ذهاب للمحتوى


صورة

السرد القصصي أحد مستويات السردية العربية


  • Please log in to reply
6 replies to this topic

#1 سمير الفيل

سمير الفيل

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 9230 المشاركات:

تاريخ المشاركة 05 July 2007 - 10:06 AM

السرد القصصي أحد مستويات السردية العربية
د. مدحت الجيار
(1)

للسرد القصصي العربي خصوصية تاريخية وفنية. فهو لم ينشأ من فراغ. ولم ينشأ غريبا, ذلك أنه وريث شرعي للحكاية العربية القديمة، وللحكايات الشعبية والخرافية التي انتشرت في العالم الإسلامي منذ حكيت حكايات (اسفنديار الفارسية) ومنذ نشأت حكايات ألف ليلة وليلة. يدخل في هذا التعداد الحكايات التي ملأت كتب التفسير , وكتب التاريخ , وكتب تاريخ الأدب. ومن ثم تشكلت الذائقة العربية الحكائية السردية. وهي التي أمدت الروح العربية بروح الفكاهة. كما كانت من وسائل التربية الأخلاقية ثم الدينية عن طريق الوعظ والخطابة.
واستمدت الذائقة العربية كذلك من نهر السرد مستويات عدة من السير وكتابة الرحلات.
حتى أصبحت الحكاية ملتحمة بالروح العربية والإسلامية. ودخلت كوسيط تعليمي , بل كوسيط للتسلية والتفكه. وزاد من دور الحكاية، الروح السردي في الكتب المقدسة , وفي أنواع الأدب القديم: الشرقي والغربي على السواء. ومن هنا أصبح المتلقي العربي جاهزا لأي سرد حديث. حتى إذا ما ظهرت القصة في العصر الحديث لم تجد عائقا. شأنها شأن الأنواع الأدبية الحديثة الأخرى.
فليس بمستبعد أن يكتب شيخ الأزهر حسن العطار قصصا قصيرا على غرار القصص الأوروبي آنذاك , أو أن يترجم رفاعة الطهطاوي عن فنيلون, ثم يزخر القرن التاسع عشر بترجمات عن السرد القصصي الأوروبي في دوريات القرن.الأمر الذي أثر على الشعر فحمل القص داخله وسيلة للمتعة والتسلية والتدريب. مما شجع الكاتب العربي على الكتابة وشجع المتلقي العربي على احترام هذا النوع من الكتابة. ولهذا دخلت إلى برامج التعليم حكايات مترجمة عن الآداب الشرقية والغربية. فأصبحت حكايات (كليلة ودمنة) وما يشبهها كحكايات إيسوب, وحكايات دينية شهيرة, جزءا من المقرر الدراسي. بل توسل أعلام النهضة العربية بحس سردي تعليمي: كما فعل الطهطاوي فى (تخليص الإبريز، وسيرة ساكن الحجاز) وعلي مبارك في (علم الدين) ومحمد عثمان جلال (روضة المدارس) وأحمد شوقي (الحكايات الشعرية). كما ساعدت المطابع الحديثة الكتاب خارج القاهرة والإسكندرية على كتابة القصص ونشرها للجمهور , وشجعت ـ في الوقت نفسه ـ خريجي مدارس اللغات والصحافيين على الترجمة والنشر.
فما أن أهل القرن العشرون حتى استوت كل أطراف الظاهرة القصصية: الكاتب , والقارئ , والمجتمع ككل. وهذا التأسيس كان وراء الكتابة المتنوعة للقصة القصيرة لكل كتاب النثر والشعر من الرواد وغيرهم.

(2)
ولا يمكن أن نتصور علماً للسرد القصصي إلا بعد أن يوجد السرد القصصي نفسه، وبصورة تمثل ظاهرة تغري الناقد ومؤرخ الأدب بالدراسة والبحث. وإلا بعد أن ينشأ السرد ويتطور، وتتميز خصائص عامة له، يخرج منها خصائص فرعية تمثل نوعاً سردياً جديداً. وبناءاً على هذه المقولة كان (السرد) أي الإخبار عن حدث يتدخل فيه السارد ـ لأنه جزء منه أو مراقب له ـ كان أول سرد بالضرورة. قبل أن يتشكل السرد كفن متميز له خصائصه ورواته.
ولأن السرد - بهذا المفهوم - يشمل كل شئ (يروى) (يقص) (يخبر عنه). فلا بد أن يحمل عناصر فنية تعطيه مصداقيته عند المتلقي ـ من خلال اتفاق خصائص في السرد مع خصائص في رغبة الإنسان المتلقي للمعرفة أو للمتعة أو للمشاركة. وليس غريبا أن تأتي الدلالة من مادة (قص) التي تحمل في طياتها التتبع والتعرف والوصول إلى الهدف المنشود من القص.كما حملت الدلالة معاني القطع والتسوية وإعطاء الشكل أي عكس الهلامية وعدم الانتظام.كذلك حمل مصطلح السرد التماسك والانتظام.
ومن ثم كانت الأشكال الأولى من السرد - حتى غير المعروف لدينا الآن - بداية لخلق شفرة بين المرسل والمستقبل، ويستدعى ذلك أن تتميز لغته لتحمل هذا النص السردي الشفوي - بالضرورة- والمكتوب بعد ذلك. ولما لم يكن الفارق بين الشعر والنثر واضحاً. كتب السرد شعرياً. وكتب الشعر سردياً، في أشكال: الخبر، والحكاية، والأسطورة، والأغنية، والابتهال، والقصيدة، والمسرحية... الخ.
ولم يظهر النوع الأدبي بشعريته المتميزة إلا بعد نضوج طويل المدى، والقصة القصيرة في هذا السياق غير الحكاية أو الأسطورة أو الملحمة.لأنها ذات شخصية متميزة،حيث تأخذ في كل مرحلة تاريخية أو فنية خصائص جديدة تضاف لما هو موجود. وإن كان كل نوع أدبي يفيد من السابق عليه ولكنه يفترق عنه، ليتميز ويتواجد. ويعنى هذا أنه يتطور بفعل تطور الحضارة التي يوجد فيها، متأثرا بسياقاته الاجتماعية والسياسية والفنية، ومؤثراً فيها في الوقت نفسه. فهي دائرة من التأثير والتأثر المتبادل طوال فترة حياة الحضارة الحاضنة لهذا النوع الأدبي، وطوال تقبل الواقع الاجتماعي والفني والروحي له، وثالثاً طوال تواجد المبدع المتميز القادر على إعطاء النوع الأدبي خصائص متميزة وجديدة تخلق احتياجاً ـ له ـ من أفراد المجتمع المستنيرين أو جماعاته المتخصصة.
ومن هنا، فإن ملاحم الفروسية في العصور الوسطى، وحكايات الجدات التراثية. فتحت المجال لنص فيه بطل، وفيه حكمة أخلاقية، يربط بينهما خيط من المغامرة، والعوائق. وكان من الطبيعي أن يتطور مجتمع العصور الوسطى، إلى مجتمع عصر النهضة الذي ظهرت فيه الرواية والقصة (الريفية) بما فيها من ملامح مجتمع جديد بسيط، فيه قصص الحب المثالي التي مهدت للحب الرومانتيكى، ولفتت الأنظار إلى البطل الإنسان، بعد تمايز طبقات المجتمع الأوروبي بين طبقتي الفقراء والأغنياء. وكان الحب هو البطل الدائم لهذه الروايات(1).
(3)
ودراسة تأسيس فنية ومضامين القصة القصيرة المصرية الحديثة , تحتاج لعدة وقفات نقدية وتاريخية.إذ إنها أخذت مراحل تاريخية متطورة، ولا تزال تظهر منها مكتشفات عن القرن التاسع عشر، بل العشرين. فلم يعد هيكل أول الروائيين، ولم يعد لاشين صاحب أول مجموعة قصصية. ذلك أن مؤرخي الأدب العربي الحديث يجدون في خارج العاصمة مؤلفات روائية وقصصية تعود إلى عام 1805م بقلم شيخ الأزهر آنذاك الشيخ حسن العطار أستاذ رفاعة الطهطاوي.وهي اسبق _ بالقطع _ من ظهور القصة و الرواية الحديثة في مصر. وداخل هذه المراحل التاريخية _ فيما بين القرنين التاسع عشر و العشرين _ مرت الرواية والقصة القصيرة أو فلنقل السرد _ بشكل عام _ بمدارس واتجاهات فرقت بين التقليدي، والحداثي، وبين الرومانتيكي والواقعي و السحري.
ولا ننسي أن المراحل التاريخية تأخذ في اعتبارها الأجيال المتتابعة من الكتاب أعني أن يسلم جيل تسليماً اعتبارياً ومعنوياً جيلاً آخر يستكمل مسيرة السرد العربي الحديث، فلن يموت السرد، بموت الساردين، أو بتوقف أحد الساردين عن الحكي أو الكتابة. ونتذكر ـ دائما ـ خلال هذه المجايلة ـ التي يرفض العقل أن تكون كل عشر سنوات - أن تعيش الأجيال متعاصرة متوازية، فتصور الأجيال متتابعة مفصولة أو معزولة، تصور ساذج بطبيعة الحال. فكل مجموعة من الساردين ظهرت في وقت واحد أو فترات زمنية متقاربة هم جيل بالقطع، ولكن الجيل الأول دائماً ما يتكون بطريقة ازدواجية، فهو الجيل الأول وهو الاتجاه الأول، وهم المدرسة الفنية الأولى يضيف إليها اللاحقون، بعد أن يفيدوا منها.
وبالتالي ففي رقبتة الأجيال والمدارس أن تعرف بالنوع الأدبي الذي تمارسه وتشجع الكتابة فيه. وتضع أمام المتلقي والمبدع المعاصر لها، والمبدع الجديد، خصائص النوع واضحة جلية، ولذلك ترتبط هذه الأحوال بالنقد الأدبي وتاريخ الأدب والترجمة والمقارنة الدائمة بين القديم والجديد، بين ما عندنا وما عند الآخر في الأمم الأخرى: لتكون هناك شفرة شبه مستقرة لدى التلقي ولدى الكتابة. ويضاف للمهتمين مهمة ثالثة هي معرفة وشائج الصلة بين هذه الأنواع الأدبية و بين ما يشبهها في تاريخ الأمة واللغة والأدب الذي تكتب فيه هذه الأنواع.
يتفسر لنا - إذن - لماذا يكتب الرواد عما يكتبون كمؤرخين للأدب ونقاد له ولا يكتفون بدور الكاتب ؟. ويتفسر كذلك لماذا يمهد بعض الكتاب لكتابة أنواع جديدة في الأدب , كما فعل توفيق الحكيم , ومحمود تيمور مثلاً. هم إذن همزة الوصل بين الكتابة وتراثها القومي والعالمي، وبين الكتابة وكتابها ومتلقيها ونقادها في وقت واحد.هم يبينون الفوارق النوعية بين كل نوع والآخر , بينه وبين شبيه له في تراثه، بطريقة نظرية وتطبيقية.
لقد مر قرنان من الزمان على تأسيس السرد العربي الحديث، كان للقرن الأول (التاسع عشر) رواده، وكان للثاني (العشرين) رواده. عاشوا أعمارا طويلة تزيد على السبعين والثمانيين: فرفاعة (1801-1873) وشوقي (1868-1932) والعقاد وشكري والمازني وطه حسين وتوفيق الحكيم ويحيى حقي ولدوا في نهايات القرن التاسع عشر واستمروا حتى نهاية الثمانينات، على اختلاف سنة الميلاد وسنة الوفاة. فالمازني (ت 1949) وشكري (ت 1958) والعقاد (ت 1964) وطه حسين (ت 1973) والحكيم (ت 1990) ويحيى حقـي (ت 1994).
وكانوا جميعاً يمثلون سلطة ثقافية مؤثرة على الكتابة والتلقي والنقد . وقد فتح بعضهم السبيل لأجيال عاصرته وامتدت بعده، كما فعل المازني مع باكثير, وطه حسين مع يوسف إدريس وغيرهم الكثير، ويحي حقي مع جيل الستينات، وعبد الفتاح الجمل بقصص الأجيال بجريدة المساء، وكما فعل محسن الخياط مع أدباء الأقاليم، وهو أمر استمر بعدهما. ويؤخذ من هذه النقطة أن الأجيال ليست عشر سنوات , وليست الجماعة هي مجموع أفرادها فقط. وليس الاتجاه أو المدرسة خالصين دون اشتباك مع الاتجاهات الأخرى السابقة والحالية، بالسلب أو بالإيجاب. بل يمكن للجيل أن يلتف حول أحد أفراده، وقد يتحلق الجيل على صفحات الدوريات، أو في أحد الصالونات،بل كانت ـ ولا تزال ـ مقاهي القاهرة والإسكندرية وغيرهما ملتق للكتاب ـ ومنهم القصاصون ـ يقرؤون نصوصهم ويعرضونها على الذائقة العامة،وعلى المختصين في وقت واحد.
والآن ـ ومنذ لحظة التأسيس البعيدة ـ هناك عناصر أساسية في الأدب توجد في كل الأنواع قديمها وحديثها. وتوجد خصائص مميزة مضافة إلى الشروط العامة لتعطي تمايزا لنوع على آخر، أو تميز النوع نفسه بخروج أحد أشكاله مختلفاً. كذلك قد يكتب الكاتب الواحد - في حياته الممتدة - في نوع واحد، ويظل رائداً مجدداً فيه لآخر لحظة في حياته المبدعة مثل توفيق الحكيم في المسرح ونجيب محفوظ في الرواية، ويحي حقي ويوسف إدريس في القصة القصيرة , والرواية القصيرة. إذ حافظوا على ريادتهم في هذه الأنواع الأدبية وظلوا خادمين لها يجددون كلما تجدد هذا النوع في العالم، وقد يسبقون بخصوصية لا توجد إلا لديهم. ويكشف هذا عن معرفة بلغة أجنبية أو قراءة عبر وسيط.ولكنهم يكتبون في أنواع أدبية أخرى.
يضاف إلى ذلك أنهم كتبوا مؤرخين للنوع الأدبي وعلاقته بمثله في الآداب الأوروبية. كما كتب الحكيم عن تاريخ المسرح، وكما كتب يؤسف إدريس من الدراما الشعبية، وكما كتب يحي حقي عن فجر القصة المصرية، وهكذا قدموا مجموعة من الكتاب من معاصريهم الرواد في وثيقة مهمة. ومقدمات بعض أعمالهم تعد الآن وثيقة من وثائق التاريخ والنقد على السواء. وتحولوا جميعاً إلي نماذج أدبية تربت بها ذائقة المتلقي والمبدع والناقد والمؤرخ الأدبي.
ويوجد في حيوات هؤلاء، ما يبرر ويفسر احتضانهم للأجيال الأخرى. كما يوجد في أدبهم محاولات مميزة لأنواع أدبية أخرى بجانب الريادة. فقد كتب الحكيم السرد بأنواعه (القصة والرواية والمسرواية والخيال العلمي , والسيرة الذاتية، والعبث). وكتب نجيب محفوظ القصة والمسرحية والسيرة الذاتية). وكتب يحي حقي (الرواية والقصة والنقد). وكتب يوسف إدريس (المسرح والقصة والرواية والمقال والتاريخ الثقافي). وكتب طه حسين في (الرواية والقصة والترجمة بجوار النقد الأدبي).
يترتب على هذه المقدمات أن الفواصل بين المبدعين والأنواع الأدبية والأجيال والاتجاهات والمدارس وتنوع الكتابة عند الكاتب الواحد هي فواصل وهمية تتناسى الحدود مؤقتاً لتتمكن من الفهم والتحليل والدراسة والتاريخ، لكنها لا بد أن تضع هذه العناصر كلها لحظة الكتابة موضع الاعتبار. وليس الصراع بين الأفراد والاتجاهات والمذاهب - في عصر واحد - دليلاً على رفض طرف لآخر، بل - على العكس - هو دليل على حياة أدبية عامرة إذا كانت الرؤى الإبداعية والنقدية نظيفة موضوعية حريصة على ما يفيد النص والظاهرة والإنسان.
أما الكتابة المغرضة - لأي سبب أو غرض - لأي وسيلة للهدم لصالح عنصر غائب في عقل المغرضين فهي سم قاتل تلوث الحياة كلها. أما المعارك الشريفة فتظل مرجعا للأجيال حتى لو كتبت هذه الأجيال بطرق مختلفة. لأن آلية الاختلاف تعلم كل الأطراف بما فيها المختلفان.
ومن ثمَّ فالمعارك الأدبية لا تنتهي، ولكن لكل معركة سياقها، ولكل سياق غرضه. والمعركة لا يقصد منها فوز طرف على آخر. بل تريد تجلية الطرفين للقضية وموضوع الصراع أو التعارك للجميع. فلم نسمع مرة أن أحد المتعاركين ترك الخدمة بعد المعركة أو تنازل عن معتقداته. بل هو يقدم أفضل ما عنده ليبرهن للآخر على صدق مقولاته. وبالتالي يفوز المتابع للمعارك الأدبية بأجمل ما في كل اتجاه وأعمق ما فيه من أفكار وحجج ترى كيف يكون العصر الذي يفقد قدرته على الحجاج والاحتجاج ؟ ترى كيف نرى المعارك المتفق عليها للنيل من سين أو صاد، لإيقاف مسيرته أو شغله بقضايا وهمية تصرفه عن فنه؟
ومعارك الكتاب والنقاد وخصوصيةٍ الأجيال حول القديم والجديد، وبين الأصيل
والوافد، وبين أنواع القديم والجديد والأصيل والوافد لا تنتهي في مجلاتنا وجرائدنا وكتبنا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. معركة رفاعة الطهطاوي مع التحديث. ومعركة طه حسين مع العقاد عن السكون واللاتين. ومعركة العقاد مع الرافعي حول المحافظة والتجديد، ومعركة جماعة أبولو مع العقاد و معركة طه حسين في الشعر الجاهلي. ومعركة توفيق الحكيم تحت شمس الفكر. ومعارك يوسف إدريس في الثقافة. ثم معارك أخرى أعقبت أجيال الرواد منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن. وكلها معارك بناءة، تكشف وتنقب وتعطى ما لا يوجد في الكتب.
والسياسة قاسم مشترك في هذه المعارك والاتجاهات والأجيال والمذاهب. فلكل اتجاه سياسي من يؤيده من الاتجاهات والأجيال والمذاهب والجماعات الثقافية والأدبية. ولا بد أن يؤخذ في الحسبان، أن الاتجاه السياسي الواحد قد ينقسم على نفسه. فلا ننخدع ببعض المعارك التي يعطى فيها الطرفان الفرصة لبعضهما البعض للسيطرة على فكر المتابع للمعركة، لأنه في النهاية يصل إلى اتجاه واحد مهما يختلف الطرفان.
إن الرومانسيين مثلاً مدرسة واحدة لكنها ذات مستويات متعددة، فالديوان تعارك أبولو الرومانسية مثلها وتغذي المهجرة لتتقوى بها في صراعها، وهى في الوقت نفسه تتصارع مع الإحياء. ولكن كل طرف من هذه المعركة لا يرفض كل أفرادها. فقد كان عبد الرحمن شكري (ديوان) ممجداُ في رسائل النقد للدكتور رمزي مفتاح، وعلى صفحات مجلة أبولو (جماعة أبولو) بينما كان مهاجماً في كتاب الديوان بقلم إبراهيم عبد القادر المازني زميله وأحد أركان الثالوث الديواني.
وبينما هاجم الرومانتيك شوقي أعني جماعة الديوان، احتضنت جماعة أبولو أحمد شوقي وجعلته رئيساً للجماعة الرومانتيكية أبولو. كلها كتابات متخاصمة لكنها من الأرضية الرومانسية نفسها. فلا ننخدع من بعض المعارك.
أليست معركة طه حسين والعقاد، الرائدين، هي من قبيل عرض البضائع والمناداة على السلعة الساكسونية واللاتينية ؟ بينما كانت معركة المازني وطه حسين معركة شرسة لأنها تناولت منهج الشك عند طه حسين وليس كتاباً محدداً. كان المازني قاسياً فاستخدام المنهج نفسه (الشك) وأنكر وجود طه حسين واحد بل عدة (طه حسين). والمازني لم يكن مثلاً مع هجوم المدرسة التقليدية (الأزهر , ودار العلوم) على طه حسين.
ترى ماذا في معركة طه حسين مع الكتابة اليسارية الجديدة في الخمسينيات , وهو الذي قدم مجموعة (أرخص ليالي) ليوسف إدريس. وهو الذي كتب عن نجيب ثلاثية نجيب محفوظ وقدمه.وماذا ترى في كتابة (سيد قطب) دفاعاً عن العقاد في الثلاثينات، وكتابته المنبهرة بنجيب محفوظ في بين القصرين، وهو التقليدي الذي لا ينكر المخالفين له في هذه الآونة. وماذا في معركة إغلاق مجلات المقتطف، والرسالة ثم الثقافة والمجلة والكاتب وغيرها لصالح مجلات صاعدة بفكر جديد؟.
إن كل فكر يأخذ سيادته في عصر أو مرحلة، ثم يتحول بطبيعة الحال إلى هامش عصر جديد. والأفكار والمذاهب والأنواع والكتابات لا تموت. إنما تتحول من متن الكتابة إلى هامش الكتابة. ولا يوجد فكر لكل العصور. هي مراحل قد تطول بفعل ظواهر ودوافع وظروف عامة أو خاصة، وقد تقصر للظروف نفسها.
إنما المستمر دائماً من يكتب عن الجوهري ولصالح المجموع العام. وبمرتبة فنية عالية تحفظ له الدوام من الاحترام وتضمن له التجدد باستمرار، إذا رأى فيه المختلفون بغيتهم.وبالمثل، قد يلمع الكاتب أو مجموعة مذهب ما فجأة، ثم تختفي كأن لم تغن بالأمس لأنها أسست على لحظة عابرة مثل المودة أو التقليعة، سرعان ما تختفي وتهبط سريعاً كالشهاب إلى الأرض وهامش الحياة الأدبية.
وقد نرى من يفرض علينا شكلاً أدبياً مدعياً حداثته وجدته لأنه يملك سلطة أدبية ما، ترغم معارضته على الصبر حتى تتغير الأحوال أو يعود هو إلى الصواب. ولكن قد تتسلح هذه السلطة الثقافية بالصبر والقدرة على المحاورة ومعرفة تاريخ الثقافة. فيتحول الصبر إلى حوار دائم يغذى الحركة الأدبية ويثريها. وهذه أفضل الأحوال لأن الخلاف لا يعني العداوة.


(4)

نعترف أن الرومانتيك سيطروا على النصف الأول من القرن العشرين، لكنهم احتضنوا الاتجاه الواقعي في كتابة القصة القصيرة. وأنهم أطلقوا الأجيال الجديدة من بين أيديهم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وفي عصر هؤلاء الرومانتيك ازدهرت جميع الأنواع الأدبية الأصلية والوافدة، وخرج القصاصون الواقعيون من أمثال: طاهر حقي، وشحاتة عبيد، ومحمود طاهر لاشين، وطه حسين، ويحي حقي ثم نجيب محفوظ، متوازيا مع: محمد عبد الحليم عبد الله، محمود البدوي، أمين يوسف غراب، إحسان عبد القدوس، يوسف السباعي، ثروت أباظة، يوسف الشاروني، عبد الرحمن الشرقاوي، أمين ريان، إدوار الخراط، محمد حافظ رجب. ثم جيل جمال الغيطاني، ويوسف القعيد، إبراهبم أصلان، بهاء طاهر، سليمان فياض، محمد روميش، فؤاد حجازي. تجاورت تجارب هؤلاء وتقاطعت مع كتابات المرأة المصرية: أمثال: لطيفة الزيات، رضوى عاشور، إحسان كمال، لوسي يعقوب، هدى جاد، إقبال بركة، سلوى بكر، سهام بيومي، هالة البدري، ابتهال سالم، وغيرهن الكثيرات . كما ازدهرت كل المذاهب.
وتراسلت الفنون مع الآداب فأغنت الفنون الجميلة والتشكيلية النص الأدبي بالكتابة فيها أو بالمشاركة معها في تقديم فن مشترك. كما أخذت الفنون السردية الأخرى ـ القصة القصيرة بخاصة - فيما بين الحربين العالميتين ثم ما بعد ذلك تنمو بنمو الحياة الثقافية بعامة.
ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية (1945م) كان كل الرواد، قد قدموا تجربة مهمة في السرد
بل خرج من بين أصابعهم الجيل الجديد في الوطن العربي كله، حيث كانت مصر المركز الثقافي العربي والأدبي الذي يهوي إليه الكتاب والشعراء والنقاد العرب ليمارسوا كتاباتهم ويُعرفوا بها.
وكما فتحت الرومانتيكية، والواقعية السبيل إلى كل الأنواع الأدبية.تركت لنا من خصائص مذهبيهما: الغنائية، والتداعي النفسي والحلم والانقسام على الذات والاهتمام بالإيقاع (النثري والشعري).ثم الاهتمام بالواقع , وقضايا الانسان، وتقنيات التخفي، والكتابة في عدة مستويات، لتثير التاويل وتحمي المبدع من الحرفية والمباشرة.
الأمر الذي مهد للحداثة السردية والقصصية بخاصة، لأن تجد عناصر في النص الأدبي تتواصل معها، وتضيف إليها. فقد أفادت الواقعية من هذا، ومهدت لموجات الحداثة أن تشارك الواقعية بتقنيات سوريالية وبتداخل الأنواع الذي يشبه التداخل التقني السوريالي. والجدير بالملاحظة أن الحداثة التي عمت العالم العربي خرجت من المركز (مصر فيما بين الحربين) وتواصلت مع منجزات الرومانسية والواقعية . ولكنها خرجت في لحظة تستدير فيها الاتجاهات الواقعية (الحرفية الطبيعية، والنقدية، والسحرية الرومانتيكية إلي الهامش الأدبي) في موطنها الأصلي غير العربي.
ولكن النوع الأدبي لا يموت بل يتحول في غيره أو يرحل عبر الزمان أو المكان ليثري نوعاً أدبياً آخر في لغته أو في غير لغته . وبالتالي تواشجت الواقعية مع الحداثة منذ البداية بفضل حرية الفكر والإبداع التي أصلها الرومانتيكيون والواقعيون والرمزيون والحداثيون. فأصبح للسوريالية والعبث وتداخل الأنواع والتجريب والخروج على المواصفات القديمة المكانة العليا في النص الأدبي. بينما دخلت الواقعية لتواكب حركات التحرر للشعوب العربية، التي أرادت أن تعتني بالجماعة المقهورة أكثر من العناية بالفرد المطلق.
وبالتالي تحولت مهمة المبدع (الجديد) من الفردية وتضخم الذات إلى الذوبان في الجماعة والحديث بصوتها والتميز عليها بالقدرة الفنية على صياغة أحلامها ورفض تداعيات السلوك الفردي الأناني المتضخم.فأصبح التجديد والقيادة والجماعية حلم الكاتب. ومن ثمَّ شهدت فترة الخمسينيات , والستينات، والسبعينات.حتى تحققت هذه الخصائص في النص الأدبي والنص النقدي على سواء. وفي حين بالغ النقاد الواقعيون في التركيز على المضمون وإعطاء التشكيل المرتبة الثانية، قدم جيل آخر من الواقعيين والنقاد العلميين بياناً نقدياً جديداً يعالج الاتجاهات الواقعية المختلفة في النص العربي، ويعلي من قيمة التشكيل لأنه الحد الفاصل في إجادة الناقد والمبدع من عدم إجادته. الأمر الذي استلزم أن يعد التشكيل الجمالي والفني واللغوي للنص عنصراً اجتماعياً لا يتناقض مع أهداف الواقعية أو الواقعية الجديدة.
الأمر الذي خلق تقنيات: القناع، والرمز، والاستعارة، التناص، وتوظيف عناصر تراثية وحديثة تؤدى إلى تغير الأداء الواحد الممل إلى أداءات متغيرة متعددة متطورة تدفع الكاتب إلى الانتصار على الجمود والتقليد والمباشرة والخوف من السلطة السياسية أو النقدية. فاغتنى النص السردي القصصي خلال عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات وأصبح للكتابة في هذه العقود وما بعدها سمات وخصائص يمكن رصدها وتقنينها مع وجود النقاد الاجتماعيين و السياسيين.
لقد انتصرت الحداثة خلال هذه العقود الثلاثة وما بعدها، وسادت متن الكتابة. ومهدت السبيل للعقود الثلاثة التالية أعني الأخيرة من القرن العشرين، والتي شهدت تحولاً مهماً بعد هزيمة يونيو (1967) أفضى إلى سيادة النص السردي النثري على الشعرية.



(5)
وكان من الطبيعي أن يتحلق أصحاب الطرح الجديد في أشكال مطبوعات جديدة خرجت بتمويل خاص: فردي أو جماعي. وأفادت هذه التوجهات من تطور فنون الطباعة , وظهور الطباعة رخيصة الثمن فيما سمي بعد ذلك (مطبوعات الماستر) وكانت البداية في ظهور (جاليري 68) وهم جماعة من المثقفين وكتاب القصة القصيرة الجديدة منهم أدوار الخراط , الذي تولى بدوره احتضان جيل السبعينات من القصاصين وشعراء الحداثة، وتصدرت مقولة الكتابة عبر النوعية، والاختصام مع التراث, والحساسية الجديدة, المشهد السبعيني وما جاء بعده. الأمر الذي جعل تداخل الأنواع، (الكتابة عبر النوعية) وظهور القصة القصيرة، والقصيدة النثرية،بل والقصة القصيدة، وغيرها. والعبارة التي لخصت هذا التوجه مع منتصف الثمانينات كانت أننا في عصر الرواية ويقصد أنه في زمن السرد الأدبي في العالم.
أدى هذا كله إلى فراغ نقدي لنص الشبان المتصارعين مع الموجود كله، وظهرت رغبة في تنظير جديد لهذه الرؤية الجديدة , بعيدا عن المجلات الجديدة التي تصدرها وزارة الثقافة وتم ذلك في غياب النقاد خارج مصر كما غاب الشعراء من قبل بالهجرة و الموت أو الجمود.
وسيطرة هذه الحداثية الإبداعية النقدية ميزت ما قبلها بأنه جيل الستينات مع أن هذا الجيل كتب أجمل إبداعاته في فترة السبعينات. ولم يجد جيل السبعينات وما بعده من أجيال ما يشفي غليله من جيل الستينات (فترة التكوين والظهور) فأعلن أنه جيل بلا أساتذة.
هنا نستطيع القول بأن العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين كانت من الثراء الأدبي والنقدي بما لا يقاس في فن القصة المصرية إذا قيست بالفترات السابقة.وكما نشأت جماعات شعرية، تكونت جماعات قصصية مثل جماعة نصوص (90) إلى الاهتمام بالنص السردي ونقده. يضاف إلى ذلك كتب المختارات لنصوص سردية عربية، وترجمة مختارات سردية عربية.أن هذه المقدمات تلغي ما شاع عن: القطيعة مع التراث، والنقل الغفل عن الآخر، واستقلال الأجيال والمدارس، كما تلغي فكرة انهيار الدور الريادي الثقافي والأدبي لمصر.
وليس بعد هذه المداخل التاريخية إلا أن نشير إلى التقنيات الجديدة التي ـ إلى أدت فهم جديد توازى مع تفتح المناهج النقدية العربية على المناهج النقدية الغربية. وتفتح النص الأدبي العربي على غيره من النصوص الأدبية العالمية، عبر معرفة لغة أجنبية أو لغة وسيطة أو الاطلاع على الترجمات .
ونقل هذا التغير النقدي والأدبي، النص العربي إلى دلالات ومفاهيم جديدة للعناصر المكونة للنص الأدبي والنقدي، واكتشاف وظائف جديدة لها. تغير مفهوم الزمن، والمكان، والشخصية، إلي آفاق رحبة. ودخلت في المعالجات الجديدة وسائل تحليل، ووسائل كتابة جديدة. تبدأ كلها من الزمن وتتفرع لبقية العناصر.كما تهتم بالمكان ففيهما تتحرك الشخصية القصصية.

(6)
الزمن ليس مجرد مساحة من الوقت بل هو عدة أزمنة: زمن للكتابة، وزمن للقراءة، وزمن للحياة. ولا شك في أن الزمن يستوعب مكانه وإنسانه، فهو الفضاء الأوسع الذي يمكن أن يتلاعب به السارد في كل اتجاه: حاضر وماض ومستقبل. بل يستطيع أن يزاوج أو يضفر اكثر من بعد زمني داخل المكان الواحد، ويحشد الإنسان وزمنه داخل هذه البؤرة السردية.
ولذلك فقياس الزمن العام بالقرن والسنة والفصل والشهر واليوم والساعة والدقيقة والثانية. هو قياس عام مجرد يمثل الفضاء الزمني العام قبل الكتابة. وعند لحظة الكتابة وتشكيل المادة تتفتت هذه المقاييس وتتداخل وقد تعكس بنقيضها لحظة الكتابة. أي تكون الشواهد الخارجية، غير المشاعر والأحاديث الداخلية التي يمثلها على سبيل المثال (تيار الوعي بعناصره المتعددة).
والزمن ـ لذلك ـ يمثل الإيقاع العام في النص فمن خلاله نشعر بحركته وسكونه وكثافته وبساطته.. الخ. ويلعب الحاضر الدور الجوهري لأنه يمثل لحظة (الكتابة) التي تستجمع كل العناصر.. ويمثل لحظة (التلقي) من جهة أخرى.
ويمكن أن نطلق على الزمن الآتي من الآن (حاضر الكتابة) و (حاضر التلقي) ففيهما يكثف الزمن ويتقاطع ويزدوج ويتحرك ويسكن ويصبح هذا الحاضر وسيلة للكتابة والتلقى، وصناعة العلاقات الزمانية وفق حركة الزمن العام في السرد وحركة الزمن الخاص للكاتب السارد وحركة الزمن الخاص للمتلقي بعد ذلك. ومن ثم يملك السارد حرية أن يعود للماضي أو يستشرف المستقبل وهو لا يزال في الحاضر. ذلك الحاضر الذي يمثل بؤرة العمل والرؤية في آن واحد.
فكل جملة يختطها السارد تعنى لدية (زمن - مكان - إنسان - تشكيل) وعلى الناقد أن يدرس كل جملة مستقلة كوحدة من وحدات تشكيل المشهد الجزئي (العام - التمهيدي - تنبؤي - استرجاعي - أو إنشائي يمثل قدرات خاصة بالسارد) أو المشهد العام داخل الوحدة السردية أي يجد الناقد (زمن السرد) وهو يصارع هذه الأزمنة جميعاً ليشكلها داخله ليصبح لدينا زمن للسرد، وزمن للحكى، وزمن للشخصية، وزمن للتلقي. وكلها أزمنة نسبية قابلة للتقسيم والقياس وال وحركة الزمن السارد ثلاثية في مجملها، مثل مكون حركة المسجل (الريكوردر) أو (الفيديو): أقصد حركة للتشغيل، وثانية للخلف، وثالثة للأمام. بما في ذلك من قدرة على التبئير والتثبيت والتسجيل المزدوج والمزج بين عدة أزمنة
فالخلف أي العودة إلى الماضي ولكن بدرجات متعددة ومختلفة ربما تبدأ من زمن الفعل المستخدم في الجملة وربما تبدأ من الوصف العام للمشهد وربما يصرح السارد بالماضي في إحدى تجلياته ممهدا. هذا إذا أراد السارد الزمن الماضي هدفاً لسرده ليهرب من مزالق سياسية أو دينية أو نفسية، تحيل السرد إلى الماضي لتعود الدلالة على زمن غير الزمن وبشر غير البشر. مستعينا ـ في ذلك ـ بتقنيات مثل القناع واللغة الشعرية والتاريخ والرمز والغموض والتعقيد , ليهرب من المواجهة أو الاعتراف أو المحاسبة، أما أن يكون الماضي درجات فهو ليستوعب كل الحيل الفنية والنحوية والأسلوبية في الكتابة. ولكن أن يكون السارد في الحاضر ثم (يسترجع) فهنا تدخل أهداف وتقنيات ودرجات أخرى عند العودة إلى الماضي , إذ لكل عودة هدف في الكتابة وفي معنى العبارة وفي زمن وسلوك الشخصية بحيث لا يسير الزمن من الحاضر إلى الخلف بسهولة أو بدون هدف سردي بل لكل عودة اسم وفعل ووظيفة وبنية.
فنجد استرجاعات: خارجية وداخلية (بالسرد أو الحوار أو الرواية أو مزج بينهم). تؤدي غرض الهروب الفني أو السياسي الناعم الذي يفلت بنعومة قانصا إعجاب المتلقي أو الخصم السياسي في وقت واحد.
كذلك يتقدم الزمن إلى الأمام منطلقاً من الحاضر أو من الماضي للتنبؤ والاستباق في الفضاء الزمني للسارد انتظاراً لنتيجة ما. وفي هذه الحالة توجد (نقلة) زمنية (أو فجوة زمانية) كيف تمتلئ؟! وقد يكون العود (إلى الماضي) من الحاضر أو من المستقبل موازياً للتخطي العكسي من المستقبل إلى الماضي أو الحاضر في وقت واحد.
وكأن السارد ـ باستمرار ـ يجيب عن أسئلة مفترضة مثل: كيف، تم ذلك، أين ومتى؟ ومن هنا يبدأ السارد رحلته المكوكية بين الأزمنة الثلاثة الأساسية (ماضي / مضارع / مستقبل) وما تتطلبه العودة لآي هذه الأزمنة من أي منها.الزمنية لأنها تنقلات بنيوية بالضرورة. كل حركة فيها بناء وتشكيل لجزء أو للوحة أو وحدة من وحدات السرد.
وهنا يكون السارد (الراوي) أو البطل أو شخصية أخرى أو كل هؤلاء جميعاً مشتركين في حركة الزمن العائد إلى الماضي لغرض فني , وهنا تفسر الثغرات الزمنية والمعلوماتية بغرض أو بفشل تقني. وقد تكون ثغرة أو معلومة أو استعراضا فنيا للكاتب, السارد.
ويصبح النظر إلى المستقبل وسيلة وتقنية للعودة من الماضي أو الهروب من الآتي. وترك مغريات للمتابعة والمراجعة والتصبر والتشويق حتى نهاية النص. ولا يخفي - هنا - أن حركة السارد عبر هذه الأزمنة ليست مجانية وإلا عدت عبئاً على النص وتزيداً على المتلقي، يلفظه النص عند مراجعته من كاتبه. وإن كان هذا الأمر لم يحدث من قبل عند إبداع عمل سردي وطباعته.
والسارد بحركته المكوكية بين الماضي والمستقبل يستخدم طاقاته اللغوية والتشكيلية التي تبرر هذه الحركة لدى المتلقي الواعي أو القارئ العمدة أو القارئ المفترض، أعنى المروى عليه الضمني داخل النص أو خارجه.
والاستشراف لابد أن يراعي (القبليات) التي سردت في النص، ويمكن له أن يراجع من خلالها البدايات الخاطئة) أي حين (يلمع) إلى الحادثة أو الفكرة إيحائياً أو تقريرياً فهي تستنفر المتلقي وتشده إلى السارد ثقة فيه، ليصدق ما يلقى عليه، وإلا كانت (خدعة) يعرفها القارئ الخبير فلا يصدق الراوي.
وكل من اللاحقة والخاتمة في السرد، يمكن أن تتحول إحداهما إلى الأخرى فبينما كنا نقرأ حكايات ألف ليلة وليلة ونصدقها في الزمن البعيد، كانت الخدعة (الفنتازيا) مصدقة، ولكن حين تغير الفن وتقدم العلم أحسسنا الفارق بين الفانتازيا والخيال العلمي والتشوق للمستقبل، تحولت اللاحقة إلى خادعة ثم لما تطورت الفنون الأدبية وأصبحت الفنتازيا متعة عجائبية خاصة، آمن المتلقي بالخادعة على أنها لاحقة لأنها دخلت في نسقه الفكري وأصبح له مكان فيه.. إذن فالاسترجاع في الماضي، والاستشراف في المستقبل من زمن السرد، يجعل وعى المتلقي وسيطا مهما لتفسيرهما.
ويعنى ذلك أن هناك نظراً كلياً في رؤية المتلقي للنص تجعله يفسر بعضه بالبعض الأخر، وكذلك السارد الذي يعمد إلى تفسير النص لبعضه البعض (وهنا يكون الإعلان، الإعلام، الومضة، التفسير، الإشارة، التمهيد) ويكون التوازي بين استهلاك النص وتقدمه نحو النهاية موازياً لاستجلاب متعة المتابعة والمشاركة والانحياز والبعد والعشقي والخوف داخل المتلقي.
ولا ضير - هنا - أن يتقاطع الزمن استرجاعاً واستباقاً حاضراً وماضياً ومستقبلاً. ومن ثم تتقاطع تقنيات تشكيل هذا السرد. فالزمن السردي العام يدخل فيه الزمن الحكائى ثم يدخل فيه سرعة السرد (ديمومة الحدث × طول النص) أي طول المساحة الزمنية مقسمة على المساحة السطرية أو النصية حيث يبين الطول والقصر وما بينهما. وبينهما يظهر إيقاع النص أيضاً. إذ كيف نكثف العلاقة بين المساحة الزمنية السردية والمساحة السطرية النصية ليتطابقا أو ليتقاربا. أو ليحدث انحراف من إحداهما، لتظهر ظواهر سردية وفنية وتقنية يجب رصدها نقيس بها قدرة المؤلف ومقدرة النص.
وتظهر سرعة القص أو السرد بين مساحة الزمن موزعة على إيقاعات نصية وجمل وفقرات (بعيداً عن التطابق) إذ يتحرك بين ثغرة زمنية ووقفة زمنية. إذ تنفرد في المشهد وتقل في التلخيص السردي أو الزمني.
ــــــــــــــــــ
هامش:
1- نلاحظ هنا أن الرواية العربية المتميزة التي ظهرت في القرن العشرين تنتمي لهذا النوع من الرواية الريفية.

* من ابحاث مؤتمر القصة القصيرة الذي نظمه نادي القصة بالقاهرة يومي 30 يونيو واول يوليو 2007 .



سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/


#2 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 14 July 2007 - 10:16 PM

الأستاذ سمير الفيل
أحسنت على نقل هذا الموضوع الجميل ، فعلا يطرح إشكالا يستحق التمعن و البحث لما تواجهه النصوص السردية بما فيها الرواية العربية .
و خالص تقديري للدكتور مدحت الجبار.

الخطأ و الصواب

#3 سمير الفيل

سمير الفيل

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 9230 المشاركات:

تاريخ المشاركة 14 July 2007 - 10:29 PM

(السعيد موفقي @ 14-07-2007, 10:15 pm) عرض المشاركة
الأستاذ سمير الفيل
أحسنت على نقل هذا الموضوع الجميل ، فعلا يطرح إشكلا يستحق التمعن و اللابحث لما يواجهه النصوص السردية بما فيها الرواية العربية .
و خالص تقديري للدكتور مدحت الجبار.






السعيد موفقي



شكرا لك.

والدكتور مدحت الجيار استاذ الأدب بجامعة الزقازيق

وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر

سيصل سلامك إليه في اقرب فرصة..





سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/


#4 السعيد موفقي

السعيد موفقي

    القصة والنقد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 1474 المشاركات:

تاريخ المشاركة 14 July 2007 - 10:34 PM

(سمير الفيل @ 15-07-2007, 07:28 am) عرض المشاركة

السعيد موفقي



شكرا لك.

والدكتور مدحت الجيار استاذ الأدب بجامعة الزقازيق

وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر

سيصل سلامك إليه في اقرب فرصة..


أشكرك على التحية ،
أعترف بأنّك من الأعضاء النشطين و المداومين صدقا ، أحسنت يا أستاذ سمير .

الخطأ و الصواب

#5 حسن غريب

حسن غريب

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 755 المشاركات:

تاريخ المشاركة 14 July 2007 - 11:02 PM

شكرا للصديق العزيز والكاتب الجميل / سمير الفيل
حول ما نقله لنا عن موضوع (السرد القصصي أحد مستويات السردية العربية) نقلا عن دراسة مطولة للدكتور مدحت الجيار ...لقد افادنى كثيرا وخاصة مساحة الزمن في القصة العربية .

حسن غريب
كاتب وروائي
hassan7565@yahoo.com
للتواصل عبر سماواتي الخاصة :
http://hassan63.blogspot.com

#6 شريف صالح

شريف صالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3783 المشاركات:

تاريخ المشاركة 15 July 2007 - 02:35 AM

العم سمير

شكرا على نقل الدراسة

لكنها حبلى بالأخطاء وداخلة في بعضها

على سبيل المثال

لا اعتقد ان سيد قطب كتب عن بين القصرين

ولا اعتقد ان توفيق الحكيم مات عام 1990 والا لكن هنأ محفوظ بالفوز بجائزة نوبل

و لااعتقد ان يحي حقي مات عام 1994 والا كان اتفرج معنا على كأس العالم أنذاك biggrin.gif


وحتى مسألة ان العطار استاذ الطهطاوي كان يتولى مشيخة الأزهر أشك فيها


المقال تاريخي ولذلك الدقة واجبة
رجاء تنبيه الدكتور مدحت لمراجعتها

#7 سمير الفيل

سمير الفيل

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 9230 المشاركات:

تاريخ المشاركة 15 July 2007 - 05:52 AM

(شريف صالح @ 15-07-2007, 02:34 am) عرض المشاركة
العم سمير

شكرا على نقل الدراسة

لكنها حبلى بالأخطاء وداخلة في بعضها

على سبيل المثال

لا اعتقد ان سيد قطب كتب عن بين القصرين

ولا اعتقد ان توفيق الحكيم مات عام 1990 والا لكن هنأ محفوظ بالفوز بجائزة نوبل

و لااعتقد ان يحي حقي مات عام 1994 والا كان اتفرج معنا على كأس العالم أنذاك biggrin.gif


وحتى مسألة ان العطار استاذ الطهطاوي كان يتولى مشيخة الأزهر أشك فيها


المقال تاريخي ولذلك الدقة واجبة
رجاء تنبيه الدكتور مدحت لمراجعتها




اهلا شريف صالح



بالعودة للكتب والمراجع وجدنا الاتي :

1 ـ توفى يحيى حقي في 27 يوليو 1987 عن عمر يناهز 90 عاما.

2 ـ توفى يحيى حقي سنة 1992 عن عمر يناهز 87 عاما .

3 ـ أصبح العطار شيخاً للأزهر وهو في الخامسة والستين من عمره، وذلك سنة 1830م (1246هـ) وظل شيخاً للأزهر حتى وفاته سنة 1835م (1250هـ) لكنه كان حريصاً على مساعدة محمد على في تطوير مصر، فكانت له يد في إنشاء المدارس الفنية العالية مثل الألسن والطب والهندسة والصيدلة. وكان العطار قد أخذ على نفسه أن يعد الرجال الصالحين للقيام بمهمة الإصلاح، ومن أهم من أعدهم لذلك تلميذاه رفاعة الطهطاوي ومحمد عياد الطنطاوي.



معنى هذا أن معك حق في نقطتين

ولكن الدكتورمدحت الجيار محق في نقطة



تحياتي








(حسن الغريب @ 14-07-2007, 11:02 pm) عرض المشاركة
شكرا للصديق العزيز والكاتب الجميل / سمير الفيل
حول ما نقله لنا عن موضوع (السرد القصصي أحد مستويات السردية العربية) نقلا عن دراسة مطولة للدكتور مدحت الجيار ...لقد افادنى كثيرا وخاصة مساحة الزمن في القصة العربية .


شكرا للزميل والصديق حسن غريب

على المرور الكريم



سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/





0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين