وميجان الرويلي في كتابهما (دليل الناقد الأدبي، ص 305) أن النقد الثقافي، في دلالته العامة، يمكن أن يكون مرادفا للنقد الحضاري كما مارسه د. طه حسين والعقاد وأدونيس ومحمد عابد الجابري وعبد الله العروي. لهذا فهما يعرفان النقد الثقافي على أنه نشاط فكري يتخذ من الثقافة بشموليتها موضوعا لبحثه وتفكيره ويعبر عن مواقف إزاء تطوراتها وسماتها. وإذا ما تجاوزنا تقديم سعيد البازعي و ميجان الرويلي للنقد الثقافي فإننا نجد أن الناقد العربي السعودي عبد الله محمد الغذّامي هو أول من حاول تبنّي مفهوم النقد الثقافي في معناه الحديث الذي حدده فنسنت ليتش واستخدم أدواته لاستكشاف عدد من الظواهر الثقافية العربية التي لم تستطع مختلف مدارس النقد الأدبي السابقة التصدي لها.والدكتور عبد الله الغذامي واحد من أهم النقاد العرب المعاصرين الذين يملكون مشروعا نقديا ثقافيا حداثيا متكاملا. ويعمل حاليا أستاذ النظرية والنقد في جامعة الملك سعود في الرياض. وقد نشر عددا لا بأس به من الكتب مثل: (الخطيئة والتكفير، من البنيوية إلى التشريحية)1985، و(تشريح النص) 1987، و(الموقف من الحداثة)1987، و(الكتابة ضد الكتابة)1991، و(ثقافة الأسئلة : مقالات في النقد والنظرية) 1992، و(القصيدة والنص المضاد)1994، و(المشاكلة والاختلاف) 1994، و(المرأة واللغة)1997، و(ثقافة الوهم : مقاربات من المرأة واللغة والجسد) 1998، و(تأنيث القصيدة والقارئ المختلف) 1999، و(حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية) 2003، و(النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية) 2000. في هذا الكتاب الأخير يعرف د. عبد الله الغذامي النقد الثقافي على النحو الآتي: النقد الثقافي فرع من فروع النقد النصوصي العام، ومن ثم فهو أحد علوم اللغة وحقول الألسنية معنيّ بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه، ما هو غير رسمي وغير مؤسساتي وما هو كذلك سواء بسواء. ومن حيث دور كل منها في حساب المستهلك الثقافي الجمعي. وهو لذا معني بكشف لا الجمالي كما شأن النقد الأدبي، وإنما همه كشف المخبوء من تحت أقنعة البلاغي/الجمالي، فكما أن لدينا نظريات في الجماليات فإن المطلوب إيجاد نظريات في القبحيات لا بمعنى عن جماليات القبح، مما هو إعادة صياغة وإعادة تكريس للمعهود البلاغي في تدشين الجمالي وتعزيزه، وإنما المقصود بنظرية القبحيات هو كشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعي وللحس النقدي.(ص 83-84).وإذا كان الدكتور الغذامي يرى أنّ مجال النقد الثقافي هو النص، فهو في الواقع يعمد إلى تفجير مفهوم النص نفسه الذي يتمدد ليصبح بحجم ثقافةٍ ما بأكملها. ومن ثمّ فأن هذا النص، الذي لم يعد نصا أدبيا جماليا فحسب، لكنه أيضا حادثة ثقافية (ص78) لا يقرأ لذاته ولا لجماليته، وإنما يعامل بوصفه حامل نسق أو أنساق مضمرة يصعب رؤيتها بواسطة القراءة السطحية لأنها تتخفى خلف سحر الظاهر الجمالي. وبالتالي فمهمة القارئ/الناقد تكمن أساسا في الوقوف على أنساق مضمرة مرتبطة بدلالات مجازية كلية وليس على نصوص ذات دلالات صريحة. والغذامي لا يرفض الدلالة المتداولة لكلمة النسق ما كان على نظام واحد أو البنية،( ص 76)، لكنه يؤكد أن هذه الكلمة تغدو في مشروعه النقدي مفهوما مركزيا يكتسب قيما دلالية وسمات اصطلاحية خاصة. والنسق عنده لا يتحدد عبر وجوده المجرد بل من خلال وظيفته التي لا تتحقق إلا في وضع محدد ومقيّد وذلك حين يتعارض نسقان أو نظامان من أنظمة الخطاب أحدهما ظاهر والآخر مضمر ومناقض للأول وناسخ له في نص واحد أو في ما هو في حكم النص. (ص77) لذلك فالنقد الثقافي ـ كما ينظر إليه الغذامي ـ يسعى إلى كشف حيل الثقافة في تمرير أنساقها تحت أقنعة ووسائل خاصة تتدثر بأغطية الجمال والبلاغة. وهذه الأنساق المضمرة التي يسعى النقدي الثقافي لفضحها، هي أساس الاستهلاك الثقافي الذي يحدد مدى جماهيرية نص ما واستمراريته. وينظر الدكتور عبد الله الغذامي في مشروعه النقدي هذا إلى الثقافة العربية كنص ضخم متنوع التكوينات والوجوه. ويرى أن السؤال الذي ينبغي على القارئ/الناقد الإجابة عنه هو: كيف يمكن داخل نص/الثقافة العربية أن نقرأ بعض الأنساق التي تشكلت عبر القرون وتكوّن السمات المميزة لهذه الثقافة؟ كما يؤكد الغذامي أن على الناقد أن يميّز بين السمات الإيجابية والسمات السلبية التي ينبغي التركيز عليها لأن هذا يقودنا إلى التعرف على عيوبنا الحضارية والعراقيل التي اعترضت مسيرة النهضة العربية. وقد اختار الغذامي نسق الفحل الذي يؤكد أنه في الثقافة العربية قد انتقل من الشعر إلى مختلف نواحي الحياة. فصار لدينا، إلى جانب الشاعر الفحل: الفحل الاجتماعي والفحل الثقافي والفحل الإعلامي والفحل السياسي.... ولكي يستطيع الغذامي أن يصل إلى غايته تلك أي إلى قراءة الأنساق المضمرة في الثقافة العربية لجأ إلى منهج القراءة التأويلية الذي استخدمه في كتاباته السابقة. واضطر كذلك إلى إضافة عنصر سابع للمخطط الذي وضعه رومان جاكبسون لعملية الاتصال؛ وهو عنصر النسق، وبهذه الإضافة تحقق اللغة سبع وظائف بدلاً من ست، وهي: ذاتية وإخبارية ومرجعية ومعجمية وتنبهيه وشاعرية ونسقية. وبعكس عنصر السياق الذي يرتبط بفترة اللحظة الزمنية التي تتم فيها عملية الاتصال، يأخذ عنصر النسق أبعادا تاريخية إذ أنه لا يتجسّد إلا من خلال استمرارية في ثقافة ما. وقد مكنت هذه الإضافة د. عبد الله الغذامي من توسيع أدوات النقد الأدبي، البلاغية والبنيوية والاجتماعية، التي لم يستغني عنها كليا.فبالنسبة للمجاز مثلا، نجده قد تحول من القيمة البلاغية التي - في النقد الأدبي- تدور حول الاستعمال المفرد للفظة أو الجملة الواحدة إلى القيمة الثقافية التي يحتويها النص. وبهذا التحول يغدو المجاز ازدواجا دلاليا، ويقرأ على مستوى النص بأكمله الذي يحمل بعدين دلاليين، أحدهما حاضر وماثل في عناصره اللغوية الظاهرة، وثانيهما مضمر. وهذا البعد الدلالي المضمر هو الفاعل والمحرك الخفي الذي يتحكم في سلوكنا العقلي والتذوقي، وأشكال تلقينا لهذه الظاهرة الثقافية أو تلك. و يطلق الغذامي على هذا النمط من المجاز تسمية (المجاز الكلي) وهو - في رأينا - يتداخل مع ما يسميه بالتورية الثقافية. (ص67-71).وبما أننا لانسعى في هذه السطور إلى استعراض مختلف القضايا المتعلقة بمفهوم النقد الثقافي، كأصله ومناهجه ومجالاته وآلياته التي فصلها الغذامي في كتابه (النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية)، بل إلى معرفة العلاقة أو الفرق بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، فإننا سنحاول - هنا - أن نبحث في كتابات كل من فنسنت ليتش وعبد الله الغذامي عن إجابات للأسئلة الآتية: هل في النقد الأدبي ما يعيبه أو ينقصه كي نبحث له عن بديل؟ هل يستطيع النقد الثقافي أن يكون بديلاً عن النقد الأدبي؟ أو أن النقد الثقافي ليس إلا تسمية حديثة لوظيفة قديمة؟بالنسبة لفنسنت ليتش فهو يؤكد،عند تناوله لطبيعة الروابط بين النقد الثقافي والنقد الأدبي أنّ هذين النقدين مختلفان على الرغم من وجود بعض نقاط الالتقاء والاهتمامات المشتركة بينهما. وبعكس بعض المهتمين الآخرين بالنقد الثقافي الذين يرون أن على النقد الثقافي أن يركز على تلك الظواهر التي يهملها النقد الأدبي مثل مظاهر الثقافة الشعبية أو الجماهيرية، ويبتعد عن الميادين الأدبية المتعالية كنظرية الأدب، يرفض فنسنت ليتش الفصل بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، ويرى أن اختصاصيي الأدب يمكن أن يمارسوا النقد الثقافي دون أن يتخلوا عن اهتماماتهم الأدبية.أما الدكتور عبد الله الغذامي فيقول في محاضرة ألقاها في مطلع سنة 2002 في مؤسسة عبدالحميد شومان: نحن لا نملك إلا أن ننسب النقد الأدبي إلى الأدب، وبالمقابل فإننا سننسب النقد الثقافي إلى الثقافة. كما يلاحظ الغذامي أن النقد الأدبي الذي في الثقافة العربية قد ترعرع في أحضان البلاغة أصبح فنا في البلاغة يعنى في المقام الأول بجمالية النصوص والوقوف على مكونات أدبيتها، أو كشف عوائقها. كما يتهم د. عبد الله الغذامي النقد الأدبي أنه، قديماً وحديثاً، لم يتعامل إلا مع النصوص التي تعترف المؤسسة الثقافية الرسمية بأدبيتها وجمالها واستبعد النصوص والظواهر الثقافية الأخرى التي لا تحظى باستحسان تلك المؤسسة التي وضعت معايير صارمة لتقنين ما هو جمالي وما هو غير جمالي. وقد أدى ذلك إلى إهمال ما هو مستحسن جماهيريا مثل كتاب ألف ليلة وليلة. ويرى الغذامي أن تركيز النقد الأدبي على النصوص الأدبية الرسمية قد جعل منه قلعة أكاديمية معزولة وغير فاعلة بين عامة الناس. لهذا يرى الغذامي أن النقد الأدبي الذي لم يلتفت إلا إلى الجماليات قد فشل في الكشف عن القبح الذي يستتر تحت الغطاء البلاغي. ومهمة النقد الثقافي الذي يسعى إلى رفع ستار البلاغة عن العمل الأدبي هي تبصيرنا بخطر العيوب النسقية المختبئة تحت عباءة الجمالي.وحين سُئل عما إذا كان النقد الثقافي سيصبح بديلا عن النقد الأدبي أجاب الغذامي: إنني أحس أننا بحاجة إلى النقد الثقافي أكثر من النقد الأدبي، ولكن انطلاقاً من النقد الأدبي لأن فعالية النقد الأدبي جربت وصار لها حضور في مشهدنا الثقافي والأدبي وقد توصلنا إلى أن الكثير من أدوات النقد الأدبي صالحة للعمل في مجال النقد الثقافي بل أستطيع أن أؤكد بأننا ومنذ عصر النهضة العربية وحتى يومنا الراهن ما من شيء جرب واختبر ثقافياً مثل النقد الأدبي، ولهذا أدعو إلى العمل على فعالية النقد الثقافي انطلاقاً من النقد الأدبي وعبر أدواته التي حازت على ثقتنا بعدما أخضعناها للمعايير المعروفة عالمياً ولا شك بأنه بات للنقد الأدبي في بلادنا العربية من الحضور والسمعة ما يؤكد على أهميته في حياتنا الثقافية والأدبية، وأن المشكلات أو الملاحظات التي تسجل على النقد الأدبي لا تتوجه نحو الأدوات أو الضرورات، وإنما تتوجه إلى الغايات والمقاصد وطرائق العمل في مجالات النقد والتي تؤدي أحياناً أو أغلب الأحيان إلى ما نسميه بالتحيز والمحاباة أو الاقتصار على أمر من الأمور كالجانب التنظيري وحسب.وعلى الرغم من ذلك فما زال كثير من الباحثين، مثل عبد العزيز حمودة، يرون في النقد الثقافي (مجرد) افتتان فئة من الأساتذة العرب بمنهج نقدي غربي لم يثبت فعاليته حتى داخل الثقافات الغربية التي أفرزته. ومنهم من لا يرى في النقد الثقافي إلا إحدى مظاهر العولمة.

حسن غريب
كاتب وروائي
hassan7565@yahoo.com
للتواصل عبر سماواتي الخاصة :
http://hassan63.blogspot.com

#10 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 14 July 2007 - 11:45 PM

الأستاذ الفاضل حسن غريب
مساهمتك هذه أضاءت الكثير من ملابسات النقد العربي الحديث ، فعلا تنبهت الدراسات الغربية إلى التراث في المجال النقدي و حددت المناهج و الأسس التي تبناها النقاد العرب في مختلف مستويات النص و جوانبه اللغوية و البلاغية و اعتماد ثنائية اللفظ و المعنى إحدى أسس العملية النقدية في الوقوف عند جوانب القوة و الضعف فيه و استحضار الصور الطبيعية و النفسية من خلال التجارب التي أملتها الظروف بمختلف ملابساتها الاجتماعية و الترخية و حتى الفلسفية التي تبناها النقد في العصر العباسي و طغت صورة المنطق في ما انتجه الشعراء و الأدباء على حد سواء ....و لا تخلو من وقفات بلاغية مبالغ فيها ، و اعتبر المجاز أحد الركائز القياسية في تحديد مستويات النص الأدبي إدخال عنصر الذاتية و الموضوعية بحدة و أضحى الشاعر أو الأديب تحت رحمة فلسفتهم الجديدة و يصنف وفقها و يرتب في اعتقادهم من خلال هذا التنميط......
و قفز النقد إلى تجاوز بعض المقاييس و لكن لم يستطع التخلص من تأثرات بلاغية واضحة في الطرح النقدي الجديد الذي لم يسلم منه حتى التيار النقدي الحديث لدى التنظير النقدي الغربي كما تؤكده التوجهات و المناهج الجديدة في ظل أطروحات عميقة ظلت و لا تزال تدور في فلك الهوية و الصراع النفسي و التداخل الثقافي بين العربي و الغربي ....

الخطأ و الصواب

#11 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 15 July 2007 - 12:07 AM

التفكيكية من الفلسفة إلى النقد الأدبي

بقلم : ممدوح الشيخ


"التفكيكية" مصطلح ينتمي لعائلة من المصطلحات المتداولة في الدراسات النقدية المعاصرة، وهو مصطلح مثير للجدل بسبب ما يتضمنه معناه – كما سيرد – من مفاهيم معادية للغيبيات (الميتافيزيقا). وقد تمحور الاهتمام في التفكير النقدي العربي حول هذا المصطلح أمثاله بعد أن توقفت جهود كانت تستهدف إبداع نظرية نقدية عربية.

وكما هو الحال في معظم مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية مثلت قضية السياق الذي تنشأ فيه الأفكار وتنمو وتتطور قضية خلافية بين من يرون الظاهرة الإنسانية تتطور وفق قوانين ثابتة لا تتأثر بالسياق الحضاري الذي تنشأ فيه، ومن يرون كل فعل وفكرة انعكاسا لرؤية حضارية تتضمن بالضرورة – بشكل ظاهر أو مضمر – تصورات عن الذات والآخر والكون وما وراء الكون. وعلى كل حال فإن واقع الدراسات النقدية العربية مشغول بمدارس النقد ذات المنشأ الغربي من ظاهرية وبنيوية وتفكيكية و. . . . .
وسواء كان دافع الانشغال الخوف من تبعية ثقافية تطرق الأبواب مترافقة مع تبعية اقتصادية وسياسية وإعلامية تعطي مشروعية لهذه المخاوف أو كان دافعه الرغبة في اللحاق بقطار يتحرك بالفعل وفي رحلته محطات عديدة، فإن من المفيد إدارة نوع من الحوار الإيجابي حول هذه الأفكار والمدارس النقدية.

التفكيك / التقويض
أول مظاهر الجدل هو ما دار حول المقابل العربي للفظ الإنجليزي “ DECONSTRUCTION ” ، فبينما يرى الدكتور محمد عناني أن استخدام مصطلح التفكيكية هو استخدام موفق، فالتفكيك الذي اشتق منه المصدر الصناعي هو فك الارتباط أو حتى تفكيك الارتباطات المفترضة بين اللغة وكل ما يقع خارجها(1) يذهب مؤلفا "دليل الناقد الأدبي" إلى أن مثل هذه الترجمة لا تقترب من مفهوم صاحب النظرية، وإن كانا يقران أن مصطلح "التقويضية" الذي يستخدمانه يعيبه هو الآخر العيب نفسه، ولكنهما يفضلانه، فهي (أي النظرية) لا تقبل – حسب ما يذهب إليه نقاد عرب – البناء بعد التفكيك. فصاحب النظرية يرى أن الفكر الماورائي الغربي صرح أو معمار يجب تقويضه وتتنافى إعادة البناء مع المفهوم، فكل محاولة لإعادة البناء لا تختلف عن الفكر المراد هدمه، وهو الفكر الغائي(2).

ظهرت التفكيكية/ التقويضية على يد الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في ثلاثة كتب أصدرها عام 1967(3)، وقد بدأ دريدا نظريته بنقد الفكر البنيوي الذي كان سائدا آنذاك بإنكاره قدرتنا على الوصول بالطرق التقليدية على حل مشكلة الإحالة، أي قدرة اللفظ على إحالتنا إلى شئ ما خارجه، فهو ينكر أن اللغة "منزل الوجود" ويعني بذلك القدرة على سد الفجوة ما بين الثقافة التي صنعها الإنسان والطبيعة التي صنعها الله. وما جهود فلاسفة الغرب جميعا الذين حاولوا إرساء مذاهب على بعض البدهيات أو الحقائق البدهية الموجودة خارج اللغة إلا محاولات بائسة كتب عليها الفشل. وقد وصف دريدا مواصلة هذا الطريق بأنها عبث لا طائل من ورائه وحنين إلى ماض من اليقين الزائف(4) عبر عنه الفكر الغربي بألفاظ لا حصر لها عن فكرة المبادئ المركزية مثل: الوجود، الماهية، الجوهر، الحقيقة، الشكل، المحتوى، الغاية، الوعي، الإنسان، الإله(5).

ورغم هذه الخصائص التي تتصف بها النظرية فإن دريدا يصر على عدم ارتباط مشروعه بالعدمية بل يرى أن قراءته التفكيكية/ التقويضية قراءة مزدوجة تسعى إلى دراسة النص دراسة تقليدية أولا لإثبات معانيه الصريحة ثم تسعى إلى تقويض ما تصل إليه من معان في قراءة معاكسة تعتمد على ما ينطوي عليه النص من معان تتناقض مع ما يصرح به، أي أنها تهدف إلى إيجاد شرخ بين ما يصرح به النص وما يخفيه. وبهذا تقلب القراءة التفكيكية/ التقويضية كل ما كان سائدا في الفلسفة الماورائية. ويرى دريدا أن الفكر الغربي قائم على ثنائية ضدية عدائية يتأسس عليها ولا يوجد إلا بها مثل: العقل/ العاطفة، الجسد/ الروح، الذات/ الآخر، المشافهة/ الكتابة، الرجل/ المرأة(6).

التفكيكية / التقويضية كمنهج نقدي
في كل قراءاته يقوم دريدا بسك مصطلحات يشتقها مما هو قيد الدراسة ولا يتأتى فهم النظرية إلا من خلال متابعة هذه المصطلحات والكيفية التي تعمل بها داخل النص المدروس، وجميعها تستعصي على الوجود إلا نتيجة تفاعلها داخل نصها، وأهم هذه المصطلحات كما صاغها دريدا:
الانتشار أو التشتيت “ DIFFERENCE ”
الأثر “ TRAC ”
الاختلاف/ الإرجاء “DEFFERANCE”
ويطلق جاك دريدا على مثل هذه المصطلحات التي يشتقها من المادة قيد الدراسة "البنية التحتية"(7).

الأثر “ TRAC ” :
صب دريدا جام غضبه على ما زعم البنيويون أنه طموح إلى اتباع المنهج العلمي، فالعلم في نظره – مثله في ذلك مثل الدين والفلسفة الميتافيزيقية – يقيم نظامه على ما يسميه "الحضور" ومعناه التسليم بوجود نظام خارج اللغة يبرر الإحالة إلى الحقائق أو الحقيقة. وهو يبسط حجته على النحو التالي: "تحاول الفلسفة الغربية منذ أفلاطون تقديم أو افتراض وجود شيء يسمى الحقيقة أو الحقيقة السامية المتميزة" أو ما يسميه هو "المدلول المتعالي" أي المعنى الذي يتعالى على (أو يتجاوز) نطاق الحواس ونطاق مفردات الحياة المحددة. ويمكن في رأيه إدراك ذلك من خلال مجموعة من الكيانات الميتافيزيقية التي احتلت مركز الصدراة في كل المذاهب الفلسفية مثل: الصورة، المبدأ الأول، الأزل، الغاية، الهيولي، الرب، ويمكن اعتبار اللغة المرشح الأخير للانضمام لهذه القائمة(8).

فمفهوم "الأثر" في التفكيكية/ التقويضية مرتبط بمفهوم الحضور الذاتي ودريدا يرى في الأثر شيئا يمحو المفهوم الميتافيزيقي للأثر وللحضور(9). وهدف دريدا هو تفكيك الفلسفة وتفكيك تطلعاتها إلى إدراك الحضور عن طريق ما حاول إثباته من أن عمل اللغة نفسه يحول دون الوصول إلى تلك الغاية. وفي مقابل التركيز على المقابلة بين الدال والمدلول (اللفظ والمعنى) عند سوسير يرفض دريدا أسبقية المدلول على الدال، لأن تصور سوسير كان يعني وجود مفاهيم "حاضرة" خارج الألفاظ(10).

الاختلاف/ الإرجاء “ DEFFERANCE ” :
هذا المصطلح سبب مشكلة في الترجمة بسبب الالتباس الحتمي المرتبط به، فترجمه البعض (الاختلاف والإرجاء)(11) وترجمه آخرون (الاختـ(ت)ـلاف)(12)، أما الدكتور عبد الوهاب المسيري فترجم هذا الاصطلاح إلى "الاخترجلاف" وهي كلمة قام بنحتها من كلمتي "اختلاف" و"إرجاء" على غرار كلمة “ LADIFFERANCE ” التي نحتها دريدا من الكلمة الفرنسية “ DIFFER ” ومعناها أرجأ والكلمة “ DIFFERENCE ” بمعنى اختلاف وتحمل معنى الاختلاف (في المكان) والإرجاء (في الزمان). ويرى دريدا أن المعنى يتولد من خلال اختلاف دال عن آخر، فكل دال متميز عن الدوال الأخرى ومع ذلك فهناك ترابط واتصال بينهما، وكل دال يتحدد معناه داخل شبكة العلاقات مع الدوال الأخرى، لكن معنى كل دال لا يوجد بشكل كامل في أية لحظة (فهو دائما غائب رغم حضوره)، وهكذا فالاخترجلاف عكس الحضور والغياب بل يسبقهما(13).

الانتشار أو التشتيت “ DIFFERENCE ” :
هذا المصطلح وأصله الإنجليزي “ DISSEMINATION ” ، كانت ترجمته هو الآخر موضوع اختلاف بين النقاد العرب، فبينما اختار الرويلي والبازعي ترجمته " الانتشار والتشتيت " اختار المسيري ترجمته "تناثر المعنى"، والكلمة يستخدمها دريدا في مقام كلمة دلالة وهي من فعل “ DISSEMINAT ” بمعنى : يبث أو ينثر الحبوب، وللكلمة معان أهمها: أن معنى النص منتشر فيه ومبعثر فيه كبذور تنثر في كل الاتجاهات ومن ثم لا يمكن الإمساك به. ومن معانيه أيضا: تشتيت المعنى – لعب حر لا متناه لأكبر عدد ممكن من الدوال، تأخذ الكلمة معنى وكأن لها دلالة دون أن تكون لها دلالة أي أنها تحدث أثر الدلالة وحسب(14). ويأخذ مصطلح تناثر المعنى بعدا خاصا عند دريدا الذي يركز على فائض المعنى وتفسخه وهو سمة تصف استخدام اللغة عامة(15).

بين الفلسفة والأدب
لم يبرز تأثير فلسفة دريدا في النقد الأدبي إلا في كتابات نقاد جامعة ييل وبخاصة بول دي مان، ويصور دي مان العلاقة بين الأدب والفلسفة بقوله: "إن الأدب أصبح الموضوع الأساسي للفلسفة ونموذجا لنوع الحقائق (أو الحقيقة) التي تطمح الفلسفة لبلوغها" ويعني ذلك أن الأدب لا يزعم أنه يحيل القارئ إلى الواقع الحقيقي خارج اللغة فهو تعريف خيالي، وتاريخ الفلسفة حسب تصور دي مان كان رحلة طويلة في دنيا الإحالة أو الإحالية، وإلى المضمون بعيدا عن الوعي بذاته، أي بأن الفلسفة استمدت أصولها من مصادر بلاغية أو من علم البلاغة نفسه. ويستند دي مان هنا على قول دريدا بأن الأدب يمكن اعتباره حركة تفكيك ذاتية للنص، إذ يقدم لنا معنى ثم يقوضه في آن واحد، فالأدب أقرب ما يكون إلى تجسيد مبدأ الاختلاف. وهو يحتفل بوظيفة الدلالة وفي الوقت نفسه بحرية عمل الكلمات في نطاق الطاقات الاستعارية وألوان المجاز والخيال دون الجمع بين المتناقضات فلا يصل أبدا إلى الوحدة(16).

وأهم ما يلاحظ هنا هو أن هذا التصور للأدب باعتباره نصوصا متداخلة ينفتح بعضها على بعض ولا يجد النص منها حدودا تمنعه من تجاوز ذاته بدلا من التصور القائم على وجود نص مستقل أو كتاب مغلق يناقض تعريف الأدب الذي جاء به النقد الجديد باعتباره عملا يتمتع بالوحدة العضوية. وتستند النظرية كذلك إلى ما يطلق عليه "خبرة القارئ" أو تجربة قراءته للنص وهو مرتكز يؤدي آخر الأمر إلى التصالح بين المعاني وتوحيد القوى المتصارعة وإحالة النص والقارئ جميعا في آخر المطاف إلى العالم الخارجي، ومن ثم يقول التفكيكيون – والكلام لجيفري هارتمان- إن الحقيقة الشعرية كانت تستمد حياتها في نظر النقد الجديد من العالم الخارجي باعتباره حقيقة فوق الواقع اللغوي أي متعالية عليه(17).

ويرى التفكيكيون أن المزية الأولى للأدب ترجع إلى أنه خيال أو كذب، فالشعر يحتفل بحريته من الإحالة وهو واع بأن إبداعاته ذات أساس تخيلي، ولذا فإنه لا يعاني مثلما تعاني النصوص الأخرى من مشكلة الإحالة إلى خارج النص وهو ما يلخصه أحد شراح النظرية – فيرنون جراس – بقوله: "ترجع أهمية الأدب في ظل التفكيكية / التقويضية إلى طاقته على توسيع حدوده بهدم أطر الواقع المتعارف عليها، ومن ثم فهو يميط اللثام عن طبيعتها التاريخية العابرة، فالنصوص الأدبية العظيمة دائما تفكك معانيها الظاهرة سواء كان مؤلفوها على وعي بذلك أم لا من خلال ما تقدمه مما يستعصي على الحسم. والأدب أقدر فنون القول على الكشف عن العملية اللغوية التي تمكن الإنسان بها من إدراك عالمه مؤقتا وهو إدراك لا يمكن أن يصبح نهائيا أبدا"(18).

لا شئ خارج النص :
تشكل هذه العبارة أساسا من أهم أسس النظرية التفكيكية/ التقويضية وقد عبر دريدا عن ذلك بقوله: "لا يوجد شئ خارج النص" ومعنى ذلك رفض التاريخ الأدبي التقليدي ودراسات تقسيم العصور ورصد المصادر لأنها تبحث في مؤثرات غير لغوية وتبعد بالناقد عن عمل الاختلافات اللغوية. ويعتبر التفكيكيون أن الغوص في الدلالات وتفاعلاتها واختلافاتها المتواصلة تعد معادلا للكتابة، فمن حق كل عصر أن يعيد تفسير الماضي ويقدم تفسيره الذي يرسم طريق المستقبل، فالتفسيرات أو القرارات الخاطئة المنحازة هي السبيل الوحيد لوضع أي تاريخ أدبي بالمعنى التفكيكي. وقد طبق جيفري هارتمان هذه القناعة على أعمال لودذوورث قتلت بحثا فانطلق بحدود تفسيراته لشعره وكتب مقالات مستوحاة من النص دون أن تتقيد به تحفل بالتوريات اللفظية بأشكالها المختلفة وإحالات الألفاظ والتعابير إلى أعمال سواه ومن ثم احتمالات التناص مظهرا في ذلك براعة يحسده عليها الشباب ولا يوافقه عليها الشيوخ لهدم المعاني التي ألفتها الأجيال على مدى قرنين من الزمان(19).

وحسب الدكتور محمد عناني فإن المذهب يشهد في التسعينات تحولا عجيبا يسمى "استخدام المصطلح دون مضمونه"، فالنقاد التفكيكيون أصبحوا يسخرون من القول بأن للغة وظيفة عقلانية أو معرفية وقد أجروا تعديلات غريبة على مفهوم العلاقة بين اللغة والواقع أو الحقيقة فبدأوا يرصدون حركة اللغة من الخارج عن طريق رصدها في تلافيف النص أو النص الباطن مثل الرغبات الجنسية (فرويد) أو المادية الماركسية أو ما وصفه نيتشة بالنزوع إلى التسلط وإرادة القوة. منهم من يقول إن هذه الرغبات غير العقلانية تساهم في عملية الدلالة على المعنى أكثر مما تساهم فيه المعرفة العقلية، وإن كان الدكتور عناني يصف هذه الاتجاهات الجديدة بأنها تنتفع بالتفكيكية/ التقويضية دون أن تكون تفكيكية/ تقويضية(20).

منتقدو التفكيكية/ التقويضية
من بين ردود الأفعال التي أثارتها النظرية انتقادات عديدة لعل أهمها في نظر ميجان الرويلي وسعد البازعي أنها رغم قدرتها التقويضية على زعزعة المسلمات التقليدية الميتافيزيقية الغربية تصل في النهاية إلى "عماية محيرة"، فدريدا لم يقدم بديلا عن مسلمات الميتافيزيقا الغربية بعد أن قوضها. بل إن البديل نفسه كما يرى دريدا نفسه سيتسم بسمات الميتافيزيقا لا محالة، لذا اكتفى دريدا بالتقويض. ويذهب الرويلي والبازعي ويشاركهما في ذلك عبد الوهاب المسيري إلى أن التفكيكية/ التقويضية تدين بمنهجها لممارسات التفسير التوراتي اليهودي وأساليبه. فكل ما فعله دريدا هو نقل الممارسات التأويلية للنصوص المقدسة اليهودية وتطبيقها على الخطاب الفلسفي مرسيا بذلك دعائم ما ورائية لاهوتية مألوفة لتحل محل الميتافيزيقا الغربية، أما المسيري فيرد الأفكار الرئيسة في نظرية دريدا إلى أصولها اليهودية، ففي مداخل: الأثر، تناثر المعنى، الهوة، الكتابة الكبرى والأصلية، التمركز حول المنطوق، من موسوعته يورد تأصيلا فكريا تاريخيا لهذا الأثر الواضح ليهودية دريدا وللفكر اليهودي في نظريته النقدية(21).

وقد نقل الدكتور عبد العزيز حمودة في "المرايا المحدبة" نماذج عديدة من النقد الذي وجه للتفكيكية/ التقويضية ي الغرب، فمثلا ليتش يقول في تمهيده لدراسته عن التفكيكية /التقويضية إنها باعتبارها صيغة لنظرية النص والتحليل تخرب كل شئ في التقاليد تقريبا وتشكك في الأفكار الموروثة عن العلاقة واللغة والنص والسياق والمؤلف والقارئ ودور التاريخ وعملية التفسير وأشكال الكتابة النقدية، وفي هذا المشروع فإن الواقع ينهار ليخرج شئ فظيع(22).
أما جون إليس وهو أحد أشهر منتقدي التفكيكية فيقول: "هناك وسيلة يلجأ إليها التفكيك/ التقويض للحفاظ على صلاحيته: تتم صياغة الموضوعات في مصطلح جديد وغريب وهو ما يجعل المواقف المألوفة تبدو غير مألوفة، ومن ثم تبدو الدراسات المتصلة غير متصلة. إن الهجوم على نظرية إحالة المعنى يترجم إلى هجوم على ميتافيزيقا الحضور برغم أن الاثنين يعبران عن الرأي الساذج القائل بالعلاقة بين الكلمات والأشياء، لكن المصطلحات تجعل الموضوع يبدو مختلفا"(23).

وفي النهاية :
لا شك في أن هذه الورقة المختصرة غير مناسبة نظرية التفكيك وإن كانت قد عرضت أهم ملامحها ومرت على أهم الانتقادات الموجهة لها. وقد يكون في ترجمة مثل هذه النظريات النقدية إفادة عظيمة لدرس تاريخ الآداب والفلسفات الغربية، فهي نشاط فكري بشري ينبغي ألا نكون غافلين عن الإحاطة به، أما التغافل عمدا عن موقف النظرية من الغيب والإنسان والمنظومات القيمية الراسخة في حضارتنا فهو خطر عظيم يهدد أول ما يهدد الأدب العربي الذي يبلغ عمره الآن أكثر من سبعة عشر قرنا حافلة بالعطاء الثري تحت ظل منظومة قيمية عربية إسلامية ينبغي أن تكون حاضرة عندما نتفاعل مع أية نظرية وافدة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرابط :
http://www.arabworld...onstruction.htm

الخطأ و الصواب

#12 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 15 July 2007 - 07:44 PM

نقد ثقافي أم نقد أدبي؟


تأليف : عبد الله الغذامي
عبد النبي اصطيف، 2004
***

في هذه الحوارية يقدم الناقدان العربيان دراسة في النقد الأدبي والنقد الثقافي، وهل يمكن أن يقوم أحدهما مقام الآخر وكيف؟ قدم النقد الأدبي إنجازات كبيرة للثقافة العربيّة، كان لها أصول عميقة ترفدها تجربة ثرية في الأدب العربي. ومعلوم أنه في القرن العشرين انفتح الأدب على العلوم الإنسانية والفنون, وعلى العلم مما أوجد أشكالاً جديدة من التعبير اللفظي والبصري، حققت انتشاراً كبيراً بفضل تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا ودفعت إلى بزوغ نجم النقد الثقافي.
ولكن هل يعني ذلك الاستغناء عن النقد الأدبي لصالحه ؟ يرى بعض الباحثين أن النقد الأدبي لم يستنفد مبررات وجوده، وأن التصور الحاصل يعود إلى محدودية تصورنا لطبيعة النقد الأدبي ووظيفته. ويرىآخرون أن النقد الثقافي حقق في الغرب إنجازات كبيرة بفضل كشفه عن حقيقة الإنسان المضمرة في كل أشكال الخطاب, لهذا يمكن أن يقدم حلولاً لمشكلات النقد الأدبي العربي الحديث.
من الكتاب: إعلان موت النقد الأدبي
النقد الثقافي بديلاً منهجياً عنه.. عبد الله الغذامي
لماذا النقد الثقافي؟
وهل هو بديل فعلي عن النقد الأدبي؟
أوليست السياسة أو السيسنة لا الشعرنة هي النسق الطاغي؟
هل في النقد الأدبي ما يعيبه أو ينقصه كي نبحث له عن بديل؟
أو لا يكون النقد الثقافي مجرد تسمية حديثة لوظيفة قديمة؟
وهل الأنساق الثقافية العربية لا تتكشف إلا عبر مقولات النقد الثقافي؟
منذ صدور كتابي النقد الثقافي (2000) وهذه أسئلة تتوارد عليّ من أناس هم من أهل المهنة، مهنة النقد، وأهل الصنعة، مما يجعلها أسئلة مصيرية بها تتقرر وجاهة المشروع عبر كشف وظيفيته، وكما نعرف من الفيزياء وعلوم الطبيعة فإن العضو الزائد الذي لا وظيفة له يصبح عضواً دودياً يستأصل أو يخمد في حال كمون أبدية.
في مصطلحي (أدب) و(ثقافة) سيحدث تقاطع بين الأدب والثقافة، بوصفهما مفهومين قديمين ومتداخلين، ومن ثم بين مفهومي النقد الأدبي والنقد الثقافي، ولنبدأ الحكاية من آخرها، حيث لا نملك إلا أن ننسب النقد الأدبي إلى الأدب، وفي المقابل فإننا سننسب النقد الثقافي إلى الثقافة، وهذه لعبة ساذجة ولا شك، إن نحن وقفنا عند هذا الحد الذي هو أشبه بتفسير الماء بعد الجهد بالماء، ولكن المسألة ستتعقد لو جربنا أن نسأل أنفسنا عما نقصده بمصطلح أدب ومصطلح ثقافة. وهما مصطلحان نجنح كثيراً إلى الجزم بأننا نعرفهما ولا نحتاج إلى تعريفهما، ونرى أنهما من الوضوح لدرجة لا يحتاجان معها إلى تعريف، غير أن أي دارس للأدب وأي دارس للثقافة يعي أن الأمر أكثر تعقيداً مما توحي به الانطباعات الأولية.
وما من أحد إلا ولديه تعريف من نوع ما لكل
واحد من المصطلحين، غير أن المعضل يبدأ حينما نجرب البحث عن تعريف مجمع عليه، وبما أننا لن نجد تعريفاً واحداً يتفق عليه الجميع، من أهل المهنة تحديدا، فهذا معناه أننا أمام مفهوم متعدد الوجوه ومتعدد الاحتمالات، وهو لهذا مفهوم مفتوح وحر بل هو زئبقي وغير قابل للثبات.
وها نحن من زمن أرسطو ونقاد العرب إلى زمن ياكوبسون ونحن في الحيرة ذاتها في تعريف (الأدبية) كما أننا منذ الأزل وإلى زمن قرامشي وفوكو وقيرتز ونحن مع مصطلح (ثقافة) في كر وفر حول تحديد ما نقصده بهذا المصطلح. ولا شك أن هناك رابطاً وثيقاً بين النقد الأدبي والفلسفة منذ جمع بينهما أرسطو في التنظير وإلى اليوم، حيث نرى جوناثان كولر يقول بحلول النقد الأدبي محل الفلسفة، ثم حلول (النظرية) علماً ومقولة محل الكل.
وإذا كان الرابط بين النظرية النقدية وبين الفلسفة أزلياً فإننا هنا أمام منشط نظري معرفي فكري، ولسنا أمام منشط تذوقي بلاغي جمالي خال من تعقيدات الفلسفة وهرطقاتها.
وحينما أقول هذا فإنني أشير بوضوح إلى ما نجنح إليه عربياً من كره موروث ومترسخ للفلسفة، يبلغ حد التحريم أحياناً، والنفور الاجتماعي أحيانا أخرى.
ولقد أشار الجاحظ إلى تميز العرب في البديهة واحتفائهم بها، في مقابل التروي والتفكر، والاحتفاء بالبديهة هنا يعني حبنا للبليغ الصاعق، والكلمة الساجعة المسجوعة، حتى لقد صاروا يطربون للأجوبة المسكتة، أكثر من طربهم للقول المحفز، واخترع كتاب السلاطين فن التواقيع، الذي هو خطاب في الإسكات ولجم الناس، هذا ما يشير إلى مكبوت نسقي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما نسميه في العرف العام بالأدب.
وذلك أن الأدب هو فن القول البليغ الأول، ويأتي الشعر على رأسه حيث يأتي الشاعر
الفحل الذي يعلو بمقدر قدرته على إسكات الآخرين ولجمهم، ويعلو بمقدار قدرته على الارتجال البلاغي الخلاب عاطفياً، بغض النظر عن وجاهته الفكرية.
وما مقولة: من تمنطق فقد تزندق، إلا صدى نسقي لمثل هذا الحس القديم المترسخ، وما يفرزه من كره خاص للفلسفة ونفور منها، ولا شك أن تسمية شعراء الروية بعبيد الشعر هي تسمية ذات بعد نسقي أيضاً لما تحمله من تفضيل للبدهي الارتجالي، وربط ذلك بالبلاغي، مع التقليل من شأن التبصر والتروي.
وفي كلمة (عبد الشعر) ما فيها مما تكشفه العبارة المرادفة والمتضمنة وهي سادة الشعر، حيث السيادة للفطري والارتجالي والدونية للتمعن والتبصير بوصفه خطاباً عبداً لا سيداً.
إذا أخذنا هذا بعين الاعتبار، من كره مترسخ للمنطقي والفلسفي تقول به الأشعار، مثلما يتردد في التخيل الشعبي، ويرد لدى كتاب كبار كالجاحظ، ثم نظرنا إلى موقع النقد الأدبي، بين البلاغي النافر من الفلسفي، وبين الأصل الفلسفي في نشوء النقد، فإننا سنعرف الحيز الظرفي والذهني لما نحن بصدده.
حيث ينشأ تناقض مضمر بين التلقائي البلاغي الذي يمثله الشعر، والتأملي الذهني الذي نفترض أنه مصاحب لنشوء النقد وملازم له من حيث الأصل، وإننا لنشهد دوماً دعوات من المبدعين والقراء تدعو إلى النقد التطبيقي، وتتشكى من التنظير النقدي، وترى عدم جدوى النظريات، مع صعوبة فهمها، وهذا مؤشر على الإرث القديم، كما حدده البحتري والجاحظ.
وإذا قلنا هذا بوجهيه أي كون النقد الأدبي مرتبطاً عضوياً بالفلسفة، تاريخياً وإجرائياً، وفي الوجه الآخر فإن الحس العربي النسقي حس ينفر من التنظير الفلسفي ويطرب لما هو بلاغي، إذا قلنا هذا فإن المعضل سيتكشف بشكل جلي، وهو أن النقد الأدبي في الثقافة العربية يعيش بين مزدوجتين لم تنكسرا قط.
أي إنه وليد فلسفي في الأصل، ثم احتضنته البلاغة كأم مرضعة، ومع الزمن صارت هذه الأم المرضعة أمّاً بديلة عن الأم الطبيعية، كحال الطفل يولد من أم وتربيه أخرى غير الأم الرحم.
هذا جعل النقد الأدبي فناً في البلاغة، وتم فصل النقد عن الفلسفة، وعن النظرية، ولقد كانت البلاغة هي الأصل التكويني للنقد الأدبي عربياً، وإن جرى تطوير الأدوات النقدية مع الزمن ومع الرواد ومع المدارس ومع ضروب التبادل المعرفي المتنوعة، إلا أن الغاية القصوى للنقد ظلت هي الغاية الموروثة من البلاغة، وهي البحث عن جمالية الجميل والوقوف على معالمها، أو كشف عوائقها، ويكفي أن يكون النص جمالياً وبليغاً لكي يحتل الموقع الأعلى في سلم الذائقة الجماعية وفي هرم التميز الذهني.
ولم يقف النقد الأدبي قط على أسئلة ما وراء الجمال وأسئلة العلاقة بين التذوق الجماعي لما هو جميل، وعلاقة ذلك بالمكون النسقي لثقافة الجماعة، وهذا ما يمكن للنقد الثقافي أن يقوم به ليسهم في مشروعات نقد الخطاب،ولكن كيف؟
يقع الكتاب في (224) صفحة من القطع المتوسط.
ــــــــــــــــــــــــــــ
الرابط:
http://www.al-jazira...2004/tatb37.htm

الخطأ و الصواب

#13 حسن غريب

حسن غريب

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 755 المشاركات:

تاريخ المشاركة 15 July 2007 - 10:13 PM

الصديق العزيزوالكاتب والمبدع الرائع / السعيد الموفقي
نحن سعداء جدا بوجود كاتب وناقد متميز في قامتك وهامتك وقيمتك الثقافية العالية جدا فكل الحب والتقدير علي منتقياتك وكتاباتك العميقة الاثر والضاربة في كل معانى الثقافة العربية والغربية للوصول بنا الي ارقي مستوى ثقافي كبير وعميق نستطيع من خلاله التعبير عما يجيش بدواحلنا ..كل الحب وايات التقدير لك.

حسن غريب
كاتب وروائي
hassan7565@yahoo.com
للتواصل عبر سماواتي الخاصة :
http://hassan63.blogspot.com

#14 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 16 July 2007 - 02:48 AM

(حسن الغريب @ 16-07-2007, 07:13 am) عرض المشاركة

الصديق العزيزوالكاتب والمبدع الرائع / السعيد الموفقي
نحن سعداء جدا بوجود كاتب وناقد متميز في قامتك وهامتك وقيمتك الثقافية العالية جدا فكل الحب والتقدير علي منتقياتك وكتاباتك العميقة الاثر والضاربة في كل معانى الثقافة العربية والغربية للوصول بنا الي ارقي مستوى ثقافي كبير وعميق نستطيع من خلاله التعبير عما يجيش بدواحلنا ..كل الحب وايات التقدير لك.



الأستاذ الفاضل حسن الغريب
أنت تكلفي بما لا أطيق و تصفني بما لا أستحق ، كيف ذلك و أنت سيد العارفين و اهتمامك الجميل أضاء هذا المنتدى ، فلا أعتبر المسألة إلا تشجيعا منك أيها العزيز و دمت مبدعا .

الخطأ و الصواب

#15 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 16 July 2007 - 08:07 PM

الحداثة النقدية في كتاب" الأدب والغرابة" لعبد الفتاح كيليطو

الدكتور جميل حمداوي


يعتبر عبد الفتاح كليطو من أهم رواد النقد العربي الحديث إلى جانب عبد الكبير الخطيبي وموريس أبو ناضر وعبد السلام المسدي وكمال أبو ديب وعبد الله الغذامي وحسين الواد وجمال الدين بن الشيخ ومحمد مفتاح وجميل شاكر وسمير المرزوقي وصلاح فضل وخالدة سعيد ومحمد بنيس وأدونيس . وقد تميز عبد الفتاح كليطو بدراسة الثقافة العربية الكلاسيكية بمناهج نقدية أكثر حداثة وتجريبا وتأصيلا بسبب انفتاحه على الأدب الغربي ومناهجه النقدية واطلاعه العميق على التراث العربي القديم. ومن أهم كتبه النقدية التي أثارت ضجة كبرى في الساحة الثقافية كتاب " الأدب والغرابة" الذي صدر عن دار الطليعة اللبنانية ببيروت في طبعته الأولى سنة1982م في (117 ) صفحة من الحجم المتوسط مع العلم أن هذه المقالات كتبت في سنوات عقد السبعين ونشرت في منابر ثقافية شتى . إذاً، ماهي القضايا النقدية التي يطرحها الكتاب؟ وماهي خصائصه المنهجية والأسلوبية والفنية؟ تلكم هي الأسئلة التي سنرصدها في مقالنا المتواضع هذا.

من هو عبد الفتاح كيليطو؟
الدكتور عبد الفتاح كيليطو باحث مغربي و أستاذ جامعي، درس الأدب الفرنسي في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط. بدأ ممارسة الكتابة النقدية منذ الستينيات، و كرس حياته العلمية لمقاربة الثقافة العربية الكلاسيكية على ضوء مناهج نقدية حديثة بنيوية وسيميائية مستفيدا من الفلسفة الغربية وآليات البلاغة العربية القديمة ومعارف التراث العربي القديم والحديث. وقد أثرى الساحة الثقافية العربية بصفة عامة والمغربية بصفة خاصة بدراسات جادة وقراءات أدبية دسمة تنم عن ذكاء خارق وكفاءة تحليلية واضحة وعمق معرفي و تأمل منهجي كبير، حتى إن كتبه تشبه الإبداع في الغواية والافتتان واللذة والمتعة والشاعرية على مستوى التلقي والتقبل. ومن كتبه: الأدب والغرابة1،و الحكاية والتأويل2، و الكتابة والتناسخ3، و الغائب4 وهو كتاب في دراسة مقامات الحريري، والمقامات والأنساق الثقافية5، و لسان آدم6 والخيط والإبرة7. وألف بالفرنسية كتبا لها قيمة كبرى في المعالجة النقدية والتحليل الأدبي وتأويل النصوص8.

بنية العنوان:
يتكون عنوان الكتاب " الأدب والغرابة" من مفهومين اصطلاحين، وهما: الأدب والغرابة. فمفهوم الأدب حسب كليطو مازال يثير التباسا وإشكالا عويصا مادام لايوجد تاريخ حقيقي للأدب العربي مدون انطلاقا من مقوماته البنيوية وثوابته الشكلية ومرتكزاته الثابتة والمتغيرة. وعلى الرغم من التعاريف التي أعطيت للأدب كتعريف رومان جاكبسون أو التعريف الذي يربط الأدب بالتخييل إلا أن هذه التعاريف ناقصة وغير كافية مادمنا لم نضع تصورا دقيقا لنظرية الأدب ونظرية الخطابات والأجناس النوعية داخل منظومة ثقافتنا العربية الكلاسيكية.

وعلى الرغم من ذلك، فالأدب يتميز عن اللاأدب بالغرابة والخرق والانزياح. فإذا كان اللاأدب أساسه الألفة والكلام العادي والأسلوب السفلي المنحط، فإن الأدب يقوم على الإغراب والإبعاد والتغريب والإبهام والإيهام والتخريب لما هو سائد ومنطقي ومألوف. ويعني هذا أن الأدب هو الغرابة والخروج عن الألفة وماهو سائد. وكل ما يذكره الكاتب بين دفتي كتابه من مقامات وأراجيز وسرود وحكايات يحمل في طياته صور الغرابة والاندهاش والتعمية والمجاز.

القضايا النقدية:
يعد كتاب الأدب الغرابة من الكتب النقدية الأولى لعبد الفتاح كيليطو والتي يطبق فيها المناهج النقدية الحديثة على الثقافة العربية الكلاسيكية التي أهملها الدارسون العرب المحدثون بسبب غرابة هذه الثقافة وممانعتها عن الفهم والتحليل الرصين. وكل المحاولات التي تمت لمقاربة هذه الثقافة كانت من خلال منظورات تاريخية أوإيديولوجية أو مضمونية سطحية أو من خلال رؤى استشراقية متسرعة ذات أحكام عامة ومطلقة ومتحيزة . وينقسم كتاب الأدب والغرابة إلى قسمين وكل قسم يحتوي على خمسة فصول إلى حد ما متوازية. فالقسم الأول خصصه الكاتب لشرح بعض المفاهيم والمصطلحات النقدية كالنص والأدب والشاعر وتاريخ الأدب وقواعد السرد والنوع الأدبي، والثاني خصصه لبعض التطبيقات النصية حول الثقافة العربية الكلاسيكية تفسيرا وتأويلا( الحريري، الزمخشري، ألف ليلة وليلة ، الجرجاني).

القسم الأول: شرح المفاهيم الأدبية والنقدية

مفهوم النص الأدبي:
ينطلق عبد الفتاح كيليطو من ثنائية الأدب والنص مؤكدا أننا نستعمل كلمة الأدب بطريقة فضفاضة واعتباطية دون مساءلة دلالاته اللغوية والاصطلاحية ومقاصده السياقية والمفهومية، وبالتالي، نفتقر إلى تصورات حقيقية حول الأدب وماهيته ووظيفته وما يميز النص الأدبي عن باقي النصوص الأخرى. أي إننا لانبحث عما يجعل النصوص الأدبية أدبية، بل نكتفي بربطها بالمجتمع أو ما تتركه من آثار نفسية على المتلقي. وهذا ينطبق أيضا على مصطلح النص الذي يثير كثيرا من الإشكال على مستوى التحديد والضبط. هذا ما دفع الناقد لتعريفه من خلال مفهوم المخالفة بمقابلته مع اللانص. فالنص حسب كيليطو هو الذي يتميز بالنظام والانفتاح ويحمل مدلولا ثقافيا، ويكون قابلا للتدوين والتعليم والتفسير والتأويل، و قابلا للاستشهاد به حينما ينسب إلى مؤلف حجة معترف بقيمته ومكانته العلمية والثقافية، أي لابد أن يكون المؤلف شيخا مرموقا في الساحة الثقافية،وأن يكون النص كذلك غامض الدلالة أي يستند إلى الغرابة والانزياح والخرق بدلا من الألفة والكلام العادي السوقي، ولذلك فالنصوص حسب ميشيل فوكو نادرة وقليلة.

أما كلمة الأدب- حسب الكاتب- فنستعملها بمفهوم الأدب الغربي littérature لا بالمفهوم الكلاسيكي العربي للأدب. فالأدب الكبير والصغير لابن المقفع يصدران عن تصور أخلاقي تعليمي للأدب يتمثل في التحلي بالأخلاق الفاضلة و السلوكيات الحميدة، لذلك يكثر في هذين الكتابين الوعظ والنصح من خلال صيغتي الترغيب(الأمر) والترهيب( النهي). ويعني هذا ان الدارسين العرب المحدثين درسوا الأدب القديم والحديث بمقياس الأدب الغربي دون أن يبحثوا عن الخصائص البنيوية للكتابة الأدبية القديمة في شتى أنواعها وأجناسها الأدبية المتنوعة والمتعددة.

هذا، وإن كلمة الأدب littérature بالمفهوم الغربي نتاج الرومانسية التي كانت تدعو إلى مزج الأنواع والأجناس الأدبية في بوتقة واحدة. أي إذا كانت الكلاسيكية تفصل بين الأنواع من خلال تقييدها بمعايير ثابتة وصارمة، فإن جماعة يينا( نوفاليس وشلينغ والأخوان شليغل) في أواخر القرن الثامن عشر كانت تدعو إلى وحدة الأنواع داخل الخطاب الواحد. وهذا ما جعل تاريخ الأدب يضم بين دفتيه كثيرا من الخطابات والنصوص والأجناس. وبعد أن كانت الرواية ضمن هذا التصور جنسا أدبيا مهمشا ومرفوضا لافتقاره لقواعد قارة وثابتة تخصصه وتميزه عن باقي الأجناس الأخرى، أصبحت مع الرومانسية تحتل قمة الأنواع لكونها تجمع عدة خطابات حوارية وتناصية داخل بوليفونية منصهرة في نوع كبير وهو الرواية. وهذا ما حدث أيضا مع لشكسبير الذي أقصي مسرحه في الفترة الكلاسيكية ليعترف به إبان الفترة الرومانسية؛ لأن شكسبير كان يجمع في نصوصه المسرحية أساليب متنوعة هزلية وجدية سوقية ونبيلة.

وإذا كان هناك من يعرف الأدب على أنه إحالة على عالم الأشياء والشخصيات والأحداث الخيالية ، وإذا كان رومان جاكبسون يعرف الأدب من خلال شعرية بنيوية تعتمد على الوظائف الست ولاسيما الوظيفة الشعرية، فإن كليطو يرى أن الأدب مازال لم يحدد بدقة مادمنا لم نضع نظرية عامة للخطابات.

النوع الأدبي:
في هذا المقال يلتجئ الكاتب إلى المقاربة الأجناسية لتحديد مفهوم النوع داخل النظرية الأدبية . فيعرفه بقوله: إن كل نوع يفتح أفق انتظار خاصا به9. كما أن كل نوع يتكون من مجموعة من العناصر الثابتة قد تكون أساسية أو ثانوية. فالنوع لايتأثر بتغير المكونات الثانوية على عكس المقومات الأساسية فهي التي تغير النوع وتخرجه من صنف إلى آخر. ويخضع النوع للتصنيف والتقسيم حسب المكونات والسمات الثابتة والمتغيرة.

ويقترح الكاتب تصنيفا للأنواع يستند إلى تحليل علاقة المتكلم بالخطاب(إسناد الخطاب) على النحو التالي:

المتكلم يتحدث باسمه: الرسائل، الخطب، العديد من الأنواع الشعرية التقليدية...
المتكلم يروي لغيره: الحديث، كتب الأخبار...
المتكلم ينسب لنفسه خطابا لغيره.
المتكلم ينسب لغيره خطابا يكون هو منشئه. هنا حالتان: إما لا يفطن إلى النسبة المزيفة فيدخل الخطاب ضمن النمط الثاني، وإما يفطن إلى النسبة فيدخل الخطاب ضمن النمط الأول. وكمثال نذكر لامية العرب التي أنشأها خلف الأحمر ونسبها إلى الشنفرى. ويمكن إرجاع الأنماط الأربعة المذكورة إلى نمطين:
الخطاب الشخصي
الخطاب المروي:
بدون نسبة
بنسبة:
صحيحة
زائفة
خيالية.( مقامات الهمذاني).
ج- قواعد السرد:

يعتبر فلاديمير بروب الناقد الروسي أول من وضع تصنيفا بنيويا شكلانيا للحكاية الخرافية ومهد للدراسات البنيوية الأخرى التي وسعت منهجيته التحليلية لتطبق على السرد بصفة عامة والرواية والقصة القصيرة بصفة خاصة مع رولان بارت وگريماس وتلامذتهما. أما النقد العربي فمازال يقيد النص بالمرآة الاجتماعية والإيديولوجية على حساب النص وثوابته البنيوية.

ينطلق كيليطو من نص مأخوذ من ألف ليلة وليلة قصد استخلاص القواعد السردية العامة لكل نص حكائي أو سردي. فأثبت بأن الحكاية السردية عبارة عن أحداث أو أفعال سردية تنتظم في متواليات سردية مترابطة زمنيا ومنطقيا. كما تخضع الأحداث لمنطق الاختيارات والإمكانيات المحتملة، أي إن السارد يمكن أن يجعل الحدث فعلا تحسينيا أو فعلا منحطا. كما أن للسرد قواعد أساسية يمكن حصرها في تعلق السابق باللاحق وارتباط تسلسل الأحداث بنوع الحكاية، و أفق الاحتمال والعرف. ولاستخلاص هذه القواعد لابد من القراءة العادية ( من البداية إلى النهاية)، والقراءة العالمة( من النهاية إلى البداية).

ولكن هذه القواعد يمكن خرقها وتجاوزها بنصوص حداثية أخرى ، ولكن لايعني هذا انتفاء القواعد واندثارها ، بل هذا الانزياح يحيل عليها مادام هذا الخروج تم بانتهاك معايير وقواعد تقعيدية موجودة فعلا في الظل أو السطح. فالرواية الجديدة التي ظهرت في فرنسا إبان الخمسينيات انطلقت من قراءات البنيويين للقصة المصورة والشعبية والقصص البوليسية فانزاحت عنها تجديدا وتجريبا كما انزاحت قواعد الأساطير الهندية الأمريكية على ثوابت المتن الأسطوري الحكائي الذي جمعه كلود ليڤي شتروس.

ويعني كل هذا أن السرد خاضع لمجموعة من القواعد التجنيسية التي تشكل ثبات النوع وكل خروج عن هذه القواعد لاينفيها، بل يؤكد وجودها واستمراريتها الفنية والجمالية.

د- دراسة الأدب الكلاسيكي:

اعتمد الدرس النقدي العربي في مقاربته للثقافة العربية الكلاسيكية على التركيز على المبدعين الأفذاذ والقمم الشامخة في الأدب عن طريق ربط أدبه بحياته الشخصية ومؤلفاته ومجتمعه باستقراء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإصدار أحكام خارجية عامة مطلقة لاعلاقة لها ببنية النص. إنه درس نقدي يعتمد على نظرية المرآة التي انتشرت كثيرا في القرن التاسع عشر.

كما يطرح الكاتب مسألة مهمة وهي الطريقة التي نظر بها النقاد العرب إلى الشعر القديم حينما كانوا يبحثون في طياته عن الوحدة العضوية انطلاقا من المقاييس الغربية بينما للشعر العربي القديم خصوصياته التي تميزه عن باقي الأشعار العالمية الأخرى. ولابد كذلك أثناء التعامل مع المؤلفات الكلاسيكية من مراعاة غرابة النصوص والتسلح بتصورات نقدية وتأويلية تنسجم مع هذه النصوص التي تتطلب قارئا خاضعا لمنطق السؤال والجواب يستطيع أن يرصد الغرابة ويحاول تفكيكها وتركيبها من منطلقات تأخذ بعين الاعتبار عصر المؤلف وبيئته واللغة التي كتب بها نصه والسياق الذي ورد فيه.

هـــ- تاريخ الشاعر:

يرفض الكاتب عند دراسة الشاعر ما يسمى بالدراسة التاريخية الكلاسيكية التي تهتم بحياة الشاعر بإسهاب وذكر أحوال نفسيته وآثاره الإنتاجية. ويقترح أن نجيب عن مجموعة من الأسئلة النصية الداخلية مثل: كيف يعلل الشاعر إنتاجه؟ إلى أي حد يوجد هذا التعليل في ثنايا الإنتاج نفسه؟ ما الداعي إلى هذا التعليل؟ كيف تندمج حياة الشاعر ضمن هذا التعليل؟

إن الشاعر في العصر الجاهلي كان شاعر القبيلة بامتياز وكل شعر ذاتي أو تأمل شخصي ينصهر في إطار القبيلة. وفي العصر الإسلامي صار الشاعر يتغنى بالانتماء العقائدي( الشيعية والخوارج..)، وفي العصر العباسي انحطت مرتبة الشاعر، وصار النقاد يفضلون الكاتب على الشاعر والنثر على الشعر، وأصبحت مهمة الشاعر هي الكدية والاستجداء والارتزاق حتى شبه الشاعر بصفات دنيئة كالصبي والمجنون... ولذلك لم يتم محاسبة الشاعر إذا خرج عن المروءة الأخلاقية أو الدين أو عن الأعراف والقواعد الاجتماعية مادام يلتجئ إلى التعقيد والتعمية في النظم والكتابة.

2- القسم الثاني: تطبيقات حول مؤلفات عربية كلاسيكية

أ- بين أرسطو والجرجاني/ الغرابة والألفة:

تشبه البلاغة العربية البلاغتين اليونانية والهندية كما يبدو ذلك واضحا من خلال الأمثلة المستعملة ( الرجل كالأسد) وأنواع الصور الموجودة . و إذا كانت البلاغة اليونانية تهدف إلى إنتاج قوانين الخطاب وتعليم الناس كيف يخطبون من أجل إقناع الآخرين داخل المجتمع الديمقراطي السياسي والانتخابي الذي يحتاج إلى منطق الإقناع والتأثير في الجمهور السياسي، فإن البلاغة العربية هي تفسير للخطاب أي هدفها هو تفسير القرآن وتبيان أوجه الإعجاز القرآني من خلال رصد الصور البلاغية وتحليلها واكتشاف أوجه الروعة والجمال فيها. ولكن البلاغة العربية خضعت للتصنيف والتقسيم في إطار العلوم الثلاثة( علم البيان، علم المعاني، علم البديع)، وأصاب البلاغة العربية انكماش وإهمال بسبب غرابتها وكثرة مصطلحاتها ومفاهيمها المعقدة. وهذا هو شأن الريطوريقا الغربية التي انكمشت بدورها ولم تجدد إلا مع منظورات بنيوية وسيميائية حديثة كما فعل رولان بارت في كتابه قراءة جديدة للبلاغة الجديدة10.

ويلاحظ أن الثقافة العربية الكلاسيكية على مستوى التقبل والتلقي قائمة على الغرابة والإبعاد والاغتراب كما يظهر ذلك جليا في الشعر والبلاغة اللذين يعتمدان على الصور الفنية القائمة على التشبيه والاستعارة والكناية والتي تساهم في تعمية النص وإثرائه بالغموض و الإبهام المجازي الذين لا ينكشفان إلا بنبراس الشمس ونورها الوهاج ومشكاتها الكاشفة .

ب- الحريري والكتابة الكلاسيكية:

إذا كانت شخصيات كتب الحديث والأخبار والتاريخ شخصيات فردية، فإن شخصيات مقامات الحريري أنماط إنسانية ونماذج بشرية عامة مثل: أسماء النساء التي ترد في الشعر الجاهلي أو الإسلامي كهند وليلى وسعاد وخولة وسلمى ودعد ولبنى وعفراء حتى أصبحت سنة شعرية من الصعب الخروج عنها.

إن ابا زيد السروجي والحارث بن همام بطلا المقامات الحريرية أنماط بشرية عامة تترجم سلوكيات أخلاقية إنسانية مطلقة. كما في الحديث النبوي الشريف:"كلكم حارث وكلكم همام". و مما يؤكد نمطية هذه الشخصيات أوصافها التي تتغير من مقامة إلى أخرى حتى تصبح شخصيات براقشية متغيرة تتلون في أخلاقها بتغير الأمكنة والأزمنة والأفعال.

وإذا كانت المعاني والأفكار تتغير بسرعة في العصر الحديث بتغير الموضات والمدارس والتيارات الأدبية والفلسفية ، فإن المعاني في الآثار العربية الكلاسيكية مهما كانت مبتذلة ومكررة فإنها ما تزال تحافظ على مصداقيتها ومطلقيتها المعرفية والثقافية،وفي هذا يقول كيليطو:" أما في العصر الكلاسيكي فإن المعنى كان يعتبر مطلقا ويمتاز بالعمومية أي إننا نجده في جميع العصور، وهذا ما يفسر إيجابيته. نجد عند كل شاعر تشبيه الكريم بالبحر والمرأة بغصن البان.. ".11

ج- الزمخشري والأدب:

من المعروف أن توليد نص أدبي وإبداعي خاضع للظروف الذاتية والموضوعية أو لدواع ميتافيزيقية كشياطين الشعراء الذين يلهمونهم بالشعر أو بناء على طلب ضمني توحي به الكتابة أومقدمة الكتاب. وقد كتب الزمخشري أدب المقامات تحت وازع حلم رآه في الليل يطلب منه أن يستعد للموت وأن يدع عنه الهزل ويعوضه بالجد. لذلك كتب مجموعة من المقامات التي لاتشبه مقامات الحريري أو الهمذاني إلا في أسلوب السجع واستعمال المحسنات البديعية. وتخضع المقامة حسب الكاتب للثوابت البنيوية التالية:

السند، و السفر، و نمطان إنسانيان متناقضان( الأديب والمكدي)،وحكاية مبنية على مايسميه أرسطو التعرف، وفن كتابي يشير إلى الأسلوب الرفيع سواء أكان مزيجا من الشعر والنثر أم مزيجا من الأنواع الأدبية ومن الجد والهزل أم يغلب عليه السجع والمحسنات.

وإذا كانت مقامات الحريري والهمذاني يغلب عليها الهزل واللهو بسبب الكدية والاستجداء الدنيوي، فإن مقامات الجرجاني هي مقامات دينية وعظية وإرشادية قائمة على الترغيب والترهيب ويغلب عليها الجد لارتباطها بماهو أخروي. كما يطغى عليها النقد الذاتي والعتاب النفسي وتأنيب الضمير. وهو في مقاماته لايوجه خطابه إلا لذاته لتقريعها وتوبيخها ولومها وإسداء النصائح لها من خلال صيغ الأمر والنهي والتحضيض والاستفهام والإطناب بالترادف والطباق . كما أن لغة المقامات تجمع بين معجمين: معجم الضلال ومعجم الهداية. فالدنيا امرأة فاتنة كثيرة الإغراء والافتتان، ولترويضها لابد من سلوك طريق الجد والاستعداد للموت. كما يتناول الزمخشري الأدب من وجهة نظر غريبة ، أي إنه يعرض أغراض الأدب وأدواته( النحو والعروض والقافية) من خلال نظرة واعظ متزهد. ويوجه الزمخشري كتابه لقارئ ضمني وسيط مدرس للأدب يقوم بتبليغ المقامات لأصحاب الفضل والديانة، أي إنه لن يمكن منها العامة وقليلي الدين. ولابد لهذا الكتاب من مؤلف يعطيه المشروعية ومصداقية التلقي والانتشار لأن النص المكتوب أرستقراطي، بينما النص الشفوي بلا اسم المؤلف يصبح ديمقراطيا في انتشاره.

د- الملح والنحو:

كتب الحريري أرجوزة في النحو تشكل ملحمة الإعراب، وكانت الأراجيز وسيلة لنظم العلوم والمعارف من أجل تسهيل الفهم والاستيعاب على الطلبة عن طريق الحفظ والاستظهار. يلاحظ على ملحة الحريري أنها نظم وليس بشعر لانعدام الطرب والمتعة الشعرية والألفاظ الشاعرية. كما تتسم هذه الملحة بالحشو والكلام الزائد الذي تستوجبه القافية. وتخضع الملحة النحوية لهرمية في الإسناد : العرب العرباء والرواة والمتكلم والمخاطب. وتقترب الملحة النحوية من الوعظ لهيمنة الوظيفة التعليمية التلقينية وصيغ الأمر والنهي والإرشاد . وتطفح الملحة بآراء النحاة في المسائل الخلافية دون أن يشير إليهم، وكان من الأفضل ألا يذكر إلا المسائل النحوية التي اتفق حولها النحاة.. كما يستعمل الحريري لغة السلطة والسيطرة في توجيهه الخطاب إلى المتلقي طالبا منه التنبيه والإنصات دون اعتراض قصد الاستفادة من النحو، وعلى السامع كذلك أن يصحح أخطاء شيخه إن وجدت وأن يكمل مانقص وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى تواضعه وتواضع العلماء الكبار أمثال الحريري. أما أمثلة الملحة فهي غنية بالفوائد الدينية والأخلاقية والمعرفية والأدبية.

هــ- نحن والسندباد:

في هذا الفصل ينطلق الكاتب من شعرية گاستون باشلار التي ترتكز على المبادئ الكونية الأربعة: الماء والنار والهواء والتراب في تحليل أسفار سندباد الواردة في كتاب ألف ليلة وليلة. إن الكاتب يقابل بين شخصين: السندباد البري رمز الفقر والمعاناة والشقاء الأرضي ، والسندباد البحري رمز الغنى والسعادة ، ورمز الانفتاح والتحدي والمغامرة الخارقة. كما أن الكاتب يقابل بين عالمين: عالم البحر وعالم البر، أو بين فضاءين متعارضين: فضاء الانغلاق و شدة الحر والتعب والمشاكل البشرية وفضاء الانفتاح والأهوال والكنوز والمغامرات العجيبة. وتقابل القصة أيضا بين عالم الألفة وهو عالم البر أو عالم الأرض الذي يرتبط به السندباد الأرضي وعالم الغرابة وهو عالم فانطاستيكي عجائبي يتميز بمواصفات غريبة تتعلق بحجم المخلوقات، وجمع فضائه الغريب بين متناقضات ومتنافرات تتجاوز الطبائع البشرية، ووجود شعائر وعادات لم تكن تدور بخلد السندباد كأكل اللحوم البشرية وتحول الناس إلى كائنات حيوانية ووحوش خارقة ممتسخة. وكل هذا يعبر عن ثنائية الإيهام والإبهام كما أن السفر السندبادي لا يكتفي بما هو أفقي (السفر برا وبحرا)، بل يتعداه إلى ماهو عمودي( السفر في الجو وعمق الأرض). ولا تنتهي الأسفار السندبادية إلا بالتوبة والعودة إلى البر و إلى حاضرة بغداد وتوقف السرد الشهرزادي. وتنبني القصة كذلك على المقايضة السردية لأن السرد وليد توتر بين قوي وضعيف، شهرزاد راوية في موقف الضعف وشهرزاد مستمع في حالة القوة والسيطرة والبطش، و السندباد البحري السارد في حالة قوة والسندباد البري المستمع في حالة ضعف وسكون. ويكون الاستماع هنا بمائة مثقال ذهبا وعشاء فاخر للسندباد البري، وفي العقد الضمني بين شهرزاد وشهريار يكون السرد في مقايضة مع الرحمة والعطف.

هذا، وإن حكايات السندباد ماهي إلا حوار بين الانغلاق والانفتاح وإثبات لجدلية الداخل والخارج وحوار الأنا مع الآخر أو الغير. ولقد امتدت الرحلات السندبادية إلى عصرنا الحاضر واستمرت ثنائية الألفة والغرابة كما في الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق وحديث عيسى بن هشام للمويلحي.

4- القضايا المنهجية والفنية:

يتبنى عبد الفتاح كيليطو في كتابه الأدب والغرابة البنيوية السردية القائمة على التفكيك والتركيب والتحليل المحايث وتحليل الخطاب. وسياق هذا الكتاب هو فضاء العالم العربي إبان فترة السبعينيات التي ظهرت فيها البنيوية عن طريق الترجمة والمثاقفة والاحتكاك بالآداب الغربية و مناهجها النقدية. وكان من الطبيعي أن يتأثر النقاد العرب بالمناهج النقدية الغربية الحديثة ويحاولون تطبيقها على الآداب العربية سواء القديمة منها أو الحديثة. وإذا كان كمال أبو ديب قد اهتم ببنية الشعر العربي القديم والجديد، فإن عبد الفتاح كليطو اهتم بالثقافة العربية الكلاسيكية وخاصة بنية السرد والحكاية في شتى تقاطعاتها وأجناسها.

ومن المعلوم أن البنيوية تربت في أحضان اللسانيات مع فرديناند دوسوسير و البنيوية الوظيفية( أندري مارتينيه)، والگلوسيماتيكية (هلمسيلف)، وحلقة براگ( جاكبسون، تروبتسكوي)، والتوزيعية (هاريس وبلومفيلد)، والتوليدية التحويلية( نوام شومسكي)، كما تربت في أحضان الشكلانية الروسية والنقد الفرنسي الجديد . ويعد كلود ليڤي شتروس ورومان جاكبسون من البنيويين الأوائل الذين طبقوا المنهج البنيوي اللساني على الشعر ولاسيما قصيدة القطط Les chats للشاعر الفرنسي بودلير في منتصف الخمسينيات لتعقبها تحليلات بنيوية حول السرد والقصص المصورة والحكايات الشعبية والبوليسية مع رولان بارت وكلود بريمون وتودوروف وجيرار جنيت. وستتحول البنيوية بعد ذلك إلى مقاربة سيميائية مع گريماس و جوليا كريستيڤا وفليب هامون وجماعة أنتروڤيرن ومدرسة باريس و أتباع بيرس. وقد استلهمت البنيوية الفرنسية الإرث الشكلاني وجماعة تارتو السيميائية بموسكو عن طريق الترجمة والاطلاع الثقافي والتبادل المعرفي.

ولقد استفاد الدارسون العرب من المنهج البنيوي في أواخر الستينيات وعقد السبعينيات من خلال الاطلاع على كتب تعريفية ككتاب محمد الحناش "البنيوية اللسانية " ،وكتاب فؤاد أبو منصور"النقد البنيوي الحديث"، وكتاب فؤاد زكريا "الجذور الفلسفية للبنائية "، وكتاب صلاح فضل "نظرية البنائية في النقد الأدبي"...

هذا، وقد غدا النقاد العرب يطبقون المنهج البنيوي على الأدب العربي انطلاقا من مرجعيات نقدية غربية متنوعة كما فعل موريس أبوناضر وخالدة سعيد ويمنى العيد وكمال أبوديب وصلاح فضل وعبد الكبير الخطيبي وجمال الدين بن الشيخ وجميل شاكر وسمير المرزوقي وعبد السلام المسدي وحسين الواد وسيزا قاسم...

وإذا كان أغلب الدارسين يتعاملون مع المنهج البنيوي بطريقة حرفية آلية قائمة على الإسقاط الخارجي حتى يصبح العمل النقدي تمرينا منهجيا آليا يسمو فيه المنهج على حساب النص، إلا أن عبد الفتاح كيليطو يتعامل مع المنهج البنيوي بذكاء خارق حيث يخضع المنهج للنص ويستنبط من داخله دلالات عميقة لايمكن أن يتصورها القارئ الضمني والفعلي على حد سواء .

وبرتبط المنهج البنيوي لدى كيليطو بالوصف والتفسير والتأويل من خلال استقراء اللغة في سياقاتها النصية مع تنويع المنظورات والتصورات في التحليل والمقاربة حيث يعتمد في إحالاته البيبليوغرافية على الشكلانية الروسية والبنيوية الفرنسية والسيميائيات والفلسفة الغربية وجمالية التلقي( ياوس). ولكن هذه المرجعيات يتحكم فيها الكاتب بنوع من المرونة و التلميح الموجز والتصرف المنهجي.

ويبدو من خلال قراءتنا للكتاب أن كيليطو يوجز في الكتابة اختصارا وتكثيفا؛ لأن الكلام كما هو معروف ما قل ودل. وعلى الرغم من هذا الإيجاز غير المخل الذي يظهر واضحا في صغر حجم الكتاب إلا انه كتاب دسم مليء بالمعارف المنهجية والمعلومات المتعلقة بالآداب الغربية والعربية.

وعليه، فإننا نشيد بالكاتب تنويها وتقديرا كبيرا، ونحييه تحية إجلال وإكبار لأنه خدم الثقافة المغربية ونقدها الأدبي، و أعاد الاعتبار للثقافة العربية الكلاسيكية، وفتح باب التراث العربي الجمالي والفني للدارسين العرب لقراءته من جديد على ضوء مناهج تأويلية جديدة تستقرى الداخل النصي تأويلا وتفسيرا وتفكيكا. وهذا ما قام به أتباعه وتلامذته كالباحث السعودي عبد الله الغذامي والمغاربة محمد مفتاح وسعيد يقطين ومحمد مشبال في كتابه" بلاغة النادرة"، والباحثة المصرية نبيلة إبراهيم، والعراقي عبد الله إبراهيم، أي البحث الجاد في أدبية السرد العربي القديم و الثقافة العربية الكلاسيكية وتفكيك جميع أجناسها من أجل تركيب تاريخ للأدب العربي بمفهوم علمي دقيق. ويلاحظ أيضا أن بعض نصوص كليطو مختصرة وموجزة تتطلبها المقاربة البنيوية التي تكتفي بالنصوص القصيرة وهذا هو شأن التحليلات البنيوية والسيميائية الغربية( جماعة أنتروڤيرن مثلا).

وقد يبدو أن منهجية الكتاب متجاوزة وأن المعارف التي يحملها أصبحت بديهية، إلا أن الكتاب مازال معاصرا يعيش معنا ويتجدد كل يوم في الزمان والمكان باختلاف القراء، و ينبغي لكل دارس ومبتدئ في الآداب أن يعود إليه من أجل استيضاح الأمور والمفاهيم الاصطلاحية الأدبية والنقدية قبل الشروع في أي بحث أو عمل دراسي ونقدي سواء أكان بحثا شخصيا أم أكاديميا .

و تمتاز مقاربة كيليطو النقدية بلغة وصفية رائعة تعتمد على المساواة بين اللفظ والمعنى والمتعة اللفظية وشاعرية التحليل وتنوع السجلات المعجمية والنقدية بتنوع المرجعيات التناصية، كأننا أمام عمل إبداعي محكم يحقق للقارئ الضمني والفعلي متعة ولذة نادرة كلذة النص التي تحدث عنها الفرنسي رولان بارت.

وفي الأخير، إن كتاب "الأدب والغرابة" نموذج نقدي رائد في عالمنا العربي في دراسة الثقافة العربية الكلاسيكية؛ لأنه يستند إلى آليات التفكيك والتركيب والتأويل وتفسير النصوص من الداخل واستكناه المضمر من خلال المصرح بأسلوب وصفي ممتع رائع حيث يصبح المنهج في خدمة النص وليس العكس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرابط :
http://arabmag.blogs...6579725633.html

الخطأ و الصواب

#16 حسن غريب

حسن غريب

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 755 المشاركات:

تاريخ المشاركة 16 July 2007 - 10:39 PM

الصديق الغالي / السعيد الموفقي
بالعكس انت وجودك بيننا اضاف الكثير لنا وافادنا كثير فيموت العالم وهو يبحث عن العلم وانت علمك كبير ودورك الكبير والفعال هنا ينم عن شخصيتك المتميزة والطيبة ونتك الراقي والعميق جدا تحياتى ومودتى لك دوما وكم انا سعيدبك وبمعرفتك.

حسن غريب
كاتب وروائي
hassan7565@yahoo.com
للتواصل عبر سماواتي الخاصة :
http://hassan63.blogspot.com

#17 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 16 July 2007 - 10:57 PM

(حسن الغريب @ 17-07-2007, 07:39 am) عرض المشاركة

الصديق الغالي / السعيد الموفقي
بالعكس انت وجودك بيننا اضاف الكثير لنا وافادنا كثير فيموت العالم وهو يبحث عن العلم وانت علمك كبير ودورك الكبير والفعال هنا ينم عن شخصيتك المتميزة والطيبة ونتك الراقي والعميق جدا تحياتى ومودتى لك دوما وكم انا سعيدبك وبمعرفتك.



الأستاذ العزيز حسن غريب أهلا بك أخا و صديقا
قرأت ردّك باهتمام و أشكرك على التعليق الجميل و دمت مبعا .

الخطأ و الصواب

#18 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 18 July 2007 - 10:53 AM

أيّ مفهوم للنقد الأدبي اليوم؟


أحمد المديني



ليس طرحنا للسؤال من باب الترف الفكري، ولا لاستئناف الحفر في أطروحات ومفاهيم متجذرة في تاريخ الأدب، ومؤسسة لشجرة أنسابه، ولبناء مفاهيمه وسّن مناهجه. بالطبع، إن السؤال في هذا المضمار مشروع ومطلوب على الدوام، لأن النقد الأدبي ليس دينا ولا عقيدة ثابتة ولا يمكن أن يستوعبه أي رداء إيديولوجي دوغماتي مهما أسرف دعاة النظريات المادية، وهم ينتمون إلى مدارس شتى، وأمعنوا في صنع البعد الواحد لإنتاج الأدب. لأنه يُستحسن أن ُيفهم بالدرجة الأولى، ولدى كل مقاربة أو تحليل مخصوصين بمادة مفروزة ومنهجية محددة، على أنه لا ينتسب إلى نفسه وحدها، أي إلى تاريخية ومفهمة تجريديين، بل إلى تاريخ النصوص سبب وجوده، ومحفّز نشاطه، نظريا وتطبيقيا في آن .

إن مهمة السؤال -كانت وستبقى- هي إنتاج المعرفة، بدءا بمساءلة يقينيات مطلقة وامتدادا إلى استكناه غموض الحاضر والمستقبل في نصوص شريعتها الجديدة هي نبذ كل يقين. نعم، فإلى هذه النصوص الإحتكام بوصفها الحلقة الأمّ والمركزية، بين العملية الأدبية والعملية النقدية. في كتابه الشهير"مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق"( كمرجع مشترك ومتداول، ترجمة د.محمد يوسف نجم، بيروت، دارصادر،1967)، يبرز ديفد ديتشس وينظم بكيفية دقيقة الحدين اللذين تنهض عليهما العمليتان وتبنيهما،على وجهيْ التشييد المفاهيمي، أولاً، والتطبيقي بتعددية مناهجه ثانياً.

وللحد الأول أهمية قصوى من حيث يعين الأنواع الأدبية التيمات الكبرى (الأغراض) التي تحتفي وتعبرعن الكائن والحياة في محيط بذاته ووفق تصورات بعينها للوجود. وإذا كان مفهوم أفلاطون للمحاكاة يختص أكثر بالقول الشعري لزمانه، وينزع نحو عالم المُثل، فإن المحاكاة بالإستخدام الأرسطي ( Mimesis ) هي التي تعد العمدة ـ كانت وما تزال ـ لتعيين أشكال القول، ورسم جماليتها، وتأشير بلاغتها، مما تبلورعنه مفهوم معين للأجناس لأدبية، وللأدب بصفة عامة، ما انفك يتطورعبر الأزمنة بتغيرالمشاعر والحاجات وأوضاع البشرعموما، كما تقولها نصوص نحن لا نعيا من وصفها بالحديثة أو الجديدة أو ما شاكل. وما الأدب عندئذ إلا حصيلة ما كُتب في مرحلة من القول الإنساني وفق شروط وبلاغة نظمهتما ثم قننتهما بويطيقا أرسطو.

وإذا كان مبدأ التطور لاجدال فيه، وبه انبنت مدارس وتفتحت مواهب وأذواق، فإن الجماليات الكبرى -من هوراسيو إلى هيغل، باختزال شديد- حافظت على هذه البويطيقا ورسخت أسسها، مع إغنائها وتوسيع أطرافها، وأحيانا بإحداث القطائع الأساس التي يمكن رؤية أقوى مثال لها في انقلاب النوع السردي ـالتراجيديا المبنية على قواعد الدراماـ على نفسه، أي تاريخ الأدب والشروط الموضوعية للتاريخ الإجتماعي، وتحوله التدريجي إلى الرواية، إلى السرد الحديث كما بشّر به أبوه الشرعي ـ على الأقل في إجماع الدارسين ـ الشريف العبقري ميغل دي ثربانتس في الشهيرة" دون كيخوطي دي لا مانتشا".

إن المفهوم الفلسفي وروح الزمن يبقيان قاعدة للتاريخ الأدبي، وبالطبع للنقد الأدبي، الذي يظل متراوحا بين نظرية الأدب وقراءة النص لفهمه وضبط إوالياته، باحثا دائما عن مقعد مريح قد لايجده أبدا، أوهذا ما يريده له البعض حين يحكّمون الذوق، وهو مفهوم لاـنقدي، ذاتي (غيرمشروط)، بينما الذائقة الأدبية لدى القدامى تعادل تلك الملكة الخطيرة عند ابن خلدون التي تُكتسب بالخبرة والدُّربة فضلا عن الموهبة. هذا يؤكد،على نحو ما، أن النقد المزعوم يتعذرعليه أن يصبح علما، وأقصى مطمح أمكن أن يبلغه في تراثنا النقدي، نحن العرب، أنه" كتاب[فن] الصناعتين: الشعر والنثر" كما عند أبي هلال العسكري. إنما حذار أن نستهين بهذين المصطلحين، ففيهما كل الصيد، كما في جوف الفرا !

هذا ما ُيسْلِمنا إلى الحد الثاني، التطبيقي، للنقد الأدبي. ونحن هنا في الحقيقة سنتوزع بين معارف وأدوات شتى، هي جَماع المعرفة الموضوعية المكتسبة في وعن حقول متعددة لا تختص ضرورة بالعمل الأدبي، بالأدب أيّاً كان سَمتُه ومنزعه، وبين أدوات الصناعة المختصة بالأدب عيناً بوصفه قولا لغويا وإنشاءً على وجوه اللسان (انظر في مقدمة ابن خلدون تفصيله في شرح علوم اللسان العربي) والبيان ( المقدمة، دائما) وعلم الأدب (نفسه).

الأولى تختص بعلم النفس، وعلم الإجتماع، بوقائع تاريخية ومعطيات اقتصادية تنعت عموما ب"الموضوعية" أي أنها تتعارض مسبقا مع الأدب الذي عرّفته الحداثة الأولى بأنه تعبير ذاتي ـالشعري الحديث في مقابل الملحمي القديمـ وهي عبارة عن منهجية، عن طريقة يستخدمها باحث ما، باقتناع نظري، أوإيديولوجية، لاستخلاص حقائق أو تحصيل حاصل كامن في ذهنه، أي خارج النص،الأدب. نقول هذا بصرف النظرعن التعددية المعلومة في تعريف الأدب مما هو في متناول سائر الطلاب، دعك من الدارسين. فيما تنحو الثانية إلى التحليل في ضوء وبأدوات الصناعة، تنظر إلى القول صنعة صانع، لا تفرق في ذلك بين شعر ونثر، وهي تتحدد وتتنوع حسب أجناس هذا القول، حيث تتميز بأشكالها وطرائقها وأساليبها، يلي ذلك ضبط إواليات إنتاج النص الأدبي، لنُقل السردي في حالة معينة ليظهر أفق منظور للتحليل.

هل نحن في حاجة إلى القول بأننا هنا داخل مضمار اتسع، ويتسع أكثر، لمقاربات ومنهجيات متعددة أنتجها التجدد المتسارع للعلوم الإنسانية، والحداثات بلا حدود ،التي ليست طارئة إلا في أذهان المحافظين، سدنة معبد التقليد. الشيء الذي يفيد، من زاوية مقاربتنا، أننا إزاء خضمّ من المفاهيم والنظريات والمعارف والمناهج، إما تولدت نظريا أو في التفاعل المتناغم تارة، المختلف تارة أخرى، مع النص، وفي الأحوال كلها المؤسسة لمعرفة وكيفية قراءة العمل الأدبي، أي أنها، سواء أخذت هذا المنحى أو ذاك، اعتمدت قواعد محددة، وسارت على هدي من تاريخ الأدب، تاريخ أفكارالأدب وأشكاله، لتوجد وتتمأسس ويُحتكم إليها، مهما تضاربت الأذواق و تباينت الأفكار والمدارس.

أجل، فلدى القدامى والمحدثين أكثر، ُيعلي النقد القواعد نظاما لا محيد عنه،أو يصبح خارج حقله، وذلك انسجاما مع النظام الذي يسود ويتحكم في الوجود كله، الوحدة، التناغم، التماثل، الإختلاف الخ... لذلك تبقى وضعية النقد، والناقد أيضا، في حالة ذهاب وإياب بين النظرية والعمل المرصود، ولا مناص من النظام لضبط العلاقة، لهذا أيضا يتحرك النقد في دائرة الثقافة قبل كل شيء. الشيء نفسه بالنسبة للعمل الأدبي الذي لا يمكن أن يُرسل على عواهنه، والذي مهما جدّف به صاحبه بعيدا في التغريب والتفكيك والتهجين، يفعل ذلك ـ لابد ـ بوعي من سيصل أخيرا إلى اجتهاد خصوصي ينزع إلى اختراق النظام بآخر، والإجهاز على الحداثة ببدائلها. هذا بعض ما يجعل الحداثة نسبية دائما، ويقلق في نظرياتها، خاصة حين يستند إليها النقد أوالتعليق الكسولان اللذان يغفلان عن النبع والسياق ويتمسكان بالنوافل. إن النقد الأدبي الحقيقي ـوالزائف كثيرـ إنما هو نتاج شبكة من العلاقات، معرفية وأدبية وإنسانية، حين تتظافر لا بد أن توتي أكلها أو لايكون، وحضور النص داخله بآنيته مركزي وإلا تعطل تماما، خلافا للدرس الأدبي. ذلك أن الدرس منفصل عن الزمن، إن شئنا عن السياق العابر، وهو يشتغل بمفاهيمه التي ينبغي أن يذعن لها النص لأن له أفقا إبستمولوجيا بالدرجة الأولى، وهذا سبب سوء الفهم الذي وقع فيه البعض ـ في المشرق العربي، خاصة ـ رأووا في مناهج التحليل المستحدثة من بنيوية ولسانية وأسلوبية وسيميائية وخطابية خطاطة معميات، وقتلا للأدب ومعه المؤلف، فيما أصحابها غير معنيين بالأدب بالمعنى المتداول، وهم لا يحللون إلا النصوص الكلاسيكية، أي الواقعة خارج السجال. إن غريماس، مثلا، عني أساسا بالبنية العاملية والإشتغال العاملي، متوسلا إلى ذلك بقصة موبسان"الصديقان" ومثله فعل بارت وجيرار جنيت مع فلوبير؟ عمل هؤلاء وأضرابهم باعتماده النص ولا شيء غير النص لا ينسجم البتة مع النقد الأدبي المشوب بـ"عيوب"الذوق الفردي، وإقحام حياة المؤلف، والنزعة المعيارية، ضمنها أحكام القيمة أحيانا. لذا يجب الإحتراز مرة ثانية وثالثة كلما جرى الحديث عن مناهج الدراسة والتحليل الحديثين بضرورة فصلهما منهجيا وأفق عمل، باعتبار أن النقد الأدبي، قديمه وحديثه، يمتلك استراتيجيته المخصوصة به .

والحقيقة أن النقد الأدبي حديث لا قديم، وعلم الأدب، بالأطروحات الجديدة عنه، هو ما طرده من الجامعة كـ"علم مغشوش ودخيل" وألقى به في ساحة الصحافة حيث ارتأى أن هنالك مكانه المناسب، وهكذا كما اعتدنا أن نقول بأن هذه الأخيرة هي التي ساعدت على انتشار القصة القصيرة وتبلور حجمها وفنيتها، كذلك فإن صناعة الكتاب الحديثة والظروف المحيطة باستهلاكه من قبيل التلقي والترويج وجلب وتنويع القراء في الصحافة قادت إلى ضرب من النقد هو ما سيسود وتصبح له منابره وتياراته وأعلامه، وسجالاته بمهازلها، أيضا. إنني أتحدث عن النقد وقد أصبحت الصحافة مجاله الأول، وهو ما يختلف نسبيا عن ما يسمى بالنقد الصحفي الذي لا يوجد إلا في الأقلام السهلة أو الخفيفة لممارسيه، مثل وجوده في عقلية الكتاب الذين ينتظرون من هذا النقد المزعوم أن يطلق في ركبهم البخور ويزفهم إلى المجد الموهوم. لا شك أن للإعلام الثقافي، أي المختص بالتعريف بالمنتج الثقافي بهذا الشكل أو ذاك، دورا لا يستهان به في نطاقه ولكنه لا يضاهي النقد بمعناه الأصلي في منابره المختصة، علما بأن الوتائر المتسارعة لحياة اليوم والتنميط الثقافي والمناخ الإستهلاكي الكثيف في البلدان الغربية خاصة، قلبت هوية الإختصاصات وبلبلت المعاني المشتركة قبلا.

ليس مثل الغرب ـ في قلبه فرنساـ فضاء لجس نبض هذا التحول، وحيث الإحساس دائم بالإنقلاب الجذري للمفاهيم . من أرشيفي أستخرج مادة تلائم لقدمها النسبي أعدتها مجلة" La règle du jeu" الأدبية المتخصصة،(سبتمبر1993،ع11)، هي عبارة عن أسئلة وُجهت لمجموعة من الكتاب والنقاد المعلقين الأدبيين في الصحف والمجلات، لطرح تشخيص عن النقد الأدبي في فرنسا. من هؤلاء أختار اثنين لحصافة عملهما وأجوبتهما خاصة التي تصب كلها في حفر مجرى مقالتنا. الأول هو هكتور بيانشيوتي، وهو روائي معروف، من معلقي ملحق "لومند" للكتب، يصف الناقد بأنه شخص يبدأ بقراءة كتاب، ومن هنا يخمن ملفوظ الكاتب، وتراه حسب الفكرة التي يكونها عن مشروع الكاتب يتجه إلى إصدارحكم ذاتي. يحترز بيانشيوتي بالتماسك وبربط المؤلف بالسلالة، مهتديا بما قاله ت.س.إليوت بصدد النقد:"من جهة، للحكم على كاتب ما من المناسب وضعه وسط الموتى (في عدادهم)؛ وثانيا، إن الكاتب المتفوق على الآخرين هو الممتلك للحس النقدي الأكثر تطورا." أما عن مسؤولية النقاد إزاء تدهور الوضع الأدبي، وهذا شيء محسوس فعلا في فرنسا منذ سنوات، فيعزوه إلى أن النقد الحقيقي لم يعد موجودا لأن شروطه لم تعد مجتمعة، يضاف إليها ما يسميه تجاوزات في عمل هذا النقد يمثل لها بـ" النزعة الإخوانية، والزبونية النقدية، والمجاملات، والعمل لحساب دار نشر معينة...". أما برونو دي سيسول (ناقد موثوق في منابرعديدة)، فيلاحظ على محيط النقد الأدبي الأمور التالية: "نوعية اللغة، بلا شك، فكثير من الصحفيين الشباب لا يعرفون كيف يكتبون، وقاموسهم فقير. واليوم، فكل فرنسي تغريه الكتابة، لكن كتابة أي شيء"، من نحو آخر يذهب إلى ما يشبه أخلاقية النقد ليرى أنه بات، بصفة عامة، يفتقر إلى الشجاعة والإستقلال إذ" لم تعد هناك معانفة كما في القرن التاسع عشر؛ إن وظيفة التعنيف ضرورة صحية في الآداب."

بوسعنا تعميم هذه الملاحظات ـ المؤاخذات، على وضعنا الأدبي، ونزيد عليها غيرها أكثر فداحة، مما ينبغي أن يندرج في تشخيص وضع أدبي ثقافي أشمل نبدو وكأننا نتخوف المس بأسماله خشية تعريضها لمزيد خرق وهلهلة، والحال أننا، كتابا ودارسين ونقادا ومعلقين في وسائل الإعلام، لا ننقطع عن الشكوى بينما فينا الخصام، بلغة المتنبي، ونحن الحكم. فالنقد الأدبي ليس التناول السطحي، المستخف بالعمل الأدبي، له شروطه، وقواعد لعبه تنزهه عن تناول المعلقين المتعجلين، أقول المتعجلين المتحالفين مع باعة الورق، ممن يأخذون من كل فن طرفا، أو يريدون منا أن نعذرهم لأنهم معلقون عابرو سبيل في قراءتهم، ويتفضلون بالتعريف والتنويه، لذا علينا أن نغفر لهم سلفا شطحاتهم، وضحالة ثقافتهم. وعلينا،أن نقبل، في عرفهم، وهو الأخطر، بأن التعريف والتعليق، شأن التلفيق والتصفيق، هي المصطلحات البديل التي باتت تملأ فم النقد الأدبي لتعلو بصخبها فوق كل صوت.

إن المسألة في المراس لا في التعريف، في كيفية القراءة ومنظورها وعدّتها ومن يتكفل بها، ولا ننسى أخلاقيتها، ووعي الأدب ينهض دوما بضرورة طرح السؤال، واستئناف المساءلة بما من شأنه أن يعيد إلينا المعنى المفتقد، والجمال المغيّب،والنظام المشوَّش. السؤال عن وجود النقدالأدبي، كالدرس لأدبي الأكاديمي، في قلب البحث المتجدد عن كيان الأدب، رغم الإسم الفضفاض، وعن أشكال تبدله وأساليب تطوره، وعلاقة النقد بالأدب تبقى مشترطة لا تقبل أي انفصام، ومن ثم فالخوف على هذا خوف على ذاك في آن. إن التهافت الذي يصيب الأول ينعكس مباشرة على الثاني، وإذا كنا من باب إلقاء حجرة في البركة الآسنة، تساءلنا عن مدى حيوية النقد الأدبي فلكي نشير مباشرة إلى الإبداع مناط اشتغاله. ليكن إبداعنا العربي المتميز ببذاخة أدائه، وكثافة دلالاته وغنى عالمه، لكن المغزوّ بالطحالب والطفيليات من كل جهة، تجتاحه فتفسد ضالته الأصيلة، وتشوه سحنته الجديدة، حيث من وبما شاء أن يعلن، كما في مزاد عمومي، وحتى بشراء الذمم، أنه روائي أو شاعر أوما طاب له، طالما لا حسيب ولا رقيب، كما المطلوب في كل الحرف، منها حرفة الأدب، أدركها البوار فصارت مادتها عبثا في مرتع العابثين، يريد المتسللون والمتسللات إليها أن يصبحوا رادة سادة في رحاب أدب جديد يقوده نقد بهلوان يرسل الحُداء ويرقص الثعابين !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرابط :
http://www.alawan.co...m...29&Itemid=8


الخطأ و الصواب

#19 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 20 July 2007 - 01:35 PM

الدكتور محمد برادة يتحدث عن
محمد مندور و تنظير النقد العربي


يقول برادة في مقدمته : ( من بين الأسباب التي حدت بي إلى اختيار دراسة أعمال الناقد محمد مندور ، ما لاحظته من تفاوت مستمر بين النقد العربي المعاصر والنقد الغربي : ذلك أن ثقافتنا تتأخر دائما في التعرف على الاتجاهات والمذاهب الأجنبية ، وكثيرا ما يتم التعرف بعد أن تصبح تلك الكتابات مستنفذة لأغراضها عند من صاغوها ) .
ويقول في موضع آخر : ( خلال إقامتي الدراسية بمصر " من 1955 إلى 1960 " كانت كتابات محمد مندور تملأ الصحائف والأسماع ، وكان صاحبها يواصل بالجدية والصدق اللذين عرف بهما منذ 1944 ، نضاله ومعاركه لبلورة مذهب أطلق عليه " المنهج الأيديولوجي في النقد " ، إعتقادا منه أن هذا الاتجاه هو الذي سينقذ النقد العربي من ضعفه ، لأنه حصيلة مسار خصب متنوع ، ولاشك أن المناخ المحموم الناجم عن صعود فكرة القومية العربية والفهم العاطفي الذي طرحت به قد قوى من وهم الخلاص عن طريق بلورة أيديولوجية متميزة ، وسحبها على كل المجالات ).
وفي نهاية المقدمة يبسط برادة أسباب اختياره لمندور ، ومن أهمها في رأيه عدة حقائق من بينها :
( الواقع أن حالة مندور جد متميزة : فهو لم يكن مجرد ناقد متخصص منغلق على نفسه . كانت نشاطات واهتمامات أخرى تضفي عليه بحق طابع " المثقف العضوي " ، ومن ثم لا يمكن موضعته ، أو فهم اعماله بدون اعتبار المرحلة التاريخية المرحلة المتأججة التي عاشتها مصر من سنة 1940 إلى 1950 ، أي طيلة سنوات الفاعلية في حياة مندور .
استبعدت ، وأنا أعيد تصوير العلائق بين مندور ومجتمعه مفهوم " السيرة اللدنية " ، كما تجنبت القيام " بقراءة إبداعية " ليس لأن ناقدنا لم يكن مبدعا ، وإنما اقتناعا بأن كل كتابة هي في جوهرها نتاج جهد وذكاء ، وتستجيب لشروط مادية قابلة للتحليل .) .
وحول المراحل المميزة في حياة مندور يوضحها برادة كالتالي :
( أما عن الخطوط العامة لهذه الدراسة فقد استمددناها من استجواب أدلى به مندور لأحد النقاد ،وقسـّـم به مساره النقدي إلى ثلاث مراحل : تأثيرية ، وتحليلية ، ثم أيديولوجية .
على أنه إذا كانت قراءة كتبه تؤكد وجود هذه التنقلات المرحلية ، فإن السؤال الأساسي في رأينا هو : كيف تمت هذه التحولات ؟ وماهي العوامل المحددة داخل الحقل الثقافي الذي عاش فيه مندور ؟ وهل يتعلق الأمر بتطور مراد سعى إليه عن قصد ، أم أنه راجع إلى علائق موضوعية كانت توجه الحقل السياسي والثقافي ؟
أمام هذه الأسئلة ، رأينا أنه يتحتم اللجوء إلى "المدرسة النظرية " للتفرقة بين النوايا والتحقق ، وأيضا لفرز التجريبية عن الوعي الملائم ) .

توصيف المنهج :

في وصفه للمنهج الذي اعتمده في دراسة آثار مندور الأدبية يؤكد برادة انه شرع في بحثه متناولا " مندور " باعتباره " ذاتا " جابهت هذه الوضعية الثقافية بشروطها التاريخية .
ولا يمكن الزعم بأن هذا هو منهج علمي أو موضوعي بإطلاق : بل هو منهج يصدر عن رؤية أيديولوجية ولا يتحايل في إخفائها ، لكن ، بين التفضيل الإيديولوجي ، وبين موضوع التطبيق ، هناك إمكانية القيام بتحليل موضوعي نسبيا .

أهمية مندور النقدية :

على صعيد النقد الأدبي ، تكتسي أعمال مندور دلالة كبيرة داخل الحقل الأدبي المصري والعربي على السواء . فتكوينه الثقافي بالسوربون ، في الثلاثينيات ، هو الذي أمده بأدواته ومصطلحاته ومنهجيته ، لتقييم الآثار الأدبية وتوجيهها .
وشروط الممارسة الأدبية في مصر ، هي التي تفسر لنا ، إلى حد كبير ، استمرار هذا النوع من الكتابة النقدية في شكل محادثة ، تأخذ من كل شيء بطرف ، وتجمع بين التاريخ والتحليل والتمحيص اللغوي ، والتصنيف على أساس مصطلحات مستعارة من فروع معرفية متباينة .
وإذ يشعر برادة أن تناوله لكتابات مندور قد اتصفت بالتأكيد على الجانب السلبي يقول :
( هل نغالي إذا قلنا ، تدقيقا ، بأن مفهومه للتنظير مفصولا عن ممارسة نظرية ، هو الذي سجنه داخل مجموعة من التعريفات والمقولات العاجزة عن التقاط الظواهر والانتاجات الأدبية فيما تتوافر عليه من صيرورة نوعية ، وفيما تستلزمه من أشكال جديدة ملائمة لمضامينها : وإذا كمان مندور يعبر أحيانا عن ضرورة اعتبار خصوصية المجتمع المصري والثقافة العربية ، فإنه لا يتعدى ذلك إلى إعادة النظر في الأشكال التعبيرية المأخوذة من الغرب في مطلع هذا القرن ) .
ثم يعود برادة ليضع نتيجة للأسباب التي اقترحها ، فذكر أنه ( نتيجة لذلك ، فإن تلك الأشكال المرتبطة بتشكيلات اجتماعية وإيديولوجية محددة استمرت في إمداد مندور ، ونقاد آخرين ، بمقاييسهم وتصوراتهم النظرية : لأن الممارسة النظرية عندهم تتخذ كمسلمة ثابتة ، نظرية الأجناس الأدبية كما تحددت عبر مسار تاريخ الأدب الأوربي ) .
ويكون اللحن الأخير على نفس النغمة المائزة التي استمرت طوال الفصول السابقة غير أنها تأخذ هنا شكل القرار :
( من هذا المنظور ، يلتحق مندور وكتاباته ومواقفه ، بالمواد " المجربة " التي أفرزها الحقل الثقافي للعالم العربي ، ومجموع هذه المواد تصبح مع مواد أخرى وعوامل ثانية ، مقفزا نحو آفاق جديدة ) .
وبذلك ينتهي عرضنا لكتاب من أهم الكتب النقدية التي صدرت خلال الخمسين سنة الأخيرة كما يجمع على ذلك النقاد المعاصرين .
وفي ذكرى مرور أربعين سنة على وفاة مندور ستصدر خلال أيام الطبعة الجديدة من الكتاب عن المجلس الأعلى للثقافة المصري بالمعرض الدائم بأرض الجبلاية بالقاهرة ، وهو يقومـ أي المعرض ـ بخصم مقداره 50% على كافة مطبوعاته لأعضاء اتحاد الكتاب المصري ، وربما للضيوف العرب كما تعودنا في المؤتمرات الثلاث الأخيرة!


فصول الكتاب :

في الفصل الأول : " مندور والمثاقفة أو المرحلة التأثيرية " ، حاول فيه الكاتب تحديد العوامل الأساسية في التكوين الثقافي لمندور ، دون أن يغفل دور الثقافة العربية في ذلك ، وألح برادة على تأثره بالثقافة الغربية خلال إقامته الدراسية بباريس ( 1930 ـ 1935) ، ذلك التأثير المتجلي في منحاه النقدي للمرحلة الأولى ، والواضح في استحيائه لأعمال الناقد كوستاف لانسون .
في الفصل الثاني : " الحقل الأدبي في مصر من 1936 إلى 1952 " أراد من خلاله الباحث أن يملأ فراغا ملحوظا في التحقيب الذي أعطاه مندور لمساره ، ويتعلق الأمر بالفترة المتراوحة بين 1944 و 1952 حينما انخرط في العمل السياسي مبتعدا بصورة مؤقتة عن النقد الأدبي . ويذكر الباحث أنه كان يمكنه أن يترك تلك الفترة في زوايا النسيان ، لكنه رأى أنه من غيرها لا يستطيع أن يتبين الدوافع الحقيقية للتغيرات المتتالية التي عاشها مندور أو عرفها الحقل الأدبي المصري .
في الفصل الثالث : " مرحلة النقد التحليلي " وفيها يتفحص الباحث الكتابات التي نشرها مندور في الفترة بين 1954 و 1960 ، وهي توضح جوهر أفكاره ، وطاقاته النقدية المكتملة ، وهي في معظمها عبارة عن محاضرات ألقاها بمعهد الدراسات العليا للجامعة العربية .
وإذ كان يهدف من هذه الدراسات إلى تحليل الشعر المصري بعد شوقي ، فإنه لم يعد في مقاييسه يعتمد على الذوق التأثري فقط ، بل أخذ يجنح إلى اصطناع المنهج الاجتماعي التاريخي واعتبار الأدب قيمة حياتية عاكسة للصراع المجتمعي في كافة تحولاته الظاهرة والمضمرة .
وهذا بالتحديد هو ما جعله يدخل في خصومات جدلية مع الاتجاه التقليدي وبخاصة مع حواريي أمير الشعراء أحمد شوقي ، وبتوازٍ مع هذه الدراسات ، كان مندور يضطلع بمهمة تقديم المذاهب الأدبية والمسرحية والنقدية الأجنبية إلى القاريء العربي .
الفصل الرابع : " النقد الأيديولوجي والتنظير" ، وهو أوج البحث كما وصفه برادة نفسه في مقدمة الكتاب ، وكان يتحتم على الباحث إعادة تصوير الحقل الأدبي بمصر من 1952 إلى 1965 ، ولكن مثل هذه الدراسة التفصيلية تتعدى نطاق مشروعه ،: لذلك حاول سدا لهذه الثغرة ، استخلاص عناصر التغيير الحاسمة في الحقل الأدبي عن طريق عرض المناخ الأيد يولوجي السائد . ففعلا لم يكن بوسع مندور ، وسط الجو المحموم الناجم عن التسابق إلى الأدلجة ان يفلت من ميكانيزم التكييف . إلا أن هناك ، هذه المرة ، فرقا جوهريا : خلال الفترة الممتدة من ماقبل الناصرية وما بعدها تغيرت أشياء كثيرة ، ومن هذه التغيرات التي تهمنا ، وضعية مندور المثقف : كان كما قلنا ، مثقففا عضويا يناضل في حركة جماهيرية ضد الاستغلال البورجوازي والإمبريالي ، ولكنه بعد قيام نظام 1952 فقد الكثير من مظاهر هذه العضوية : ذلك ان الناصرية تبنت الشعارات والبرامج نفسها التي كانت تنادي بها الأحزاب السياسية التقدمية ، ومن ثم فالعلاقات العضوية مع الطبقات والشرائح والناهضة تحولت إلى ارتباط مع الناصرية قوامه " توظيف " هذه الطاقات دون إشراكها في المسئولية الفعلية للسلطة . ) .


خاتمة :

يؤكد مندور في ختام كتابه العلامة أن غرضه من البحث ليس هو إبراز القصور النظري والإيديولوجي لمحمد مندور ، أو تأطيره او تصنيفه تصنيفا ما ، بل هو يرمي من وراء هذه العينات المتولدة عن تحليلات موضوعية إلىالتأكيد على التفاعل المحدد للعلائق القائمة بين المجتمع والثقافة وبين المنتجين في هذا الحقل ، والعوامل الموجهة لنوعية الانتاج والاختيار ، وبخاصة حين يتعلق الأمر بمجتمع معرض للهيمنة الاقتصادية والتبعية الثقافية الأجنبية .
ويتوقف مندور في خاتمته أمام ظاهرتين واضحتين في الوضعية الراهنة للثقافة العربية ، وهما :
1ـ الطابع المثالي للتحليلات النقدية الأدبية في معظم كتابات النقاد الجامعيين ، وحتى " الدنيويين " المتحررين من طقوس الأكاديمية . عبثا نبحث في تلك الكتابات عن إضاءات تفسر الشروط الاجتماعية والسياسية المقترنة بكل إبداع ، أو تقدم تأويلا لنوعية الأشكال التعبيرية ولتطورتها .. ويندر أن نعثر على تحليل لطرائق التعبير لا تعتمد على الشرح البلاغي القديم ، أو المطعم بمقولات الكلاسيكية الجديدة .
2ـ الرجوع المستمر إلى مصطلحات ونظريات تنتمي إلى مناخات ثقافية تسبغ على استعمالها صفة التفوق في نظر القراء ، ولكن فهمهم لها يظل مستعصيا في معظم الأحيان . على أن الوعي المنادي بإعادة النظر في علاقتنا بثقافة " الآخر " لا يزال في بداياته ، ولا يزال يصادف عقبات كبيرة ، أهمها " الحماية ـ الذاتية " المتوفرة للاتجاه التقليدي لكونه ملتحما ومشخصا في قوى وبنيات اجتماعية سائدة ولا تزال .
ـــــــــــــــــــ
الرابط:
http://madeenah.net/...read.php?t=9558

الخطأ و الصواب

#20 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 20 July 2007 - 01:50 PM

نشـأة النقـد العربـي القديــم

بين الممارسة والتأريخ
.



النقد أمر فطري في الإنسان فالإنسان يميز بفطرته بين الخير و الشر، وبين القبح والجمال، وبين اللذة والألم، وينفر من الكلمة الخشنة الجافة.

لما طرح السؤال حول البداية الأولى للنقد العربي، تعددت الإجابات وتشعبت، فالتقت حينا وتطاحنت أخرى، فاختلف الناس فيها بين قابل ورافض، ولكل واحد من الطرفين منطلق يبرر به قبوله أو رفضه. إذ كانت عناية الكتاب والدارسين منذ فجر النهضة الحديثة في الشرق العربي بالنقد الأدبي، فهبوا يتناولونه بالدرس والتحليل، متجهين فيه اتجاهين مختلفين تبعا لما أتيح لكل فريق من الثقافة ولما تيسر له من إطلاع. هكذا أثارت مرحلة البداية الأولى للنقد نقاشا محتدما بين الباحثين المحدثين الذين اختلفوا في تقويم ماأثير عن هذه المرحلة من أقوال نقدية شفاهية، وأحكام موجزة مرتجلة، ومقاييس ذوقية غير معللة.

ففريق من الباحثين يرى أن مرحلة العصر الجاهلي هي المرحلة التي تطور عنها النقد لينتهي إلى أن العرب عرفوا النقد انطلاقا من التلازم المفترض بين الشعر والنقد، فما دام لدينا شعر فلا بد أن يكون لدينا نقد، بل منهم من يذهب أبعد من ذلك حين يعتبر ن النقد أسبق إلى الوجود من تلك الفنون" وهل الأديب إلا ناقد قبل أن تأخذ أفكاره صبغتها الفنية، ويتخذ أسلوبها الجميل سبيله في الظهور شعرا ونثرا، لا أنكر أن فكرة تنشأ في نفس الأديب وقد تبقى مستقرة فيها، ولكن ما قيمتها وهي خواطر عامة في بحر خياله، قبل أن تأخذ شكلها في التأليف، بين سمو المعنى وجمال اللفظ." (1) ومن اشهر من حمل مشعل هذه الفئة: الأستاذ طه أحمد إبراهيم والأستاذ محمد زغلول سلام.

وفريق قرأ النقد العربي القديم انطلاقا من مفاهيم نقدية مستمدة من الثقافة الغربية، وانتهى برفضه للبداية الأولية للنقد، لينص أن النقد لن يظهر إلا في القرن الرابع الهجري، وقبل هذه المرحلة لا يمكن أن يعتد به. وبذلك يكون قد أعاد قراءة النقد العربي القديم من خلال تصورات ومفاهيم جديدة حول النقد، يحكمه منهج مأخوذ من ثقافة الآخر، ومن رواد هذه الفئة د. محمد مندور ابتداء من 1944 سنة تأليف كتاب " النقد المنهجي عند العرب".

وفريق ثالث نص على أن النقد العربي لن يظهر إلا بظهور الفلسفة وقد توصل لهذه النتيجة من خلال استقراء تاريخي لتاريخ النقد الأدبي في أوربا و مادامت الفلسفة قد تأخر ظهورها في الثقافة العربية، فطبيعي أن يتأخر ظهور النقد، ولن يظهر إلا مع ظهور الفكر الفلسفي على يد المعتزلة والأشاعرة و المتكلمين، وحامل مشعل هذا الطرح الدكتور محمد غنيمي هلال في مؤلفه " النقد الأدبي الحديث " الصادر سنة 1958.

وفريق رابع يجيب عن سؤال: متى نشأ النقد ؟ من خلال تاريخ النقد نفسه، مصحوبا ببعض التصورات الأوروبية، مثله مؤرخ للنقد العربي وهو الدكتور إحسان عباس سنة 1971 في مؤلفه " تاريخ النقد الأدبي".

هكذا نلاحظ أن هذا الاختلاف و التقارب بين هذه الآراء جعلها تخرج من إطار البحث عن نشأة النقد إلى البحث عن متى ينشأ النقد. هل مع الفلسفة؟ هل مع الكتابة و التدوين ؟ هل مع الشعر والأدب؟ بتعبير دقيق: هل النقد كظاهرة ثقافية يظهر بظهور ظاهرة ثقافية أخرى؟ وهل هذا التقارب بين وجهات النظر ظاهرة صحية أم ظاهرة مرضية ؟ ما هو السر الكامن من وراء هذا الاختلاف؟...

أولا: الأستاذ طه أحمد إبراهيم وقضية نشأة النقد العربي القديم.

إذا تصفحت كتاب " تاريخ النقد الأدبي عند العرب" للمرحوم طه أحمد إبراهيم تلاحظ من البدء أنه سطر مجموعة من النتائج حول البداية الفعلية للنقد العربي القديم وهي كالتالي:

أولا:عروبة النقد: فالنقد عربي المولد و التطور، انطلاقا من كون " النقد الأدبي ظهر في الشعر وظلت أكثر بحوثه في الشعر."(2) ثم هو " عربي النشأة كالشعر لم يتأثر بمؤثرات أجنبية، ولم يقم إلا على الذوق العربي السليم" (3) وقوله أيضا: " إنه عربي في أعارضه ونهجه وأغراضه وروحه" (4).

هكذا نخلص أن النقد الأدبي عند العرب نشأ عربيا، وظل عربيا صرفا، وذلك لأن أساس كل نقد هو الذوق الشخصي، تدعمه ملكة تحصل في النفس بدون ممارسة الآثار الأدبية. وهل من الخطأ أن يقال بأن النقد العربي ليس عربي النشأة فلقد وجد النقد الأدبي بصورته الأولى بعد أول مقطوعة شعرية قالها العرب، أي أنه كان ملازما للشعر، ونحن نعلم أن الشعر يثير بفضل خصائص صياغته أنواعا خاصة من الانفعالات ومن المؤكد أن تكون هناك استجابات لهذا الانفعال في بعديها السلبي والإيجابي، وعن هذه الاستجابات يصدر حكم، وهذا الحكم هو: النقد، والذي لا شك فيه أن الاستجابات لم تكن فاترة وفي أخلاقهم عنف البداوة، كما أن في شعرهم ما يحرك ضروبا من الانفعال الشخصي والقبلي.

ثانيا: نضج الشعر: فالشعر الجاهلي لم يعرف إلا ناضجا مكتملا متجاوزا مرحلة المقطعات إلى مرحلة القصيدة الكاملة ذات الروي الواحد و القافية الثابتة، " إننا لا نعرف الشعر إلا ناضجا كاملا، منسجم التفاعيل مؤتلف النظم، كما نقرأه في المعلقات وفي شعر عشرات الجاهلين الذين أدركوا الإسلام أو كادوا يدركونه "(5)

ثالثا: تثقيف الشعر: و هي عملية يقوم بها الشعراء تجاه شعرهم عن طريق الزيادة و النقضان أو التقديم والتأخير. وقد عده طه أحمد إبراهيم مظهرا من مظاهر الحس النقدي عند شعراء الجاهلية، ومنهم رواد المدرسة الأوسية الذين نعتهم الأصمعي " عبيد الشعر"، وخاصة زهير صاحب الحوليات، فالشعراء من هذا المنظور يتوجهون إلى شعرهم، فيتدارسونه ويراجعونه ويحذفونه منه، ويضيفون إليه في تبصر وعمق. وكان كل هذا ضربا من الممارسة النقدية على نصوصهم الشعرية. وفي هذا الصدد يقول طه أحمد إبراهيم:" إن هذا الشعر مر بضروب كثيرة من التهذيب حتى بلغ ذلك الاتقان الذي نجده عليه، أواخر العصر الجاهلي... فلم يكن طفرة أن يهتدي العربي لوحدة الروي في القصيدة، ولا لوحدة حركة الروي، ولا للتصريع في أولها و لا لافتتاحها بالنسب والوقوف بالأطلال، لم يكن طفرة أن يعرف العرب كل تلك الأصول الشعرية في القصيدة، وكل تلك المواصفات في ابتداءاته مثلا وإنما ذلك كله بعد تجارب، وبعد إصلاح وتهذيب. وهذا التهذيب هو النقد الأدبي."(6) ما يؤكد أن القدماء لم يقبلوا كل ما يرد على خواطرهم بل ما يزالون ينقحون حتى يظفروا بأعمال جليلة، وهي أعمال كانوا يجيلون فيها الفكر متكلفين جهودا شاقة في التماس المعنى المصيب تارة، والتماس اللفظ المتخير تارة ثانية. يقودهم في ذلك بصر محكم يميزون به المعاني والألفاظ بعضها من بعض، بحيث يصونون كلامهم عما قد يفسده أو يهجنه ومن ذلك قول عدي بن الرقاع:

وَقَصِيدَةٍ قــد بتّْْ ُأجْمعُ بينها حـتى أُقَوِّم مَيْلـها وسِنادَهــا

نظرَ المُثقِّف في كعوبِ قناتِه حتى يُقيم ثِقافُه مُنْـآدهــــا(6)

وقد اعتبر ابن قتيبة هذا اللون ضربا من التكلف في الشعر " فالمتكلف هو الذي قوم شعره بالثقاف، ونقحه بطول التفتيش. وأفاد فيه النظر بعد النظر، كزهير والحطيئة و كان الأصمعي يقول: زهير و الحطيئة وأشباهها(من الشعراء)عبيد الشعر لأنهم نقحوه، ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين." (7) وكان سويد بن كراع يذكر تنقيح شعره بقوله:

أبِيتُ بِأبْوابِ القوافـي كأنمـا أُصَادي بها سِرْبا من الوحشِ نُزَّعـَا

أُكالِئها حتى أعرِّس بعدمــا يكون سُحَيْرا وبُعَيْـَد فأهْجعـــا

إذاخفْتُ أن تُرْوىعليَّ رددْتُها وراء التَّراقي خَشْيَة أن تطلعـــا

وجشَّمني خوفُ ابن عفان ردها فثقَّفتها حــولا جريدا ومرْبَعــا

وقد كان في نفسي عليها زيادةً فلم أرَ إلا أن أطيـع وأسمعـا(8)

رابعا:التلازم بين الشعر و النقد: لكي يبرهن على وجود النقد التمس الأستاذ طه أحمد إبراهيم دلائله من وجود الشعر، انطلاقا من أن النقد هو تلك المدرسة التي تعمل على إنضاج الشعر، وتخليصه من الشوائب التي علقت به لحظة ولادته وتكوينه، محاولا بذلك الرفع من مستواه، وجعله قابلا للتدوين والإعجاب، خاصة إذا علمنا أن أولية الشعر ترتكز على تصور جمالي فني محدد: " في مثل هذا العهد نعد نقدا كل ماله مساس بالأدب بنية ومعنى، وإن لم يتصل بالبحث في الجمال الفني، فذم الإقواء نقد في الجاهلية، لأنه يعيب أمرا لعله من آثار طفولة الشعر."(9).

هكذا نلاحظ من خلال النص كيف يحدد ذ. طه أحمد إبراهيم النقد في العصر الجاهلي في:

1- أنه نقد ينصب على النصوص الحديثة و المعايشة.

2- أنه نقد يهتم بالجانب الفني والمعنوي أي بالشكل و المضمون.

ونلمس وصفه للنقد بدقة حين نقرأ النص التالي:" وجد النقد الأدبي في الجاهلية ولكنه وجد هينا يسيرا، ملائما لروح العصر، ملائما للشعر العربي نفسه، فالشعر الجاهلي إحساس محض أو يكاد. والنقد كذلك كلاهما قائم على الانفعال والتأثر، فالشاعر مهتاج بما حوله من الأشياء والحوادث، و الناقد مهتاج بوقع الكلام في نفسه، وكل نقد في نشأته لا بد أن يكون قائما على الانفعال بأثر الكلام المنقود، والنقد العربي لا يشذ عن تلك القاعدة "(10) وبذلك يبقى نقد المرحلة غير خارج عن ما عهد في الأدب عامة و الشعر خاصة. إذ كان يعتمد على نفس الصفات والمقومات والركائز، ويتصف بنفس الميزات التي يتصف بها الشعر من سليقة وذوقية وعفوية وارتجال. ومن المعالم التي يركز عليها ذ.طه أحمد إبراهيم وجود النقد العربي على العهد الجاهلي:

أ‌- ما كان يدور في الأسواق حين كان الأدب سلعة من السلع التي تعرض فيه.

ب‌- المجالـس الأدبية التي عرفت مساجلات ومناقشات بين الشعراء."وهذه الأحاديث والأحكام والمآخذ هي نواة النقد العربي الأولى."(11).ومن ذلك ما نجده:

1- في سوق عكاظ: حيث كانت تضرب قبة حمراء للنابغة فيتوافد عليها الشعراء من أجل الحكم على أشعارهم. فقد جاءه مرة الأعشى والخنساء وحسان بن تابث فأنشده الأعشى قصيدته التي مطلعها:

مَا بُكَـاءُ الكَبير بِالأطـلالِ وسـؤالِي وما تَـرُدُّ سـؤالي

وأنشده حسان بن ثابت قوله:

لنَا الجَفَنَات الغُرِّ يلمعن بالضُحَى وأسْيَافُنَا يقطرن من نجدةِ دمَا

أما الخنساء فقد أنشدته قصيدتها في رثاء أخيها صخر:

قذىً بعينك أم بالعين عُوارُ أَم أقْفَرتْ مُذْ خَلَتْ مِنْ أهْلِهَا الدَّارُ

وإن صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِه كأنَّـهُ عَلَــمٌ في رَأْسِهِ َنــارُ

فقال النابغة:"لولا أن أبا بصير-يعني الأعشى– أنشدني، لقلت:إنك أشعر الجن والإنس."(12)

من هذا الخبر ندرك منزلة النابغة عند معاصريه، وما احتكامهم إليه دون غيره إلا اعتراف علني بشاعر يته، وقدرته على تمييز الجيد من الرديء في الشعر، ودليل كذلك على ما كان يتمتع به من علم بصناعة الشعر ومن ملكة خاصة في النقد.

2-ما نجده في يثرب: ونأخذ فيه كنموذج ما عيب على النابغة من ارتكابه للإقواء ولم يستطع أحد أن يصارحه به حتى دخل يثرب مرة فأسمعوه إياه غناء في قوله:

أمن آل مَيَّة رائحٌ أو مُغْتدي عَجْلان ذا زادٍ، وغير مزودِ

زعمَ البوارحُ أن رحْلتنا غدا وبذلك خبَّرنا الغُرابُ الأسودُ

ذكر الاصفهاني أن النابغة قدم المدينة، فعيب عليه هذا الإقواء فلم يأبه حتى جاءوه بجارية فجعلت تغنيه "أمن آل مية رائح أو مغتد " وتطيل حركة الدال وتشبعها في "مغتدي" و"مزود". ثم غنت البيت الأخير فبينت الضمة في قوله "الأسود" ففطن بذلك لما يريده، فغير عروضه وجعله " وبذلك تصاب الغراب الأسود". وكان من اجل هذا يقول "وردت يثرب وفي شعري بعض العاهة فصدرت عنها و أنا اشعر الناس".(13)

والخطأ النحوي الذي ارتكبه النابغة يتمثل في كونه لم يأبه لرفع النعت، فجعله مجرورا خضوعا لقافيته، وحين تلقف الرواة البيت أعادوه إلى قاعدته النحوية ووضعوا له مصطلح "الإقواء."(14)

3-ما نجده في مكة:ومثل له طه أحمد إبراهيم بموقف طرفة بن العبد من خاله المتلمس حين أنشده قوله المشهور:

وقد أتناسى الهمَّ عند احتضارهِ بناجٍ عليه الصَّيْعَرِيَة مُكْدمِ

قال طرفة:"استنوق الجمل".لأن "الصيعرية" صفة تكون في عنق الناقة لا في عنق البعير.

فهذا نقد يدل على بصر طرفة بمعاني الألفاظ، ومواضع استعمالها، كما يدل على ذوقه النقدي، وفطنته إلى أن مثل هذا الخطأ اللفظي مما يعيب الشعر.

خامسا:إطلاق الأحكام على الشعراء:ومن تلك الأحكام، أسماء أطلقوها على الشعراء تحوي حقائق عن فنهم الشعري، أو ما يتصل بذلك الفن من قريب أو بعيد، ومن ذلك أنهم لقبوا النمر بن ثولب"بالكيس" لحسن شعره، وسموا طفيل الغنوي بطفيل "الخيل"لشدة وصفه اياها، ودعوا قصيدة سويد بن أبي كاهل "باليتيمة" لأنها فريدة في بابها ومطلعها:

بسطت رابعة الحبل لنا فوصلنا الحبل ما اتسع(15)

ويعلق طه أحمد إبراهيم على هذه الشواهد قائلا:"هذه الشواهد تدل على وجود صور من صور النقد الأدبي في العصر الجاهلي."(16)رغم أنها تتسم بمجموعة من المظاهر منها:

أ-التعميم في الأحكام: إذ كان النقد الجاهلي في أول مرة ساذجا سذاجة البيئة الطبيعية والاجتماعية، فكان النقاد يطلقون أحكاما متنوعة على الشعر في أيامهم، تتناول الشاعر والقصيدة جملة، وقد يكون هذا الحكم مبنيا عندهم على إعجابهم ببيت من أبيات القصيدة أو بجزء من البيت، وقد يرجع هذا الحكم إلى إعجابهم بالشاعر نفسه وبشخصيته.

ب- الذوق الفطري:لقد صدرت الأحكام النقدية الجاهلية متسمة بالذوق الفطري الذي يعتمد على إحساس الناقد المباشر بالمعنى أو الفكرة، فهو يتلقاها ويحسها بذوقه الفج، وفطرته الساذجة. ولهذا تصدر أحكامه مرتجلة نتيجة لهذا التذوق المباشر.فطرفة بن العبد وهو صبي لم يستسغ وصف الجمل بوصف الناقة فيصيح قائلا في وجه خاله المتلمس:"استنوق الجمل".والنابغة يستنكر على حسان بن ثابت استعمال القلة في مقام الفخر في قوله:

لَََنا الجفناتُ الغرِّ يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

فعلق على هذا البيت أبو بكر الصولي بقوله:"فانظر إلى هذا النقد الجليل الذي يدل على نقاء كلام النابغة، وديباجة شعره، وقال له:أقللت أسيافك، لأنه قال:وأسيافنا:جمع لأدنى العدد، والكثير"سيوف"، والجفنات لأدنى العدد والكثير"جفان" (17).وقد اعتمد في ذلك على ذوقه الفطري الذي صقلته ثقافته العربية الواسعة،وأحاطته بعادات قومهم وقيمهم.

ج- الارتجال في الأحكام:وهذه السمة تتصل اتصالا مباشرا بالذوق الفطري الذي يعد أساسا هاما في صدور الأحكام النقدية، غير أن هذه الظاهرة تعد أثرا من آثار التذوق. فبعد أن يتذوق الناقد الشعر يصدر حكمه إما ارتجالا، وإما بعد إثبات وروية ودراسة موضوعية لنواحي الجودة أو الرداءة، لكن السمة الغالبة في النقد الجاهلي هي سمة الارتجال، والبعد عن الدراسة التفصيلية للقصيدة و التحليل لها.

حقا، كان من بين الشعراء مدرسة سمي أفرادها "عبيد الشعر"وكانت تبذل عناية فائقة في تفهم الشعر وتذوقه، وتجويده وتنميقه، ولكن على الرغم من ظهور رواد هذه المدرسة وهم أصحاب الحوليات، فلم يكن ذلك هو الاتجاه الغالب وإنما كان اتجاها محدودا لدى أهل المدرسة، وطابعا خاصا يميز المنتسبين إليها، أما الطابع العام فهو الاتجاه والبعد عن التحليل والتماس العلل، لأن البحث عن أسباب ظاهرة من الظواهر المادية و المعنوية، كان أبعد ما ينتظر من هذه البيئة التي فتكت بها الأحقاد، واستفحل فيها الخصام، وأصبحت مسرحا للتيارات، وميدانا للخصومات والغارات فخاصم الكرى جفون أهلها، وفقد الأمن سبيله إلى عقولهم وفكرهم، ومن تم لم تكن تفرغ للبحث في علم أو فن. كانت سمتهم الأمية، فلم يؤثر عنهم كتاب في علم من العلوم، أو مصنف في لون من ألوان التفكير، أو أثر يدل على تفوقهم في صناعة من الصناعات. فقد اشتهرت الرومان بعظمة السلطان وكثرة المدائن، واشتهرت اليونان بعملها وفلسفتها، والهند بطبها وحكمتها، و الصين بفنونها وصناعتها، وهؤلاء قد عاصروا العرب في جاهليتهم، ولم يؤثر عن العرب إلا تلك الملكة التي استطاعوا بها أن يرسلوا القول، ويصوغوا الشعر، وإلا تلك المكارم النفسية التي كانت تصدر عن سماحة طبعت عليها نفوس بعض كرامهم الذين اتصفوا: بالنجدة و البذل والتضحية... وليس في تلك اللمحات النقدية شيء غريب عن البيئة التي قيلت فيها، بل إنها أشبه ما تكون بطبيعة الجاهلين الذين لم يكن لديهم من أشياء الحضارة، وألوان الثقافة ما يسمح لهم بمحاولة تأييد الرأي بالعلة المعقولة، والدليل الواضح الذي يؤديها.

ويستمر طه أحمد إبراهيم في تأريخه للنقد العربي القديم، مسجلا سماته قائلا:"النقد الأدبي توطد واستقر في عهد الطبقات الأولى من اللغويين... وعرفت له مقاييس وأصول. وظاهر جدا أنه ليس نقد السليقة و الفطرة بل نقد المدارسة الكبيرة التي تبنى على العلم" (18). وبذلك نلاحظ أن نقد المرحلة متطور عن ما سبقها، زد على هذا أنه نقد علمي بعبيد عن الذوقية والانطباعية، وعلى هذه النتيجة يبني طه أحمد إبراهيم تصوره للبداية الفعلية للنقد حين يؤكد أن أواخر القرن الأول بداية صحيحة لظهور النقد، حيث يقول:" غير أن الحال تغيرت كثيرا في أواخر القرن الأول. تغيرت في أخريات أيام فحول الإسلاميين، فارتقى النقد الأدبي ارتقاء محمودا، وكثر الخوض فيه، وتعمق الناس في فهم الأدب، ووازنوا بين شعر وشعر، وبين شاعر وشاعر، حتى لتستطيع أن تقول:إن عهد النقد الصحيح يبتدئ من ذلك الوقت، وأن كل ما سبق لم يكن غير نواة له أو محاولات فيه". (19)

ونحن نقوم ذوق طه أحمد إبراهيم في تعامله مع المادة النقدية الموروثة عن العهد الجاهلي تزدحم في ذهننا تساؤلات عدة منها، هل بالفعل نشأ النقد بنشأة الشعر؟ هل ما ورث عن هذه المرحلة من أحكام نقدية يمكن أن نعتبره نقدا؟ ما المقدمة التي حكمت طه أحمد إبراهيم وجعلته يصل إلى هذه النتيجة؟...

ونقرر بدءا أن مرحلة الجاهلية و التي اعتبرها طه أحمد إبراهيم بداية فعليه للنقد، لم تكن بتاتا مؤهلة لنشأة النقد لأسباب ذكرت بعضا منها. وكل ما نؤكده الآن أن النقد الحقيقي، أي عهد النقد الفعلي وشروط النقد الصحيح لم تتوفر بعد في هذه الحقبة، وهي لن تتوفر إلا في مرحلة متقدمة من تطور المجتمع العربي وفي غياب الشروط الموضوعية لنشأة النقد نكون أمام نفحات وآراء لا ترقى إلى مستوى النقد. وقد أدرك ذلك ذ.طه أحمد إبراهيم نفسه حين وصل بدراسته إلى أواخر القرن الأول، إذ تملتكه صيحة الدهشة والإعجاب، فصاح قائلا:" إن عهد النقد الصحيح يبتدئ من ذلك الوقت، وأن كل ما سبق لم يكن غير نواة له أو محاولات فيه".(20) إن ما اعتبره ذ.طه أحمد إبراهيم نقدا في هذه المرحلة أملته ظروف الحياة الاجتماعية عند العرب التي كانت تقوم على النيل والتجريح والحط من الخصوم، أو الإشادة بالذكر، وهذا لا ينفي الغرض الفني منها، إذ كان يهدف الشاعر من إصدار حكم الإقرار بالمثل في الصياغة والمعاني كما هو الشأن فيما روي عن النابغة، وطرفة، وأم جندب، ورغم ما فيه من فنية فإنه لا يرقى إلى مستوى النقد الموضوعي، من تم لا يمكننا الحديث عن نقد في هذه المرحلة.

ثانيا:الدكتور محمد مندور وقضية نشأة النقد العربي القديم.

تسلح د. محمد مندور بالمنهج التاريخي ليعيد قراءة التراث العربي عامة، والنقد الأدبي منه خاصة.رفض الوقوف عند حدود ما أثير من نقد في الأسواق والمنتديات الأدبية، وأكد منذ البدء أنه سيركز على ما جاء من نقد ممنهج مع كل من الآمدي والجرجاني، باعتبارهما شكلا المحور للطرح الذي يتبناه د. محمد مندور ويعتد به، وجعله أساس ما أسماه بالنقد المنهجي:" لم نقف وقفات خاصة عند نقد الشعراء، أو محكمين في أسواق الأدب وما شاكل ذلك، مما نجد في تضاعيف كتب الأدب والرواية القديمة. وذلك لكي نظل في حدود الفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا الكتاب، وهي معالجة النقد المنهجي عند العرب" (21) وإن سأله سائل عن ما النقد المنهجي يجيبه بسرعة:" هو ذلك النقد الذي يقوم على منهج تدعمه أسس نظرية أو تطبيقية عامة، ويتناول بالدرس مدارس أدبية أو شعراء أو خصومات يفصل القول فيها، و يبسط عناصرها ويبصر بمواضع الجمال و القبح فيها."(22)

ينطلق د. محمد مندور لرصد تطور النقد الأدبي العربي القديم انطلاقا من تحديد مفاهيم عن الأدب والنقد، وتاريخ الأدب، ودور الذوق في العمل النقدي اعتمادا على ما جاء به الناقد الفرنسي "غوستاف لانسون G.Lanson.

1-الأدب: " هو كل المؤلفات التي تكتب لكافة المثقفين لتثير لديهم بفضل خصائص صياغتها صورا خيالية، أو انفعالات شعورية أو إحساسات فنية."(23)

2-النقد المنهجي: هو الذي يظهر تلك الخصائص ويحللها، أو هو في أدق

معانيه:"فن دراسة النصوص، والتميز بين الأساليب المختلفة."(24).

ترتيبا على المفاهيم السابقة، وانطلاقا من قواعدها، يتناول د. محمد مندور إشكالية نشأة النقد، بعدما يقرر أن التاريخ الأدبي، يكون في خلقه وتطوره مؤخرا عن النقد الأدبي في ظهوره.وفي ذلك يقول:" فالنقد الأدبي سابق عند العرب عن التاريخ الأدبي " (25). بينما النقد الأدبي ينشأ ملازما للشعر، متواجدا بتواجده، متطورا بتطوره ومتعايشا بتعايشه. وكل تغير يتعرض له الشعر، إلا وتجد صداه باديا في النقد. وفي ذلك يقول:" فقد وجد النقد عند العرب ملازما للشعر".(26)

3-التاريخ الأدبي:"يجمع تلك المؤلفات تبعا لما بينها من وشائج في الموضوع والصياغة وبفضل تسلسل تلك الصياغات يضع تاريخ الفنون الأدبية، وبتسلسل الأفكار والإحساسات يضع تاريخ التيارات العقلية و الأخلاقية، وبالمشاركة في بعض الألوان، وبعض المناحي الفنية المتشابهة في الكتب التي من نوع أدبي واحد ومن تأليف نفوس مختلفة يضع تاريخ عصور الذوق ".(27).

4-الذوق الأدبي: يحدد د. محمد مندور الذوق الأدبي في العمل النقدي، اعتمادا على الأهمية التي حددها له" لانسون" حيث يقول: "إذا كانت أولى قواعد المنهج العلمي هي إخضاع نفوسنا، لموضوع دراستنا، لكي ننظم وسائل المعرفة وفقا لطبيعة الشيء الذي نريد معرفته، فإننا نكون أكثر تمشيا مع الروح العلمية بإقرارنا بوجود التأثرية في دراستنا، وتنظيم الدور الذي تلعبه فيها... وما دامت التأثرية هي المنهج الوحيد الذي يمكننا من الإحساس بقوة المؤلفات وجمالها، فلنستخدمه من ذلك صراحة ولكن لنقصره على ذلك في عزم، ولنعرف – مع احتفاظنا به- كيف نميزه ونقدره ونراجعه ونحده، وهذه هي الشروط الأربعة لاستخدامه(28).

ويخرج الدكتور محمد مندور من هذه التحديدات بمجموعة من النتائج منها:

أ-أن" النقد الأدبي نشأ عربيا، وظل عربيا صرفا، وذلك لأن أساس كل نقد هو الذوق الشخصي تدعمه ملكة تحصل في النفس بطول ممارسة الآثار الأدبية". (29)

ب-"وجد النقد الأدبي عند العرب ملازما للشعر"(30)

ج- وبعد إقراره بوجود لمحات نقدية منذ القدم لدى العرب، اعتذر عن عدم إيراد نماذج لأنه سبق في ذلك بعمل الأستاذ طه أحمد إبراهيم في مؤلفه " تاريخ النقد عند العرب " فطرح السؤال التالي:" هل من الممكن أن نسمي هذا نقدا دون أن يكون في ذلك إفساد لحقائق التاريخ أو إخلال بأصول البحث؟".(31)

فيجيب عن هذا السؤال انطلاقا من ملازمة الشعر للنقد، ومن اعتبار الذوق أساس كل عملية نقدية فيسجل بأنه " قد وجد عند الجاهليين والأمويين نقد ذوقي يقوم على إحساس فني صادق، ولقد تركزت بعض أحكامهم في جمل سارت على كافة الألسن كقولهم:" أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب" (32) غير أن هذا الذوق في النقد القديم، وانطلاقا من مفهوم "لانسون" نسجل عليه العيوب التالية:

*عدم وجود منهج: وهو شيء طبيعي في مرحلة البداوة، وهي مرحلة تطغى عليها السذاجة والفطرة والعفوية. فقد كان العربي يأخذ ويرد بناء على فطرته إذ يستطيع بإحساسه أن يبدع أجمل الشعر، دون أن يحتاج إلى عقل ناضج فكان طبيعيا أن يكون النقد غير ممنهج، وغير خاضع لنظر طويل، انطلاقا من التلازم المتواجد بين الشعر والنقد. فكان بذلك النقد جزئيا مسرفا في التعميم يحكم للشاعر له أو عليه من خلال البيت الواحد أو الشطر الواحد دون أن يكلف نفسه عناء الأخذ بالإنتاج برمته. من تم فالنقد الممنهج لن يظهر إلا مع رجل نما تفكيره، واستطاع أن يخضع ذوقه لنظر العقل.

**عدم التعليل المفصل: وهو شرط لم يكن متوفرا لعرب البداوة، إذ التعليل يعتمد العقل والتفكير العربي فطري. والتعليل يبغي وضع مبادئ عامة. والعرب لم تكون بعد مبادئ علومها اللغوية إلا مع العهد العباسي. والتعليل يأتي بعد وضع القواعد. والقواعد لم توضح في سائر العلوم إلا في القرن الثالث الهجري. والتعليل ينص على ضرورة انفصال العلوم بعضها عن الآخر، وهذا لم يتم إلا في مرحلة متأخرة من مراحل تطور الفكر عند العرب، والتعليل يبغي أولا وأخيرا التدوين – وكلنا نعلم متى ظهر التدوين – إذا، في غياب هذه المسائل الموجدة للتعليل يغيب التعليل، وفي غياب التعليل يغيب النقد الممنهج والمنظم.

وهذان العيبان واضحان في الكثير من الأحكام النقدية المروية في كتب الأدب إذ لا تعتمد تحاليل النصوص أو النظرة الشاملة فيما قال هذا الشاعر أو ذلك، وينتهي من تحليله إلى الخلاصة التالية:" فقد ظل النقد في هذه المرحلة (قبل الإسلام ) إحساسا خالصا ولم يستطع أن يصبح معرفة تصح لدى الغير، بفضل ما تستند إليه من تعليل"(33) هكذا نلاحظ أن د.محمد مندور يركز على المنهج التاريخي، فهو منهج صائب في نظره يساعد على فهم جيد النقد العربي إذ هو الذي يكشف لنا عروبة النقد. من هنا يرفض المنهج الأرسطي المبني على المنطق الصوري. وهذا دافع من الدوافع الأساسية التي دفعت د. محمد مندور إلى إقصاء ونسف محاولة قدامة بن جعفر، التي استهدفت إقامة "علم الشعر" و" علم النثر". وكذا محاولة أبي هلال العسكري التي عدت امتدادا لها فاعتبرهما محاولتين لا جدوى من ورائهما.

ثالثا: قضية نشأة النقد العربي القديم بين يدي د. محمد غنيمي هلال.

" يقوم جوهر النقد الأدبي أولا على الكشف عن جوانب – النضج الفني في النتاج الأدبي وتمييزها مما سواها عن طريق الشرح والتعليل. ثم يأتي بعد ذلك الحكم العام عليها".(34) بهذا التعريف يستهل د. محمد غنيمي هلال الحديث عن النقد. وهو لا يخرج في مجمله عن ما عهدناه من التعاريف التي تعد النقد الأدبي وليد الأدب وثمرة من ثماره، والذي يدرس تاريخه في أي لغة حية يجد أنه قد واكب أدبها في جميع عصوره، يؤثر فيه ويتأثر به، ويستمد مقوماته منه، وتتباين فيه مذاهب النقاد ومناهجهم... فالأدب هو موضوع النقد وميدانه يعمل فيه، وإذا كان الأدب بطبيعته ينزع إلى الحرية المطلقة والتجديد، واكتشاف آفاق جديدة يخلق فيها، ويعبر عنها. فإن النقد على العكس من ذلك، إنه محافظ مفيد، يقف عند حدود دراسة الأعمال الأدبية بقصد الكشف عما فيها من مواطن القوة والضعف، والحسن والقبح، وإصدار الأحكام عليها.

ولهذا فالنقد قلما أوحى إلى الأديب بتجارب جديدة أو اكتشف به أرضا وآفاقا جديدة، وإنما العبقرية الخالقة المبدعة هي التي تقدم كشفا وريادة والنقد يتبعها.

وحين تناول د. محمد غنيمي هلال قضية نشأة النقد العربي، كان يؤكدها دوما من التلازم التاريخي القائم بين الفلسفة والنقد عبر العصور.إذ في نظره أن النقد " قد ارتبط –منذ أقدم عصوره عند اليونان – بالفلسفة حتى صار فرعا من فروعها، وقد ازداد هذا الارتباط وضوحا في عصور النقد الحديثة، وبخاصة في عصرنا، إذ أصبح النقد مرتبطا كل الارتباط بعلوم الجمال التي هي من فروع الفلسفة".(35) وهذا التلازم والترابط جعل كل تقدم في النقد – في نظر د. محمد غنيمي هلال – لا ينجم إلا عن تقدم في العلوم الإنسانية، ومنها الفلسفة، فالنقد يتطور بإفادته منها ومحاكاته لمناهجها إذ أن " نهضتنا الأدبية الحديثة ترجع في أصولها إلى الأدب الغربي بحيث لا يستطيع الناقد أن يخطو فيه خطوة ذات قيمة ما لم يكن على صلة وثيقة بالآداب الغربي، وتيارات النقد فيها، وتاريخ الآداب العالمية يثبت أن عصور الانحطاط فيها هي العصور التي انطوت فيها الآداب القومية على نفسها".(36)

هكذا نجده منذ البدء يصرح بعدم اهتمامه بما نصطلح على نعته بالبداية المفترضة للنقد، وهو تلك الأحكام التي كانت تصدر عن شعراء وأدباء بأسواق الجاهلية والعصر الإسلامي. وفي ذلك يقول:" طبقا لما اتخذنا لأنفسنا من منهج، ولما عرفنا به النقد الحديث. لن نعبأ في نشأة النقد العربي بالأحكام العامة التي كان يصدرها الشعراء في القديم، بعضهم على بعض مع عدم التعليل لها: مما يروى بعضه في أسواق الجاهلية إذا افترضنا صحته وكثير منه واضح الانتحال ويلتحق بذلك ما كان يدور في نظير هذه الأسواق الجاهلية في العصر الإسلامي كسوق المربد بالبصرة."(37).

وينص د.محمد غنيمي هلال على أن هذه الأسواق قريبة الشبه بما كان من التحكيم المسرحي في العصور اليونانية، الذي كان يتم في الأعياد الدينية بمدينة آثينا."(38)

وينتقل بعد ذلك إلى العهد اليوناني في إطار عمليته التاريخية للنقد العربي القديم فيقول: "و في العصر الأموي ظهر اتجاه نقدي جديد- و إن يكن بدائيا-و لكنه كان فيه ضرب من التعليل الموضوعي، أساسه تقاليد العرب في أشعارهم و عادتهم وحياتهم العاطفية، وهو تابع للعرف اللغوي الذي أثر بخاصة في الموازنات بعد".(39) و يستمر د. محمد غنيمي هلال في ترصده للنقد العربي القديم فيصل إلى أن في العصر العباسي استجاب الأدب العربي لمطالب المجتمع الجديد بسبب اتساع الحضارة الإسلامية، و اتصال العرب بالثقافات الأخرى. و تعرفهم على حضارات الأمم الأخرى القديمة منها اليونان و الفرس على أن أهم الاتجاهات التي ظهرت في النقد في هذا العصر قد ظهر فيها أثر النقد اليوناني قليلا أو كثيرا، في حدود ما استطاع نقاد العرب فهمه، و نموذجه في ذلك قدامة بن جعفر، فهو يعتبره البداية الفعلية لظهور النقد عند العرب باعتباره أول من ظهرت لديه القواعد اليونانية مطبقة بشكل جلي في مؤلفه "نقد الشعر ". فهو بداية حقيقية لظهور النقد العربي لأنه شكل ذلك الامتزاج بين الثقافتين و في ذلك يقول:"...فمن ذلك اتجاه قدامة إلى دراسة الأجناس الأدبية تبعا لنظرة أرسطو في النظر إلى العمل الأدبي، بوصفه كلا ذا وحدة في حدود ما فهم قدامة و من سايروه".(40)

هكذا نخلص إلى أن النقد بالمعنى الدقيق لن يظهر إلا إذا قـام على أساس نظري وعلمي معـا. فهو مرتبط بالعلوم الإنسانية، وعلى رأسها الفلسفة، بل لقد تطور حتى صار فرعا من فروعها. وفي غياب الفلسفة يغيب النقد. وفي ذلك يقول:" فعلى ما يوجد من فارق هام بين الفلسفة –التي أخص خصائصها التجريد- وبين الأدب الذي جوهره التصوير الجمالي في المعنى الأشمل الأعم له، ثم النقد الذي موضوعه الأدب فيما له من خصائص، تظل الصلة مع ذلك وثيقة بين الأدب ونقده وبين الفلسفة".(41)

فرغم ما يمكن أن نلاحظه من اختلاف بينهما، فهو اختلاف ظاهري، أما في العمق فهما مترابطان. فالفلسفة هي الأساس النظري الذي يجب أن يقوم عليه كل نقد. بل لا يستقيم عود هذا الأخير إلا إذا استقر على نظرية فلسفية معينة، ويمثل د.محمد غنيمي هلال لذلك بالنقد الحديث، إذ كان من نتيجة الفلسفة المثالية أن يوجد في النقد " المذهب التأثري "، ونزعة الأسلوبين " العامة التي تمثلها مدرسة النقد الحديث الأمريكية، إذن، فهذا الثالوث: فلسفة، نقد أدب، يرتبط بعضه بالبعض في حقل العلوم الإنسانية.

واستنادا على هذا فلا نقد بدون فلسفة. وغياب الفلسفة ينجم عنه حتما غياب النقد. يقول د. محمد غنيمي هلال: " ومما يؤسف له أن هذه الحقيقة – على وضوحها – لا زالت مثار جدال لدى بعض الأدعياء في هذا المجال، ممن يريدون أن يرجعوا بالنقد الأدبي إلى الوراء قرونا ضاربة في القدم، سابقة على عهد أفلاطون وأرسطو، حين لم يكن للنقد المنهجي وجود".(42) وما دام د. محمد غنيمي هلال يحدد نشأة النقد على هذا المنوال، فبديهي أن يعارض وجود نقد في العصر الجاهلي والإسلامي، وحتى في العصر الأموي نظرا لغياب فلسفة تؤطر هذا النقد وتمنهجه.

أما ما كان في العصر الجاهلي والإسلامي من أحكام نقدية لبعض الشعراء، وشعرهم فهي لا تسمو إلى مرتبة النقد لأنها غير معللة، وغير معتمدة على أساس نظري أو فلسفي سابق.

وهنا نقف قليلا لنقول إن لم نستطع أن نحدد على وجه الدقة الصورة التي ظهر عليها النقد الجاهلي، فذلك راجع إلى ما قيل من شعر ومن نقد في العهد الجاهلي الأول لم يصل إلينا منه إلا القليل النادر، خاصة إذا علمنا أن عمر بن الخطاب قال: " كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه...فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس و الروم، ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح واطمأنت العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وألفوا في ذلك، وقد هلك من العرب من هلك بالموت و القتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير".(43) وقال أبو عمرو بن العلاء:" ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير "(44) قال ابن سلام:" ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه، قلة ما بقي بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد اللذين صح لهما قصائد بقدر عشر، وإن لم يكن لهما غيرهن، فليس موضعهما حيث وضعا من الشهرة والتقدمة، وإن كان يروى من الغثاء لهما، فليس يستحقان مكانهما على أفواه الرواة... فلما قل كلامهما حمل عليهما حمل كثير."(45)

لا يفوتنا بهذا الصدد أن نشير إلى أن د.محمد غنيمي هلال يؤكد على ضرورة الاستفادة من آداب الأمم وتجاربها. وفي هذا يقف مع د.محمد مندور، بل يتجاوزه حين يجعل من الثقافة الغربية المركز و القلب النابض لكل تقدم.

وتحت سقف هذه القاعة الاستشراقية الهدامة ينص د. محمد غنيمي هلال أن التفتح على الآداب العالمية يعدل من نظرتنا إلى الأدب القومي، ويدفع به إلى الأمام، ويعدل من نظرتنا إلى القديم، وبذلك يبقى للتيارات العالمية المختلفة فضل في تطور أدب ونقد الأمم، وشاهده في ذلك الأدب الأوربي. فقد تقدم برجوعه إلى الأدب اليوناني القديم والروماني، وإلى مبادئ النقد التي كانت سائدة فيهما. وكذلك الأمر بالنسبة للنقد على العهد العباسي. لقد تطور نتيجة اتصاله بالأدب الفارسي والفلسفة اليونانية، بل د. محمد غنيمي هلال لا يقف عند هذا الحد، وإنما ينص على أن شرط النهضة الحديثة الأساس هو الاحتذاء بالغرب وبالرجوع على تراثه المتمثل في التراث اليوناني، والذي سيقدمه الغرب للعرب في إناء ذهبي، وهذا ما عبر عنه النص الذي جاء به د.محمد غنيمي هلال حين قال بلهجة حادة:" إن نهضتنا الأدبية الحديثة ترجع في أصولها إلى الأدب الغربي بحيث لا يستطيع الناقد أن يخطو فيه خطوة ذات قيمة ما لم يكن على صلة وثيقة بالآداب الغربية، وتيارات النقد فيها، وتاريخ الآداب العالمية يثبت أن عصور الانحطاط فيها، هي العصور التي انطوت فيها الآداب القومية على نفسها"(46).

ومما يؤكد به د. محمد غنيمي هلال طرحه أن النهضة القديمة جاءت نتيجة على الثقافات العالمية. فنهضة الفرس جاءت على إثر التفتح على الثقافات الأخرى وأهمها الإرث اليوناني، ونهضة أوربا خضعت لنفس الشيء، وبذلك فنهضة العرب حاليا لن تتم إلا بانفتاحها على الثقافة اليونانية التي سيقدمها الغرب. وبذلك تكون العودة إلى الثقافة اليونانية ضرورية وحتمية نظرا لاعتبارها المرجع لكل النهضات التي سبقت: الفارسية و الأوربية.

هكذا لا يمكننا أن نتحدث عن نقد أدبي دون أن يكون مرتبطا بفلسفة ما، استنادا على هذا الحديث لا يمكن الحديث عن نقد في المرحلة الممتدة من العصر الجاهلي إلى القرن الثالث الهجري، إذ أنها لم تكن تعرف فلسفة. وبذلك فالعرب لم يعرفوا النقد إلا في القرن الرابع الهجري بعد أن تمت ترجمة الفلسفة اليونانية: فلسفة أفلاطون وأرسطو بالذات. وبالتالي لا يمكن أن نتحدث عن نقد أدبي إلا مع قدامة والأمدي وعبد العزيز الجرجاني الذين يظهر معهم مدى تأثير العرب بالنقد اليوناني لكنهم مع ذلك لم يرقوا إلى مستوى إنتاج نظريات نقدية على غرار ماكان في النقد الأوربي، كنظرية المحاكاة ونظرية الانعكاس.

إلى أي حد، يكون طرح د. محمد غنيمي هلال صائبا؟ ماهو الهاجس الذي حكم د.محمد غنيمي هلال وهو بصدد تحديد زمن ولادة النقد العربي القديم؟ لماذا ربط د.محمد غنيمي هلال نشأة النقد بنشأة الفلسفة؟ ماهي الخلفية التي ينطوي عليها طرح د.محمد غنيمي هلال ؟ ...نكتفي بالقول في هذا الصدد: إن د.محمد غنيمي هلال يبقى علما بارزا زخرت به الثقافة العربية في النصف الثاني من هذا القرن، يضم إلى مجموعة من الأعلام الذين تثقفوا ثقافة أجنبية استطاعت أن تؤثر فيهم وتوجههم وتمنهج علمهم، وتسيطر بأفكارها على فكرهم، حتى أصبحوا لا يفكرون إلا بعقلها ولا ينتجون إلا في ضوء نتائجها.

رابعا: قضية نشأة النقد العربي القديم بين يدي د. إحسان عباس.

يعرف د.إحسان عباس النقد بقوله:" في حقيقته تعبير عن موقف كلي متكامل في النظرة إلى الفن عامة أو إلى الشعر خاصة يبدأ بالتذوق، أي القدرة على التمييز، ويعبر منها إلى التفسير والتعليل والتقييم".(47)

من هذا التحديد للنقد يقرأ الدكتور إحسان عباس نشأة النقد، فينتهي إلى أن المراحل الأولى لم تعرف النقد الصحيح لأنها اعتمدت النظرة التركيبية والتعميمية، والتعبير عن الانطباع الكلي دون اللجوء إلى التعليل والتصوير لما يجول في النفس. فالنقد الصحيح لن يظهر إلا بظهور التفسير و التعليل و التنقيح، وهي خطوات لا بد منها، فلا تغني إحداهما عن الأخرى ولا تقوم إحداهما مقام غيرها. فهي متدرجة متسلسلة تتخذ موقفا ونهجا واضحا.وفي هذا يقول إحسان عباس: إن هذه " خطوات لا تغني إحداهما عن الأخرى، وهي متدرجة على هذا النسق، كي يتخذ الموقف نهجا واضحا مؤصلا على قواعد جزئية أو عامة. مؤيدا بقوة الملكة بعد قوة التمييز، ومثل هذا المنهج لا يمكن أن يتحقق حين يكون أكثر تراث الأمة شفويا، إذ الاتجاه الشفوي لا يمكن من الفحص والتأمل، وإن سمح بقسط من التذوق والتأثر، ولهذا تأخر النقد المنظم حتى تأثلت قواعد التأليف الذي يهيئ المجال للفحص والتقليب و النظر."(48)

وبناء على ما تقدم يخرج د. إحسان عباس بغياب النقد فيما قبل القرن الثاني الهجري لأسباب منها:

1- غياب التأليف: إذ أن معظم تراث الأمة كان يتناول شفهيا:"ومثل هذا المنهج لا يمكن أن يتحقق حين يكون أكثر تراث الأمة شفويا، إذ الاتجاه الشفوي لا يمكن من الفحص و التأمل، وإن سمح بقسط من التذوق و التأثر،ولهذا تأخر النقد المنظم حتى تأثلت قواعد التأليف"(49)

2- غياب الإحساس بالتغيير والتطور: إذ في نظره أن هذا العنصر هو الذي يسترعي انتباه ملكة النقد، وتجر الذهن إلى حدوث مفارقة ما وإدراكها، وفي غيابه تهيمن سلطة النموذج على الثقافة. وهذا بالفعل ما حدث على العهد الجاهلي والأموي، إذ كان النموذج القديم مهيمنا، وبقيت الثقافة العربية رهينة له. فهو قبلة لكل جميل ورائع من الشعر مما أدى إلى حجب حقيقة التطور و التغير عن العيون، ولن يبدأ الإحساس بهذا العنصر إلا مع تغير الأذواق وتحول النماذج إلى نماذج جديدة وذلك مع تعدد ينابيع الثقافة، وتباين مستوياتها، والاصطدام بتيارات جديدة، وفي ذلك يقول:" والتأليف يخلق مجالا للنقد صالحا، ولكنه لا يستطيع أن يخلق وحده نقدا منظما، بل لابد هنالك من عوامل أخرى، وأهم هذه العوامل جميعا الإحساس بالتغير و التطور: في الذوق العام، أو طبيعة الفن الشعري أو في المقاييس الأخلاقية التي يستند إليها الشعر".(50)

وبذلك يبقى "الإحساس بالتطور والتغيير هو العامل الخفي في شحذ هممهم للنقد يستوي في ذلك ابن قتيبة وابن طباطبا و قدامة والأمدي والقاضي الجرجاني وابن رشيق وعبد القاهر وابن شهيد وحازم القرطاجني وابن الأثير، فإنك لا تجد واحدا من هؤلاء يحس أن الشعر في أزمة، وأنه يتقدم بآرائه لحلها".(51) والأمثلة على ذلك كثيرة يمكن استخراجها من محتويات مؤلفاتهم.

وبذلك فالنقط المذكورة أساس في بلورة البداية الصحيحة للنقد، لكن النقد العلمي الدقيق في نظر د.إحسان عباس لن يتولد إلا بظهور حركة فكرية أو فلسفية وفي ذلك يقول:" وحين كان الإحساس بالتطور يتصل بأثر فكري – كلامي أو فلسفي- كان النقد ينال حظا غير قليل من العمق، لأن ذلك الأثر الفكري كان كفيلا بتنظيم الإحساس وتوجيهه في منهج متميز المعالم، فأما مجرد الإحساس وحده فإنه كان يجعل النقد عند أذكى النقاد التماعات ذهنية أو لمحات سريعة".(52) والنتيجة الحتمية التي يصل إليها إحسان عباس بعد هذا العرض تتمثل في أن توفر التأليف إلى جانب الإحساس بالتطور والتغير يؤدي إلى إعطاء ممارسة نقدية فعلية على يد الأصمعي (212 هـ) وفي ذلك يقول: "كان الأصمعي – فيما أعتقد – بداية النقد المنظم، لأنه أحس ببعض المفارقة التي أخذت تبدو في أفق الحياة الشعرية (53)و السبب في ذلك يرجع إلى تميزه عمن سبقه بالعديد من المميزات " فهو وإن شاركهم (العلماء) في كثير من النظرات الساذجة من مثل الالتفات نحو أغزل بيت وأهجى بيت وما أشبه ذلك من أحكام، قد هداه بصره النافذ إلى مواقف نقدية واضحة، ونكتفي هنا بثلاثة مواقف منها:

أ‌- الفصل بين الشعر و الأخلاق...

ب‌- الفحولة...

ج- العناية بالتشبيه.."(54)

هكذا نصل إلى أن ما قبل الأصمعي يشكل مرحلة نقدية غير منظمة، ولا يجب أن نعتد بها، ولا نقف عند حدودها، وأن النقد الحقيقي لن يظهر إلا في أواخر القرن الأول الهجري مع الأصمعي، فهو في نظر د. إحسان عباس النواة الأولى لظهور النقد المنظم في تاريخ الأدب العربي.

فمع الأصمعي توفرت الشروط التي يعتبرها د.إحسان عباس أساسا لوجود النقد وهي : "التأليف و الإحساس بالتغير والتطور ، وفي غيابها لا يمكن بأي حال من الأحوال البحث عن نقد منظم.إنما نتحدث عن لوحات نقدية طابعها شفهي وميزتها الذوق الفطري الفج، وليس ذلك الذوق الناضج المجرب للعملية الإبداعية والقادر على تحليل ظواهرها وتفسيرها و الوقوف عند جزئياتها.

ما الذي حمل د.إحسان على هذا الموقف ؟ لماذا اعتبر الأصمعي بداية فعلية للنقد؟ ما الهاجس الذي أرق د. إحسان عباس وهو يعالج قضية نشأة النقد؟.

تقويم للطروحات السابقة:

بعد هذا العرض لقضية نشأة النقد العربي القديم انطلاقا من طروحات متعددة، تتفق أحيانا وتتباين أخرى، استطعنا أن نكون صورة مجملة عن موقف الباحثين المحدثين من البداية الأولى المفترضة للنقد العربي القديم.

فإذا كان طه أحمد إبراهيم يؤكد أن النقد العربي القديم نشأ نشأة عربية صرفة، متعايشا مع الشعر، فهو ابن الجزيرة العربية الممتدة في التاريخ إلى العهد الجاهلي، انطلاقا من مجموعة من الأقوال المأثورة ذات الطابع النقدي الساذج الفطري الأولي التي ورثت عن العهد الجاهلي، فإن د. محمد مندور يؤكد على هذه العروبة للنقد أيضا، ويؤكد كذلك على التعايش المتواجد و المفترض بينهما، ولكن يختلف عن طه أحمد إبراهيم في كونه يتناول المسألة في بعدها الموضوعي البعيد عن التعصب، والنظرة الإقليمية الضيقة، بل يعبر عن قومية معقلنة عكس ذ. طه أحمد إبراهيم الذي عبر عن نزعة قومية حامية هدفها إثبات التميز للذات العربية في مواجهتها للغرب.

هكذا، نجد د. محمد مندور قد غض الطرف عن المرحلة الممتدة من العهد الجاهلي إلى أواخر القرن الثالث باحثا عن النقد المنهجي، متجاوزا لتلك الأفكار النقدية الشفهية، علما بأن معظم تراث الأمة العربية كان ينقل شفهيا، وقد يصاب بطريقة أو بأخرى بنوع من التحريف والزيادة و النقصان. ولن يجد د. محمد مندور ضالته إلا في القرن الرابع الهجري.فكانت بذلك الطريقة التي سلكها لدراسة تراث النقد العربي، قد رسخت قيما قديمة " مقدسة" في مجال الأدب العربي أكثر مما سلطت أضواء على الاتجاهات والتيارات الكفيلة بإغناء محاولات التجديد الراهنة.(55)

شيء تجاوزه د. محمد غنيمي هلال حين نص أن النقد لن يظهر إلا بظهور التفكير الفلسفي. وما دام التفكير الفلسفي قد تأخر عند العرب حتى ظهور المباحث الكلامية مع المعتزلة، فكان طبيعيا أن يتأخر النقد في التراث الأدبي العربي. وقد قاس ذلك بالتراث اليوناني، وعليه يكون نصيب المرحلة الممتدة من العصر الجاهلي إلى القرن الرابع الهجري التهميش. وهو يتفق إلى حد ما مع د. محمد مندور في كونه ينص أن النقد الممنهج لن يظهر إلا في القرن الرابع الهجري. وذلك لاتصاله بالفلسفة وعلم الكلام.

ومع د. إحسان عباس نصادف بداية للنقد العربي القديم. تمثلت في أن النقد الفعلي سيظهر في القرن الثاني مع الأصمعي، وبذلك تكون مرحلة ما قبل الأصمعي لم تعرف نقدا منظما وإنما عرفت لوحات نقدية، يطغى عليها التذوق والانطباع المباشر، وهو الآخر يتفق د. ومحمد مندور و د.محمد غنيمي هلال في أن النقد الحقيقي لن يظهر إلا في القرن الثالث الهجري.

اتفق ذ. طه أحمد إبراهيم و د.محمد مندور على التلازم المفترض فيما بين الشعر والنقد فكأني بهما يقولان لنا مادام لدينا شعر فطبيعي أن يكون لدينا نقد أي أن النقد القديم نشأ منذ أن بدأ الإنسان يعقل ويدرك، ويلاحظ ويميز ويستحسن ويستقبح. وهنا أشير إلى أن الاستقراء التاريخي لحركة النقد الأدبي يؤكد تبعية النقد للشعر في مراحله الأولى، خاصة حين كان النقاد شعراء، ومثالنا في ذلك النابغة، والفرزدق وجرير وغيهم كثير... لكن في مرحلة لاحقة، مع نضج الشروط الموضوعية التي تفترض وجود نقد أدبي يهدف إلى توجيه العمل الشعري وجهة معينة، انطلاقا من طبيعة الثقافة السائدة. سيقع الانفصال بين الشعر و النقد، وسيأتي الناقد اللغوي الشهير ابن سلام الجمحي ليؤكد على ضرورة وجود الناقد المتخصص..

فالدعوة إلى الناقد المتخصص هي الدليل القاطع على الانفصال الذي وقع بين الشعر و النقد. إذ لم يعد الناقد هو ذاك الشاعر، بل هو رجل عالم ملم بثقافة عصره قادر على تقويم العمل الأدبي، وفوق هذا وذاك يمتلك حسا نقديا يؤهله أن يجري نوعا من الحوار مع النصوص، ثم يعرف جيدها من رديئها نتيجة الدربة والمراس.

إن الأحكام التي يصدر عنها الناقد غير المتخصص، هي أحكام ذوقية محضة، يشترك فيها الناقد و غير الناقد.من ثم فهي أحكام يقتسمها جميع قراء الأدب، وليست هي وقفا على فئة دون أخرى، فلا يمكن أن نعدها بحال من الأحوال معلما من معالم تواجد النقد على العهد الجاهلي.

ومن المعالم التي يؤكد عليها الأستاذ طه أحمد إبراهيم وجود النقد في العصر الجاهلي، ويعتذر عن عدم إيرادها د. محمد مندور بحجة أن طه أحمد إبراهيم قد سبقه إلى ذلك، قضية تثقيف الشعراء لشعرهم، تلك العملية التي يقوم بها الشعراء لكي يخرجوا شعرهم في صورة أكثر تأثيرا في الملتقى، هي ممارسة نقدية كما ينص ذ. طه أحمد إبراهيم وفي هذا الصدد نقول:إنه قد خلط بين النقد الأدبي الذي هو عملية قراءة الإنتاج الأدبي قصد تمييز الجيد منه من الرديء، وإزالة الغبار عن غوامضه، وهي عملية يقوم بها ناقد يكتسب حسا نقديا مرهفا وملكة لغوية قوية...وإنتاج الشعر الذي هو عملية تعتمد في الغالب على الشعور والإحساس والتعبير عن المكنونات في غياب الرقابة العقلية الصارمة في غالب الأحيان. فعملية إنتاج الشعر أو ما يسمى في النقد العربي القديم " الصنعة الشعرية "تأتي دوما في البداية ليأتي النقد الأدبي من بعدها قصد تقويمها وإضاءة جوانبها، هكذا فالنقد عملية متأخرة عن إنتاج الشعر وصناعته، فهو لا يكون إلا بعد إنتاج الشعر وعرضه للمستهلك. فلو سألتني متى يبدأ النقد؟ سأقول:بعدما ينتهي الإبداع، أي أنه عملية تأتي بعد عملية إبداعية جاهزة منقحة مزيلة للشوائب، وهذا طبيعي إذ النقد لا يمكن أن يكون قد عرف قبل الإنتاج الأدبي، لأن الناقد لن ينقد في الهواء بل لابد من أثر أدبي يرتكز عليه. ولا نستطيع أن نتصور أن الناقد بدأ عمله في الخيال، كأن نزعم أنهم تصوروا وجود قطع أدبية ثم حاولوا نقدها، إذ أن مجرد تصور أثر أدبي دليل على أن الإنتاج قد سبق هذا التصور ولا يمكن للخيال مهما سما أن يصل إلى مالم يختبره الإنسان أو يسمع به. فالنقد عرف بعد الإنتاج. من تم فالعنصر الذي يركز عليه ذ.طه أحمد إبراهيم ليبين به تواجد النقد في العصر الجاهلي هو عنصر يمس العملية الإبداعية أكثر مما يمس العملية النقدية، إذ لا معنى للنقد إلا بعد تحديد مجاله وموضوعه الذي هو الأدب.

إذا كانت عودة ذ. طه أحمد إبراهيم إلى التراث النقدي بهدف تثبيت عراقة وأصالة النقد العربي لتزكية موقف قومي معين، فإن د. محمد مندور ينغمس في التراث بهدف معالجة النقد المنهجي وفي ذلك يقول:"لكي نظل في حدود الفكرة الأساسية التي يقوم عليها الكتاب، وهي معالجة النقد المنهجي عند العرب".(56)

والأمر لا يختلف كثيرا عن ما دفع د. محمد غنيمي هلال إلى إعادة قراءة التراث، حيث أنه استهدف من وراء هذه العملية البحث عن ما يدعم به المقدمة التي انطلق منها، وهي أن النقد لن يوجد إلا بوجود الفلسفة.

هكذا نلاحظ أن كل واحد منهما قد فسر ظاهرة أدبية بظاهرة أدبية أخرى، دون أن يرجع إلى المعطيات الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية التي أفرزتها.

أما د. إحسان عباس فقد كانت عودته إلى التراث لا تخرج في قالبها العام عن ما أرق السابقين له. إذ كان هو الآخر يهدف إلى تأكيد مقدمته التي تنص على أن الشروط الموضوعية لنشأة النقد والمتمثلة في التأليف – أي ظهور التدوين- والإحساس بالتغيير والتطور لن يظهر إلا مع القرن الثاني الهجري، وبذلك يسقط هو الآخر في تفسير ظاهرة أدبية بظاهرة أدبية أخرى.

أما على مستوى المنهج فقد كان منهج النقاد الأربعة هو المنهج التاريخي.فالأستاذ طه أحمد إبراهيم اعتمد المنهج التاريخي الذي يراعي التسلسل الزمني للأحداث من العهد الجاهلي إلى القرن الرابع الهجري، كما ظهر لنا ذلك في محاضراته.

في حين أن محمد مندور اعتمد أساسا على " تفسير النصوص" يقول: "منذ عودتي من أوربا أخذت أفكر في الطريقة التي نستطيع بها أن ندخل الأدب العربي المعاصر في تيار الآداب العالمية، وذلك من حيث موضوعاته ووسائله ومناهج دراسته على السواء. ولقد كنت أومن بأن المنهج الفرنسي في معالجة الأدب هو أدق المناهج، وأساس ذلك المنهج هو ما يسمونه "بتفسير النصوص"، فالتعليم في فرنسا يقوم في جميع درجاته على قراءة النصوص المختارة من كبار الكتاب وتفسيرها والتعليق عليها...هذا المنهج التطبيقي هو الذي استقر عليه رأيي وإن كنت قد نظرت إلى ظروفنا الخاصة وحاجتنا إلى التوجيهات العامة.."(57)

و الطريقة التي سلكها د. محمد مندور تعتمد في قراءته للتراث والتأريخ له عن مدى الانطباع الذي يخلقه هذا المقروء في نفسه، وفي ذلك يرد على سؤال طرحه عليه فاروق شوشة في حوار أجراه معه نشرته مجلة الآداب: " عند أول عودتي من الخارج كنت غارقا في الدراسات الأكاديمية... ومنهج تدريس الأدب في الجامعات الفرنسية يقوم على ما يسمونه " بشرح النصوص"، فكنا خلال السنوات التي قضيناها بالسور بون نستمع إلى أساتذتنا الكبار وهم يضعون أصابعهم على مواضع الجمال في كل تعبير...فغرسوا بذلك في أنفسنا البحث عن الجمال في تفاصيل العمل الأدبي حتى رسخ في نفوسنا أن الأدب فن جميل قبل كل شيء وأن القيم الجمالية هي التي تضمن للعمل الأدبي الخلود.

وعلى أساس هذا التكوين النفسي الخاص صدرت عن المذهب التأثري في كتبي الأولى مثل:" النقد المنهجي عند العرب" الذي فضلت فيه بين نقاد العرب القدماء التأثريين من أمثال: الأمدي والقاضي الجرجاني...بينما أنكرت جدوى أصحاب القواعد والمبادئ البلاغية والبديعية، كقدامة وأبي هلال العسكري وغيرهما." (58)

في حين أن د. محمد غنيمي هلال و د.إحسان عباس قد تعاملا بالمقص الزمني مع الأحداث النقدية الموروثة فقد أخذا من تاريخ النقد ما يتوافق وطبيعة المقدمة التي انطلقا منها.فإذا وقف الأول عند حدود القرن الرابع الهجري، فإن الثاني مدد خطاه إلى حدود القرن الثاني الهجري. وكل واحد منهما قص المرحلة الممتدة من العصر الجاهلي إلى المرحلة التي صب عليها اهتمامه.

هكذا نخلص إلى أن قراءة كل واحد منهم تنطلق من مفهوم معين للتراث، وإن كان هدفهم واحد، وهو البحث عن بداية النقد، فإن النتائج التي توصلوا إليها اختلفت إذ كل واحد منهم قد توصل إلى نتيجة تتعارض ونتيجة الآخر.فأصبحت بذلك تتراءى أمامنا بدايات للنقد العربي القديم متعددة، وليست بداية واحدة. بدايات تختلف عن بعضها باختلاف العصور الثقافية العربية من جهة، و بغياب التزامن الفكري من جهة ثانية، وبتباين المؤثرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في كل شخصية من الشخصيات النقدية المختارة.

إن هذه الكتابات تنطلق من هاجس واحد هو:"التأريخ للنقد الأدبي" إلا أن كل واحدة قد تناولت التأريخ من الوجهة النظرية التي تتفق والطرح الأيديولوجي الذي تتبناه...فلأستاذ طه أحمد إبراهيم لم يصدر في تصوره عن تاريخ النقد العربي القديم من فراغ، بل كان هاجس القومية العربية يحكمه، تمثل حين أكد على عروبة النقد في قوله:"والنقد الأدبي عربي محض، أو هو كذلك حتى تمكن ورسخت روحه ومناحيه"(59) إن طرح طه أحمد إبراهيم يكشف عن الظروف التي تحكمت في المثقفين العرب في الأوائل هذا القرن-علما أن الكتاب صدر في 1937-و هي مرحلة حاسمة في تاريخ الأمة العربية، عرفت الزحف الأوربي إلى الشرق العربي سواء عن طريق الاستعمار المباشر المتمثل في احتلال الأرض، أو غير المباشر المتمثل في التدخل في المنشآت الاقتصادية. و لا يخفى على أحد ما يهدف إليه التدخل الاستعماري من ضرب للذات العربية و تبيان انحطاطها و تخلفها و طرح محلها الفكر الإستشراقي عن طريق طمس الهوية العربية و إشعار الأمة العربية بتبعيتها للغرب في جميع المستويات، إضافة إلى ما عرفه التراث النقدي من تشويه و تزوير للحقائق من طرف هؤلاء المستشرقين أيضا.

في هذه الفترة كذلك ظهر الاتجاه العلماني الداعي إلى السير على خطى الغير والتفكير بعقلية الغرب، متناسيا أن للعرب خصوصيات، واختلاف الخصوصيات يجعل من المتعذر الحديث عن نقط الالتقاء والتشابه بين الغرب والعرب وقد حمل لواء هذا الاتجاه العلماني من الأقلام العربية الدكتور"محمد حسين هيكل" الذي دعا إلى العلم الخالص، وترجم العديد من النظريات والأبحاث الغربية كنظرية "كانت" القائلة بانتصار العقل، وإلى جانبه "الدكتور طه حسين" في مؤلفه في الشعر الجاهلي الصادر عام 1926 حيث استخدم منهج الشك الديكارتي في قراءة التراث العربي...

إذن في هذا الجو المفعم بالاضطرابات السياسية و الاجتماعية و الفكرية كان لابد أن تظهر حركة قومية ترد الاعتبار للإنسان العربي وللذات العربية، ومن العوامل التي أفضت إلى قيام هذه الحركة في مطلع القرن العشرين:

*عوامل تاريخية: تتصل بطبيعة الحس الزمني و الحرص على وصل الحاضر بالماضي و المفاخرة بمآثر الأجداد واعتبارها جزءا من الذخيرة الروحية الواحدة، إذ كان السؤال المطروح: كيف نحيي التراث ؟ وكان الحوار في هذا الصدد هو حوار بين "الماضي" و"المستقبل" أما الحاضر فغير "حاضر" ليس فقط لأنه "مرفوض" بل أيضا لأن الماضي قوي في هذا المحور إلى الدرجة التي جعلته يمتد إلى المستقبل ويحتويه، تعويضا عن الحاضر وتأكيدا للذات وردا للاعتبار إليها.

*عوامل قومية وسياسية: تتصل باستيقاظ الوعي القومي والشعور العارم بهوية قومية واحدة ذات جوانب عرقية ولغوية وثقافية معينة.في هذه الحقبة ركن الكتاب والنقاد وغيرهم إلى الدفاع عن الهوية العربية في مرحلة هجوم أوربا المباشر (الاستعمار ) وغير المباشر (الاستشراق) وهذا الدفاع تمثل في الرد على التحديات الغربية ذات النظرية العنصرية الشوفينية التي تنطلق من أن كل ما أنتج خارج أوربا لا يمكن أن يضاهي ما أنتج بداخلها على اعتبار أنها مركز الثقافة و المعرفة، ومركز الحضارة، والاستشراق نفسه سيعبر من قنطرة سياسية خصوصا وأن تطور الاستشراق كان مرتبطا بتطور الاستعمار. ومن جملة ما يهدف إليه: التحكم في الإنسان حاضرا، ولن يتم له ذلك إلا بالتحكم فيه ماضيا وذلك عن طريق تشكيكه في تاريخه وتراثه وربطه بالثقافة الحالية.فالاستشراق هو الذي يتوجه إلى اجتثات تاريخ الشعوب ويفسده ويشكك الشعوب في ذواتها، ثم يربطها بتاريخ جديد يمجده لها، وبذلك يكتسبها.

أمام هذا الصراع المرحلي بين الشرق والغرب، ظهرت كتابات متعددة تعكس هذا الصراع، وتهدف كلها إلى إثبات الهوية العربية-وهذا ما عبر عنه التيار السلفي- وبذلك يكون الاهتمام بالنقد في هذه المرحلة لم يكن غاية في حد ذاته وإنما كان في إطار الصراع مع النظرية الاستشراقية وإثبات الهوية العربية...كل هذا شكل الهاجس الذي شغل تفكير طه أحمد إبراهيم وحكم طرحه.فهو هاجس قومي سياسي يرد فيه على التحديات الغربية التي تنص على أن كل شيء خلق في حجر أوربا يعتد به وأن ما خلق خارجها فهو دوني يستحق النبذ والاحتقار والتهميش.

أما عن قراءة د. محمد مندور للتراث فهي لم تكن من قبيل المصادفة في حياته وإنما تداخلت في توليدها وتشكيلها مجموعة من العوامل التي شكلت في النهاية نسقه المعرفي وحددت طبيعة المعالجة الفكرية عنده ومنها:

أ- تكوينه الثقافي:إذ أتاحت له فرصة السفر إلى فرنسا من أجل تحضير دكتوراه في الأدب العربي أن يغرف من منهل الثقافة الفرنسية على أيدي كبار نقادها في تلك الحقبة وعلى رأسهم "كوستا ف لانسونLançon Gustaph الذي أخذته مفاهيمه وآراؤه، وحاول تطبيقها على النقد العربي القديم.

إن محمد مندور قد أعاد قراءة النقد العربي القديم من خلال مفاهيم مسبقة جاهزة مستمدة من(Gustaph Lançon)، وهي مفاهيم يعتد بها النقد الغربي وتعتبر أساس تقويمه، فحاول ناقدنا العربي أن يبحث عن أصول لها في النقد العربي القديم، فلم يجدها في نقد الجاهلية ولا في نقد القرون الثلاثة الأولى، بل لم تتوفر له هذه المفاهيم النقدية الغربية إلا في نقد القرن الرابع الهجري مع كل من الأمدي والجرجاني، وكذلك اعتبر المرحلة السابقة للقرن الرابع الهجري لا تعدو المادة النقدية فيها لمحات أو إرهاصات نقدية غير ممنهجة.

وكان المنهج السائد في فرنسا في ذلك الحين هو منهج " تفسير النصوص" ويسمى كذلك "بالمنهج "الاديلوجي" وقوام هذا المنهج:

أ-الذوق: ويعتبره د.محمد مندور أساس العملية النقدية وفيه يقول:" إذا كانت أولى قواعد المنهج العلمي هي إخضاع نفوسنا لموضوع دراستنا، لكي ننظم رسائل المعرفة وفقا لطبيعة الشيء الذي نريد معرفته فإننا نكون أكثر تمشيا مع الروح بإقرارنا بوجود التأثرية في دراستنا وتنظيم الدور الذي تلعبه فيها... وما دامت التأثرية هي المنهج الوحيد الذي يمكننا من الإحساس بقوة المؤلفات وجمالها، فلنستخدمه في ذلك صراحة ولكن لنقصره على ذلك في عزم، ولنعرف كيف نميزه ونقدره ونراجعه ونحده، وهذه هي الشروط الأربعة لاستخدامه".(60)

ب- المنهج: وقد كان منهج د.محمد مندور في هذه الدراسة يعتمد على الاستقراء التاريخي لتطور الأحداث وتعاقبها.

ج- التعليل والتفسير: وهما أساس لوجود نقد موضوعي.

د- الفلسفة: يجب أن يعتمد النقد على فلسفة، لأن الفلسفة تصعد النقد من إعطاء آراء بسيطة في الموضوع إلى تأسيس نظرية، وهذه الأخيرة لن تتوفر إلا بتوفر الكم لمعلوماتي و المنهج المنظم، إذ لا يمكن الحديث عن نظرية في غياب المنهج المنظم لها." والنقد المنهجي لا يكون إلا لرجل نما تفكيره واستطاع أن يخضع ذوقه لنظر العقل. وهذا ما لم يكن عند قدماء العرب وما لا يمكن أن يكون".(61)

هذه هي الأدوات التي دخل بها د.محمد مندور للتأريخ للتراث العربي القديم وإعادة كتابته...

ب-طبيعة الجو الاجتماعي: ينتمي د.محمد مندور إلى الطبقة المتوسطة المتشبتة بالتقاليد وبتعاليم الدين الإسلامي، وهذه الطبقة كثيرا ما تعرضت للظلم، أسهمت في الكفاح من أجل الاستقلال، وكان تعبيرها السياسي يلتقي مع تطلعات البرجوازية الصغيرة، ومع الطبقة المتوسطة في المدن ومع العمال و الفلاحين.

ينتمي د.محمد مندور زمنيا إلى الجيل الذي أعقب جيل 1919، وتبلورت مفاهيمه من خلال المناخ المحموم المضطرب لسنوات 1936- 1952 فالفترة التي بت فيها د.محمد مندور مقالاته النقدية أنجبت جيلا حافلا بالرواد منهم: العقاد والمازني ورفاعة الطهطاوي وغيرهم ممن اطلع على المناهج الغربية. وهذا لا ينفي أن حركة التجديد ظهرت قبل جيل 1919، بل هذه الحركة الأولى هي التي أثرت في الثانية وأصبحت متداخلة معها لكن هذا التداخل بين المرحلتين لا يعني ذوبان الأولى في الثانية أو انصهار الثانية في الأولى عن طريق تشابه المفاهيم و السلوكات بقدر ما يساعد على الوقوف على الامتداد بين المرحلتين.

ج- طبيعة الجو الثقافي العام: عاش د. محمد مندور في فترة المخاض الثقافي الأوربي بفرنسا. وهو مخاض انتهى بعد الحرب العالمية الثانية إلى آفاق متعارضة كليا مع الآفاق التي تنبأ بها مفكرو القرن التاسع عشر، فعلاوة على الأحداث التاريخية الكبرى: صعود النازية، حملة العصيان المدني بقيادة غاندي، الجبهة الشعبية في فرنسا وحرب إسبانيا، كانت هناك محاولات تجريبية في مجالات الأدب والبحث سواء في الرواية أو في النقد الذي ساعدت فيه نظريات "فرويد" على ازدهار محاولات نقدية معتمدة على علم النفس، ونخص بالذكر محاولة " كسطون باشلار" في مؤلفه"حدس اللحظة "(1932).

وقد ظل د. محمد مندور مشدودا إلى المدرسة الفرنسية بحذافيرها سواء في "السوربون" أو مع المفكرين الفرنسيين، وهو يعترف بذلك حين يقول:" إنني أعترف بأن تكويني الفكري النهائي لم يتم إلا في أوربا وبفضل الثقافة العالمية التي استطعت تحصيلها هناك، وبخاصة الثقافة اليونانية و الفرنسية، تم واصلت الإطلاع فيهما قدر ما تسمح ظروف حياتي العملية... بعد عودتي من الخارج لأستفيد من كل ذلك في دراساتي لأدبنا العربي وبخاصة أدبنا الحديث والمعاصر الذي يتأثر اليوم بكل جهد."(62)أما في المشرق العربي فقد تحدثنا عنه لما كنا بصدد الحديث عن طبيعة الجو الاجتماعي.

وحين يطرح على د. محمد مندور السؤال التالي: إلى أي حد كان تأثركم بالجيل السابق من أدبنا ونقادنا إلى جوار تأثركم بالمدارس الأدبية والنقدية في الخارج؟ يجيب على الفور بقوله:" تأثرت قبل سفري إلى الخارج بالدكتور طه حسين في الصبر على فهم النصوص العربية القديمة وتذوقها، فهو يحذف هذه الأمور ، وإن كنت أعتقد أن تأثيره الأكبر كان كموجه نحو الثقافة العالمية وبخاصة اليونانية القديمة والفرنسية التي كان ولا يزال يتحمس لها حماسة ظهر أثرها في كتابه اللاحق عن " مستقبل الثقافة في مصر".

وتأثرنا بالأستاذ عباس محمود العقاد... ولا زالت أذكر أنني أفدت كثيرا من كتابيه القيمين "الفصول " و"مطالعات في الكتب والحياة"...وأفدت من إبراهيم عبد القادر المازني وبخاصة كتابيه"حصاد الهشيم"وقبض الريح"، ومقالاته... وأفدت من الدكتور محمد حسين هيكل، ومن منهجه التاريخي العلمي في البحث فائدة كبرى وبخاصة من كتابه الأول " في أوقات الفراغ"، ثم تصادف أن وقعت على كتاب فريد لهيكل لا أدري كيف اختفى من تراثنا وهو كتابه عن "جان جاك روسو" حياته ومؤلفاته"(63) وكم كان لكل هذا من أثر في توجيه الكتابة النقدية عند د.محمد مندور،كذا تأسيس رؤية جديدة في تأريخ و قراءة وإعادة إنتاج النقد العربي القديم.

ونقلب الآن الصفحة، لنلتقي مع د. محمد غنيمي هلال وتأريخه للنقد العربي القديم فننص من البدء أنه قرأه انطلاقا من الزاد الأوربي وتوجه إليه بعقلية بعيدة عن العقلية التي أنتجته، وهي عقلية الإنسان الأوربي، التي تختلف عن عقلية الإنسان العربي، لأن الظروف و الملابسات التي أنتجت كل واحد منهما تختلف عن الأخرى اختلافا جوهريا.

وينتهي د. محمد غنيمي هلال بترصده لتاريخ النقد إلى أنه لا نشأة للنقد إلا مع نشوء الفلسفة وفي غياب الفلسفة يشهد تاريخ الثقافة غياب النقد، وكان دليله في ذلك هو استقراؤه للنظريات الأوربية القديمة التي وجدها مرتبطة بالنظريات الفلسفية، بل إن النقاد الأوربيين القدماء كانوا فلاسفة ومنهم أفلاطون وأرسطو، إذ كان لكل منهما نظرات في النقد وخوض في حقل الفلسفة، هذه النتيجة التي وصل إليها د. محمد غنيمي هلال جعلته ينص أن النقد الأدبي لن يتأسس إلا مع تأسيس الفكر الفلسفي، فما دامت الفلسفة غائبة في المرحلة الجاهلية وصدر الإسلام ومرحلة القرن الثاني، فإنه يترتب عن ذلك غياب النقد الأدبي، ولن نتحدث عن النقد الأدبي إلا مع القرن الرابع الهجري بعد ظهور علم الكلام والفلسفة الإسلامية.

لن يستطيع أن يكون هذا الطرح متماسكا إلا إذا استطاع الوقوف في وجه هذه الملاحظات الجزئية وهي:

أولا: إن د. محمد غنيمي هلال تناول النقد الأدبي كنظرية قائمة بذاتها وليس كممارسة تطبيقية، فهو بذلك يتناول نظرية النقد المرتبطة بالفلسفة في مرحلة من مراحل تطور النقد الأدبي، ولا يتحدث عن النقد في ذلك، و النتيجة أنه تغافل عن المراحل التي كان النقد فيها بسيطا جزئيا يرتكز على الأحكام الذوقية. يحكم للشاعر له أو عليه من خلال البيت الواحد بل الشطر الواحد في غالب الأحيان، وهذه المرحلة هي التي تبلور عنها النقد والتي شكلت لبنته الأولى، لذا يجب أن نأخذها بعين الاعتبار، إذ لولاها لما وجد لدينا نقد. ألا نعلم أن كل نظرية في العلوم الإنسانية لا يمكنها أن تنشأ من فراغ محض؟ أجل، فلا يمكن أن تظهر نظرية بين عشية وضحاها،وإنما النظرية كتصور عقلي متكامل يحوي بين طياته مجموعة من المفاهيم الجزئية التي تتدرج حتى تصل إلى نوع من التطور الذي يخول لها أن تشكل في نهاية التدرج والتطور "نظرية" أو هي في أدق تعاريفها:" جملة تصورات مؤلفة تأليفا عقليا تهدف إلى ربط النتائج بالمقدمات"(64) تحتاج إلى تدرج وتطور وتخمر،فكذا شأن النقد والفلسفة،فنحن لا نعرف أحدا نشأ فيلسوفا، ولم يثبت التاريخ الفكري نظرية فلسفية نشأت كاملة. بل لا بد هناك من مراحل يمر بها الإنسان والفكر معا، يبتدىء من الملاحظة المباشرة في علاقته بالكون ثم طرح التساؤلات التي تثير الدهشة والتي تستفز العقل، وبعد ذلك البحث لها عن أجوبة في الغالب ما ينبثق عنها الرأي الفلسفي وفي النهاية النظرية الفلسفية.إن هذا التسلسل، وهذا التدرج هو ما يسير عليه النقد في مسيرته التاريخية فقد ابتدأ من الرأي البسيط الساذج الفج غير المعلل وغير المفسر لينتقل إلى مرحلة تمتاز بالتعليل والتفسير ليصل إلى مرحلة مستوى النظرية ،دليلنا في ذلك التطور الذي خضعت له القصيدة العربية عبر مراحل تطورها ، إذ نعلم جميعا أن القصيدة قد اتخذت خطوات متتابعة في طريقة النضج حتى انتهت إلينا على سننها المعروفة. فقد بدأت من" الحذاء" و انتقلت إلى "السجع" ثم إلى "البيت" و إلى "الأبيات" حتى استوى هيكلها في نحو ما قاله المهلهل أو سواه، إن هذه الخطوات المتنقلة من منزلة إلى منزلة، لم تكن إلا وليدة مراجعة نقدية من الشاعر حينا ومن المتلقي حينا حتى وصلت بالقصيدة إلى وضعها المألوف وقد ضاعت الخطوات الأولى في طريق النقد كما ضاعت النماذج الأولية من الإنتاج الشعري فهو جذور تضرب في الأعماق وقد أينعت ثمارها بظهور القصيدة المكتملة في شبابها الزاهر الناطق عن طفولة مرت وصبا زال.

ثانيا:قارن د. محمد غنيمي هلال بين النقد العربي والنقد اليوناني في قضية النشأة الأولى.فذكر أن الأمة اليونانية كانت في بداوتها البعيدة تعتمد على دقة الحس وطلاقة اللسان فيما تصدر من الآراء.وكان لها رواة يتعصبون للشعراء ويذكرون أسباب المنافسة بين القائلين، ثم جاء عهد التدوين ليحفظ الإلياذة والأوديسة منقحين تنقيحا يعتمد على الذوق الفطري ويضع حدا لتصرف الرواة في المحو والإثبات،

و ظهر الشعر التمثيلي وظهر معه النقاد الذين يختارون للتمثيل ما يتميز بخصائص راقية تمتع الجمهور، فدفعوا بالشعراء إلى الإجادة والإتقان، ثم تقدمت الفلسفة شيئا فشيئا فاستطاعت أن توصل النقد الأدبي وأن تقيمه على دعائم قوية من المنطق، وبذلك تم لأرسطو أن يقعد القواعد النقدية وأن يصبح كلامه المرجع الأول للأساتذة في النقد وأصحاب الدراسات البلاغية المختلفة. هذا ما يقال عن النقد في اليونان ليلتصق بالنقد في أدب العرب نشأة وتطورا، وليفرض على النقد في العصر الجاهلي أن يكون جميعه ساذجا جزئيا يعتمد على الارتجال كما كان النقد اليوناني في منشئه سواء بسواء، وقد نسي هؤلاء أن ما لدينا في الأدب العربي من نقد الجاهلية لا يكاد يمتد إلى زمن سحيق أكثر من مائة عام قبل الإسلام على الأكثر، بمعنى أنه لا يمثل الطفولة الساذجة في هذا العصر، بل يمثل النضوج المكتمل بعد أن قامت القصيدة العربية على ساقها وتجاوزت دور الزحف والحبو، ووجد من الشعراء من كانوا يبطئون في النظم كل إبطاء حتى عرفوا "بالحوليات"...

ثم إن الإمعان في المقارنة الدولية بين أدب العرب وأدب اليونان من حيث النشأة يغفل مقررات علم الاجتماع وقواعده التي تدبر هذه المقارنة على طبيعة الإقليم وجنس الأمة وعقائدها الفطرية، ومسافة الزمن قصرا وطولا، وإذا كانت بلاد اليونان جبلية ذات بحر وبر وجزر وغابات وبراكين، وكان أهلها من ذوي الملاحة والزراعة، فكيف يقرنون بالعرب وهم مختلفون طبيعة ومناخا وجنسا وعقيدة، ليكون النقد في عصر الجاهلية مشابها للنقد في بداوة اليونان... إن من البراهين الواضحة على فساد هذا التطابق المزعوم أن الشعر الجاهلي كان غنائيا وأن شعر البداوة في اليونان كان تمثيليا، وكذلك اتجه النقد وجهة الإنتاج في كلتا الأمتين، فعلينا إذن أن نكف عن تحمل المقارنات البعيدة حين نتكلم عن طبيعة النقد الجاهلي لنأتي البيوت من أبوابها.

ثالثا: إذا سلمنا بأن النقد الأدبي ينشأ ويتأسس مع الفلسفة، نطرح السؤال التالي: متى تنشأ الفلسفة ؟ ونستطيع القول: إنها لا تتأسس طفرة واحدة ولكن بعد تراكم مجموعة من الخبرات لأنها في أبسط تعريفاتها: "هي تصور حول الكون عامة " وهذه الخبرات المتناثرة هي التي تبلورة في إطار نظري، فالشروط التي تؤدي إلى نشوء الفلسفة هي نفسها المؤدية إلى نشوء النقد الأدبي، من تم لا نربطها إلا بمرحلة معينة من مراحل النقد، وهي مرحلة نضجه حيث ظهرت علوم مختلفة: نحو، عروض، بلاغة، لغة، فنصل إلى أنه قد يقع التزامن بين النقد والفلسفة وقد يشتركا في تراكم الخبرات، وفي تطور الفكر التجريدي الإنساني ولكن لن يرتبط ظهور النقد بظهور الفلسفة.

لم يكن عبتا أن يأتي د. محمد غنيمي هلال بمثل هذه الآراء، فقد عاش في فترة النصف الثاني من القرن العشرين، وهي فترة من فترات تأزم جميع المستويات في التاريخ المصري الناتج عن التبعية التي يعيشها الشعب المصري للغرب عامة والإنجليز خاصة "فقد كانت مرحلة 1936-1952 وهي مرحلة صعود قوى اجتماعية جديدة، والسعي المزدوج إلى تحقيق الاستقلال وتثبيت الذات القومية، كما تطبعها المجابهة بين الاختيارات الدينية"الجديدة"وبين الاختبارات الوطنية والاشتراكية"'(65).

الملاحظ إذن، أن كل هذه الطروحات تدور في فلك واحد هو: الدفاع عن الذات العربية من أجل إثباتها، والدفاع عن القومية العربية والدعوة إلى إصلاح الأمة العربية وإيقاظها من سباتها العميق. وقد رأى د. محمد غنيمي هلال أن السبيل الوحيد لتحقيق هذه الدعوة هو الرجوع إلى الفكر الغربي والأوربي على الخصوص.إذ هي النموذج الذي ينبغي أن يحتدى لأنها عرفت في تاريخها الطويل نفس فترات الظلام التي يعيشها العالم العربي الآن، واستطاعت أن تقشع نور حضارتها، وتبني صرح نهضتها برجوعها إلى تراث اليونان. وهذا بالفعل ما جعل د.محمد غنيمي هلال يتحمس لهذه الفكرة ويدعو إليها خاصة بعدما تشبع بها في المدارس الغربية:" فقد أوفدته الدولة في بعثة علمية لدراسة الأدب المقارن سنة 1934 واستمرت بعثته حوالي تسع سنوات حصل خلالها على الليسانس ودكتوراه الدولة في الأدب المقارن من جامعة السور بون في فبراير سنة 1952"(66) وكان لهذا انعكاس في جميع كتاباته النقدية:" من هنا كانت جهود د.محمد غنيمي هلال الذاتية بدءا بكتابة الأول عن الأدب المقارن، فالرومانيكية، فالحياة العاطفية بين العذرية والصوفية، فالنقد الأدبي الحديث،فالنماذج الإنسانية في الدراسات الأدبية المقارنة، فدور الأدب المقارن في توجيه دراسات الأدب العربي المعاصر، فالمواقف الأدبية وأخيرا كتابه: في النقد التطبيقي المقارن، وقضايا معاصرة في الأدب والنقد. لقد كانت هذه المؤلفات العلمية الأكاديمية جهدا واحدا متصلا من أجل التعريف بالدراسات الأدبية المقارنة والإسهام فيها وتوضيح رسالتها الخطيرة الشأن فيما يخص الوعي القوي من تغذية شخصياتنا القومية نواحي الأصالة في استعدادها وتوجيهها توجيها رشيدا، وقيادة حركات التجديد فيها على منهج سديد ومثمر، وإبراز مقومات قوميتنا في الحاضر، وتوضيح مدى امتداد جهودنا الفنية والفكرية في التراث الأدبي العالمي".(67)

مما سبق نخلص أن دراسة النقد القديم من منظور فلسفي حديث وربطه بالنقد الغربي عند د. محمد غنيمي هلال له ما يبرره على مستوى الواقع. فقد كانت رغبته كباقي مثقفي عصره، تتخذ مسارا قوميا هدفها إثبات الكيان العربي في مواجهته للغرب...



والسلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته

السيدة:بشرى تاكـفـراست

أستاذة جامعية

ــــــــــــــــــــــــــــــ
الرابط :
http://www.bouchra-t...raste.com/3.htm


الخطأ و الصواب




0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين