![]() |
هويدا صالح - الـقـصــــة و الـنــــقــــــد |
![]() ![]() ![]() ![]() |
14-06-2007, 01:35 am
مشاركة
#1
|
|
|
|
[size=4]الإهداء
إلي أبي عبد القادر صالح وأمي صباح محمد مرسي قاعة الشيخ " عليّ " كما كان يسميها الحاج صالح، والمقعد البحري كما كان يسميها باقي سكان المنزل الكبير. هي سر من أسرار المنزل .يتم الحديث عنها همسا أو بالتلميح . وهي موضع أسئلة الصغار الدائمة . حين يقترب موعد الصلاة . تفتح باب المقعد البحري و تدخل . تنتظر سلوي قليلا من الوقت ، ثم تسرع خلفها. دائما تأسرها الحصر المزينة برسوم الخيول والجمال التي تحمل الذاهبين إلى الرسول للحج .المخدات الصغيرة المغطاة بالقطيفة مرصوصة في الأركان بدقة. كثيرا ما قارنت بين القنديل المعلق في سقف المقعد وقنديل أم هاشم في الحرم الزينبي . زاغت عيون الصغيرة ، حين لمحتها صباح أسرعت لتشدها من يدها : ـ تعالي هنا علشان متشغليش ستك في الصلاة . ـ سيبيني يامه أبص بس علي الصور واستني ستي . ـ أنت مشبعتيش من الفرجة؟ أشارت بيدها علي اللوحة الزيتية الكبيرة،تلك التي رسمتها يد فنان بدقة لموكب الحج . لرجل في متوسط العمر تطاير شال عمامته الأبيض ،وبالرغم أن جدها الشيخ صالح يقول دائما أنه جدهم الكبير الذي قدم مع بداية الفتح الإسلامي واستقر في الصعيد ،إلا أنها كلما رأته غاصت في صورة المسيح الموضوعة في بيت صديقتها ؟ والحائط المقابل لها صورة خضراء فسفورية مكتوب عليها بخط كوفي شجرة الأنبياء ، بجانبها مباشرة صورة مكتوب عليها بنفس الخط شجرة العائلة . يتسلسل فيها نسب العائلة حتي الدوحة العلوية . ـ يا بنتي متوجعيش قلبي . ستك قربت تخلص استنيها بره . أشارت لها الحاجة التي سلمت عن يمينها وشمالها في تلك اللحظة فتركتها وخرجت ، قرفصت سلوي بجانب جدتها والحاجة تختم صلاتها وتمر بيدها علي جسد الصغيرة وتدعو . ـ ادعيلي يا ستي أبقي دكتورة . تمر يد الجدة علي رأس الصغيرة وهي تتمتم بالدعاء والصغيرة ملهية بالصور : ـ مين دول يا ستي اللي في الصورة الكبيرة ؟ ترفع الجدة يدها في الهواء ، وتُشير علي الجزء الذي يظهر فيه الرجل ذو الشال وتقول: ـ ده جدنا الكبير اللي راكب علي الحصان الأصهب وشاله مطيره الهواء . ـ هوه كان فيه زمان تصوير زي الأستوديو اللي في دير مواس يا ستي ؟ ـ لأ طبعاً ده رسم . ـ بس يا ستي دي الصورة زي ما تكون حقيقة . تعجبت الحاجة من فضول الصغار وفي صوت مليء بالعطف والحب قالت لها : ـ يلا يا ست البنات سمعيني اللي حفظتيه عند الشيخ جلال . ـ تعرفي يا ستي سامية بنت عمي " علي " الشيخ حلف ليعلقها في الفلكة زي الصبيان لما محفظتش الغاشية ـ وانتي حافظة لغاية فين ؟ ـ حافظة لغاية التحريم اسمعك يا ستي ؟ تربعت الصغيرة وقلدت الشيخ (جلال) الذي يحفظّها القرآن في الكتّاب وعقدت ما بين حاجبيها ووضعت يدها على أذنها ومالت بجسدها يمينا ويسارا وقرأت. خرج صوتها منغماً بالآيات القصيرة ،حاولت جاهدة أن تقلد نبرة صوت الشيخ جلال فجاء صوتها غليظاً وضمت شفتيها وبعد الانتهاء من التجويد قالت : ـ يا بت يا سامية لو محفظتيش زي سلوي هعلقك في الفلكة ، سامعة ولا أبعت لجدك الشيخ صالح . ضحكت الحاجة علي طريقة تقليدها واحتضنتها ، ثم أمسكت بيدها الصغيرة بين يديها الدافئتين وأخذتها إلى حجرتها لتعطيها مكافأتها . ـ هتديني سكر نبات يا ستي مش كده .؟ ـ هديكي سكر بنات علشان انتي زي السكر . ـ وسامية يا ستي لما تيجي هتديها زيي ؟ ـ طبعاً هديها هيه كمان . ـ ليه يا ستي؟ ثم سحبت يدها من يد ستها التي وقفت أمام الصندوق وأضافت وهي تتطلع بعيونها الصغيرة إلي عيون جدتها قائلة: ـ وهيه شاطرة زيي ؟ مدت الجدة يدها إلي رأس الصغيرة ، وجذبتها إلي صدرها . غابت في دفء الصدر ، ثم سحبت نفسها فجأة وتطلعت لوجه جدتها : ـ ستي هي سامية ليه مش زيي ، ومرات عمي دايما بتضربها . أخرجت الجدة مفتاحا أصفر لامعا ، نزلت بجسدها الأبيض الثقيل إلي الصندوق وهي تقول : ـ معلش يا حبيبتي ، أمك غير مرات عمك ـ طيب يا ستي إديها علشان تبقي شاطرة زيي . . ولا أقول لك يا ستي لما تحفظ . دي بتلعب طول النهار ومش بترضي تيجي معي علشان جدي يحفظنا ، ولما ييجي جدي " جود " تجري فُريرة تكون أول واحدة قاعدة . ابتسمت الجدة وهي تضع المفتاح في مكمنه ثم نظرت إلي الصغيرة وبابتسامة كبيرة قالت : ـ معلش بكرة تفهم وتبقي شطورة زيك كده . أمسكت بقطعة السكر النبات ونظرت إليها كثيرا قبل أن تضعها سريعا في فمها ،وهي التي فكرت طوال الطريق من المقعد البحري إلي حجرة جدتها أن تحتفظ بقطعة السكر ، حتي تغيظ بها ابنة عمها،لمحت الجدة ذلك التوتر الذي اكتست به ملامح الصغيرة وهي تضع القطعة في فمها ، ثم تخرجها بسرعة ، ثم لا تقدر علي مقاومة الطعم الجميل الذي أصبحت تحس به وأدخلت القطعة سريعا مرة أخري . الجدة تمد يدها إلي الصندوق مرة أخري . تخرج قطعة أخري تمنحها لها . نظرت إليها ملياً ثم دستها في جيبها وهي تكاد تطير من فوق الأرض. قبل أن يحل المساء تدخل الحاجة إلى القاعة . تخلع زجاج القنديل تغسله بليفة ناعمة مغطاة برغاوي الصابون ثم تشطفه جيدا بالماء وتحضر قماشة ناعمة وتدخلها في زجاج القنديل وتلفها حتى تجففه تماما وتشعله ، ولا تنسى أن تخفض الشعلة قليلا ، وتركب الزجاج اللامع ، ثم تعلقه وتخرج. تجد الصغيرة تنتظرها على باب القاعة . تعجب من أمرها فهي لا تلعب كباقي الصغار ، بل تنشغل دائما بما تفعله الجدة وبما يدور في حلقات الذكر . تدخل نفسها تحت ذراعها وتسير معها إلى حجرتها تجلس معها على سريرها وتسألها عن قاعة الشيخ (على). تبتسم الحاجة ومن خلال رموشها السوداء الطويلة تلمح الصغيرة دمعة تترقرق في عيون الجدة . تتنهد وتقول للصغيرة إنه رجل مبارك يسكن القاعة البحرية . تتحير الصغيرة وتسأل جدتها: ـ يعني إيه مبارك يا ستي ؟ ـ يعني مغطينا ببركته وساكن المقعد البحري . ـ ميت يعني ومدفون فيها ؟ ـ ماحدش عارف جسمه مدفون هنا في المقعد ده ، ثم تشير بيدها علي الجهة البحرية التي يسكنها الشيخ وهي تضيف: ـ ولا في المقام اللي في أول البلد عند الترب ، ابتسمت الصغيرة وهي تقول: ـ قصدك المقام اللي الحاجة نبوية بتخدم فيه؟ ابتسمت الجدة وربتت علي رأسها ، وهي تهز رأسها بإشارة الموافقة. ـ طيب وانتوا عرفتوه منين يا ستي ؟ ـ طلعنا لقينا أهلنا بيقولوا لنا دي قاعة الشيخ علي وماحدش متأكد من دفنه فيها ولا في المقام ،بس اللي الكل متأكد منه إنه بيجمع أهل الخطوة للصلاة كل ليلة جمعة . ـ ممكن يا ستي أطلب منه طلب ؟ ـ تطلبي منه إيه ؟ ـ ممكن أقوله يطلب من ربنا إنه يدي أمي ولد زي محمد ابن عمي ؟ ضمتها الجدة في صدرها ، وهي تكاد تبكي وقالت بصوت المتأكد: ـ ربنا يا عين أمك هيكرمها المرة دي أنا حاسة بكده . ـ دي مرات عمي تحية بتخليها ساعات تعيط لما يتخانقوا . ـ أمك غلطانة. إيه يعني ولد ولا بنت ده انتي عند جدك بكل الصبيان . ـ بس برضو أمي زعلانة دايما من كلامها ،ثم سكتت قليلا وهي تتطلع إلي وجه جدتها الرائق وأضافت: ـ هوه إحنا وحشين يا ستي؟ احتضنتها الجدة سريعا وقالت بحدة : ـ لأ يا عين ستك أنت وإخواتك ما شاء الله ربنا يبارك فيكم بس هنقول إيه عقل نسوان فاضي . ـ تعرفي يا ستي ناهد أختي شاطرة هيه كمان أشطر من كل ولاد عمي الصبيان حتي المدرسين دايما بيسقفوا لها، و ميرفت كمان . كلنا شاطرين . ـ بكرة ربنا ينصفكم وينصف أمكم . تحيرت الصغيرة من كلام الجدة ولم تفهمه تماماً ،مرات عديدة قاومت النوم حتى ترى الشيخ (علىّ ) يؤم أهل الخطوة في صلاة الفجر في القاعة البحرية ، ودوماً يغلبها النوم ولا ترى شيئاً . في ليلة من ليالي الصيف جلست الصغيرة في حجر جدتها ، وهي تداعب حبات مسبحتها التي تشع نوراً فسفورياً في الظلام ولسانها لا يفتر عن ذكر الله همساً وبعد أن انتهت من التسبيح. أدارت سلوي وجهها لجدتها وظلت تقبلها وتلح عليها أن تجعلها ترى الشيخ على وحلقة الذكر ـ والنبي يا ستي نفسي أشوفهم مرة علشان خاطري ومش هقول لخواتي . وعدتها بأن توقظها حين يُقام الذكر بشرط أن تنام الآن .لم تطمئن الصغيرة لوعد الحاجة . قاومت النوم وأخذت تدعو الله في سرها أن يمكنها من رؤيتهم ، قطعت علي نفسها كل الوعود اللازمة ، حتي يمكنها الله من رؤيتهم : والنبي يا رب . لو خليتني أشوفهم مش هغيظ البنات بدرجاتي العالية ، ومش هفرح لما الشيخ جلال يضرب ولاد عمي . كمان يا رب هساعد سامية في حفظ التحريم كمان ، ولو عايزني أديها السكر النبات اللي مخبيها كله يا رب . وبعد أن نامت الجدة .تسللت من جانبها .ذهبت إلى القاعة البحرية ، وبرهبة نظرت من ثقب الباب رأت أجسادا تتمايل ، وأصواتا تهمس أحيانا، وتعلو أخري والحجرة يملؤها ضوء أبيض .ارتعشت الصغيرة وجرت إلى حضن جدتها التي ما تزال نائمة على السرير النحاسي وهمست لها : ـ شفتهم ياستى كانوا بيتمايلوا ويذكروا ـ نامي ياعين ستك . قالت الجدة وهي تعود بجسدها إلي الجانب الأيمن. ـ والله العظيم شفتهم بجد . قالتها الصغيرة بشوق بالغ وعيون مليئة بالدهشة. ردت المرأة من خلال عيونها النائمة : ـ مصدقاكي بس نامي وبكرة احكيلي . ثم رفعت يديها للصغيرة وضمتها إلي صدرها ، وهي تبتسم من خلال رموشها الناعسة وطوقت جسد الصغيرة المرتعش بذراعيها العاريتين ، ظلت تقرأ القرآن ويدها تطبطب عليها ، حتي غرقت في النوم ، و نامت هي الأخري وعلى وجهها ابتسامة راضية . في الصباح جرت سلوي على والديها وعمتها فاطمة ، أخبرتهم بما رأت فابتسموا جميعا ولم يعلق أحد ، ظلت تحلف وتقسم أنها رأتهم بالفعل ، ولكنها لم تتأكد هل صدقوها أم لا ؟ وصار حلم رؤية القاعة التي تشع نورا والأجساد التي تتمايل يراودها لسنوات طويلة . الشيخ صالح : هو ابن لأحد أقطاب الصوفية الذين ينتمون إلى الدوحة العلوية، انحدرت أصول عائلته من الأشراف الذين سكنوا صعيد مصر في بداية الفتح الإسلامي . أدخله أبوه الأزهر الشريف ، ليتعلم العلم الظاهر ـ كما قال له حين بعث به إلي القاهرة ـ أو علوم الفقه والشريعة قبل تعلمه العلم اللدني وعلوم الصوفية . ظل منزله ملتقى الأقطاب والمريدين السالكين في طريق الله ، ومقصد أرباب الأحوال ، حاول أن يزيل اللبس من أذهان بعض الناس الذين يفرقون بين الشريعة والحقيقة ويؤكد أن الشريعة والحقيقة وجهان لعملة واحد . من الذين انشغل بهم وحاول تقريب هذه الحقيقة لأذهانهم ابناه عنتر والنضر وإن فشل مع الأول ، فظل عنتر طوال عمره يميل للدنيا ولا يري من الدين إلا أوقاتا تُصلي علي استعجال في المسجد ، وإن ضاق الوقت يُصليها في البيت أو الغيط ونجح مع الابن الثاني النضر الذي نهل من بحر الولاية وانتقل إلي جوار سيد الشهداء . بعد أن ختمت الحاجة دولت أورادها الليلية غلبها النعاس، فنامت. رأت الشيخ عليّ يطفئ مصباح القاعة ويغادر المنزل. نادته ، فلم يرد عليها. تعلقت بأذياله ، فأشاح بوجهه ، وتركها ، ومضي ، ظلت تبكي ، وتناديه ، وهو يواصل طريقه ولا يلتفت . استيقظت مرعوبة أزاحت ذراع الصغيرة التي تطوقها ،وقامت مسرعة .دخلت حجرة الشيخ . كان مازال يختم صلاته أخبرته بانطفاء المصباح والشيخ الغاضب الذي غادرهم .ثَقُلَ هذا علي نفسها . شعر صالح بالحزن ، لأنه لم يُقم ختمة للقرآن منذ فترة طويلة .الظروف المالية للأسرة لم تعد تكفي ، وإخوان الله يزيدون كل يوم . فلا يمر يوم إلا وينزل عليهم ضيوفا من الشمال أو الجنوب ولما يعترض عنتر الابن الأكبر ، ينهره الأب،ويقول: إنهم ضيوف الله .طمأنها وأخبرها أنه سيحاول إرضاء الشيخ "علي " ويُقيم له ختمة للقرآن : ـ عندك حق يا دولت الشيخ(علي) مايجيش في المنام زعلان بالشكل ده إلا علشان ميعاد الختمة اللي اتأخر . ـ طب وبعدين يا صالح لازم تتصرف وتعملها علشان الشيخ ميزعلش إحنا عايشين ببركته . ـ ربنا يسهل هاخد من الفلوس اللي شايلهم لمولد الحسين ونبقي نتصرف ساعتها . ـ ماتخفشي البركة في عنتر نبقي نكمل منه لو الموضوع قصر معانا . ـ عنتر؟ ده الدنيا وخداه علي الآخر ومعدش بيدفع حاجة لا في الختمة ولا في غيره وشايف إن ده بعزقة شقانا علي الفاضي . ـ متعُلشي همّ ،ساعتها يحلها حلال . نادي علي عمر ابنه الأقرب إلي قلبه ، دائما يُوكل إليه مُهمة رعاية الإخوان وإقامة ليالي الذكر ، طلب منه أن يذهب إلي سوق الخميس ليشتري خروفا ً من أجل الختمة والأخوان الذين سيحضرون من البلد والبلاد المجاورة بناءً علي دعوته لهم . اجتمع المريدون الليلة ، ليقيموا حلقة ذكر احتفاءً بساكن المقعد البحري لعله يرضى ويشعل قنديله ويستريح خاطر الحاجة الخائفة علي أبنائها . بدأت فاطمة وصباح تساعدان الحاجة دولت في إعداد الطعام ، أما فايزة زوجة النضر ، كانت جالسة على طشت الغسيل . وبختها الحاجة على جلوسها طوال النهار دون أن تفعل شيئاً: - إنت ياعدلة هتفضلي النهار بطوله على شوية الهدوم ؟ ـ طب أعمل إيه يا أمه؟ ما أنت عارفة ابنك ،إن مكنتش الهدوم تشف وترف يبهدلني . اغتاظت الحاجة التي تحرص علي أن يكون كل شيء معداً لاستقبال ضيوف الله وخوفها ألا يفوتها شيء ، رمتها بنظرة قاسية ، واتجهت إلي عبد الرحيم الجالس على سَحَّارة العيش في حجرة الخزين ناظرا إلى لا شيء .كان الكل مشغولا عنه إلا عيون أمه ، شدته من يده لتغير ملابسه ،تملص من يدها وعاد ذاهلا يجلس في مكانه.طبطبت علي ظهره .سار معها إلى حجرتها ، ألبسته جلبابا نظيفا وأدخلته إلى القاعة. وقف بجانب الرجال الذين يتمايلون على إنشاد الشيخ من بردة البوصيري. أخذ يتمايل معهم. ظل يهتز في تشنج والعرق يسيل من جسده الفتي ولما انفض الذكر ألقى بجسده على الأرض وجلس مسندا ظهره للجدار ينظر عيون الرجال المنتشين ولا يتحدث، حاول أبوه ممازحته - أنت قنديل الحلقة يا شيخ عبد الرحيم : كان هائما في ملكوت الله فهو الحاضر الغائب. قال الشيخ لعمر: - ابدأ يا شيخ عمر في ذري المحبة الشامخة وفي آفاق النور والإشراق . طف بنا أقطاب الولاية في رحاب الملكوت الأعلي واغش بنا حضرات القرب والوصول . ابتسم عمر راضيا وأخرج من صندوق الكنوز لطائف المنن للإمام أحمد بن عطاء الله السكندري. ولما وصل عمر في حكيه أن الإمام لشدة قربه من طه النبي كانت تطوى له المسافة بينه وبين القبر الشريف ،حتى أنه كان يضع يده على مقصورته وهو جالس في مصر .انتشى المشتاقون إلى حضرة المولى عز وجل وعلا صوت الشيخ : ـ اللهم صل علي طه الحبيب .وإيه كمان يابني سمعنا الله يفتح عليك . انتبه عبد الرحيم وتمتم ولا أحد يدري إن كان يصلي على النبي أم أنه مازال سارحا في ملكوته. لا يعي شيئا مما يقال وهو يتمايل بجسده معهم،ولكنه لا يشاركهم فرحتهم بأخبار الأقطاب والأولياء لاحظ الشيخ شفاه ابنه التي تتمتم فقال للذاكرين : ـ والنبي الفاتحة يا إخوان محبة في النبي يمكن يعفيه ربنا ويكشف غمته . علا صوت الذاكرين بالفاتحة وامتلأت عيون عمر بالدموع واختنق صوته . كانت الحاجة واقفة هي وباقي النساء وراء الباب .رفعت يديها للسماء وعلا صوتها بالدعاء ، حتي يمكن لملاك واقف يشاهد الجمع المنتشي أن يطير دعواتها إلي السماء البعيدة ويربت في نفس الوقت بيده الحانية علي قلبها ويبرّد ناره. دمعت عيناها وهي تقرأ الفاتحة وتتوسل إلى الله أن يشفي ولدها: ـ يا رب يشفيك يابني ويزيل غمك، ثم رفعت عينيها ويديها عاليا وهي تضيف: ـ يا رب يا عالم بحالي وغني عن سؤالي تشفيه بحق جاه المصطفي . شعرت كأن يدا باردة توضع علي صدرها ، كان الملاك المنتشي بالذاكرين مهموما بدعواتها ، فبرَّد نار قلبها ، وطار بدعوتها إلي السماءات البعيدة . استمرت الحضرة متوهجة بنور شموس المعارف ، وحين انتشى الذاكرون باللطائف . قال له الشيخ : ـ سمعنا ترجمان الصوفية واغترف لنا من معين السر الإلهي . ألا إن أمـر الله أمر رســـــوله فإن رسول الله عنه يترجــــــمُ. وما هو إلا واحد بــــعد واحد يكون علي شرع به الله يحكــــــمٌ فتختلف الآيات وذلك عين الحق في كل شرعه والكل منه ومنهمُ. ثم أخرج عمر طبقات الإمام الشعراني وبدأ يقرأ فيها: وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل -إي والله يا بني فشموس المعارف لا تحتاج إلى دليل،وتكتحل بضياء الولاية بصيرة كل عارف . بدأ يحدثهم عن الإمام الشعراني صاحب كتاب الطبقات الكبري وكيف أنه أورد في كتابه ما أنعم الله علي الكرام من منح وهبات اصطفائية تبرز فضله سبحانه علي أوليائه وتفردهم في ذروة الولاية والتحقق والتمكين . قال أحد الذاكرين: ـ سمعنا يا شيخ عمر سر الصفاء الرباني وخلينا نصعد في معاريج الحب الإلهي. انطلق صوت عمر صافياً رائقاً: جمالك في كل الحقائق سافر وليس له إلا جـلالك سـاتر تجليت للأكوان خلف ستورها فنمت بما تخفى عليه السرائر ردد الأخوان وراء عمربصوت متناغم،فطرب عبد الرحيم الذي كان ما يزال يتمتم ووقف متمايلا. يعلو صوته ويقول الله حي .كان الملاك ذاته الذي حاول تهدئة قلب أمه يقف بجانبه يهدهده وهو يذكر، بل كان ذلك الملاك ذاته يتمايل علي إنشاد عمر ويطرب ، ولكنه ينظر من طرف خفي إلي الحاجة الواقفة خلف الباب وقلبها يخفق من صوت ابنها الذي يردد الذكر.يبتسم الملاك ويشعر بالرضا ويواصل الذكر مع عبد الرحيم الذي اندهش الإخوان من تصرفه وبدأوا يقفون بجانبه واحدا وراء واحد ويرددون ،فقال الشيخ صالح : ـ عبد الرحيم يسيح في خضم الأنوار الإلهية و يناجي معشوقه . وقف الشيخ بجانبه يردد الله حي . الله حي بعدها ردد عمر أبيات عن سيدنا إيراهيم الخليل ولماذا سمي بالخليل قد تخللت مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلا فإذا ما نطقت كنت كلامي وإذا ما صمت كنت العللا. الفريصة كان المنزل الكبير يتوسط الشارع الرئيسي في البلد. فلم يكن من عادة الناس في هذا البلد أن يُطلقوا أسماءً على شوارعهم اللهم إلا قولهم شرق البلد ، وغربه ، أو بحري البلد أو وسطه. في قلب البلد تماما يقع ، كان يتكون من طابقين. الطابق الأول فيه المقاعد من ناحية ومداود البهائم وصفائح الحمام في الناحية الأخري، تفصل بينهما مساحة كبيرة ، وحائط حرصوا علي إقامته ، حتي يفصل المقاعد عن الزريبة ، و حَمَام الحاجة الذي يعشش في صفائح معلقة على جوانب الحوائط. وكذلك توجد شجرة توت كثيرة الفروع. تظلل وسط الدار الواسعة . عند بناء ذلك البيت لم يجدواعروقاً من الخشب طويلة بما يكفي لتظليل وسطها،فاكتفوا بالتوتة التي كانت قصيرة وقتها . لما اقترح البنّاء الذي بني له البيت أن يقطعها ، ويستفيد بالأرض في بناء قاعة للضيوف الذين يعرف كثرتهم فهو يذكر خلفهم حين تقام الحضرة قال له : ـ تعرف يا بوي صالح لو قطعنا الشجرة دي هتوفر مساحة كبيرة تبني مقعدين وأكتر ، وكله هيوسع علي ضيوفك . ـ لا يا أسطي طه مش ممكن أقطع شجرة كانت بتظلل علي خلق الله . ـ بس دي هتوفر لك مساحة ياما وأنا عارف ضيوفك كتير قد إيه . ـ الدار واسعة، ليه نضيقها علي نفسينا ،أهي بكرة تفرّع وتظلل تحتيها والعيال ياكلوا من خيرها . الدور العلوي ، يتكون من حجرات ثمانٍ متقابلة ومجهزة لسكنى الأبناء الأربعة كل بزوجته وأبنائه. الابن الأكبر هو عنتر جهم الوجه ، حاد النظرات ، لا يبتسم إلا قليلاً يضع كل همه في العمل ،لم يسمعه أحد يوما يمازح أحداً.لا هم له إلا العمل ويكتفي بالصلوات المفروضة فقط .لا يشارك الأب حلقات الذكر، حين أكمل الثانية والعشرين عرض عليه أبوه ابنة خالته تحية قال له : ـ يا عنتر إيه رأيك يابني نخطب لك تحية بنت خالتك ؟ ـ اللي تشوفه يابا أي واحدة والسلام . ـ يعني يا بني مفيش حد معين في راسك ؟ ـ لأ يابا ، بنت خالتي كويسة . ـ علي بركة الله يلا يا حاجة كلمي أختك الأول . لما عرضت عليها أمها الفكرة اغتمت تحية ، فقد كانت تنتظر أن يتقدم لها عمر فهي تميل إليه وتتمناه ، و يقاربها في السن أما عنتر فيكبرها بعشر سنوات .. تدرك أن عمر يضع عينه علي صباح ابنة شيخه محفّظ القرآن ، عرفت ذلك من وداد صاحبة فاطمة والتي ستصير صديقة لصباح فيما بعد ، تساندها وتكتم أسرارها ، لا تعرف لماذا كرهت تحية وداد في تلك اللحظة، ولم تغفر لها يوماً نقلها لهذا الخبر إلي صباح ذاتها، ومما زاد في كره تحية لوداد أنها صارت صديقة لصباح ، بل وتحرص علي إغاظتها حين تقف معها علي الباب وتحادثها بصوت عال ، تحرص علي أن يصل إلي مسامع تحية التي لم تكن بحاجة لصوت عال ، فهي دائمة التنصت علي أحاديثهما. وافقت تحية علي مضض علي الزواج من عنتر بعد أن قالت لأمها : ـ بس يامه ده كشر وما بيضحكش أبداً . ـ يعني انتي عايزة أراجوز تتجوزيه . ـ لأ مش قصدي،طيب ما عمر مش أراجوز بس وشه بشوش . ـ يا بت ده عنتر راجل وشغال ،وليه مستقبل بكرة يمسك أرض العمدة كلها .ومش بعيد يبني لك سراية زي سراية العمدة . ـ اللي تشوفيه أهو راجل والسلام . تحية (الفريصة)أطلق عليها هذا الاسم الحاج محمد الجنِّي الصالح الذي يركبها . ينزل عليها ساعة الغضب. يظل يضربها ويمرمغها في الأرض ،حتى تخور قواها ولا تقوى على فعل شيء ، الكل يعرف حكاية الحاج محمد الذي ركبها وهي بعد صغيرة حين كانت تلعب مع البنات في ( الشيخة حابسة ) تلك البقعة من الأرض الكثيفة الشجر والنخل و الموجودة في منطقة وسط بين الحقول ومنازل القرية . ترتعش فرائص الواحد حين يمر عليها ليلا.لا يطمئن إلا حين يمد الخطو وهو يردد ما يحفظ من آيات قرآنية حفظها طوال عمره .ربما تتوه من الواحد في تلك اللحظة هذه الآيات ويحاول تذكرها فلا يقدرهو الذي حفظهاعن ظهر قلب تحت وقع خيزرانة الشيخ جلال في الكتّاب وهو بعد صغير.ربما لحظتها يعجب من نفسه، ففي موقف آخر يجد نفسه حافظاً لتلك الآيات التي تفر منه الآن ،كانت تحية تلعب مع البنات وسط النخيل وتتحدي من يمكنه المحافظة علي الكرة دون أن تفلت من يدها وهي تواصل الأغنية ( واحد اتنين سرجي مرجي .أنت حكيم ولا تمرجي . أنا حكيم العيادة . العيان أديه حقنة والمسكين أديه لقمة . نفسي أزورك يا نبي ياللي بلادك بعيدة فيها أحمد وحميدة ) كانت عيون البنات متعلقة بيدها التي تطلع وتنزل بالكرة المطاطية .كل واحدة تتمني في سرها أن تقع من يدها .كانت تحية الوحيدة التي تقدر علي إكمال الدور ، وربما تبدأ أغنية جديدة الكرة تقفز وترتد تحت كفها ، دون أن تفلت منها . سقطت الكرة من يدها ، ولأول مرة قبل أن تصل لنهاية الأغنية فرت منها الكرة المطاطية الصغيرة . قالت لهن تعالين ندخل وسط النخيل حتي نأتي بها ولكن الصغيرات اللاتي يسمعن كثيراً عن جزاء من يتعدي علي الشيخة حابسة ،ويتوغل بين أشجارها خفن وقررن العودة إلي بيوتهن ، فأمهاتهن لابد يجهزن الطعام في تلك اللحظة ، ولكن تحية التي تريد دائما أن تثبت أنها أشجع من كل الأولاد الذين يرفضون إشراكها معهم في لعبهم لأنها بنت ولا تقدرعلي المخاطرة في تسلق النخيل أو أشجار التوت أصرت علي الدخول إلي دغل النخيل المتكاثف، زحفت علي بطنها وأمسكت بالكرة الصغيرة وعادت منتصرة . نظرت حولها فلم تجد الصغيرات اللاتي هربن لما سمعن الصرخة العالية .ارتعش قلبها وأحست بشعر رأسها يقف حين سمعت تلك الصرخة التي لم تعرف مصدرها . صرخت وظلت تجري وتتعثر إلي أن انكفأت وغابت عن الوعي . مرت ساعة ولم تجرؤ إحداهن علي البوح بسر الصرخة المرعبة . كل واحدة دخلت مسرعة ، ولَبَدَتْ في حضن أمها ولم تحدّث أحداً بما سمعت . لم ينقذها إلا فلاح كان يمر في تلك اللحظة يسحب بقرته وراءه ويردد موالا يُطمْئِن به قلبه الذي يرتعش دائماً دون سبب وهو يمر من هذا المكان . وجدها غائبة عن الوعي .تعرف عليها علي الفور. كانت صديقة لابنته الصغيرة ، وتلعب معها أمام البيت حينما يحل المساء هي وباقي الصغيرات ، عاد بها إلي أمها . جرت علي أختها الحاجة دولت لترقيها ، وتدعك جسدها الذي يَبُخُّ ناراً بالخل وماء الورد المغموس فيه وريقات من النبق .ظلت الصغيرة ثلاثة أيام تحادث أشخاصاً غير موجودين، في صباح اليوم الرابع أفاقت تماماً .نسيت كل ما يتعلق بالحادثة وإذا سألتها البنات عما رأت داخل الدغل ترفض التحدث ، بل تدعي أنها لا تعرف شيئا عما يتحدثن به ، بعدها إذا غضبت أو تشاجرت مع أحد تظل تصرخ، وترتمي علي الأرض إلي أن تشعر بالتعب ، وتغيب عن الوعي ، ولا تفيق إلا بعد ساعات ، وترفض الحديث عما تشعر به أو يحدث لها .في أوقات الصفا القليلة بينها وبين خالتها الحاجة تحكي لها عن الحاج محمد الذي يحذرها دائماً من الإساءة إلي أحد .يخبرها أحياناً ببعض الأحداث التي ستقع ، وفيما بعد حين تتزوج صباح من عمر وتحمل منه ويقترب موعد الولادة كانت تؤكد لعنترأن ما في بطنها أنثي ، فيغضب ويتهمها بالجهل والتعدي علي حرمات الله حين تتنبأ بأمر كهذا ،ويتمني أن يخيب رجاؤها وتنجب زوجة أخيه ولداً حتي يفرح قلبه ، ولما تلد صباح بنتاً كان ينظر إلي زوجته متحيراً ،ولا يعلق وهي تنظر إليه متحدية ولا تجرؤ هي الأخري علي التعليق . كثيراً ما تنبأت بأمور صغيرة يصدق معظمها ولا يعلق أحد علي نبؤاتها وكثيراً ما لجأت إليها الجارات ليسألن عن أمر يغيب عنهن أو يطلبن رأيها في أمر يعزمن علي اتخاذه ، حاول زوجها أن يمنعها من ممارسة طقوسها السحرية هذه : ـ يا مره يعني نبقي بيت صلاح وزهد وإخوان الله وأنت تفضحينا بعفاريتك . ـ يا عنتر لا تتطاول علي الحاج محمد ، مش هقدر أمنعه عنك لو أذاك . ـ يأذيني إيه يا مخرفة ، لو شفتك شغالة بفتاويك دي للحريم هقطع رقبتك . ـ وهو أنا باخد من حد فلوس ، دي خدمة لوجه الله . ـ الله ياخدك ويريحني منك . كان بينه وبين نفسه لا ينكر أن كثيراً مما قالت له علي انفراد في أحداث تنبأت فيها للعائلة بأمر من الأمور قد وقعت بالفعل، ودائماً يقول لها: إن هذا مجرد صدفة . ساءت أحوال العائلة . أنفق الوالد كل ما كان يملك على المريدين وأهل الطريق. لم يتبق من أراضي الأسرة الشاسعة إلا بضعة أفدنة تعد علي أصابع اليد الواحدة ورثها الشيخ صالح عن أبيه ، كما ورث حبه لأهل الطريق. حاول جاهداً طوال تلك السنين أن ينمي هذه الفدادين القليلة ولكنه فشل .بالكاد حاول الحفاظ عليها. كان المنزل الكبير حلقة الوصل بين المريدين الذين يتجهون شمالا لزيارة آل البيت وشيخ العرب و الدسوقي ، والذين يتجهون جنوبا لزيارة الرفاعي و القشيري وعبد الرحيم القناوي. الكل يحط رحاله ، يستريح ويأخذ واجب الضيافة ثم يواصل السفر إلى مولاه الذي يطلب صحبته. عمرة الدار استيقظت الحاجة على نداء عمرة البيت .توضأت ، وصلت ثم أحضرت مترد الخميرة التي ربتها فى الليل .وجدت الخميرة فارت وزادت علي حواف المترد. بسملت ،و صلت على أبي فاطمة وكبتها في الماجور الكبير، وبدأت تدعك فيها الدقيق حتى تماسك. بدأت ترفع قطع العجين وتضربها مرة أخرى في الماجور ظلت ترفع العجين لأعلى وتضربه في باقي العجين ثم غطته بقطعة قماش بيضاء مخصصة له. شعر الصغار بخبطاتها في العجين فقفزوا مسرعين فهم يعشقون يوم الخبيز. ففي هذا اليوم يأكلون كل ما يحبون. أرز مدسوس في الفرن وبطاطا مشوية في جمر النار الذي يخلفه الخبيز. وإن أسعدهم الحظ تخرج لهم الحاجة الأرغفة مسلوقة لم يتم نضجها وتفرش في وسطها القشطة والجلاب. نادت الجدة على سلوي وطلبت منها أن تحضر لها (البشكور) الحديدي لتخرج تراب الفرن قبل أن تشعل فيه النار. جلست الصغيرة بجانبها ، فأبعدتها بيد حانية عن مدخل الفرن ، ذكرت اسم الله قبل أن تدب الرأس الحديدي في التراب المتراكم من المرة الفائتة، أبعدت التراب عن فتحة الفرن وأشعلت النيران ولم تنس أن تقول لساكنيه : (لموا عيالكم النار جيالكم ) . سألتها الصغيرة دهشة: ـ هو فيه حد بيسكن الفرن يا جدتي؟! قالت: ـ أيوه ، عمرة الدار. ـ وهيه طيبة يا ستي . ـ أيوه بس متحبش حد يضايقها هيه وعيالها . ـ هيه ليها عيال يا ستي ؟ ـ أُمال . زينا بالظبط ليها عيال ، وبياكلوا وبيشربوا بس ملناش دعوة بيهم . عرفت الصغيرة لحظتها لماذا تبعدها عن اللعب أمام الفرن وإن يوما وقعت أمامه فزعت ورشت الماء مكان سقطتها .ظلت ترقيها بالأدعية والقرآن . نادت على صباح وقالت لها: ـ قومي العجين خمر. قامت مسرعة ،وهى تفرك عينيها. تعثرت على السلم ، فسخرت منها الحاجة ودخلت على فاطمة ، حين تكاسلت ضربتها بعود الحديد على فخذيها العاريتين ضربات خفيفة . رفعت صباح الغطاء عن العجين ثم قالت : ـ بسم الله ماشاء الله على عجينك يا أمة ولا بنت أربعتاشر. - طب يا عدلة كنت ارفعي الناموسية اللي رخياها على الآخر يمكن كنت صحيتي بدري وريحتي دراعي اللي اتخدل على الآخر. خبطت فاطمة على ذراعي الحاجة اللتين يغطيهما العجين وقالت: -اتخدل ؟ اللهم صلي على النبي الخير كله فيك يا أم على. ثم بدأن الخبيز وحين فاحت رائحة الخبز أقبل الصغار : - جعانين يا ستي. -اصبري شوية يا سلوي ، أبوك وعمامك يصحو ونفطر كلنا. -عايزة رغيف مسلوق يا ستي. وبختها صباح ،ولكن الحاجة أمرتها أن تُخرج رغيفا لم ينضج تماما ، ودخلت به حجرة الخزين ،كشفت مترد اللبن .قشطت وش المترد .وضعته في قلب الرغيف الساخن، ثم دفست يدها في زلعة العسل .أخرجت قبضة من الجلاب المتراكم في قعر الزلعة، ووضعتها على القشطة ،ولفت الرغيف وأعطته للصغيرة،فارتمت سلوي على ظهرها تقبل رأسها فقالت صباح: - يا بكاشة يا بتاعة بطنك. - دي بتحبني بجد مش علشان الرغيف السخن. - إى والله يا ستي بحبك قوى. ضحكن جميعا . تركتهن يكملن الخبيز وقامت لتعد الطعام، كان عبد الرحيم قد أحضر قرموطا كبيرا ألقي به سعيدا في طشت الماء الذي جهزته الحاجة. جلس يحكي كيف اصطاده: - يا مه سمعته بيضرب في الساقية بديله ويِخَشْوِل في الميه افتكرته عفريت وخفت. - وعمر كان فين؟؟ - عمر ضحك وقالي ده قرموط ونط في حوض الساقية، وأنا قدامه وربط جلبيته من الأكمام وفتحها لغاية ما القرموط دخل فيها وربطها. أمسكت الحاجة القرموط بيديها الخبيرتين وقالت واثقة أن وزنه يزيد على عشرة أرطال. أرادت أن تذبحه ولكن الصغار أقسموا عليها بالشيخ (على) أن تؤجل ذبحه ،وأن تدعه في الطشت المليئ بالماء حتى يلعبوا به قليلاً. نزلت الجدة على رغبتهم، تركته يلعب في الطشت، حين يثيره الصغار بعصيهم القصيرة يقفز قفزات متلاحقة تجعلهم يزقططون، وبدأت تعد له الطواجن التي ستدفسه فيها. بعد انتهاء الخبيز أخرجت الطواجن من الفرن ،وجلسوا جميعا لتناول الطعام وعبد الرحيم يسرد تفاصيل مغامرته لصيد القرموط للمرة الرابعة ، ولما يضحكوا منه يستشهد بعمر الذي يكتفي بهز رأسه والابتسام ، فيزداد حماس عبد الرحيم ويعد أمه بصيد كثير في المرة القادمة التي سيذهب فيها مع عمر لري الأرض، ولمّا يتدخل النضر ليسخر منه يسكته الشيخ صالح بنظرة قاسية ، وتطبطب الحاجة على ظهر عبد الرحيم وتدعو له بالخير. متسع للدنيا عرف الشيخ أن السبيل إلي العلم اللدني هو تربية النفس وتطهير القلب من الأغيار لتحل فيه الأنوار ، أكد له والده أن الرجل لا يصير معدوداً من أهل الطريق إلا إذا كان عالماً بالشريعة المطهرة مجملها ومبينها ، ناسخها و منسوخها ، خاصها وعامها ، فكان عليه أن يتفقه في الدين، ويتقن التنزيل إلا أن موت الشيخ الكبيرجعله يترك الأزهر . . عمل في تلك الأفدنة القليلة التي تبقت من أملاك الأسرة، ولكنه لم ينس التصوف الذي كان يمثل الجوهر الأعم في شخصيته. جمعت ثقافته بين علوم الشريعة وعلوم الحقيقة ، وهما وجهان لعملة واحدة، الوجه الأول ظاهر للعام والخاص أما الوجه الثاني باطن لا يطلع عليه إلا الخواص . من ينظر إلي الشيخ صالح وهو يمسك بالفأس ويعلو بها في الهواء ثم ينزل بها ، ليقطع بعض الأخشاب ليتدفأ بها أو يصنع منها أوتاداً للبهائم ، ويربط وسطه بطرف جلبابه ويعتدل من فترة لأخري ليجفف عرقه أو يشرب بعض الماء من القلة التي يلفها بقطعة خيش يحرص علي أن تظل مبللة ، حتي تحافظ علي برودة الماء لا يصدق أنه نفس الرجل الذي يتوسط حلقة الذكر ويعلو صوته بالإنشاد بقصائد ابن الفارض أو ابن عربي . الابن الثاني بعد عنتر هو عمر، شفيف الوجه ، طيب القلب. نظراته حانية. تزوج من ابنة شيخه . حفظ القرآن على يديه ،وقرأ في كتبه عن الصحابة والأقطاب والناس الذين تطوى لهم الأرض طياً .يسيرون على الماء .يقفون على قمة الدنيا ،قدم في الشام وأخرى في اليمن. تبسط الأرض وتطوى حسب إرادتهم. أما الحاج نضر ـ كما يحب دائماً أن يناديه الناس ـ فهو الابن الثالث.. هو أبعد ما يكون عن الحج والحجاج .. يناديه أخوته و أصدقاؤه بالحاج نضر. أبوه يسخر منه دائماً، ويقول: (حاج على الفرن) تلك الجملة التي سيطلقها الشيخ أحمد ابن الحاج نضر نفسه بعد ذلك بسنين طويلة علي صديقه الحاج محمد الذي يطلب منه أن يجلس معه علي باب الدكان حتي يتفرج علي البنات العدالة وهن ينزلن من الجبل ويتجهن إلي الغورية حتي يتفرجن علي العطور والملابس ، ويرفض الشيخ أحمد الجلوس ويقرر أن يتجه إلي أبيه الحاج نضرـ الذي صار حاجاً حقيقياً ولزم جوار عترة النبي ـ في الحسين ، حتي يشاركه حلقة الذكر الذي سيقدمه فيها لأول مرة ليقود الإخوان الذين يتذاكرون . كان النضر لا يصلي إلا الجمعة والأعياد .لا يشاركهم في الأذكار، ولا هم له إلا جلسات الأصدقاء ، وشرب الحشيش والجري وراء النسوان، و أبوه يوبخه دائماً حين يفيض الكيل ويتهمه بأن ذيله نجس. فكر في تزويجه فقال لأمه: - إيه يا حاجة آخرة ابنك أبو ديل نجس ده ؟ - طايش يا شيخ بكرة ربنا يهديه - إمته؟ مش هيبطل جري ورا نسوان البلد غيرلما يعمل لنا فضيحة . - جوزه يا خويا يمكن ينصلح حاله - وهيه فيه واحدة عاجباه، ده داير ورا كل واحدة شوية - نجوزه فايزة بنت أخوك ،أهي تربيتنا واحنا ضمنينها كانت فايزة التي تزوجها النضر ممتلئة الجسم بيضاء . واسعة العيون .هادئة الطباع ومع ذلك لم تملأ عيون زوجها الذي ما زال يقيم علاقات مع النساء. ولما يشتد غيظها منه ومن إهماله تشتكي لسلفتها صباح فتواسيها وتصبرها؛ فهو رجلها وليس لها غيره بعد وفاة والديها. فقد ربتها الحاجة .حين تشتكي النضر إليها تقرصها في خدها وتقول لها: -إدردحي شوية. إملي عينه يابت . -أعمل إيه يامه؟ كل يوم استناه وبتمني كلمة منه وهوه سايبني . ـ شوفي حل ،خليه يتعلق بيكي علشان يبعد عن العك اللي بيعمله وفضحنا بيه . كان يعتبرها من مفردات المنزل لا يأتيها إلا قليلاً . دائم الهجر لها.لا يسمع لشكواها ، ولم يشفع لها الولدان الجميلان أحمد وزهير عنده. وحين تذكره بولديه يقول إنهما غلطة مثلها تماما ويتجاهلها ويخرج إلى صحبة دياب. رب يسر وأعن. كانت صباح تسير خائفة تصحبها جارتها وكاتمة سرها وداد. تسرع إلى بيت الشيخة (رابحة) التي لا يعرف أحد بالتحديد متى جاءت إلي البلدة . لقد استيقظ الجميع يوما فوجدوها بسبحتها الطويلة حول رقبتها والبخور الذي تطلقه .ترددت صباح كثيراً قبل أن تدق الباب. تراجعت للوراء وأرادت الانصراف . وداد طرقت الباب بسرعة. تراجعت صباح ووقفت خلف وداد والخوف يأكل قلبها. جاء صوت الشيخة رابحة حاداً ومخيفاً فتحت الباب وحدقت في المرأتين بعينيها الضيقتين ونظراتها الحادة. قربت المصباح الذي تحمله في يدها من وجه صباح المختفية خلف وداد. أدركت بطول خبرتها أن وداد ليست هي المقصودة. قالت بود مصطنع تحاول أن تزيل به اضطراب المرأة: - خير ياصبايا - عايزاكي تعملي لي عمل يا ستي الشيخة . - حاضر يا ختي بس مش لما أعرف بكلم مين ؟ - الاسم مش مهم .المهم العمل علشان أخاوي البنات. نظرت إليها بعين خبيرة وقالت في نفسها لا بد أن هذه المرأة زوجة أحد أكابر البلدة. - قوليلي يا ختي إنت مرات مين؟ وداد تعرف جيداً الرعب الذي يأكل قلب صديقتها قالت لها: - وإنت ما لك إنت هتصاحبيها نظرت المرأة ـ التي يشبه وجهها لبؤة تتحفز للهجوم علي فريستها ـ إلى وداد نظرة قاسية اسكتتها تماماً ، ولكنها حين رأت صباح تصرعلى الكتمان خشيت أن تخسر الجنيه الذى لا بد ستفوز به. طلبت منها (أتر زوجها) فأعطتها شاله .أخرجت جنيها كان ملفوفا بعناية في منديل صغير ومدفوس في صدرها. أوقدت المرأة البخور ونادت على من تصادقهم من الجن وأعطت لصباح صرة صغيرة وهي تقول لها: - بصي يا ختي ،الصوفة دي تلبسيها أول الليل وبعديها تنامي جنب جوزك طاهرة والعقد الكهرمان ده تستحمي عليه الصبح في طشت .تكبي المية قبل طلوع الشمس في مفارق أربعة وربنا يسهل. ثم هزت رأسها وهي تتفحص وجه صباح وأضافت: ـ ومتنسيش ترجعي العقد بعد سبع تيام ومعاه ديك أحمر بعرف. ـ يعني إن شاء الله ربنا هيكرمها ياست الشيخة. ـ قولي يارب. ـ يارب. قالتها صباح بصوت واهن وأمل حقيقي وصبر كاد أن يخور ،بسبب معايرة سلفتها الفريصة - ياريت ياشيخة رابحة وهيكون لك الحلاوة. انصرفت المرأتان ، وظلهما يرتعش أمامهما في الضوء الباهت الذي يأتيهما من البيوت، نبح كلب من بعيد .انكمشت صباح في جسد صديقتها التي تحتضن ذراعها ، أحست بنغزة في القلب. ماذا ستقول لزوجها لقد أخبرته أنها ذاهبة إلى أمها وهي لم تتعود الكذب عليه منذ أن أخذها من بيت أبيها، ولم يكن يتعد عمرها الثانية عشرة ؟ أبوها محفظ القرآن عوّدها الصدق دائما، واليوم تكذب عليه؟ نصحتها وداد أن تتماسك أمامه وألا تبوح له بسرها : ـ صباح امسكي نفسك شوية، مش بمجرد ما تبصي في عينيه تخري،حاكم أنا عارفاكي ـ تفتكري يا وداد هقدر؟ قالتها وهي متأكدة من عدم مقدرتها وهي تضيف : ـ هوه لسه أكيد قاعد مع الشيخ بيتكلموا في أحوال الزرع ، فأحسن حل أجري بسرعة علي فوق وأنام قبل ما يطلع ، وبكرة يحلها حلال . ـ وإيه يعني انت أجرمتي؟ مش نفسك تجيبي حتت عيل يخاوي الغلابة ؟ ويرحمك من لسان الفريصة اللي عايز قطعه؟ . ـ ماهو برضو مش قليل إني أروح حته من غير ما يعرف ويوافق كمان . ـ خالتي دولت هتحميكي ، أكيد نفسها هيه كمان تشوف للغالي ولد . ـ الحاجة متعرفش. قالتها وهي ترفع يدها وهما يسيران بجوار البيوت،ثم أضافت بصوت هادئ وحاد: ـ ده الخوف منها أكتر منه ، كذا مرة تيجي سيرة رابحة ودايماً تقول عنها دي نصابة . حين وصلت كان زوجها جالسا يحادث أباه بشأن الغيط البحري الذي يحتاج للري . تسللت صباح دون أن يلحظها أحد إلا عين زوجها الذي أصابه القلق لتأخرها.دخلت علي البنات وجدتهن في سابع نومة .استأذن من والده وصعد إليها.كانت جالسة على طرف السرير تفرك يديها .القلق واضح تماما على وجهها. حاولت الكذب ولكنها حين نظرت في وجهه الشفيف لم تستطع . أخبرته بأمر الشيخة. عنفها ووبخها هي التي كانت تجلس بين يدي أبيها، تقرأ القرآن ويرتعش قلبها حين يأتي ذكر المنافقين الكاذبين وعقابهم.أخبرها أن البنات والأولاد رزق من عند الله ، ثم تركها ونزل. فتح قاعة الشيخ على وجلس يقرأ ورده الليلي، دخل عليه أبوه وقال له: - ما لك يا بني؟ أنهي ورده وقال بحدة لأبيه: ـ شفت يابا عقل النسوان الفارغ راحت للولية المشعوذة اللى فى آخر البلد. استمع الرجل إلي كلام ابنه الثائر ومد يده وربت علي كتفه وهو يقول: ـ معلش يابنى، مراتك طيبة وراضية بحالها، ولكن معايرة سلفتها سدت بصيرتها . ـ سحر يابا ؟ قالها بحدة وهو غير مصدق ثم أضاف وهو يرفع يديه أمام عيون أبيه: ـ مراتى تروح لدجالين أمال خلت إيه للجهلة؟ هز الرجل رأسه بهدوء وعاد بيده ليربت علي كتف ابنه وقال له: ـ معلش اصبر عليها وعلمها دى اتعرفت على الدنيا بعينيك . ـ أنا تعبت من قلقها على خلفة الصبيان. - لما بتخاصمها بتبقي ذليلة ومنكسرة دي غير الفريصة القوية مرات أخوك. - طب هوه هيعمل إيه دا مبيبطلش ضرب فيها وهي ولا بتنكسر . ـ مفيش فايدة. وبعدين؟ ـ يابا لا أنا ولا أمي ولا حد بيعايرها بخلفة البنات بتعمل كده ليه؟ - تحية معاها ولدين و بتعايرها وفايزة مخلفة ولدين وهيه نفسها في حتة ولد زي سلايفها واتصرفت علي قد ما هداها عقلها ، خلص وردك واطلع لها واخزي الشيطان. صعد إليها .وجدها جالسة على سريرها وعيونها تسح في صمت، وحين رأته ألقت بنفسها في صدره طالبة عفوه فاحتضنها بيديه القويتين، ومسح عن عيونها الحزن، ولما تهيأت له أخبرته بما قالت الشيخة رابحة . ضحك منها وقال في هدوء وحنان: ـ خد من عبد الله واتكل على الله . ـ يعني بجد يا عمر ممكن ربنا يدينا ولد ؟ ـ يمكن مفيش حاجة بعيد علي ربنا . تعالي يا شيخة سيبك من الكلام ده وتعالي . وقبل شروق الشمس أخذت ماء اغتسالها وفرقته على مفارق أربعة كما أوصتها الشيخة، وعادت مشرقة الوجه باسمة، دخلت إلى المنزل أعدت الإفطار وبعد خروج الرجال إلى العمل وقفت على باب البيت نادت على وداد، وبدأت تحادثها وتضحك لتغيظ سلفتها تحية التي تعايرها بأنها أنجبت عقد سوّيد كما تقول لها، وأنها لن تنجب الولد أبداً. وبختها الحاجة لأنها تقف علي الباب هي التي تعلم مدي رغبتها في إغاظة تحية ، أمرتها أن تدخل وإلا عرضت نفسها لغضب عمر، وهي لا تقدر علي خصامه ولو لساعة ، خجلت من كلام الحاجة ودخلت وعيناها تبحثان عنه. لم يحن موعد رجوعه من الحقل . جنية غاضبة الابن الرابع والأصغر هو عبد الرحيم الذي وقع قديماً أمام الفرن ويعتقد الجميع أن عمرة الدار( الجنية) تلبسته .تلك التي مضي علي وجودها بينهم وقت طويل حتي صارت من مفردات الحياة في المنزل مثلها مثل قاعة الشيخ(علي ) وأهل الخطوة الذين يأتون إلي المنزل كل ليلة جمعة .تكون طيبة أحياناً وشريرة بعض الوقت . تقرص أذن من يستهين بها أو يتطاول عليها. تحكي فاطمة دائما أن الجنية تلبست جسد عبد الرحيم حين ضرب قطة سوداء بقدمه؛ فنظرت إليه القطة بعين غاضبة ارتعش لها قلبه فوقع أمام الفرن ومن ساعتها دب الخوف في قلب الحاجة ، وظلت ترقيه وترش الماء مكان سقطته ، وتحاول جاهدة استرضاء عمرة الدار حتي تعفو عنه، هو ذاهل معظم الوقت لا يشارك الدار همومها وأفراحها ، مكانه المفضل تحت التوتة، وإن رغب في الخروج. يسيح على قدميه لا يعلم أحد أين يذهب أو من أين يجيء؟ لا ُيسأل عن شيء . لا تَلْحظُه عين إلا عيون أمه التي تبحث عنه ساعة الطعام وساعة النوم تهتم به. تطعمه وتنظف له ثيابه وحين يفيق لبعض الوقت تنصحه بالزواج فينظر إليها ولا يجيب. حاول الشيخ صالح وكل رجال الله الذين لا يخلو منهم المنزل الكبير أن يطردوا الجنية من جسده ولم يفلحوا. هو الحاضر الغائب لا يخطر على بال أحد. لا تخشاه نساء الدار فساعة الخبيز تتخفف كل واحدة من ملابسها أمام نار الفرن وحين يسمعن صوت أحد قادم يسرعن بارتداء ملابسهن ، وحين يجدن عبد الرحيم يضحكن ويقلن: ـ ده الشيخ رحومة متخفوش . يجلس بجانب أمه التي تعطيه الخبز الساخن بعد حشوه بالقشطة والجلاب. يمسك بالرغيف بكلتا يديه يقضمه سعيداً ويخرج إلى مكانه المفضل أسفل التوتة التي تتوسط الدار. صار الشيخ رحومة منسيا دائما لا يذكره أحد إلا قلب الحاجة التي تنظر إليه أحيانا ، وتبكي وتتساءل في نفسها من سيعتني به إذا هي توفيت ، لما تسمع صوت صباح تنادي علي صغارها ليناموا حتي يستيقظوا مبكرين من أجل المدرسة .تطمئن فقد أعدتها لتقوم بدورها في المنزل، فلن يرعي أحد ابنها إلا صباح، حتي فاطمة ابنتها لم تفكر يوما في أن توصيها بالعناية بالشيخ رحومة . عقد سوِّيد كان عنتر يعيشُ مع زوجته تحية في حجرتين من حجرات الدور العلوي ، ولكن الفريصة زوجته لم تستطع أن تعيش في كنف الحاجة رغم إنها ابنة أختها الكبرى؛ و الأولى بها أن تصير جزءاً من عالمها، وأن تنال حبها بدلاً من صَباح ، لكن عصبيتها الزائدة ومزاجها الحاد جعلاها لا تتحمّل طريقة الحاجة في تصريف أمور المنزل، وربما الحاج محمد الجني الذي ركبها وهي بعد صغيرة جعلها ترفض كل ما تراه أمراً من أحد .دائمة الاعتراض والاحتجاج، وهذا يخالف طبيعة الحياة في عائلة الشيخ صالح ، فلا صوت يعلو، ولا شتائم تُقال. لا يُوجد إلا الحب الذي يغلف القلوب. كانت الغيرة تأكل قلبها من بكرية الحاجة زوجة عمر. الحاجة تحبها وتثق فيها بشدة في تصريف كل أمر.هي المسئولة عن حجرة الخزين . تعرف ما بها ،وما يخرج للأخوان في الليالي العامرة. كانت الحاجة مع صباح في حجرة الخزين تشرف على ختم زلع السمن والجبن. حين دخلت سلوي مسرعة، وأخبرتهما بما حدث للفريصة : ـ مرات عمي تحية كبت اللبن كله ، رفستها البقرة في وشها . ـ الخضرة في إيديها يابسة . هكذا علقت الحاجة . ابتسمت صباح راضية . رغم طيبتها إلا أن غيرتها من سلفتها دائمة ومستمرة ودون أن تدري تشمت فيها .قالت في خبث : ـ ليه بس يا حاجة حرام . ده ابنك بيعجنها، أنا مش عارفة بتجيب القوة دي منين ؟ حين تسمع صباح عنتر يضربها تفرح .تتسمع للمشاجرة الدائرة ، بعدها تشعر بالذنب وتوبخ نفسها لأنها تتسمع لسلفتها وتفرح فيها . خرجت الحاجـة من حجرة الخزين على صوت عنتر يوبخ تحية على سوء تصرفها، وهي غاضبة ، وازدادت ثورتها حين لمحت ظل ابتسامة على وجه صباح التي كانت تقف خلف الحاجة ،وتمسك بالقربة ،وتجهزها( للخَضِّ )حين انتهت من خض القربة أمسكت الحاجـة الزبد بيديها الخبيرتين .نظرت إلى تحـية التي كانت ما تزال جالسة علي عتبة السلم وقـالت: - الحكاية كلها بركـة. اغتاظت تحـية ورمتها بنظرة غاضبة وقـالت: - أنت دايماً كده ، صباح إيديها مبروكة، صباح بتعمل كل حاجة كويسة، ابقي خليها تعملك كل حـاجة؟ ضحك الجمـيع ، ومال الشيخ صـالح على أذن الحاجـة، وأمرها ألا تغيظ ابنة أختها أكثر من ذلك: - يا حاجة كفاية إحنا مش ناقصين صوتها عالي وبتفضحنا . - أصلها وشها ناشف. - يا مه مش عايزين وجـع دماغ ماتخليهاش تحلب ولا تخض . التفتت الأم إلي ابنها وقالت له: ـ أنا قلت حاجة يابني؟ هيه دايما كده عصبية وغلاطة وبعدين متعملشي حاجة إزاي ؟ يعني تقعد هانم وإحنا نخدمها ؟ غضبت تحـية وهاجت ودخلت حجرتها بعد أن قالت : ـ كأني مش بنت أختك . الله يرحمك يامه سبتيني للغلب . جلست بمفردها .لا تقدر على كتم انفعالها، ولا تحب أن يراها أحـد تبكي. فالبكاء ضعف وهي ليست ضعيفة. دخل عليها زوجها ، أخفت دموعها وتماسكت، وأخبرته برغبتها في الاستقلال عن العائلة ، فهي ترغب في عيشة منفصلة لها وحدها. أمام هذه المشاكل لم يجد زوجها إلا البعد، فاشترى منزلاً صغيراً مقابلاً للمنزل الكبير حين .سمع الشيخ بما فعل ابنه . حزن كثيراً، وقال للحاجـة أنه يخشى انفراط العقد وهذه قد تكون البداية قالت الحاجـة ،وهي تربت بيديها علي فخذه بحب، وتطمئنه: ـ متزعلش ياخويا كده أحسن. ثم نظرت إلي عينيه وهي ترفع يديها عن حجرها و تضيف: ـ يمكن مراته سرها يهدى شوية ـ الناس تاكل وشنا. وبعدين الخيردايما فى الجماعة. ـ تحية صحيح بنت أختي، بس طبعها حامي ومش قادرة تعيش بطريقتنا.أهى صباح وفايزة زى الاخوات. - ابنك مش قادرعليها. قالها وهو يلم المسبحة في يديه ويشير بها في الهواء بنفاد صبر. ـ ده بيضربها ضرب مايتحملوش حمار.هي اللي راكبهاعفريت. - الحاج محـمد عمره ما طاوعها في الشر ودايماً بيكسر مناخيرها، ولما بيغضب عليها بيهد قواها. تدخل النضر الذي كان شارداً في ترتيب سهرة الليلة مع دياب وقال: - أنتـوا مش فاهمـين حاجة .عنتر مستخسصر كده وشقاه في أرض العمدة .عايز يعمل عيشة لوحده علشان يحوش ، ويشتري أرض ويبقى من أصحاب الطين. - طين لما يطينك . ثم رفع يديه مشرعة الأصابع في الهواء وهو يشير بحدة لابنه ويضيف: ـ هو بيصرف علينا؟ ما كلنا بنكد ونعرق زيه وأكتر،هو فيه حد نايم؟ كلنا من الصبح لغاية الليل وإحنا مهدود قوانا . - هـوه مش عاجبه التكية المفتوحة من كدنـا للإخوان. ثم تجنب نظرة أبيه الحادة ، وأضاف بصوت ضعيف وكأنه يحدث نفسه ـ وده حقـه. ما إن نطقها حتي كاد الحاج أن يقف، ولكن يد الحاجة التي أمسكت به .جعلته يعيد جسده الذي كان في الطريق للقيام فقال بحدة وهو يُشير له: - كسر حقـك. أمش قوم من قدامي وخليه يعمل اللي يعجبه. وبعدين فين كدك ده اللي بياخدوه الإخوان ؟ ما أنت طول النهار بتلف مع دياب لا شغلة ولا مشغلة والحمل كله علي عمر اللي انقسم ضهره .انت حد بيشوفك طول النهار بترمح في الفاضية ،وأخوان إيه اللي واخدين كدكم ؟ ده كل اللي انتوا فيه من بركتهم . وافـق الشيخ على انتقال ابنه البكر،وهـو مرعوب أن تكون هذه بداية انفلات حبات العقد الذي حرص على لضمه طـوال السنين؛ فهـو يحرص كل الحرص على أن يظـل أبناؤه تحت سقف واحد جـيل وراء جيل، حتى يظلوا متماسكين، ويصيروا قـوة في وجـه الريح . عنتر دائما يدخرما يعمل به في دوار العمدة ،ولا يساهم في المنزل إلا بالقليل ، والكل يعلم ذلك،والشيخ يبارك فعله ،ويقول للحاجة التي تعترض علي المشاركة القليلة التي يقدمها : ـ سيبيه يا حاجة ده صاحب عيال ربنا يبارك له . رغـم انفصـال تحـية عن معيشتهم ظل التنافس بين السلفتين على أشده؛ فكانت تحـية تعاير صبـاح بخلفة البنات، فتبكي صبـاح بالليل لزوجها الذي يطيّب خاطرها ويقــول: - ولا يهمك بكرة بناتك يتعلموا ويبقوا أحسن من ميت راجـل -وأنت حتكملهـم تعليمهـم منين والحالة أنت عارفها كويس ؟ ـ لو بعت الجلبية هــعلّم البنات ـ ربنا يخليك ليهم ويخلى جدهم. -وبعدين أنت ممكن تغيظيها، قوليلها علي الأقل جوزى بيحبنى مش كارهنى وكاره عمايلى زيك . تبتسم المرأة ابتسامة راضية وتدفن جسدها فى حضنه وفى الصباح تحرص على كب ماء الاستحمام فى الشارع وترفع صوتها وهى تحادث صديقتها وداد التي تقول لها مازحة : - واضح إن ليلتك كانت رطبة -على الآخـر يا بت. تسمع تحـية الكـلام وهي تمسك بالحطب من فوق سطح دارها وتغتاظ منهما ، فلا تجد أمامها إلا أن تقول وهي ترفع أحد أعود الحطب عاليا: ـ يا خسارتك يا ميه في دمع الولايا. درب ضيق كان الشيخ محبا لسير الأبطال والفرسان. عشق الشعر وحفظه. لم يكن يظهر حبه للشعر إلا بصحبة عبد الموجود ابن خالته ورفيق طفولته، فرغم أنه لا يعرف القراءة ولا يحب جلسات الإخوان إلا أنه يحفظ كل حكايات الأبطال والسير الشعبية. كان يستطيع وبتلقائية شديدة أن يرتجل أبياتا شعرية ويحرص دائما على مباراة ومنافسة الشيخ صالح في ارتجال الأدوار فهو يبدأ الدور وينتظر أن يرد عليه الشيخ بدور مماثل على نفس الوزن والقافية ويحمل نفس المعاني على أن يضيف معنى جديدا. حين أطل الشيخ من الدرب الضيق حيث يسكن عبد الموجود هلل وقال: ـ يا أهلا بالحبايب. سار متئدا ومبتسما علي ترحيب ابن خالته . جلس بجانبه بعد أن أزاح جردل الماء ،ولفة الليف التي يفتلها ، ثم أخذه في حضنه ،وهو يضيف: ـ أخبار ضيوفك إيه مش كان أحسن آجي أسمعهم بيتين لابن شداد بدل من الكلام بتاعكم ده عن أهل الخطوة؟ - بلاش تتطاول على أهل الله وإلا قلبوك حمار أذعر من غير ديل. - يا عم صلي ع اللي هيشفع فيك يوم الدين، فيه أحسن من سيرة الهلالي والزير سالم، مش تقولى ناس بتمشى ع المية وتنطوى ليهم الأرض . -اخشع يا عبد الموجود واعملك راجع انامش جاى اسمع كلامك الفاضى ده ـ إزي دولت بنت خالتي.تلاقيك واجع قلبها بخدمة ضيوفك اللى مابيخلصوش ؟ - الحاجة بتحب خدمة أهل الله .أناعايزك تسهرمعاى قدام المية ، هنروى الغيط القبلي. - يا سلام دي هتبقى سهرة حلوة بس خلّي عمر ييجي معانا وبلاش عنتر أحسن أنا بحب قعدة عمر - عنتر مش فاضي بايت عند أرض العمدة. وأنا عارف إنك بتحب كلام عمر ما هو دايما بيقف جنبك ويناصرك في الكلام . ـ هنروح امته ؟ ـ بعد صلاة العشا نصليها سوا في الجامع ونتوكل علي الله . انصرف الشيخ بعد أن اتفق مع ابن خالته على أن يذهب معه بعد صلاة العشاء ، أعدت لهم فاطمة الطعام وأعطته لعمر. ربطه في النبوت ووضعه على كتفيه وألقى بذراعيه عليه وانصرف، استوقفته فاطمة وأوصته بألا يترك أباه بجانب الساقية بمفرده خوفا عليه من (أم بزاز) التي تطلع لمن يجلس منفردا، ضحكت الحاجة وقالت: - يعني هتخاف من الاتنين؟ - أيوه. بسم الله الرحمن الرحيم ميطلعوش لأكثر من واحد. -ع العموم مش ممكن يطلعوا للشيخ وإلا حرقهم ببركة الأولياء. ـ برضه احلف يا عمر إنك مش هتسيب أبوك لوحده. ـ يا ستي حاضر والله مش هسيبه لوحده معانا خالك جود . ـ خالي جود معاكم يا ريتني كنت معاكم . ـ تكوني فين يا بت ، تروحي معانا الغيط يعني ؟ ـ مش قصدي بس بحب قعدة خالي جود قوي . ـ المهم حطيتي أكل بالزيادة ولا لأ ؟ ـ حطيت يا خويا يكفي عشر رجالة . ـ انتي بتقولي فيها السهر وخالك جود وضيوف أبوكي اللي بيطلعوا متعرفيش منين يهلكوا أكل عشر رجالة . انصرف عمر بعد أن تأكد من كمية الطعام والشاي التي وضعتها فاطمة وهناك بجانب الساقية جلس عبد الموجود بجانب الشيخ يحكي له عن كيفية مقتل عنترة بن شداد على يد أعدائه وعلى ضوء الراكية المشتعلة كانت تلمع عيناه ،وهو يصف مدى قوة عنترة حتى أن صوت تبوله كان يسمع من مسافة ميل وفي غمرة انفعاله نسى أن الشيخ هو الذي قرأ له هذه الحكايات جميعها من الكتب التي كان يحرص على شرائها من أمام الأزهر حين كان طالبا فيه، ضحك الشيخ وتذكر كيف كان يشحن صوته بكل الانفعالات المناسبة للمواقف ،حين كان يقرأ لابن خالته ورفيق صباه شعرالهلالي أو المهلهل بن أبي ربيعة ،وحين يغضب الشيخ الكبير، كانا يخبئان هذه الكتب خوفا منه هو الذي كان يعنف ابنه على تركه لتاريخ الصوفية ورجال الله وقراءة مثل هذه الحكايات التي لا طائل منها . لما أصبح صالح مسئولا عن الطريقة بعد وفاة والده. صارت هذه الكتب ترقد في صندوق الكنوز الخشبي في قاعة الشيخ (على) جنبا إلى جنب مع طبقات الشعراني ودلائل الخيرات ولطائف المنن وبردة البوصيري. في الليالي المقمرة حين يفرغ الإخوان من أذكارهم كان عمر يخرج كتب السيرة ويقرأ للإخوان الحكايات والأشعار التي تطربهم. طرب وهو يستمع إلى صديق طفولته ومنافسه في حب الحاجة دولت حين كانوا صغارا. بدأ ينقر بأصابعه على خشب الساقية بعد أن أوقفها عمر وفك الحمار ليستريح قليلا. علا صوته عذبا رائقا في هدوء الليل وهو يسمعه شعر الهلالي وهو يخاطب الجازية . بعد أن فرغ من شعره بادره الشيخ بدور وطلب منه الرد عليه. بلن بلا لن بلا لين وطبت يا دحي البلالين وبقيت دوا للجرايح انتظر رد عبد الموجود، توقع أن يأتي سريعا كالعادة ،ولكن رده تأخر،نظرعمر إلى عمه وشعر بألم هزيمته الدائمة أمام الشيخ وقرر أن ينقذه فقال عمر: بلن بلا لن بلا لين وطبت يا دحي البلالين و طابت عليك الجرايح طرب عبد الموجود وصفق ، لسرعة عمر في الرد، ورأى أن الجرايح حين تطيب على دحي البلالين أقوى من أن يكون مجرد دواء لها. اغتاظ من عمر الذي أنقذ عبد الموجود وفوّت عليه الإحساس بالنصر، أمره في لهجة قاسية أن يدخل إلى الذرة حتى يفتح السدود للمياه لتغمر باقي الحقل. ابتسم عمر راضياً فقد أنقذ خاله لمرة وحيدة من الإحساس بالهزيمة و قام إلى الحمار الذي استراح قليلا وربطه إلى الساقية وضربه على ظهره حتى يلف ، واصل الأب تعنيفه لابنه حين لمح الابتسامة علي وجهه . ضحك عمر من رغبة أبيه الملحة والدائمة في هزيمة صديقه وابن خالته تركهما في جدالهما وانصرف وهو يفكر في حال أبيه الذي يجمع بين زهد الصوفي ، وصلابة الفلاح الذي يكد ويفلح أرضه ، ومتعته الحقيقية في خدمة رجال الطريق فدائما يردد سيد القوم خادمهم ، النهار يكد ويكدح وبالليل يكون سراج الليالي المضيئة بالمحبة الإلهية. ابتسم وهو يسمع عبد الموجود يجادل الشيخ في بيت شعر ينسبه إلى امرئ القيس والشيخ يصر على أن قائله هو طرفة بن العبد. تعجب عمر من الطفولة المشاغبة التي تكمن في قلب الشيخ الورع والتي لا تظهر إلا حين يكون بصحبة ابن خالته. راكية النار كانت الأيام تمضي سريعة ،وعنتر يبحث عن آماله التي نسجها في الحجرة العلوية للبيت الكبير الذي تركه بناءً علي شورة المرأة . كان قد ترك العمل عند العمدة لسنة وبضعة شهور،عمل خولي أنفار في البدرمان ، وبعد مداولات كثيرة بينه وبين أتباع العمدة الذي لم يجد خولي أنفار بنفس درجة أمانته ،عاد وبدأ البحث عن أحلامه في امتلاك أرض بعد أن وضع شروطاً لعودته .ولكن الأيام تمضي سريعا وها هو يبحث في صندوق مدخراته عن بداية صحيحة لتلك الأحلام فلا يجد إلا بضعة جنيهات لا تسمن ولا تغني عن قيراطين .أغلق الصندوق علي نهاية غير مشجعة ، ونادي علي امرأته وسألها عن مدخرات السنوات الخمس ، ولسوء حظها كان الحاج محمـد الجني يجسم علي صدرها مما جعلها تحتد على زوجها وتغضبه ، فضربها عنتر ،بعد أن اتهمها بأنها كانت السبب في بعده عن أمه وأبيه والمنزل الكبير ببركته التي لا حدود لهـــا . سمعت صبـاح ضرب عنتر لها وصراخها ، فدفعت الباب ودخلت لتفصل بينهما. نظرت إليها والشرر يتطاير من عينيها .. اعتقدت أنها جاءت شامتة ، أمسكت براكية النار المشتعلة وقذفتها بها ، ولولا أن صبـاح في اللحظـة الأخيرة قفزت بعيداً عن اتجاه الراكية لأحرقتها تماماً. انصرفت صبـاح وازداد غضبه .. ظـل يضربها حتى خارت قـواها ، ووقعت على الأرض، ولما أفاقت بكت طويلاً، وانكبت على قدميه تقبلهما حتى لا يخرج غاضباً ليس حرصاً على رضاه بل حتى لا تشمت فيها صباح بالطبع. كان جالساً في شمس الضحى مسنداً ظهره للجدار يفكر في حاله . الضيق والهم يجثمان على صدره منذ ابتعاده عن أبيه، وعن بركته . تشاجر اليوم مع العمـدة على أسباب تافهة ، وهو يحاسبه على أجرة الأنفـار. صار يثور لأقل شيء غضب .أخبره أنه سيترك العمل لديه مرة أخري . ظل الرجل يسترضيه مرات عديدة ؛ فهو لن يجد ملاحظاً للأنفار في أمانته وورعه ، يعامل النضر مثل أي نفر غريب ، رآه مراراً يعنفه لأنه جلس قليلا يستريح تحت الصفصافة ، ولم ير العمدة الذي كان مارا ليطمئن علي الحصاد ، أدرك أنه لن يجد ملاحظا للأنفار في أمانته ولكنه هذه الأيام أصبح ضيق الصدر يثور لأقل شيء. بدأ يترك أحلامه التي صارت عبئا عليه . هل ابتعد بالفعل عن المنزل الكبير ليفض حالة النزاع المستمر بين زوجته وأمه وباقي النساء كما كان يقول ليضحك علي نفسه ؟، أم لاعتراضه الدائم على استضافة الشيخ للإخوان؟ وماذا يهم في أمرالإخوان؟ فهم يأتون برزقهم .كل ما ينفق عليهم لو حسب بحساباته الدنيوية فلن تنفع الأفدنة القليلة التي يملكها الشيخ للإنفاق عليهم .لا بد أن في المسألة حسابات أخرى لا يدركها عقله ، وهو غارق في تفكيره اقتربت منه صبـاح على استحياء، وجلست بجانبه وقالت له: - شايف يا أبو محمد عمايل مراتك؟ - معلش يا مرات أخويا أنا عارف لسانها اللي زي المبرد بس أعمل فيها إيه؟ - بس ده ميصحش الناس بدأت كل يوم تسمع صوتنا. وده بيمقت الحاجـة والشيخ . - طب أعمل إيه لولا العيال ماكنتش خليتها. -أنا يا خويا بيفيض بيّا ولولا خايفة عليكم كنت قلت لعمر على كل اللي بتعمله . - إنتِ عاقلة وبنت حلال حقك عليا أنا. انصرفت صباح راضية تماماً .هي تحترمه وتحرص على ألا يغضب زوجها من أخيه ، تكتفي بكلامه الذي يطيب خاطرها . تركته يعيد حساباته ودخلت إلى الدار بعد أن قررت أن تتجنب المشاكل التي تثيرها تحـية إكراماً لخاطره . من قال إنها قوية ، الكل يعتقد فيها القوة ، كثيراً ما تمنت أن تكون مثل صباح . الحاجة تؤثرها بثقتها دون كل النساء ، حتي ابنتها فاطمة لا تنال تلك الثقة ، من لها بثقة الحاجة وتترك كل شيء من أجلها حتي المنزل الذي حرصت علي أن يكون لها وحدها ؟ ماذا أفادت من منزل حيطانه متهالكة وزوج يحاسبها علي كل صغيرة وكبيرة وأبناء حرموا من حنية جدهم ساعة العشاء ؟ كثيراً ما تمنت أن تبكي لخالتها وتشتكي لها ما يفعله فيها عنتر، تعرف أنه ليس بخيلا ، ولكنه يعود متعبا وقلقاً علي الأمنيات التي ترك أباه من أجلها ، ولم يحققها حتي الآن ، ومن أجل ذلك يضع كل همه فيها ، يضربها كثيراً ، ولا يعطيها فرصة حتي لمناقشته ، يرتمي من التعب ولا يستمع لكل الحكايات الكثيرة التي تحكيها له ، يصلي العشاء بالكاد ، لا هم له إلا العمل، لم يجلس معها يوما يسمع لها ، كل ما يدور بينهما عن الزرع والبهائم حتي في لحظاتهم الخاصة ينتهي منها ويتركها سريعاً كأنه يؤدي عملا كُلف به . لم يلمسها يوما بحنان ، لم يضحك معها ، دائما يرسم علي وجهه العبوس .كأنه يخشي الابتسام ، حتي أولاده لا يشعرهم بعطفه ، عمر أحن عليهم منه ، لما طلب منه عمر أن يُقدم لهم في المدرسة قال له : ـ مدرسة إيه يا عمر إحنا قد مصاريف المدارس ؟ سيب العلم لأهله اللي يقدروا عليه . كثيرا ما حسدت صباح علي حنية عمر، وعطفه عليها وعلي بناتها ، ظلت سنوات تدبر وتوفر وتحرم أبناءها من كل شيء حتي تثبت للكل أنها كانت محقة حين طالبت بفصل معيشتها عنهم ، ولكن الأيام تمر ولا شيء يطرأ عليهم ، كل ما استطاعوا توفيره بضعة قراريط في الحوض الشرقي وهي أرض بعيدة وقليلة العطاء كما سمعت قبلا من زوج خالتها الذي تمنت كثيراً أن تنال حبه . فشلت في ذلك رغم أنه يقف لعنتر كثيراً ويمنعه من ضربها . منديل فاطمة كانت سلوي تتوق دائما إلى دفن جسمها في حضن جدتها الدافئ. تعشق جسد الحاجة البض الذي تفوح منه دائما رائحة الزبد واللبن الرايب مختلطة برائحة صابونها الممسك وعطرها الجميل ... ترى متعتها الكبرى في أن تسمح لها الحاجة بدعك ظهرها ساعة استحمامها . تفرح حين تدب الكوز في حلة الماء الساخن .تدلقه على ظهر جدتها ، فينزل الماء دون أن يبتل ظهر الحاجة وكأنها دهنته بالسمن. كانت تضحك وتقول لها: - ستي الميه مابتبلش جسمك خالص. ومن خلال الصابون الذي يغطي وجه الحاجة تقول لها: ـ العجل في بطن أمه. تضحك الصغيرة وتكب آخر كوز على رأس الحاجة وتستدير لتحضر لها البشكير القطني الأبيض . تبعد وجهها عن الجسد البض حين تقوم لتتناول البشكير حتى لا ترى عورة جدتها، تقرب القبقاب الخشب من قدميها وهي مغمضة لعيونها وتجلس في انتظار أن تكمل ارتداء ملابسها.تتشمم رائحة الصابون المعطر الذي لا يشبه الصابون الذي يدخل في عيونها وأمها تدعك لها ظهرها ، وتقول للجدة : ـ الله يا ستي ريحتك حلوة قوي زي المسك . ـ تعالي يا ست البنات أحطلك ريحة حلوة زيّك . تمسك الحاجة بزجاجة من العطر تكب قدراً منها وتدعك للصغيرة خدودها وتحتضنها بعد أن تأخذ نفساً عميقا من رقبتها ووجهها وتقول لها : ـ الله شفتي ريحتك أحلي إزاي زي العنبر . كل ليلة تحاول صباح أن تأخذ الصغيرة معها لتنام وسط أخواتها في الدور العلوي، ولكنها تبكي وتدبدب بأقدامها في الأرض ولا تسكت إلا حين تخلصها الحاجة من بين يدي أمها وتخبئها وراءها وتقول إنها ستنام معها. لا تجد صباح حلاً إلا أن تستسلم . تلوم الحاجة على إفسادها للصغيرة بهذا التدليل، حين تستسلم تتقافز الصغيرة خلف ظهر جدتها وتهتف بحبها وتسرع إلى سريرها المفروش دائما بملاءات مليئة بالورود والعصافير. تندس تحت لحافها الحريري وتنتظر مكافأة كل ليلة قطعة السكر النبات التي تخرجها الحاجة من الصندوق الخشبي الذي مجرد رؤيته يفتح أمام الصغيرة يمثل كل الفرح، فمنه تخرج الحلوى والفاكهة والسكر النبات ومنه تشم رائحة المسك والبخور الذي تطلقه كل مساء .وتطوف به حجرات البيت الكبير على اتساعها تنام الصغيرة فى حضنها وحين تغرق في النوم تحاول الحاجة أن تنقلب علي جنبها الآخر وتسحب ذراعيها، فتصحو على صوت ينادى على جدتها: ـ يا دولت قومي الفجر قرب حمتلك المترد قومى صلي واحلبي البهايم. ترتجف الصغيرة . تسأل عن صاحبة الصوت ، تقول لها الحاجة أن هذا هو صوت عمتها فاطمة في الحجرة المجاورة. تقوم لتتوضأ وتعود سلوي للنوم مطمئنة إلى أن الصوت الذي تسمعه هو صوت عمتها . حين تستيقظ تصعد إلى سطح المنزل ، تجد فاطمة جالسة على المصطبة الطينية العالية فوق السطح تمشط شعرها الذهبي الطويل، والذي يفرش المصطبة خلفها. تقف من بعيد تتأملها وحين تشعر بها فاطمة تبتسم في صفاء وتنادي عليها . تقترب سلوى وتلح على عمتها أن تدعها تمشط شعرها، ترفض فاطمة في دلال،وحين تغضب الصغيرة ، توافق بشرط ألا تشده بعنف كما المرات الفائتة.تزقطط ،وتمسك بالمشط العاج الذي يلمع في ضوء الشمس تقول لها: -عمتي أبويا جابلك المشط ده من قدام الحسين؟. -أيوه ، عاجبك خديه. -لأ. أنا هقول له يجيب لي واحد زيه في المولد الجاي ،ثم تمسك خصلة من الشعر وتمر بالمشط عليها وهي تسألها.إنت ليه يا عمتي مبتروحيش معانا المولد؟ - عشان عيب أروح وأنا بنت بنوت. - طب ما أنا بنت. ـ بس أنت صغيرة لما تكبري أكيد هيمنعوكي من حاجات كتير. - طب أنا مش عايزه أكبر. وبعدين همه مش هيقدروا يمنعوني علشان أنا هروح المدرسة اللي في المركز. - أنا منعوني من السوق ومرواح مصر والمدرسة. - يا عيني يا عمتي . بس أنت شعرك زي الدهب نفسي شعري يكون حلو زيك كده. - أنت كلك حلوة والغمازتين اللي في خدك زي السكر. - عمتي أنت اللي بتنادي على ستي وتصحيها بالليل؟ -لأ دي عمرة الدار. ولما تلمح فاطمة الخوف في وجه الصغيرة ، تضحك وتقول أنها هي التي تنادي عليها.فترد سلوي في حيرة : ـ إزاي يا عمتي بتقوليلها دولت كده من غير يامه ؟ ـ وإيه يعني بدلعها مش أمي ؟ ـ لا يا عمتي دي ستي ، كل الناس بتقولها يا حاجة . ـ كل الناس مش أنا ، أنا حرة في أمي . ـ إذا كان حتي جدي الشيخ بيقولها ساعات كتير يا حاجة . في الليل حين تدخل في حضن جدتها تحت اللحاف تقسم عليها بالشيخ (علىّ) أن تقول لها الحقيقة ولكن الحاجة تبتسم من فضولها ، وتتهرب من الرد و وبعد إلحاح تخبرها أن عمرة الدار هي التي تنادي فتنكمش بجسدها الصغير في لحم الحاجة البض الذي تفوح منه رائحة الزبد وتنام . كل يوم بعد أن تغيب الشمس تحضر فاطمة جرتها الفخارية. تدعكها بالليفة الخشنة ، حتى تصير حمراء خالص وتبخرها ، وتنتظر صديقاتها ليذهبن إلى النهر في ضوء القمر ، حتى يملأن الجرار ويغمسن أقدامهن فيه ويجلسن كل واحدة تحكي عن أحلامها ثم يعدن ليخلطن ماء النهر بالماورد ويغطين الجرار بالمناديل المعطرة المزهرة . لم يكن يحلو لكل من في البيت إلا الشرب من جرة فاطمة . في هذا المساء جاءت فاطمة خائفة ومرتعشة دون أن تملأ جرتها ولما سألتها الحاجة عن ذلك قالت: - عارفة شجرة الكافور العالية اللي على الجسر؟ - ما لها ؟ إيه فيها ؟؟ ـ شفنا مندبة حامية ونسوان لابسة إسود . ـ بالليل يا ساتر يا رب مين اللي مات ؟ ومندبة إيه اللي علي الجسر؟ هوه غريب عن البلد ولا إيه ؟ ـ في ضي القمر لمحت واحدة في نص المندبة بتشلشل بشاش أسود بين ذراعيها وتعدد - ودول مين دول؟ - أول ما شافونا قالت اللي في نص المندبة (ياطالعة في القمرة يا أم الجريرة الحمرة قولي لأميرة الأمرا خيك حـديدر مات.) لم تكمل فاطمة جملتها ،حتى سمع جميع سكان المنزل الكبير ـ وقد يكون سمعه من يقف علي بعد شارعين منه ـ صراخا وظل امرأة يخطف المنديل الموضوع على جرتها الفارغة ويسرع خارجا من الدار. فزع الصغار ، ووقف شعر الكبار ، فبسملت الحاجة وحوقلت وطافت ببخورها على رءوسهم جميعا تمرر يدها على رءوسهم وتقرأ في سرها. والشيخ صالح جالس دون تعليق ، بعد أن فرغت من طقوسها ضمت الصغيرة سلوي إلى حضنها وأخبرتهم جميعا أن هذه عمرة الدار التي تحرص الحاجة على وضع كوب أعلى الغطاء الخشبي للزير ، لتشرب به هي وساكنو الأرض السفليون. بعد مضي أيام ثلاثة استيقظوا علي رؤية منديل فاطمة مفروشا على الفرن وفوقه مجموعة من الكعك المرشوش على وجهه السكر والسمسم . تحير الجميع إلا الحاجة دولت التي كانت تعد الإفطار وترمقهم باسمة. قسمت عليهم الكعك فرفضوا جميعا أكله ، ولم يتشجع واحد منهم إلا بعد أن أمسكت بكعكة ، وقرأت اسم الله عليها وقضمتها بأسنانها البيضاء التي لم تنقص ولو سنة وحيدة رغم سنوات عمرها الكثيرة. وزعت عليهم قطع الكعك وجلست تحدثهم عن أهمية احترام هؤلاء السفليين وعدم التعرض لهم فهم يعيشون بينهم ولهم خصوصياتهم. كيزان الذرة كان دياب صديق النضر وصاحب جلسات الحشيش جالسا بجوار السبيل في الحوض الغربي. ضحك طويلا وهو يصف للنضر كيف أنه زنق البنت راوية وسط عيدان الذرة الطويلة في عز القيالة. يا بني قاعد مولع سيجارة وبفكر في اللي حصل مع أمي والتغنيص اللي شغال ليل ونهار علي القيراطين اللي في الطُوَال ، قلتلها نبيعهم وأتجوز بيهم ، عديك ساعة يا بني وهية تندب وتقول . ـ تبيع إيه يا بني إنت اتجننت دي أرض عفيه وخسارة تتباع . ـ يا عم الغيط بعيد ، ده قرب الترب في آخر البلد،وعلشان الواحد يرويهم ولا يعزقهم شغلانة . ـ يا بني حرام والله ده قرن الفول لما رحت معاك في قُصَال الفول اللي فات ما شاء الله بقرنين من أرضنا هنا. ـ المهم سيبك ما هي الحاجة فردوس مصممة علي الرفض ، هُبّ وسمعت خروشة في الدرة ، دخلت لقيت البت بتكسر في كيزان الدرة ، رميتها يا بنى على الأرض بركت عليها وهي بتفرفط ومقمتش من عليها غير لما حسيت إن عيدان الدرة ولّعت ضهري . ضحك النضر وساوى قطعة الحشيش التي حرص على تفتيتها وخلطها بالدخان ثم بلل ورقة البفرة بشفتيه التي سال عليها ريقه ، وهو يسمع كلام دياب الذي استرسل في الحديث. - والبنت بنت اللبوة لما قمت من عليها بصتلي من غير ولا كلمة وكسرت نص شوال درة وشالته وسابتني ومشيت. أشعل السيجارة ثم نظر إلي صديق عمره دياب وقال : ـ أنا من زمان مقفشتش البت راوية. تصدق أنا نفسي أزنقها دلوقتي. ثم أخذ نفساً من السيجارة ،ونظر إلي الفضاء الواسع .ظهرت عيونه رائقة وهو يضيف : ـ وأنا أديها كل عيدان الذرة اللي الشيخ صالح زارعهم . ثم مد يديه بالسيجارة وهو يضيف ـ بس أكيد عمك الشيخ صالح هيحزن كتير على ضياعها. ثم ضحك وهو يتحسس ما بين فخذيه وقال : ـ بس مش خسارة في راوية. أخذ دياب السيجارة وامتص دخانها باستمتاع وتاه في الفراغ ، ثم حرك يده الفارغة من السيجارة وتحسس ما بين فخذيه أمام النضر الذي ما يزال يشعر ببقايا رغبة جامحة في الاختلاء الآن براوية. أمسك من يده السيجارة وسحب نفسا عميقا أتبعه بإخراج الدخان من أنفه بسرعة ، ثم ببطء من فمه ، وهو يفكر في حال الشيخ صالح الذي يطعم شقى السنة كلها للإخوان ثم قال: - والله راوية أحق بكل كيزان الدرة من الصيع اللي لاممهم عمك الشيخ صالح. - آه والله ، عمر والشيخ بيضيعوا عمرهم وشقاهم على الشيوخ والمريدين. كان النضر ما زال مستمرا في السخرية من أبيه وأخيه وأقطاب الله الذين ينيرون الدنيا بنورهم الرباني،هؤلاء السالكون لطريق الله . أقبل أبوه راكبا حماره الأبيض القوي ، ويجرخلفه الجاموستين والبقرة، ترك دياب ساندا ظهره للسبيل وأسرع إلى داخل غيط الذرة ، ليختفي منه حتى لا يوبخه حين يراهما سويا ،فهو دائم الاعتراض على صحبته ، ويصفه بأنه شقي الحال غضب عليه الرب والعبد. حين أفاق دياب لم يجد النضر بجانبه .كانت السيجارة قوية لدرجة أنه لم يشعر بصاحبه،وهو يسرع لداخل الغيط. ووجد الشيخ واقفا أمامه راكبا حماره ينظر مشفقا عليه، فهو ابن شيخ جليل وصاحب في الليالي المضيئة بشموس المعارف والأقطاب. حين انتبه لوقوف الشيخ أسرع إليه أمسك بيده التي يقبض بها على مقود الحمار،وقبلها وطلب منه البركة والدعاء، ولم يكن كاذبا في هذه الرغبة فهو يتمنى أن يرضى عنه الشيخ ويزوجه من ابنته فاطمة التي طالما لمحها ،وهي تدخل مسرعة حين تنادي على النضر بأن يأخذ صينية الشاي عندما يكون في زيارته. وهو يقبل يد الشيخ صالح كانت صورة فاطمة وضفائرها الطويلة وعيونها العسلية الواسعة تحتل مساحة كبيرة في ذاكرته. سحب الشيخ يده التي مازال دياب قابضاً عليها و دعا له أن يهديه الله إلى طريقه وأن يبعده عن طريق الشر الذي يجر النضر إليه . انكسرت نظرته وعاد إلى مكانه ،انصرف الشيخ وهو ما زال يردد الدعوات ،وعاد دياب ،ليسند ظهره إلى السبيل وينتظر خروج النضر بعد انصراف أبيه.جلس يلف سيجارة أخرى فقد أضاع الشيخ صالح أثر السيجارة الماضية. تاه بنظراته في الفراغ. فاجأ صديقه برغبته في خطبة أخته فاطمة. أخذ النضر نفساً عميقاً من سيجارته ولم يرد ، فنظر إليه دياب نظرة عتاب ،ولكنه ظل يفكر في كلام صديقه قبل أن يخبره بخوفه من رفض والده ، فهما يدركان جيدا أنه لن يوافق عليه ، ولكن دياب كان يأمل في أن تشفع له صداقة أبيه، وطريق الله الذي مشوا فيه سوياً، رغم أنه مدرك تماماً أن الشيخ يراه قد لطخ اسم أبيه ومرّغه في الوحل، كما قال له في مرات سابقة بسلوكه الشائن. أقسم له إن وافق الشيخ على زواجه من فاطمة سيترك نهائيا الجري وراء النسوان وجلسات الحشيش ، ويشعل دستة شمع كل يوم جمعة ولمدة عام كامل لمقام الشيخ "علي " ضحك النضر طويلا وهو يتخيل ديابا واقفا أمام المقام يتبرك بالكسوة الخضراء،ويشعل الشمع، ويتمتم بالقرآن ،هو الذي لم يصلِّ إلا الجمع والأعياد ، ولم يدخل مقام الشيخ "على" منذ أن مات أبوه وجلس بجانب المقام ينتحب .ساعتها دخل عليه النضر، وأخرجه ومن يومها لم يدخل المقام. غضب من سخرية صديقه، وانتفض واقفا ، واصل النضر ضحكه وهو يمسك بجلبابه ، كي يجلسه . لم يجلس إلا بعد أن أخذ عهداً منه أن يكلم أباه في الموضوع.: ـ طيب اقعد بس متزعلش مش قصدي .أصلي بتخيلك وانت واقف تولع الشمع لمقام الشيخ بذمتك آخر مرة دخلته امته ؟ ـ من يوم ما دفنت أبويا. ـ وآخر مرة صليت امته ؟ ـ إيه يا أخي ما الحال من بعضه .أنت بتقطمني كده وأنت صاحبي،أُمال أبوك وعمر وعنتر هيعملوا إيه ؟ ـ يا أخي رد عليّ . ـ آخر مرة الجمعة اللي فاتت. ما أنت عارف إلا صلاة الجمعة الحاجة فردوس تعملها مصيبة لو ما صليتهاش . ـ ما أنا زيك معرفش ليه أهم حاجة صلاة الجمعة ، بس ولا يهمك سوق علي الشيخ الست أمك هو بيعزها . بيحترم ذكري المرحوم أبوك وأكيد هيوافق . في المساء زارت أم دياب الحاجة دولت وراحت تتذكر الأيام القديمة ، وبغمزة من يدهها علي فخذ الحاجة وبنظرة تلصص علي الباب الموارب وبصوت هامس سألتها. ـ أخبار جود إيه؟ ضربتها الحاجة بعشم وود وعُمْرٍ اقترب علي الرحيل ، وابتسامة العارف بخبايا القلوب. ـ أنت لسه يا فردوس فاكرة ؟ ـ هو أنا أنسي فرحة عمري كله برضو يا دولت؟ ـ تصدقي إنه مرة سألني عليكي. برغبة من حرم من الماء طوال أيام ، وبعيون العاشقة طيلة الحياة ، وبرعشة ابنة أربعة عشر عاماً قالت فردوس: ـ أمتي يا بت ؟ بجد ؟ وسأل عليّ ؟ أنتي بتضحكي عليّ. أنهت جملتها وفي عيونها أمل تكذيب دولت للجملة الأخيرة فقط . ـ بالراحة يا أم دياب.لأ ما بضحكشي عليك ولا حاجة . ـ طيب إمته ؟ وسأل بجد ولا سؤال كده في السكة ؟ ـ بعد موت المرحوم بزمن . وسأل بجد وكان متأثر . وكأن يد جبارة سقطت عليها وسحبت منها الحياة ، فبدت لدولت امرأةً مسنةً و ضعيفةًُ حتي أنها مدت يديها وسحبت رأسها ووضعتها علي فخذها ، ثم راحت تمر بها علي جسدها ، وهي تدعو في سرها لدقائق طويلة وفردوس غائبة عن الوعي أو ما يشبه ذلك . رفعت وجهها لتظهر عيونها المليئة بالماء السائب وقالت بصوت المؤنب لذاته: ـ تصدقي يا دولت إني يا ما دعيت عليكي. ـ عارفة وعذراكي ياختي. ـ ماكنش في إيدي. قالتها فردوس وهي تعطي الإذن لجسدها أن يتحد مع الماء ليكونا رقصة الندم والحزن والعشق والرغبة والحلم وكل عمرها الفائت ينتقص سنوات الطفولة والتي كانت علي وجه الدقة أربعة عشر عاما وبضعة شهور وبالتأكيد بضعة أيام وعصر يوم كانت عائدة مع أمها من عند خالتها في ديرمواس ، شاهدت فيه عبد الموجود يقف تحت شجرة الصفصاف ، يرفع قلة ماء تطرطش علي رقبته لتتساقط علي صديري ، تظهر فيه خيوط الفضة لامعة من أثر بعض خيوط أشعة الضوء التي تغافل أوراق الصفصاف ، علي سروال أبيض ، يسقط حتي منتصف الساق الأبيض الجميل .كانت لوحة عمرها التي رفضت منذ رأتها تتجسد أمامها بيد خالق باهرـ منح بعض آثار ما يتساقط من فعل يديه لرجل يدعي دافنشي فرسم الموناليزا ـ أن تتنازل عن عشقها حتي النخاع لكن ذاك الخالق الباهر لعبد الموجود في تلك اللحظة ، كانت له قدرة أشد في تسيير القلوب والمصير ، لقد أحب جُوُد ابنة خالته دولت التي كانت تحب صالح ابن خالتها الآخر ، وتزوجت به ، ليرفض جُود ذاته أن يلمح ظل امرأة بعدها ، وتسوق فردوس طوب الأرض عليه ، لكن لا فائدة ، فهو لا يري امرأة غير ابنة خالته التي اختارت غيره . تخاطب منا في الوجوه عيوننا . ترانا سكوتا والهوي يتكلم. كان يحب ويعشق دولت التي كانت تعرف عشق صاحبتها فردوس له ، ذلك العشق الذي ألزمها أن تقطع ألسنة الناس التي عرفت بعشقها له ، وبدأت تلوك سيرتها ، ألزمها ذلك العشق أن تتزوج من أول واحد يتقدم لخطبتها ، وكان محمود صاحب صالح الذي صار لها نعم الزوج والحبيب ، ولكنه يوما لم يستطع أن ينسيها لوحتها التي رأتها في لحظة فارقة بين الحياة والموت . ـ اهدي ياختي وفوزي بالصبر . مدت يدها وأمسكت بطرف الطرحة التي كانت تحت وركها وتحركت قليلا في الهواء حتي تستطيع سحبها ، ومسحت بها عيونها وهي تتلصص وتصيخ السمع علي أصوات الأقدام التي تمر بالقرب من قاعة الحاجة. ـ هو ربك عارف ومستنية نصيبي ياحاجة وعاملة حسابي ورحمة المرحوم . ثم رفعت يديها في اتجاه السماء وأضافت بصوت الواثق. ـ ويشهد علي أبو خيمة زرقا. من يوم ما دخلت بيته وعمري ما عملت حاجة تغضبه وصاينة شرفه .ثم أنزلت يدها ونظرت مليًا إلي وجه صاحبتها القديمة وأضافت بصوت الطالب للمغفرة. ـ أما اللي هنا ده بتاع ربنا . ووضعت يدها علي نقطة وحيدة ظلت توجعها وتؤلمها وتعذبها في صحوها ونومها .وهي أمام الفرن ، أو تحت ضرع جاموسة. في حضن زوجها أو في ركعتي الشفع والوتر.في دموعها وزوجها يخرج محمولا علي الأكتاف وفي طلة صغيرة علي عبد الموجود الذي جري ليحمل النعش. ـ ربك يحاسب بمعرفته لأنه هو اللي خالقه. ـ وحشا |
|
|
|
![]() ![]() |
![]() |
فاطمه.ن. - عضو مميز |
![]() ![]() ![]() ![]() |
14-06-2007, 10:33 am
مشاركة
#2
|
|
|
|
الحبيبه هويدا...
كنت قد بدات بتجميع هذه الرواية من موقع دروب ..كلما نزلت حلقة وضعتها مع اخواتها فى ملف خاص..ووصلت للحلقة الثالثه..وقلت لن اقراها حتى تكتمل...لا اكتمك اننى كنت اغش بعض الاحيان..واقرأ ثم اصبّر نفسى..واقول..عندما تكتمل سأشعر بلذة قراءتها.. الان..هل ستنزل هنا بنفس التقطيع ام لا..لانه اسهل علىّ ان احفظها من نصوص مفتوحة هنا. الف تحية لك ايتها الغاليه..ولإبداع جدير بالمتابعه... احييك بحب..واسميك عمرة الدار. "أين أضع روحيّ، كي لا تلامس روحك ." ريلكه
|
|
|
|
![]() |
خالد الجبور - عضو مميز |
![]() ![]() ![]() ![]() |
14-06-2007, 11:02 am
مشاركة
#3
|
|
|
|
أنا أريد نسخة ورقية .
قطرة دافئة في نهر الحياة |
|
|
|
![]() |
منى الشيمي - عضو مميز |
![]() ![]() ![]() ![]() |
14-06-2007, 11:57 am
مشاركة
#4
|
|
|
|
مبروك يا هويدا
أعرف شعور الكاتب حينما يولد له عمل ورقي ينال الإعجاب فيحول الإعجاب إلى معين ينهل منه لمواصلة إبداعه مودتي ومن تألق إي آخر |
|
|
|
![]() |
سمير الفيل - عضو مميز |
![]() ![]() ![]() ![]() |
14-06-2007, 12:45 pm
مشاركة
#5
|
|
|
|
أستاذة هويدا.. قضيت ساعات الصباح الأولى في قراءة هذا العمل الجميل بكل صراحة فيه فن ورقة وجمال.. واستدعاء حالات ومواقف وذكريات من الطفولة شخصياتك من دم ولحم كدت أعلق وخشيت ان تكون ثمة إضافة سبقتني الأخت منى في التعقيب سأقول لك : مبروك هذا الوليد الجديد وإن شاء الله نسعد بكتابات ناصعة وراقية كما تعودنا منك.. ملاحظة : دبري لي نسخة سآخذها منك إن شاء الله اول يوليو |
|
|
|
![]() |
زكي العيلة - عضو مميز |
![]() ![]() ![]() ![]() |
14-06-2007, 01:42 pm
مشاركة
#6
|
|
|
|
(عمرة الدار) رواية مميزة تقطر جمالاً وبساطة وسلاسة.
رواية تشدك وتجعلك تتفاعل مع أبطالها، تفرح لفرحهم، تحزن لأوجاعهم، تغفر لهم، تمد يديك على أقصى اتساعتهما، تحتضن الحنين الإنساني الذي لا ينطفئ فيهم. ومن منّا يمكن أن ينسى الحاجة دولت والشيخ صالح وصباح وفاطمة وعمر وعبد الرحيم وتحية وعنتر ووزبيدة وأحمد. شخصيات طالعة من رحم الحقيقة والواقع بكل ما فيهما من متناقضات ووقائع. أجمل تحية للعزيزة الرائعة هويدا صالح. زكي العيلة |
|
|
|
![]() |
عايدة النوباني - عضو مميز |
![]() ![]() ![]() ![]() |
14-06-2007, 04:03 pm
مشاركة
#7
|
|
|
|
الغالية هويدا
أنا سأحضر للحصول على نسختي شخصيا... أعرف أنني سأقرأ رواية جميلة جدا لقد كدت افعل مثل فاطمة واختلس قراءة بعض الاجزاء لكني أكثر منها قوة على الاحتمال سأعود هنا بعد قراءة الرواية والتي اشعر من قراءتي للاهداء انها رواية دافئة جدا ككاتبتها... محبتي وحيدةً ...
بلا قصيدة أعدو خائفةَ على حرفين أخذتهما من دفتر قديم وحيدة ... بلا أرض أموت وفي يدي سحابة وفي قلبي عشق مستحيل http://lelthakra.blogspot.com/ |
|
|
|
![]() |
شريف صالح - عضو مميز |
![]() ![]() ![]() ![]() |
14-06-2007, 06:06 pm
مشاركة
#8
|
|
|
|
مبروك اختي هويدا واضح ان اسماء كثيرة تتشابه بيننا شكرا لملكة الصعيد وحتما سأعود للنص مودتي |
|
|
|
![]() |
هويدا صالح - الـقـصــــة و الـنــــقــــــد |
![]() ![]() ![]() ![]() |
14-06-2007, 09:23 pm
مشاركة
#9
|
|
|
|
في المساء زارت أم دياب الحاجة دولت وراحت تتذكر الأيام القديمة ، وبغمزة من يدهها علي فخذ الحاجة وبنظرة تلصص علي الباب الموارب وبصوت هامس سألتها.
ـ أخبار جود إيه؟ ضربتها الحاجة بعشم وود وعُمْرٍ اقترب علي الرحيل ، وابتسامة العارف بخبايا القلوب. ـ أنت لسه يا فردوس فاكرة ؟ ـ هو أنا أنسي فرحة عمري كله برضو يا دولت؟ ـ تصدقي إنه مرة سألني عليكي. برغبة من حرم من الماء طوال أيام ، وبعيون العاشقة طيلة الحياة ، وبرعشة ابنة أربعة عشر عاماً قالت فردوس: ـ أمتي يا بت ؟ بجد ؟ وسأل عليّ ؟ أنتي بتضحكي عليّ. أنهت جملتها وفي عيونها أمل تكذيب دولت للجملة الأخيرة فقط . ـ بالراحة يا أم دياب.لأ ما بضحكشي عليك ولا حاجة . ـ طيب إمته ؟ وسأل بجد ولا سؤال كده في السكة ؟ ـ بعد موت المرحوم بزمن . وسأل بجد وكان متأثر . وكأن يد جبارة سقطت عليها وسحبت منها الحياة ، فبدت لدولت امرأةً مسنةً و ضعيفةًُ حتي أنها مدت يديها وسحبت رأسها ووضعتها علي فخذها ، ثم راحت تمر بها علي جسدها ، وهي تدعو في سرها لدقائق طويلة وفردوس غائبة عن الوعي أو ما يشبه ذلك . رفعت وجهها لتظهر عيونها المليئة بالماء السائب وقالت بصوت المؤنب لذاته: ـ تصدقي يا دولت إني يا ما دعيت عليكي. ـ عارفة وعذراكي ياختي. ـ ماكنش في إيدي. قالتها فردوس وهي تعطي الإذن لجسدها أن يتحد مع الماء ليكونا رقصة الندم والحزن والعشق والرغبة والحلم وكل عمرها الفائت ينتقص سنوات الطفولة والتي كانت علي وجه الدقة أربعة عشر عاما وبضعة شهور وبالتأكيد بضعة أيام وعصر يوم كانت عائدة مع أمها من عند خالتها في ديرمواس ، شاهدت فيه عبد الموجود يقف تحت شجرة الصفصاف ، يرفع قلة ماء تطرطش علي رقبته لتتساقط علي صديري ، تظهر فيه خيوط الفضة لامعة من أثر بعض خيوط أشعة الضوء التي تغافل أوراق الصفصاف ، علي سروال أبيض ، يسقط حتي منتصف الساق الأبيض الجميل .كانت لوحة عمرها التي رفضت منذ رأتها تتجسد أمامها بيد خالق باهرـ منح بعض آثار ما يتساقط من فعل يديه لرجل يدعي دافنشي فرسم الموناليزا ـ أن تتنازل عن عشقها حتي النخاع لكن ذاك الخالق الباهر لعبد الموجود في تلك اللحظة ، كانت له قدرة أشد في تسيير القلوب والمصير ، لقد أحب جُوُد ابنة خالته دولت التي كانت تحب صالح ابن خالتها الآخر ، وتزوجت به ، ليرفض جُود ذاته أن يلمح ظل امرأة بعدها ، وتسوق فردوس طوب الأرض عليه ، لكن لا فائدة ، فهو لا يري امرأة غير ابنة خالته التي اختارت غيره . تخاطب منا في الوجوه عيوننا . ترانا سكوتا والهوي يتكلم. كان يحب ويعشق دولت التي كانت تعرف عشق صاحبتها فردوس له ، ذلك العشق الذي ألزمها أن تقطع ألسنة الناس التي عرفت بعشقها له ، وبدأت تلوك سيرتها ، ألزمها ذلك العشق أن تتزوج من أول واحد يتقدم لخطبتها ، وكان محمود صاحب صالح الذي صار لها نعم الزوج والحبيب ، ولكنه يوما لم يستطع أن ينسيها لوحتها التي رأتها في لحظة فارقة بين الحياة والموت . ـ اهدي ياختي وفوزي بالصبر . مدت يدها وأمسكت بطرف الطرحة التي كانت تحت وركها وتحركت قليلا في الهواء حتي تستطيع سحبها ، ومسحت بها عيونها وهي تتلصص وتصيخ السمع علي أصوات الأقدام التي تمر بالقرب من قاعة الحاجة. ـ هو ربك عارف ومستنية نصيبي ياحاجة وعاملة حسابي ورحمة المرحوم . ثم رفعت يديها في اتجاه السماء وأضافت بصوت الواثق. ـ ويشهد علي أبو خيمة زرقا. من يوم ما دخلت بيته وعمري ما عملت حاجة تغضبه وصاينة شرفه .ثم أنزلت يدها ونظرت مليًا إلي وجه صاحبتها القديمة وأضافت بصوت الطالب للمغفرة. ـ أما اللي هنا ده بتاع ربنا . ووضعت يدها علي نقطة وحيدة ظلت توجعها وتؤلمها وتعذبها في صحوها ونومها .وهي أمام الفرن ، أو تحت ضرع جاموسة. في حضن زوجها أو في ركعتي الشفع والوتر.في دموعها وزوجها يخرج محمولا علي الأكتاف وفي طلة صغيرة علي عبد الموجود الذي جري ليحمل النعش. ـ ربك يحاسب بمعرفته لأنه هو اللي خالقه. ـ وحشاني والله يا أم دياب. ـ متشوفيش وحش ياحاجة ويجعله عامر ببركة ربنا والشيخ علي والحاج صالح وما يحرمك من دخلته عليكي انتي وعيالك يا رب. ـ قادر ياكريم والنبي يا فردوس يجعل يومي قبل يومه. ـ صدقت ، والنبي ياختي.أنا لايصة ووشي انكشف من ساعة ما مات. ـ الله يرحمه ويجعل آخرتنا زيه ياختي.أنت فاكرة الرؤية اللي شافها الحاج صالح بعد موته بإسبوع. ـ طبعا فاكرة.أُمال إيه. ودي حاجة تتنسي برضو يا أم فاطمة. ـ الله يرحمه كان من أصحاب الحاج اللي وسطه انقسم بموتهم. ـ ده بس من كرمكم وبركات ربنا.ده لولا دعاه اللي كان بيدعيه والنبي يا دولت ياختي وهو نايم علي دراعي كده كان يرفع عيونه للسما ويدعي إن ربنا يكرمه في اللي قاسم وسطي وموّت المرحوم بحسرته. ـ تقصدي دياب ، شباب ياختي وبكرة يعقل. قالتها دولت وهي تمد يدها وتربت بها علي فخذ فردوس التي انسلت من يوم أن رفض جود أن يتزوج بها. ـ إمتي بس يا أم فاطمة؟ ـ إن شاء الله عن قريب. ـ عموماً يظهر فرج ربك قريب. ـ خير إن شاء الله. قالتها دولت وهي تحس بما يدور في عقل صاحبتها منذ نادتها بأم فاطمة. ـ النهارده قبل ما أجيلك علي طول .لقيته داخل علي وماسك المصحف في إيده وقاعد قدامي وحط إيده علي الختمة وراح حلفلي إنه هيبقي كويس ويشتغل في أرضه ويسيبه من كل المشي البطال لو ربنا رضي عنه وحنن قلبك عليه. ـ وأنا في ديك الساعة يا أم دياب.قلبي وربي راضيين عليه. ـ إحنا طمعانيين في كرم الحاج صالح يا أم فاطمة. ـ أنتي أختي والمرحوم أبو دياب كان ونعمة الأخ للشيخ صالح ، بس أنت عارفة يافردوس ياختي عمايل دياب ومتأخذنيش أنتي أختي شال الحاج صالح علي رأس فاطمة الوحيدة علي أربع رجالة مفهمش غير النضر هو بس اللي زي دياب ربنا ياختي يصلحهولك. ـ أنا عارفة كل اللي أنتي خايفة منه وعذراكي ، بس ما علي الرسول إلا البلاغ ويمكن دي تكون بداية جديدة ، يرحم اسم أبوه اللي مرَّغه في الوحل بمشيه البطال ، الواد هيموت عليها ، وحلف إنه ما هيقرب من الحرام تاني لو وافقتو .هو هيجي قدامكم كلكم ويحلف علي الختمة وأنا عرّفته إن اللي يحلف علي الختمة ويكون كداب بعيد عن البيت وأصحابه ربنا بيعميه ولا بيشلُّه. ـ مش عارفة أقول لك إيه يا فردوس؟ ـ متقوليش ياحاجة .أنتي اللي بقيالي من كل الحبايب .وعارفاني وعارفاكي وعارفة ابني كمان. ـ أديكي قولتيها يا فردوس. ـ حاسة بيكي ياحاجة .وأنت طول عمرك حاسة بيا.وبعد كده وقبله ياختي القسمة والنصيب .ثم أنزلت يدها المرفوعة في الهواء وأضافت بصوت حزين. ـ وأنا اللي مجربة القسمة والنصيب. بتلك الجملة ودعت دولت فردوس بعد أن دخلت فاطمة عليهما ، فوقفت لها أم دياب واحتضنتها كثيرا علي غير العادة ، ثم راحت تتحسس بيدها طول شعرها ومؤخرتها وقوامها و تتملي في شرطة عيونها ، وهي تكاد تطير من الأرض وتبسمل وتحوقل خوفا من عيونها التي لم تكن أبد لتحسدها. تأكد لعبد الموجود أن ابنة خالته قد اختارت صالح بعد أن خيرتها أمها بين الاثنين ، نظرت إلي الأرض ،وقالت علي استحياء لأمهاـ التي تمنت لها عبد الموجود،الذي كان قادراً علي خطف كل القلوب إلا قلب حبيبته ـ : ـ بس يا أمي صالح متعلم وابن الشيخ حسين ووارث الطريقة بعد أبوه . ساعتها تأكد للأم التي كانت عليمة بالقلوب ، وخاصة قلب ابنتها أنها تميل إلي صالح . قالت في نفسها أن الاثنين ابنا أختيها ووافقت ، وأخبرت زوجها بموافقة دولت علي صالح . حزن عبد الموجود كثيراً ، قرر بينه وبين نفسه ألا يدخل لخالته أو لابن خالته بيتاً ، ولكنه لم يستطع ذلك ، وخاصة بعد وفاة أمه وتركه وحيداً مع أخته " صفية " ، فاختار أن يتصالح مع نفسه ويعيش بينهم ويتمتع بحبهم وعطفهم ، يكتفي بقربه المشروع من حبيبة روحه . وفي لحظة فارقة بعيدة عن الزمن كانت فردوس صديقة دولت ـ التي لا تفارقها ـ عائدة مع أمها من المركز ، حين كانت في زيارة لخالتها ، وقعت عيناها عليه ، وهو واقف يشرب تحت شجرة الصفصاف ،وخيوط الضوء الساقطة علي خيوط الفضة التي تخطط الصديري الذي يرتديه ، تعكس وسامة وجهه. ذابت فيه الفتاة التي لم تعد بعد صغيرة . أسرعت إلي صديقتها ورفيقة روحها دولت .جلست أمامها، وهي ترتعش من فرط الحب الذي ملأ قلبها فجأة بعيداً عن المنطق والخجل ، وصفت لها وقفته ، وروحه وابتسامته التي رماها بها دون أن يقصدها ، استمعت إليها دولت وهي ذاهلة ، ولا تعرف بما تعلق علي كلام صديقتها التي فاجأتها بهذا الكلام ، لم تتعود البنات في هذه البيئة علي البوح بهذه الطريقة . تعاطفت معها تماماً، واحتضنتها لتهدأ رعشة جسدها ، ولكنها لم تجرؤ علي نصحها بشيء،هي التي أحبت صالح ، و صار زوجاً لها . النساء ليس مسموحاً لهن أن يقلن أنهن يعشقن ،ويذبن في العشق .عليهن انتظار الخطوة الأولي ممن يحببن ، وإن لم تأت هذه الخطوة فعليهن كتمان هذا الحب ،والرضا بالمقسوم . من لها بالرضا بالمقسوم ؟ توسلت لصديقتها أن تكون رسولها إليه. لم تستطع دولت أن تصارحها بحب عبد الموجود لها، لم تستطع كسر خاطرها . وعدتها بأن تجد طريقة للحديث معه بشأنها . وكانت صادقة في وعدها ،فقد حادثت صالح بشأنها .طلبت منه أن يتوسط لدي عبد الموجود بطريقة لا تجرح كرامتها .لما نظر إليها عبد الموجود ،وصالح يحادثه أدركت تماماً مغزى نظرته ،فهربت بعينيها بعيداً عنه ،واكتفت بقولها : ـ ليه يا ابن خالتي لو لفيت الدنيا مش هتلاقي زي فردوس ؟ ـ أنا خلاص مينفعشي اتجوز ، كفاية عليّ ولاد صفية . ـ بتتكلم كده ليه زي حدما يكون عندك ميت سنة،وماله لما تتجوز وتراعي ولاد أختك . ـ لا خلاص ، اليتامي محتاجيني أكتر . ـ حد هيمنعك عنهم دي حتي فردوس بنت حلال .عمرها ما هتكلِّ بيهم ولا بأختك . ـ ماينفعشي يا بنت خالتي .ماينفعشي أمد طولي في طول واحدة تانية . تعجب صالح الذي تأكد له الآن أن ابتعاد جُود عن النساء ،لأنه أحب دولت حد الموت وتجاهل جملة ابن خالته الذي يعرف مدي إخلاصه وأمانته وقال له : ـ واحدة تانية ؟ هوه فيه واحدة أولانية ؟ يا عم اتكل علي الله ، البت حلوة ومن بيت طيب . ـ فيه واحدة تانية ربطاني هيه وولادها سيبها علي الله يا صالح وربنا يعدل لفردوس حالها . اغتسل بالماء والملح من أجل عيونها . دخل النضرعلى أبيه في قاعة الشيخ (على) وجده يداعب حبات مسبحته. أمسك بيده يقبلها ،والشيخ ينظر إليه في عتاب وبقايا تسابيح في فمه: -إيه يا بني أنت ملكش بيت ومرة من حقها تشوفك؟! - إيه يا با ما أنا أهه موجود. - موجود فين؟ عند دياب ورفاق السوء ؟ولا عند راوية؟؟ - أنت كل ما تشوفني توبخني .أنا زهقت.يعني مفيش حاجة بعملها بتعجبك أبداً ؟ ـ وانت يا ابني بتعمل إيه؟ ـ ما انا شقيان طول النهار في غيط العمدة مع ابنك أعمل إيه أكتر من كده . -الله يرضى عنك يا بني .دياب هيجيب لنا وجع الدماغ والحكومة بتدعبس وراه. - حكومة إيه يا با هو بيعمل إيه يعني؟ - يا بني خليل المخبرحذرني. بلاغات كتير وصلت فيه. بيسرق من خلق الله وهيجرك وراه. - حاضر يابا حاله هينعدل بس أنت توافق وتجوزه فاطمة. - واضح إن الحشيش لحس مخك. فاطمة طاهرة الديل والقلب يتجوزها أبو ديل نجس؟! ـ يابا ده ابن الشيخ محمود من المريدين والإخوان. - أيوه و دياب ضيع سمعته زي ما ضيع أرضه. لجأ دياب إلى أمه ، وهو يعرف تماما أن عمه الشيخ، يُجلُّها ،ويحترمها، فلم يستطع أن يرفض أمام دموعها ،لعل حال ابنها ينصلح بموافقته، ولما كان الشيخ أباً لبنت يخشي عليها، فوافق على شروط خُيل إليه أنها تضمن إصلاح حال دياب الذي تعهد له ألا يقرب الحرام وأن يبتعد عن المشبوهين. وتزوج دياب من فاطمة بعد أن اغتسل بالماء والملح ، وبعد أن وضع المصحف على عينيه وأقسم أن يترك كل ما يغضب الله. حاول دياب جاهدا أن يحافظ على العهد بعد أن فاز بمنية القلب ، وفردت طولها في طوله ، وتخللت أصابعه خصلات شعرها الذهبي كما كان يحلم تماما ، لكن الحكومة لم تتركه في حاله .مازال عندهم من الأشقياء ،لم يغفر له دخوله عائلة الشيخ صالح ،وإن حدثت أي سرقة في البلد أصابع الاتهام تُشير إليه وتلاحقه. تسمع فاطمة خبطات سريعة ومتلاحقة على الباب وصوت غاضب يقول: -افتحي يا مرة حكومة. ارتجفت وسألت دياب ماذا فعل. ـ عملت إيه تاني يا دياب ؟ ـ ورحمة أبويا وغلاوتك عندي ما عملت حاجة ، همه مش سايبيني في حالي ومش هيسيبوني . ـ إذا كان ربنا بيقبل التوبة العبد مش هيقبلها ؟ ـ قولي لهم يا ستي .أنا مالي .دايماً بيحملونا أي قضية علشان يعملوا ظبطية والسلام ـ يعني هيتبلوا عليك ؟ أقسم لها بكل الأيمان أنه لم يفعل شيئا ، قفز من أعلى السطح إلى المنزل المجاور، ومنه إلى الشارع الخلفي.اتجه إلي مقام الشيخ (علي) ارتعشت قدماه، وهو يقترب من المقابر في هذا الوقت المتأخر من الليل ، كان الضوء الباهت ينسرب من باب المقام ، دق الباب فجاءه صوت الحاجة نبوية واهناً ، قربت اللمبة من وجهه وقالت له : ـ انت مين يا بني ؟ ـ أنا دياب ابن الشيخ محمود يا خالتي . ـ ابن فردوس ؟ تعال يا بني. مالك ؟ إيه اللي جابك في البرد ده ؟ ـ معلش يا خالتي هبات في حمي الشيخ للصبح . ـ اللي يحتمي بيه ما ينضام يا عين خالتك ادخل . جال بنظره في المكان ، كسوة المقام تتلألأ في ضوء الشموع المتراقص ، تحسس الحرير الأخضر. مسح علي العمامة البيضاء الملفوفة علي رأس المقام ، وتبتل بالفاتحة في سره. تسمع العجوز همسه ، فتنظر إليه مشفقة، وتقوم إلي الحجرة المجاورة للمرقد العلوي .تضع بعض الطعام في صحن كبير .تقدمه له باردا . ـ معلش يا بني كل لقمة والصبح يحلها حلال . قبل يدها الممدودة وأقسم أنه ليس بجائع . كانت تخدم المقام منذ ما يقرب من أربعين سنة ، جاءت إليه صبية في التاسعة عشر بعد فقد زوجها وهو عائد من سوق الخميس في نزلة البدرمان بعد بيع محصول الفاكهة وتحميله علي العربات التي اتجهت به إلي الإسكندرية . قبض ثمن المحصول وعده ورصه في محفظته الجلدية ذات الكباسين الفضية اللامعة .ودع التاجر الذي اشتري منه . عاد بعد أن حرص علي أن يشتري لعروسه وابنة عمه كل ما يلزمها من السوق.رآه بعض اللصوص. ترصدوا له في عز القيالة في الطريق الذي يفصل بلده اسمو العروس عن نزلة البدرمان .تكاثروا عليه . قتلوه وأخذوا نقوده ، بعدها بسنة واحدة مات أبوها إثر سكتة دماغية أصابته . وجدت الفتاة نفسها دون عائل . طمع فيها العمدة وبعث إليها من يجس نبضها وينقل إليها رغبته في الزواج منها .كانت ما تزال تحت تأثير صدمة موت الأب والزوج.رفضت وقررت في لحظة لم تندم عليها أبدا أن تهب نفسها لخدمة مقام الشيخ (علي ) ذهبت إلي الشيخ حسين والد الشيخ صالح .طلبت منه أن ترعي المقام وتعيش فيه . تردد في بداية الأمر خوفاً عليها أن تصير مطمعاً للشباب والرجال ،وهي الجميلة التي لفت جمالها أنظار الكل، حتي العمدة نفسه طمع فيها ،ولكنها أصرت وقالت في ثقة تدعو للعجب ـ اللي يعيش في حماه ما ينضام ، وأبويا جالي في المنام ،وطلب مني أبيع الجنينة وأربي بيها كام يتيم وأعيش علي خيرات الشيخ . وبالفعل نفذت الفتاة ما طلبه منها الأب في منامها واتجهت للمقام تقيم فيه ، وتنفق وتأكل وتشرب مما يحضره الناس للمقام من زبد وجبن وحمام ونقود . هدأت فاطمة بعد قفزة دياب علي أسطح الجيران وفراره ، ونزلت متمهلة ، تعرك عيونها مدعية النوم ، وفتحت الباب . دفعها المخبرون وانتشروا في الدار. غطت وجهها بطرحتها حين أحست بعيون ضابط المباحث تخترقها، بحثوا عنه فلم يجدوه. بدأوا يبحثون عن سلاح أو حشيش. كبوا الزيت والسكر وبعثروا كل شيء ،بحثوا حتى في الزير لم يجدوا شيئا ، فأراد ضابط المباحث أن يأخذها إلى النقطة ،ليأتي زوجها ولكن شيخ الغفر نصحه بعدم أخذها: -لأ يا بيه بلاش ناخدها. - هناخدها لغاية لما الخول بتاعها ييجي يطلعها. ـ بلاش يا بيه دى بنت الشيخ صالح. ـ يا رب تكون بنت بارم ديله ،لازم ناخدها لغاية لما الخول ييجي. ده اللي هيجيبه علي ملا وشه . ولما كان ضابط المباحث غريبا عن البلد ، ولا يعرف من هو الشيخ صالح ، أصر على أخذها وفي النقطة أخرجها المأمور الذي يعرف قدر الشيخ واعتذر لها وبعث معها مخبرا ليوصلها إلى المنزل. شكرته وذهبت إلى منزل أبيها. فوجئ الشيخ صالح بابنته تدق الباب في ساعة متأخرة من الليل. حين فتح لها الباب ألقت نفسها في حضنه ، وبكت ،هدأ جسدها المتشنج والحاجة تسأل في لهفة ما الذي حدث. - إيه يا بنتي اتخانقتي مع دياب ولا إيه؟ - يا ريت يا أمه كانت جت على كده. - إيه يا حاجة ؟ تهدا البنت الأول وبعدين نعرف منها كل حاجة. - رحت النقطة يا با. اتبهدلت.جايين يدوروا على دياب مع إنه معملش حاجة. شعر الشيخ صالح بطعنة في قلبه. تركها تبكي في حضن أمها .دخل المقعد البحري جلس في ضوء القنديل الباهت يبتهل، وبين الحين والحين ينظرإلي ظل امرأته الذي يتطاول على الجدار وهي واقفة تنظر إليه وتسح عيونها. -لازم أطلقها منه. - معلش يا شيخ صالح البت حامل. - عيلها يربيه إخواله. - البت صغيرة يا شيخ . هتميل بختها ؟ - أحسن من العيشة مع الفاسد ده. -السماح يا شيخ. قلبك يساعه زى ما سايع غيره. - إلا الحرام يا حاجة، إلا الحرام. -معلش اصبر عليه بكرة ينصلح حاله. -الصلاح من الله.أنا ماجوزتهلوش غير لما اتغسل بمية وملح وحلف علي المصحف إنه هيسيب طريق الفساد . بعد انصراف قوة المباحث إلي المركز ، ذهب الشيخ إلي المأمور وتوسط لديه ، رجاه أن يخفف الضغط علي دياب ، استطاع أن يترك المقام ويعود إلي البلد .حضر إلي منزل الشيخ وجده جالسا أسفل التوتة التي تتوسط الدار،أصابعه تفتل حبلا يربط به البهائم . قبل رأسه وجلس بجانبه ، وحرص علي ألا ينظر في عينيه . يغمس قطعة الليف في إناء الماء الموجود بجانبه. ركز علي الحبل الذي يفتله. عاود دياب تقبيل رأسه . أقسم أنه لم يفعل شيئا منذ أن تزوج فاطمة. نظر إليه الشيخ ونادى على ابنته التي كانت تتسمع من وراء الباب .أقبلت على استحياء ،وجلست على أول درجات السلم. نظر إليها.الانكسار يلفها والحزن يقطر منها. سألها إن كانت تريد العودة معه بعد ما حدث؟ أومأت برأسها وتاهت في الفراغ، نظر إلى دياب وقال له: - دي المرة الأولى والأخيرة المرة الجاية هطلقها. - يابا الحاج وأنا ذنبي إيه؟ والله ما عملت حاجة غلط خالص من ساعة ما اتجوزتها. - تعال بعد صلاة العشا خدها. انصرف دياب وواصل الشيخ ما يفعله وشفتاه لا تفتران عن التسبيح. مشاغبة استيقظت دولت مبكراً. اليوم الجمعة له طقس خاص.ترفض الخبيز أو أي شيء. لا تفعل سوى الأعمال الضرورية فقط ، مثل حلب البهائم الذي تقوم به بنفسها ، بعد مشاجرات الفريصة المستمرة وانفصالها عن المنزل ،الطبيخ توكله إلى صباح ، تفضلها حتي علي ابنتها ،أحيانا تغار منها فاطمة .تطلق على بناتها بنات البكرية، (طبعا ما هية البكرية )، فتضحك أمها وتحتضن جسد سلوي النحيل وتقول لها تعالي يا بنت البكرية فتغتاظ فاطمة أكثر. قامت الحاجة نشيطة مرحة بعد أداء طقوس صلاتها الصباحية .نزلت لتعد الحمَّام لزوجها.غرفت الماء من الزير في حلة نحاسية .وضعته علي الكانون ، ثم كبت فيه الماورد وأدخلته الحمَّام . أيقظت زوجها الذي طوقها بذراعيه باسما فأبعدت يديه بلطف وقالت: - قوم يا شيخ الحمام جاهز. - طب ومستعجلة ليه خليكي جنبي شوية. - يا شيخ يللا مايقطعلكش عادة، خد حمامك لغاية ما أجهزلك الفطار. قرصها الرجل في فخذها واقترح عليها أن يغيروا هذا الطقس الأسبوعي وغمز لها بعينيه العسليتين ، فاحمر وجهها الأبيض المورد ولا بنت العشرين.قبلته في رأسه وتركت يديه تمسكان بالفراغ ،وخرجت.تعمد ألا يخرج بسرعة .عادت إليه.ادعي النوم . جلست بجانبه مرة أخري علي السرير النحاسي وهمست : ـ يا شيخ، يا بو عنتر .أنت نمت تاني . تعمد ألا يرد ، كررتها مرتين ، تسللت يده من تحت اللحاف الحريري وطوقت وسطها، ضحكت وحاولت إبعاده ولكنها لم تفلح : ـ بذمتك مش أجمل حاجة إننا نغير العادة دي تعالي يا شيخة نامي جنبي شوية . ـ يا راجل قوم .عيب عليك باقي ساعتين علي الضهر الشمس مغطية التوتة . ـ مش مهم أديكي إنتي بتقولي باقي ييجي ساعتين، يعني لسة بدري.ماوحشتكيش؟ ـ يا راجل خلّص أحفادك مليين الدار بسم الله ما شاء الله وانت لسه هتعيده تاني . ـ قصدك إني كبرت، أنا لسه زي ما أنا وممكن أتجوز تاني . ـ أنا اللي كبرت يا سيدي ،ولو عايز تتجوز مش همانع . ـ تقدري ؟ وهوه أنا ألاقي زيك فين يا دولت .دول كلهم ستات ورق ،لكن أنت يا أم عنتر ، تعالي بس وأنا أوريكي إني لسه شايفك زي أول مرة شفتك . فاكرة كنت أنت وفردوس وأمك بتتفرجوا علي الذكر والصوان الكبير اللي كان عامله أبويا ، وأنا كنت لسه راجع من الأزهر فاكرة .؟ . ـ ساعتها أنا حسيت ببصتك ليه، قلبي ارتعش، فخبيت وشي بالطرحة وأصريت إني أمشي ،وأمي خدتني أنا وفردوس ومشيت . ـ بذمتك من يومها مش كنت دايما بتتصنتي علينا لما كنت أنا وعبد الموجود بنزور أبوكي وخالتي ؟ ـ فعلا كنت بسمع صوتك أبقي مش علي بعضي . انتهز الشيخ فرصة الذكريات التي جعلت قلبها يرتعش، وأنامها علي ذراعه ، بعدها قامت علي صوت صباح التي تنادي علي ناهد ابنتها الوسطي وتسألها عن ستها الحاجة ، ردت علي صباح خجلة وخرجت ، وضعت جمرات النار في الإناء الفخاري الصغير ورشت عليه مسحوق البخور ، وطافت به حجرات الدار. توقظ النائمين ، وتطرد الشياطين. جلس الشيخ في الطرقة الواسعة التي تتوسط حجرات الدورالعلوي .يحتفظ بعدة حلاقته في صندوق خشبي مخصوص. ثارت ثائرته هو الوقور العطوف حين وجد المرآة التي يحلق عليها ليست في مكانها. أسرعت المرأة تهدئ ثائرته وتبحث له عن المرآة. ثبتها على حاملين من المعدن وأخرج علبة الصابون الصغيرة وكوب الماء . وضع الصابون على وجهه بالفرشاة الناعمة وبدأ يحلق ذقنه والمرأة تطوف حوله تردد الأدعية وتتمتم في صوت غيرمسموع إلا لها،وحين انتهى من حلاقة ذقنه وضع عليها الكولونيا وتحسسها بيديه ،ارتدى الجلباب الأبيض المفرود بعناية على السرير ، ولف الشال المزهر ، ونزل متمهلا استعداداً للذهاب للمسجد ووراءه المرأة ، مازالت تحمل الإناء الفخاري وتردد أدعيتها . التفت بوجهه إليها وغمز لها بعيونه وهمس : ـ زي زمان ولا شخت ؟! ارتبكت ولم ترد ولكنها ابتسمت في حنان . ـ تيجي نعملها كل جمعة . دارت المرأة الخجل الذي بان عليها ، وتلفتت حولها تبحث عن عيون قد تري ارتباكها ، ابتسمت له في ود ودفعته دفعة خفيفة في ظهره: ـ يلا يا شيخ الجمعة هتفوتك ـ أنا قلت حاجة أنا بس عايز أعرف رأيك . ـ وده وقته الشيخ محمد رفع الأذان الأول انزل بسرعة . |
|
|
|
![]() |
بان حسني - عضو مميز |
![]() ![]() ![]() ![]() |
14-06-2007, 11:03 pm
مشاركة
#10
|
|
|
|
العزيزة الغالية هويدا،
حلت عمرة الدار قمرا منيرا على المنتدى. لا أريد نسخة إلكترونية. أريد أن أمسك الرواية بيدي و أقلبها و أشم رائحتها. سأنزل قريبا إلى عمان بإذن الله و ربما تجدينني في القاهرة كالقضاء المستعجل.و حينها سآخذ الرواية و حتة من صاحبة الرواية. عندما تتضح الأمور سأراسلك . محبتي لك ![]() |
|
|
|
![]() |
هويدا صالح - الـقـصــــة و الـنــــقــــــد |
![]() ![]() ![]() ![]() |
15-06-2007, 10:26 pm
مشاركة
#11
|
|
|
|
في حضرة سيد الشهداء
كان النضــر يجلس مع دياب وبعض الأصـدقاء يدخنون المعسل المخلوط بالحشيش، أول مرة يغير السجائر بالمعسل. أفرط دياب في وضع الحشيش . رأس النضر تدور ، أعواد الذرة تبدو له عالية ومتشامخة . نظر إلى دياب الذي امتلأ فمـه بأنفاس الدخان ، وجحظت عيونه ، وهو يحاول أن يكتم أنفاس الدخان ، واصل النضر تخيلاته حتي أنه رأي الشيخ صالح يمسك بالشيشة ويشد الأنفاس ويخرجها من أنفه مثلما يفعل دياب في هذه اللحظة : ـ يا سلام يا أبو الديب علي المنظر اللي أنا شايفه . ـ شايف إيه يا حاج علي فرن بلاطته حامية ؟ ـ شايف عمك الشيخ صالح قاعد وسطينا وماسك الشيشة زيك دلوقتي . ـ خيالك راح لبعيد لو أبويا جه من التربة يبقي أبوك يعملها .، وضحك كثيراً حتى استلقى على ظهره وهو ينسج الصورة التي تخيلها فرأى الشيخ صالح يمرر الشيشة بينه وبين عمر والمريدين . بالغ في خيالاته فرأى الشيخ عليّ وباقي الأقطاب يشاركون في جلسة المزاج التي رسمها .. تعجب دياب من ضحكه الزائد وقال له: ـ وعمر كمان يا بني بيشد المبسم ويطلّع الدخان من منخاره . ـ ـ طرت يا حلو ومفيش فايدة. ـ مش أنا اللي أطير من الحشيش المضروب بتاعك. ـ مضروب؟! ـ ده أي حد يشوفك يعرف إنك مونون ع الآخر فما بالك بالشيخ صالح ده هينكد عليك ـ آه يا جدع مش عارف هدخل البيت إزاي وأنا في الحالة دي. ـ قول يا شيخ العرب ونط من على الزريبة. ـ يا شيخ العرب ؟ ـ أيوه. ـ اسكت أحسن أنا لسه شايف شيخ العرب بتاعك وبقية المشايخ قاعدين زينا كده بيشربوا حشيش وينكتوا. ـ وشيخ العرب بنفسه كان ماسك الشيشة ؟ ـ أيوه يابني والدسوقي والشيخ علي والشيخ صالح بيخدم عليهم برضو . ثم هز رأسه لدياب وأضاف : ـ أنا مش عارف يا أخي أبويا ده ملته إيه ده كان في مصر أم الدنيا وفين ؟ ده كان ساكن الغورية اللي نسوانها يكفروا العابد،ومع ذلك عمره ما خرج عن الدور اللي رسمه له أبوه . ـ أهو أخوك عمر صورة منه . ضحـك دياب ملء قلبه على النضر الذي شطح كثيراً بعد شرب الحجرين والذي سيطيرهما الشيخ صالح من رأسه بتوبيخه المعهود،وأعجبه منظر الأولياء وهم يشربون المعسل كما تخيلهم النضر ضحك كثيرا وقال للنضر: ـ خيالك شطح بعيد والشيخ هيبهدلك لو شافك في الحالة دي أحسن حل خدلك غُطُس في المحمودية قبل ما تروح فَوَّق نفسك بيه . توقف عن الضحك وبدأ يفكر في الشيخ صالح والوعد الذي قطعه له ، حتي يُعيد إليه زوجته ، ولكنه ماذا يفعل ، كلما حاول الالتزام تبحث عنه الحكومة في كل مرة يحدث أمر في البلد سواء كان له يد فيه أم لا ؟ تركه النضر غارقا في أفكاره وقام متجها إلي المحمودية ألقي بجسده في مياهها الباردة سبح طويلا وبعدها خرج . ابتعد وسار حتى وصل إلى شارعهم . تراءى له المنزل يبتعد كلما اقترب منه . حدث نفسه قائلا أنه مازال تحت تأثير حشيش دياب،وفجأة رأى رجلاً لا يعرف من أين أتى متجهاً نحوه ويقول له: ـ وصل بك الأمر أن تتعدى على رجال الله؟! ـ أنت مين يا عم؟! ـ إن لم ترجع عن طريقك هذا ستعاقب . نحن نتركك إكراماً للرجل الطيب فلا تتجاوز. والزم حدود الأدب ولا تتطاول علي أهل الله . ذُهِـل النضـر ولم يَدر هل الرجل يخاطبه هو أم يخاطب أحداً لا يراه؟ واصـل النضـر طريقه، ولكن الرجل صرخ صرخة أفزعت طائراً كان ينام علي شجرة التوت التي تتوسط المنزل الكبير . مملوءة صرخته بالضيق والغضب ( إلى مـتى؟ إلى مـتى؟ ). عـاد النضـر مرة أخرى إلي الرجل حيث يقف كان يردد في خشوع : ـ أرواح المشتاقين تطير إلى حضرة المولى لمطالعة الجمال المطلق. ـ سامحني . مش هكررها تاني.اعف عني لن أتطاول مرة أخري ـ غاية المحـب ومنـاه. هـب نسيم لطيف ملك على النضـر كيانه. تصاعدت أنفاس الرجل هادئة ولطيفة وهو يردد تسابيح مبهمة لم يتبينها النضـر .ولكنه أحس برغبة ملحة في البكاء . انكب علي يد الرجل يقبلها. مردداً العفو والسماح . كان الرجل ناظراً إلى السماء التي ازدهرت بحشد كثيف من النجوم، والأرض ما تزال غارقة في الصمت . لا يسمع في هذا السكون إلا نباح كلاب يأتي من بعيد . شملت السماء والأرض سكينة وعذوبة جعلتا قلب النضـر يتفتح وذهنه يصفو. ارتعش قلبه وأراد أن يواصل طريقه ولكنه أحس أن قدميه قد تسمرتا في الأرض. كان العرق يتصبب من كل جسمه. غابت الحوائط حوله مبتعدة. تلاشى الرجل.غاب في حلم بعيد تحول الواقع إلى موقع جديد . رأى نفسه وسط أرض فسيحة خضراء . الأشجار تحوطها من كل جانب . شم عبقاً جميلاً مختلطاً برائحة بخور لم يعهدها من قبل .على يمينه أضـواء سماوية تنبعث من بناء متسامق وأصوات ذِكـر تبدأ خافتةً ثم تعلو . ملائكة بأجنحة نورانية خضراء تشده ببطء وتدخله داخل الحلقة المنعقدة. تنـاغـم مع الأجساد المتماوجة والأصـوات القدسية. صـار جزءاً مما يحـدث. عـلا صـوته بالذِّكْر وأنفاس اللاهثـين خلفه يرددون النغمات المتقدة بأنفاس طاهرة . تنهـدت القلوب وانسالت الدموع. رأي عمر يمد إليه يده بكوب تفوح منه رائحة العنبر. الشيخ صالح يطوف حوله بمصباح يشع نورا صافيا.من أحـد طرفي الحلم .عاد مرة أخرى حيث الرجل الواقف أمـامه. رأى حوائط الدور ما تزال منتصبة، المنزل يرتفع عاليا وسط الدور . حدّق في عيون الواقف أمامه يبتهل . ضياء قوي يلف جسده ، ويبدد ظلام الليل. توسل إليه أن يخبره من هـو؟ وماذا يريد منه؟ مسح الرجل بيده الوضـاءة على رأسه وقلبه وأمره أن يترك اللهـو والعـبث . أن يرحل إلى جوار الحسين؛ ليكون بصحبته ويحيا في خدمته. تلاشى الرجل النوراني والضياء الذي يلفه. سار النضـر خائفاً وجِلاً . الشوق والوله يذيبان كبده. طرق الباب طرقات متلاحقة. أسرعت أمه لترى من يطرق الباب بهذه اللهفـة. هي تعرف أنه الوحيد الذي يتأخر إلى هذا الوقت من الليل، ولكن معه مفتاحاً للباب، فمـن يكون هذا الملهوف؟ خفق قلبها هل تورط مع دياب في أمر والحكومة جاءت تطلبه ؟، ولكنها استبعدت هذا الخاطـر. الحكومة لن تدق باب الشيخ صالح في هذا الوقت من الليل. فتحت الباب .قرّبت اللمبة التي تتراقص فتيلتها من وجهه هالها ما ترى قالـت له: ـ ما لك يا بني وشك أصفر زي اللمونة ؟!! ـ أبداً يا أمه مافيش. ـ مفيش إزاي؟! إنت برضه شارب الهباب اللي لاحس دماغك؟ ـ والله ما أنا عارف اللي شفته بجد ؟ ولا من الحشيش اللي شربته مع دياب ؟ أكمل النضر جملته ،وجلس علي حافة السلم .وضع رأسه بين يديه وبدأ يسترجع ما حدث.: ـ يابني ريح قلبي الله يرضي عنك ـ عايزة إيه يامه سيبيني في حالي لما أعرف اللي شفته ده حلم ولا حقيقة ؟ ـ شفت إيه يابني ؟ ـ راجل يامه له هيبة والنور بيغطيه من راسه لقدمه ، قالي كلام غريب عن السفر والحسين . ـ سفر إيه يا عين أمك وعيالك ؟ ـ والله ما أنا عارف يظهر مخي زي ما بتقولي اتلحس . ـ خليك يابني قاعد في الهواء يمكن يفوقك لغاية لما أشوف أبوك .دخلت الحاجة المقعد البحري . أبوه جالس يتعبد. أخبرته ، فخرج مسرعاً إلى ابنه الجالس هناك مرتعشاً ومحموماً. أدخلته حجرتها وبدأت تطوف حوله بمبخرتها النحاسية. طلب منه الشيخ أن يعيد على مسامعه ما حدث. وحين أكمل النضـر حكايته وتحت إلحاح والده الذي وقف حائر اً بين تصديق ابنه وتكذيبه حكاها للمرة الثانية : ـ الله وأكبر يا بني والله ده الخضر قالها الرجل بفرح غامر وقلب يشكر الله. ـ عليك السلام ورحمة الله وبركاته ، هكذا أسرعت المرأة الملهوفة تردد . ـ بتسلمي علي مين يا حاجة ؟ ـ علي الخضر ياعين أمك لما تجيب سيرته بيحضر بجسمه وروحه ويسلم عليك . وضعت الأم رأس ابنها في حجرها . بدأت تدعك له جسده بالخل ، دخل الأب قاعة الشيخ علىّ ليكمل قراءة ورده. ما زال جسد النضـر يرتعش. دفأته أمه بلحافها الحريري . جلست بجانبه تفكر فيما قاله الرجل . قبل أن تستيقظ ديوكها وتعلن عن اقتراب الفجـر. كانت عيونها ما بين اليقظة والنوم. فُتح باب الحجرة . دخل رجل في ملابس بيضاء. فتحت عينيها . أغلقتهما مرتين حتى تتأكد من الواقف أمامها . مـدّ إليها يده بحق صغير له رائحة طيبة أمرها أن تدعك له جسده به بدلاً من الخل ، وقبل أن تفتح فمها لتقول كلمة قـال لها الرجل: ـ لا تقفي في طريق مشيئة الله . دعيه يرحل . الحسين بانتظاره . قال جملته واختفى. ـ اللهم صلي علي طه الحبيب، لا والله ده الخضر يا ابن بطني . كان النضر مازال راقدا محموما فلم يسمع جملتها ، دعكت جسده الذي يرتعش بالحق الذي تفوح منه رائحة عطرة وبدأت تدعو وتقرأ أدعيتها . كانت تصلي علي النبي بين كل دعاء . هدأ الجسد تماماً . في الصباح جلس الشيخ مع ابنه وأخبره أنه موافق على ذهابه إلى مصر، ولكن عليه أن يمهله بعض الوقت حتى يتحدث مع إخوانه من محبي آل البيت .عليهم أن يساعدوه على الاستقرار هنــاك . لقـد كانت كلمات الرجل شرارات تفجرت في أعماق النضـر بكل ما يكمن فيها من طاقات إيمانية، كانت تنتظر الميقات لتشق طريقها كالإعصـار ، لتنبت أزهار الحب الإلهـي في ذلك القلب الذي طالما انتقد من يتفانى في طريق الله. في المساء أخبر زوجته باقتراب سفرهم .لم ترد فايزة في بداية الأمر، بل جلست على حافة السرير صامتة . ـ إيه يا فايزة مش عايزة تسافري ولا إيه ؟ مئات الصور والتخيلات تمر في ذهنها. لقد تربت في هذا المنزل. طفولتها وشبابها أفراحها الصغيرة حين كانت تتسلل هي وفاطمة لتتسمع إلي حلقات الذكر، وحين تطلب منها الحاجـة أن تصعد إلى حجرة النضـر لتنظفها. تخيلاتها لحياتها القادمة معه . أحزانها الكثيرة حين كانت تسمع بقصص مغامراته مع الفتيات . حبها الصامت له. كل شيء مر أمام عينيها. ـ ماتخفيش ربنا معانا . هـي تعيش على هامش الحياة في هذا المنزل. لا دور لها في تصريف الأمـور. لا تفعل إلا ما يُطلب منها. عمها الشيخ يُحبها . يحرص دائماً على الوقوف بجانبها في كل موقف . الحاجـة تحبها أيضاً، ولكنها لا تعتمد عليها في شيء مثل صبـاح. ـ وبعدين يا ستي هتعيشي جنب سيد الشهداء علشان ربنا يبارك في عيالنا . زوجها لا يهتم بأمرها وأمر ولديها أحمد وزهير . سفرها إلى القاهرة هل سيكون في مصلحتها؟؟ هل تستطيع أن تتحمّـل مسئولية الزوج والولدين بمفردها؟؟ النضـر لم يترك امرأة ولا بنتاً إلا وجرى وراءها .ماذا سيفعل في مصر وهي تسمع عن نسائها اللاتي لا يخجلن ، بل يسعين وراء الرجل . يوقعن به في شباكهن ولو كان تقياً؟ هل توبة النضـر حقيقية.هل يستطيع أن يترك اللهو والأصـدقاء؟ كل هذا مرّ في ذهنها والنضـر يعاود سؤالها عن رأيها. ـ وكمان عيالنا يتربوا كويس ويتعلموا بعيد عن تعب و شقي البلد . نظرت إليه ولم ترد ولكن دموعها غلبتها انسابت حارّة ومؤلمة. تحيّـر من بكائها. ماذا يفعل ليطمئنها؟. مـدّ ذراعه طوّق جسدها المرتعش. لأول مـرّة تشعر بحنانه. لأول مـرّة تشعر بعطفه فلم يلمسها يوماً إلا لقضاء رغبته. الآن يحتضنها بحنو وعطف بالغين. استكانت تماماً في حضنه ولم تأتِ بحركة واحدة . تخشي أن يترك جسدها المتعطش للدفء. رفع رأسها بيديه ونظر في عينيها تماماً وقال في ود: ـ أديكي شايفة الواحد بيفضل من أول النهار محني ضهره علي الطورية والفاس ودايما بنزرع في أرض غيرنا ، بنشقي ،وغيرنا يلم خيرنا وشقانا. سيبيها علي ربك اللي لا يغفل ولا ينام . حـين اقترب موعد سفرهم أخذتها الحاجـة إلى حجرتها وبدأت تعطيها نصائحها . تعلمها كيف تحافظ على بيتها وزوجها، وفايزة تستمع إليها وجلة وخائفة من الحياة الجديدة المقبلة. ولم تنس صبـاح وفاطمة أن يطمئناها ويقولا لها أنها ستذهب إلى مصر أم الدنيا، وأنها سترى الحسين والسيدة وكل آل البيت، وهي تضحك حيناً وتتخيل حياتها المقبلة وتحاول رسمها في ذهنها حيناً آخـر. |
|
|
|
![]() |
هويدا صالح - الـقـصــــة و الـنــــقــــــد |
![]() ![]() ![]() ![]() |
16-06-2007, 02:35 pm
مشاركة
#12
|
|
|
|
انطفاء الضوء
ضوء شديد غمر الدار وانطفأ فجأة. فتح الشيخ باب المقعد الذي ينام فيه .خرج إلى وسط الدار. نظر إلى السماء كانت صافية والنجوم ما تزال في مكانها . نقبض قلبه ودخل حجرته . اطمأن على كل شيء في المنزل .أخرج الساعة من جيب الصديري نظر .الفجراقترب .الحاجة على غير العادة ما تزال نائمة. دخل عليها المقعد رفع فتيلة المصباح .وجد رائحة البخور تملأ المكان.نظرفي أنحاء الغرفة .بحث عن المبخرة وجدها على السحارة الخشبية .ليس بها بخور أو نار. اندهش ،واقترب من السرير كانت الحاجة تلف ذراعيها حول جسد سلوي.لا يعلم لماذا جلس على السرير يتأملها. كأنه يراها للمرة الأولى .كان يحلو له أن يجلس بجانبها بعد نومها يتأمل وجهها. كانت ملامحها راضية كمن أنجز كل المهام التي طلبت منه. جلس صامتا تماما لا يبدي حركة حتى لا يوقظها . يعلم أنها ستستيقظ كعادتها حين يطيل النظر.لم تتحرك. لم تفتح عينيها باسمة ، وتلومه على جلوسه هكذا كعادتها. طال انتظاره لاستيقاظها، ولم تفعل أخرج الصغيرة من بين ذراعيها فلم تتحرك. جس نبضها كانت قد فارقت الحياة. يعرف الآن لماذا انقبض قلبه حين انطفأ النور الذي غمر الدار؟ خرج بالصغيرة ونادى على عمر حتى يأخذها فخرجت إليه صباح وقالت : - خير يابا البت مالها ؟ - مفيش سمي عليها ونيميها جنب إخواتها وتعالي . - فيه حاجة ؟ أصحي عمر؟! - ياريت. خرج عمر من حجرته متجها إلى أبيه الذي جلس في انتظاره بجانب الحاجة. لم يكن يظهر على وجهها علامات الموت. كانت كمن يحلم. كان يقرأ في المصحف ودموعه تنساب في صمت .قال عمر: - ما لها أمي؟.إيه الحكاية؟ - ربنا استرد أمانته يا ابني . ضربت صباح على صدرها حين أخبرها عمر وجلست ذاهلة لا تدري ماذا تفعل. عمر يخرج من حجرة يدخل أخرى. نظراته تائهة. يلف الدار، لا يدري عما يبحث، دخلت الحجرة كان الشيخ ما يزال يقرأ وعيونه تسح ، وعمر يلف حجرات المنزل. دخلت حجرة الخزين وأحضرت (الأذان) الكبير وملأته بالماء وأشعلت تحته النار وجلست تنتظر. كانت تفكر في حالهم .الحاجة عمود الدار .أسئلة كثيرة طافت ببالها . بين لحظة وأخري تغمس كفها في الماء تجس سخونته .الدموع تستعصي عليها . حين ثقل عليها الجسد الممتلئ نادت على عمر. أمسكها من تحت إبطيها وهي تخلع عنها ملابسها المعطرة .أجلسها في الطشت .لم يحرك عينيه عن مؤخرة رأسها. لا يريد أن ينظر إلى جسدها. قالت له صباح من خلال دموعها: - اللهم صلي على النبي جسمها زى البنت البكر.المية مبتعلمش فيه. زى ما يكون مدهون بالزبدة. . ظل يحدق في مؤخرة رأسها ، قالت وكأنها تحدث نفسها : ـ دي موطوطة . لا توجد في جسدها شعرة وحيدة. لفتها في ملاءة بيضاء وأرقدتها على سريرها . دخل الشيخ بعد أن خرجت صباح وجلس بجانبها يقرأ القرآن. قال له عمر: - قوم يا با الفجر أذن اتوضى وصلي. - حاضر يا بني بس سيبني أونسها في وحدتها. - صلي يا با وارجع اقرالها اللي أنت عايزه. - اروح اخبط علي عنتر أصحيه يابا؟ -لأ يا بني مفيش دفن غير الصبح سيب الكل نايم مستريح. ذاع خبر موتها . امتلأت الدار بالنساء والأطفال .الرجال جلسوا على الدكك التي اصطفت على جانبي الشارع. فاطمة تصرخ وتلطم وجهها . أمسكها عمر بيدين قاسيتين وأقسم بالله إن سمع امرأة تصرخ أو تعدد سيضربها. النساء خفن منه لا يرجع في كلمة قالها. صمتت النساء وجلست فاطمة على باب المقعد تكتم دموعها وبين لحظة وأخرى تقول: -الحاجة تموت طب آجي لمين؟! - تيجي لأبوكي وإخواتك يا فاطمة. - ماتت أمك يا صباح. خلاص يا بكرية معدش ليكي حد. - البركة فيك وفي إخواتك يا فاطمة. - خلاص يا ختي الكل ضهره انقسم. -اسكتي يا بت عقلك هيشت. حاولت فاطمة أن تصرخ. أن تتمرمغ في الأرض . صباح منعتها وذكرتها بقسم عمر فقالت لها: - دي الحاجة يا صباح تبقى جنازتها باردة كده. - نارها عمرها ما هتبرد بس كل ده مش هيرجعها. - هيبرد نارنا يا بت. - ربنا يبرد قلبك. اذكري الله أحسن. - جايلك العقل ده منين . بكرة الصبح مش هتلاقي الحاجة تصحيكي وتربيلك بناتك - ربنا يصبرنا على فراقها يا فاطمة. أقبلت المغسلة تتكئ على عصاها . أفسحت لها النساء ودخلت ومعها صباح .قربت من يديها الماء الساخن. أجلستها المرأة على الخشبة باتجاه القبلة ضمت ركبتيها إلى صدرها وأعادتها مرة أخرى أجلستها ثم أنامتها ولما سألتها صباح لم تفعل ذلك أخبرتها أنها تحاول أن تخرج من بطنها أي غائط أو ريح حتى تقابل ربها طاهرة مطهرة قالت لها: - الحاجة عمرها ماتعشت. دايما تنام خفيف. -اللهم صلي على النبي بصي ابتسامة الرضا اللي على وشها؟ زى العروسة اللي هتنزف لعريسها. - الكرم باين على وشها أنا عمري ما عديت عليها إلا وملت لي الشوال من كل خيرات الله. - خيرها على الكل اسم الله عليها عمرها ما كلت حاجة لوحدها. حين انتهت المغسلة من طقوسها لقنتها في أذنها ما ستقوله ساعة السؤال : ـ اسمعي يا دولت يا بنت زهر الورد .لما يسألوكي مين ربك قولي الله ومين نبيك قولي محمد ودينك الإسلام . لفتها في الكفن الأبيض وأرقدتها في لحافها الحريري ثم وضعتها في الخشبة : ـ ياعمر الحاجة جاهزة للرحيل ـ وشها عامل إيه يا صباح ؟ ـ ما شاء الله ياعمر النور طالع منه زي البدر المنور . انفلت عبد الرحيم من بين ذراعي عمر .أسرع إلى مقعد أمه. ظل يبكي ويصرخ ويحاول أن يزيل الشاش الملفوف به وجهها .المغسلة تحاول منعه . أخذه عمر في حضنه وهو يناديها ويمد ذراعيه نحوها . يتشبث باللحاف وهي لا تقوم إليه كعادتها ،ولا تطبطب على ظهره حين يثور. انطلقت النساء في الصراخ والعويل حين رأين عبد الرحيم يناديها . لم يجرؤ عمر على إسكاتهن ،أو حتى الاعتراض على ما يفعلن .حين خرج الرجال بالخشبة التي ترقد فيها الحاجة ،توسطت الفريصة المندبة التي انتصبت. تناوبت النساء على النزول وسط الحلقة .صباح تجلس على عتبة قاعة الشيخ على تحتضن جسد عبد الرحيم المتشنج وتبكي. عاد الرجال من الدفن .دخل عمر كانت تحية تتوسط المندبة وتعدد مناقب الحاجة وباقي النساء يرددن وراءها مثل جوقة المغنيين : يا مغربة يا قارنة الكمين يا محشمة الرجالة بالصفين يا مغربة يا قارنة كمامك يا محشمة الرجالة قدامك ـ يا صباح امنعيهم وقولي لتحية مش هيحصلها طيب . ـ النار واكلة القلوب يا خويا سيبهم . ـ ويحرقوها بعديدهم ، يعني همه هيرجعوها . فاطمة تستمع إلى صوت تحية وسط المندبة وتسح دموعها. انفلتت من يدي صباح اللتين تحتضنان جسدها المرتعش .أبعدت الفريصة بذراعها ودخلت المندبة علا صوتها وهي تعدد على أمها: أمي الحبيبة ودها بودين ود خفي وود قبال العين أمي تغطيني بكم طويل وتخاف علي م الذل والتهويل أمي تغطيني بشعر الراس وتخاف علي من كلام الناس حميت المندبة على عديد فاطمة التي اختنق صوتها بالبكاء .لم تستطع أن تكمل العدودة أسرعت صباح إليها وشدتها من يدها وأجلستها بجانبها يبكيان في صمت. حين لمحت الفريصة عمر،علا صوتها وازدادت المندبة حدة. حتى لا تعطيه فرصة للاعتراض. سحب عبد الرحيم من يده وتبعته صباح. صعد إلى الدور العلوي غير له ملابسه ،ثم نزل به إلى الصوان المقام. مال على أذن عنتر أمره أن يدخل لزوجته حتى تنهي المندبة المنصوبة : ـ خش لمراتك خليها تسكت هيه اللي محمية المندبة . ـ ما تسيبهم يا أخي عقل نسوان فارغة شوية هيتهدوا ويسكتوا لوحدهم . ـ عيب ميصحش داحنا بيت علم والناس بتقلدنا ـ خايفين لحسن الناس يقولوا رخيصة عليهم وجنازتها باردة . جلس عمر بجانب الشيخ، بعد أن أصر علي قيام أخيه ليسكت زوجته التي لا يقدر أحد عليها غيره . انتبه إلي الشيخ الذي كان ينظر إلى عبد الرحيم وقلبه يتمزق .فمن سيعتني به بعد رحيلها؟. وتذكر صباح التي تشربت من الحاجة كل طباعها وهدأ تفكيره. حين انصرف المعزون الذين أقبلوا من مختلف البلاد العامرة بالأحباب وإخوان الطريق. جلس الشيخ مع إخوانه الذين أتوا إليه من عند شيخ العرب وآل البيت في قاعة الشيخ (علي) صنعوا دائرة وأمسك كل منهم بمصحفه وبدأوا يقرأون القرآن ، عله يؤنسها في ليلة الوحدة. أخرج دلائل الخيرات من الصندوق الخشبي وطلب من عمر أن يقرأ لهم .علا صوته بالصلاة على محمد النور الذاتي والصحبة الطيبة تردد وراءه . قام عبد الرحيم من جانب أخيه وبدأ يتمايل وبدأ يقول: الله حي. الله حي. ازداد تمايله وهو يطوّح ذراعيه يمينا وشمالا والريم يسيل على وجهه توقف الأخوان عن الترديد وهمس عمر لأبيه: - عبد الرحيم طاف - عقله مش قادر يستوعب اللي حصل - أحاول أقعده يا با . - سيبه ربنا يبرد قلبه قام الجمع الملتف حول الشيخ صالح واحدا واحدا وبدأوا يتمايلون بجانب عبد الرحيم والشيخ يرقب ولسانه لا يفتر عن التسبيح والذكر. ولما تعب الرجال جلسوا ليستريحوا. تهاوى عبد الرحيم بجانب والده .احتضنه الشيخ وبدأ يقرأ على رأسه القرآن حتى نام . حمله عمر وأدخله إلى حجرة أبيه وقام الأخوان إلى مكان مبيتهم . رقد الشيخ بجانب ابنه الملتاع واحتضنه ونام. فُتح باب المقعد. دخلت الحاجة ترتدي ملابس بيضاء واسعة . والنور يشع من وجهها. كأنه تزوجها بالأمس جلست على السرير.مسحت بيدها على رأس عبد الرحيم وبدأت تردد أدعية. مدت يدها أيقظت الشيخ اعتدل ونظر إليها ذاهلا مسحت على صدره وقبلت رأسه وانصرفت مد إليها يده وناداها .لكنها لم تجبه . حين اقتربت من الباب سمع صوتها يردد اسم صباح. أغلقت الباب خلفها. جلس يفكر هل ما رآه حلم أم حقيقة؟ حين دخل عمر على زوجته بعد أن أرقد عبد الرحيم بجانب أبيه وجدها محتضنة ركبتيها وجالسة. أغلق الباب .لم تشعر بوجوده .وضع يده على كتفها ففزعت قال لها: - ماتخفيش . لسه مانمتيش؟؟ - مش قادرة حاسة إن أمي هتنادي دلوقت. - لو تشوفي دفنتها . كانت طايرة طيران. الرجالة كانوا بيجروا وراها مش ملاحقينها - شفت الخلق اللي كانت ماشية وراها؟ - تخيلي كل دول صلوا عليها. - يا مشاء الله . دى كانت زفة مش جنازة بس اللي لا يسامحها كوتها بالعديد والصويت -أمي تبرأت من كل واحدة تلطم وتصوت في جنازتها. نامت صباح وهي خائفة ومهمومة من ثقل المسئولية التي أُلقيت على كتفها، ولما استغرقت في النوم أيقظتها الحاجة أجلستها وأمرتها ألا تتحدث، تستمع فقط. فتحت صباح عينيها ذاهلة والحاجة من خلال النور الذي يحيط بوجهها قالت لها: -صباح خلي بالك من البيت -أنا خايفة ياأمة مقدرش أسد. -هتسدي بإذن الله. خلى بالك منها أوعي تزعليها -مين يا مة؟! - عمرة الدار.أكيد هتصحيكي للصلاة وهتراعي معاكي البيت. -بس أنا خايفة منها طول عمرنا بنسمع عنها وماحدش اتعامل معاها غيرك . -عمرها ما هتأذيكي بس أنت أعرفيلها حقها وأوعي تسيبي الزير من غير كوز وطول ما أنت بتخافي من ربنا كل حاجة هتبقى في خدمتك ، وهتتسخر لك . ـ ماتسيبيناش يامة . ثم مدت يدها وحاولت أن تمسك بها لتتأكد من وجودها وهي تضيف: ـ بس دي أذت عبد الرحيم . ـ لا ماتصدقيش الكلام ده بكره تعرفي حقيقة عبد الرحيم لما يأذن المولي . ـ ماله عبد الرحيم مش عمرة الدار لبسته لما ضرب القطة .؟ ـ بكره الحال ينكشف وتعرفوا حقيقة الشيخ رحومة ،ربنا معاكي وصيتك عبد الرحيم وفاطمة وعيالها. انصرفت الحاجة بعد أن قطعت صباح على نفسها كل الوعود اللازمة سمعت صوت الشيخ صالح يتنحنح قامت إليه وقالت له: - إيه يا با أنت ملحقتش تنام - الفجر أذن قمت علشان أصلي - جتلي في المنام -أنت كمان. ـ ده ماكنش منام ده حقيقة زى ما أنا شايفك قدامي كده -إي والله يا با ده زى ما يكون بحق وحقيق أنا مصدقتش قلت أكيد حلم -الكلمة الوحيدة اللي قالتها وهية خارجة اسمك.رددت اسمك كذا مرة -أنا مش عارفة هعيش من غيرها إزاي ؟ معرفتش أم غيرها دخلت بيتكم وأنا صغيرة كان عمري اتناشر سنة. - أنا كما اتجوزتها وعمرها حداشر سنة تقريبا يعني عاشت معاي خمسين سنة صلى الفجر وعاد إلى حجرته أحكم الغطاء حول جسد عبد الرحيم ودخل حجرتها ولما سألته صباح لم خرج مرة أخرى أخبرها أنه سينام في سريرها ليستأنس بها في ليلة وحدته هو لا وحدتها؛ فهي على الأقل القرآن الذي قرأه لها يؤنسها ومن يؤنسه هو.؟ رفع اللحاف الحريري الذي غطوا به الخشبة ساعة الدفن . مازال كل شيء يحمل أنفاسها احتضن وسادتها ونام . زبيدة استقر النضر في عطفة صغيرة بجانب الحُسـين. ساعده الشيخ صديق إمام المسجد في البحث عن عمل. وجد عملاً في مكتبة أمام المسجد ، وبمرور الوقت اشتراها من ورثة الرجل الذي أحبه كابنه .حلم بعيد يتراءي له . حلم تكفير ذنوب ارتكبها.طاقة نور انفتحت ذات رؤيا . لم ينشغل بشئ عن عمله وأسرته .ربما بعد العشاء يذهب إلى بيت الشيخ صدّيق في الدور العلوي حيث خلوته التي يتعبّد فيها ، يجلس بين يديه يسمعه ما حفظ من القرآن والأحاديث، ويحدثه عن الأقطاب وشموس المعارف. ترقُّ ملامح الشيخ وتفيض عيونه دموعا كثيرة .. يسترسل في الحديث عن أولياء الله . ثم يضرب فخذ النضر بيد حانية ويقول : ـ أولياء الله الحقيقيين الذين يعطونا النفحات والبركات ، وليس هؤلاء الذين يدّعون السير في الطريق وهم لا يعلمون عن حق الطريق شيئا. تعلق قلب النضر بالمسجد .وأضناه العشق وارتقى أوج التحقق والعرفان. صار منزله مقصد المريدين وأحبة آل البيت .حرص على إقامة حلقة الذكر مثلما يفعل والده في قاعة الشيخ عليّ . حرص النضرعلى إقامة خدمة لمحبي آل البيت كل سنة في موعد الحسـين ولم ينقطع عن هذه العادة أبداً. حين مرض زهيرابنه . اقترب موعد الخدمة . لم يكن مستعدا لها، جاءه الحسين بالليل وذكره بالموعد وترك كل شيء لله. فايزة امرأة كانت تعيش على هامش الحياة؛ لم تكن تثير غيرة أحد ولا تلفت نظره ، لم تكن تفعل شيئا سوى غسيل ملابس زوجها وانتظاره طوال الليل . رغم أنها تربية الحاجـة. صارت الآن امرأة أخرى. تعلمت من جاراتها اللاتي كن يساعدنها في الإعداد للخدمة كل شيء. أصبحت تجيد الطبيخ والتوفير طوال العام لمساعدة زوجها في خدمة المولد. لم تقل لا يوجد أبداً.دائماً تقول للنضـر حين يقترب الموعد ( خيرك كتير وبيتك عمران ). امتلأ جسد فايزة وصارت ترسم عيونها بالكحل . تحبك المنديل المشغول بالخرزعلى جبينها، وتجلس في انتظاره. تبذل كل ما في وسعها لإسعاده،.تعرف جيداً أن زوجها يحب النساء . وجوده في الصعيد منعه من الزواج بأخرى. اليوم لن يرده أحد إن فعلها. مرت الأيام وتعلق النضر بزبيدة ابنة الشيخ صدّيق التي شغلت قلبه . شعرت المرأة بمشاعر زوجها ...تخشي أن تلمح حبه في عيون البنت . تتعمد أن تتحدث عنه أمامها . تلمح تلك النظرة التي تعرفها جيداً حين تشتاق امرأة إلى رجل . تأكد لها أنها لن تستطيع أن تمنع النضـر من التفكير فيها . حبها ملأ قلبه. صار صامتا تماما لا يتحدث مع أحد .تؤكد لنفسها أنها تحبه وتسعي لفرحه .هل هي قادرة علي تخيله مع غيرها ؟! زهير يقفز في حضنه يكتفي .يده تتحسس رأسه .. ثم يبعده صامتاًً، يغضب الصغير . ويجري إلي أمه . يدفس نفسه في حضنها ويبكي. تداعبه ، حتي ينام ، والنضر لا يلتفت إليهما .ماذا تفعل .له نحل جسده . صار جلداً على عظم .تأكد لها الآن أنه ليس أمامه طريق آخر غير الحلال . قررت أن تصارحه بمخاوفها، وإن وجدتها صحيحة ستخطبها له بنفسها . صبرت على نزواته كثيراً قبل أن يسير في طريق الإخوان . زاغ ببصره فهو يعرف مدى حبها له، هو يدرك تماماً حسرتها التي لا بد واقعة إن فكر في الزواج بامرأة أخرى. هي ابنة عمه التي يحبها الجميع ويتعاطفون معها؛ لا يستطيع الفكاك من أسر عيون زبيدة التي تتعمد أن تطيل النظر في عيونه، ولا ترخي رموشها الكحيلة إلا حين يبدو عليه الارتباك ، يحاول الهرب منها ولكنها تطارده بنظراتها ، هي ابنة شيخه ولا يجوز له هتك سترها . مرات كثيرة حاولت دس ورقة في يده ، حين يقابلها علي السلم أو تحضر صينية القهوة . تأكد له أن هذه الورقة خطاب منها . يهرب دوماً .لا يعطيها فرصة لتنفرد به ، ولكنه لا يقدر علي منع نفسه من التفكير. كل هذا دار في ذهنه ،وفايزة ما تزال جالسة قبالته على السرير تنتظر إجابته على سؤالها، وقلبها يرتعش ، عرفت الإجابة ـ هي التي صارت عليمة بأحواله أكثر من نفسه ـ حين هرب ببصره بعيدا عن عيونها. حين طال صمته ابتسمت وقبلت رأسه وأخبرته أنها ستذهب في المساء للحديث مع أمها. لما وصلت هناك طلبت من الحاجة نفيسة أن تختلي بزبيدة . سألتها مباشرة ،ودون تردد وهي تحدق في عينيها تحاول أن تخترق قلبها لتعرف أسرارها: - بتحبي الحاج نضـر يا زبيدة؟ ارتعشت زبيدة ثم نظرت في عيني أم أحمد وقالت: - أيوه يا أم أحمد سامحيني مش بإيدي . - تتجوزيه؟ لا تعرف لماذا كانت تنتظر من أم أحمد هذا السؤال. مرّنت نفسها على الإجابة عليه .أعادت أم أحمد السؤال فقالت زبيدة: - وانت هتوافقي؟ - ما دام بيحبك. لملمت المرأة ثوبها، ومدت يدها بطرف طرحتها ،لتزيل دموعاً فرت من عينيها . سارت منتصبة وثابتة الخطو إلى الخارج. وجدت الأم جالسة على الكنبة وأمامها صينية القهوة والكنكة تكاد تفورعلى السبرتاية النحاسية. صبت الفنجان وناولته لأم أحمد رشفت رشفة وقالت: - تسلم إيديك يا حاجة . قهوتك لها طعم تاني ،المهم يا حاجة أنا عندي عريس لزبيدة . - المحروس أحمد صغير وزهير أصغر منه. - للحاج نضـر. اعتدلت أم زبيدة وهي تضع فنجان القهـوة ثم قالت: ـ أنت اتخبلتي يا ولية بتخطبي لجوزك؟ قالتها وهي تنزل بيدها فوق صدرها بقوة. - بيحبها يا حاجة وهيه كمان بتحبه. وافقوا علشان النضر يا حبة عيني انسلى. دهشت المرأة، ولكنها لم تجد مفرا من الموافقة بعد أن وافق الشيخ صدّيق الذي لم يكن الأمر بعيداً كل البعد عن تفكيره .لاحظ تعلق ابنته الوحيدة بتلميذه .تأكد له عفته وإخلاصه في أكثر من موقف ، ولما كان يعرف أن القلوب في يد مقلب القلوب فقد وافق دون مناقشة . تمّ الإعداد للزفاف في هدوء وسرعة بناءً على طلب النضر حتى لا يجرح مشاعر أم أحمد، رغم اعتراض الأم ، فابنتها ليست عازبة ولا أرملة ومن حقها أن تفرح بعرسها قالت له : ـ إيه يا نضر ده يعني إيه البت تتجوز كده سكيتي . ـ معلش يا حاجة بس علشان شعور أم أحمد . ـ بس يا بني متأخذنيش بنتي بنت بنوت مش عازبة ولا أرملة ومينفعشي تتجوز كده . وحين وجدت الشيخ صدّيق بكلامه الحاسم الذي لا يقبل مناقشة ،يصر على عدم إقامة فرح لابنته صمتت وهي تكتم حزنها وغيظها؛ فكل أم تحلم بيوم زفاف ابنتها. في ليلة الحنة فوجئت بفايزة قادمة تسبقها الزغاريد . تحمل على رأسها صينية الحنّة المغروز فيها دستة شمع مولعة. ارتفع صوت زغرودتها وهي تسأل عن العروس حتى تضع لها الحنة بيديها. تجمعت الفتيات حول العروس وزوجة العريس تضع لها الحنة، ثم توزع الباقي على الفتيات اللاتي يحلمن بمثل هذا اليوم . انتهت ليلة الحنة سعيدة على زبيدة ، ولكنها كانت مؤلمة وموجعة على فايزة رغم تظاهرها بالفرح . لم تدخر فايزة جهداً في إسعاد زوجها وعروسه. |
|
|
|
![]() |
هويدا صالح - الـقـصــــة و الـنــــقــــــد |
![]() ![]() ![]() ![]() |
17-06-2007, 01:08 am
مشاركة
#13
|
|
|
|
خالها الطيب
صباح تحاول ضبط إيقاع البيت بعد موت الحاجة .بذلت كل جهدها لرعاية كل شيء ، ولكن تبقي هناك نقطة ترعبها . لا تريد مشاكل مع تحية سلفتها قررت أن تكسبها لصفها .بعد وفاة الحاجة ، ورحيل فايزة ، واستقرار فاطمة في بيت زوجها .لم يبق سواهما . و تحية كانت مهيأة تماما لحالة السلام المعلن بين السلفتين بل كانت تبالغ في ودها .. حتي أنها تذهب إليها يوم سوق الخميس . وتشتري لها ما تريد . الوحيدة من النساء هي تذهب إلي السوق لا يهمها شيء . وداد تشتري لصباح ما تريد ، و تحية ترغب في مجاملتها . تندهش صباح وتدعو الله مجتهدة أن يدوم هذا الرضا ... علاقتهما تتأرجح بين الرضا والغضب . حين ترضى تحية تصير محبة وطيبة، وحين تغضب الفريصة لا تسلم صباح ولا فاطمة من لسانها. الكل يتجنبها. لا أحد يدخل معها في مواجهة أو يرد على شتائمها المباشرة وغير المباشرة ،وهذا ما كان يزيد من غيظها . عانى زوجها كثيراً من لسانها، وأذاها الذي تلحقه بأخته وزوجة أخيه، مرات كثيرة أراد أن يطلقها ولكن الشيخ كان يمنعه حرصا على أبنائه. اليوم للخبيز وصباح تستعد . نادت علي وداد .ولما كان السلام والرضا يملآن قلب تحية ، سمعت صوتها ينادي في غبشة الفجر علي صديقتها، حضر خالها الطيب وقررت أن تذهب لتساعدها ؛ قلبها أبيض كما الحليب تصفو كما الأطفال من أقل كلمة، دفعت الباب ودخلت وهي تقول: - يا ولاد يا للي هنا. -تعالي يا أم محمد اتفضلي -أنت هتخبزي ولا إيه؟ بسم الله ما شاء الله العجين فار. - مستنية وداد - قرصي يا ختي وناوليني والحق يقال أن تحية كانت أحسن من يمسك بالمطرحة ،بتاوتها ولا ورقة السيجارة. تنفخ فيها تطير كما صرحت بذلك صباح مرات كثيرة أمام فاطمة ووداد. شمرت أكمامها وأزاحت الطرحة عن ضفائرها المتحنية وبدأت في الخبيز. نادت صباح على سلوي أن تحضر جلبابا آخر لزوجة عمها ، فرحت سلوي بوجود زوجة عمها .. تعشق طريقتها في الحديث .. تحب السخرية الدائمة في كلامها. وتتمنى أن تتصالح مع أمها طوال الوقت؛ ولهذا ميزات كثيرة أولا يسلمون جميعا من لسانها. ثانيا لا تمنع سامية وأخواتها من السهر في المنزل الكبير وسماع حكايات الجد (جود). ثالثا سلوي تحب حكاياتها عن الحاج محمد الجني الذي يركبها والعفاريت الذين يظهرون لها دوما وهي ذاهبة إلى سوق الاثنين لتبيع خيرات البهائم والطيور؛ تطالبها دوما بأن تحكي لها حكاية العفاريت الذين ضحكوا عليها وعملوا لها أرانب ولما فرحت وأمسكت بهم جميعا في حجرها وجدتهم قد تحولوا إلى حجارة وطوب أحمر. . سألت عن فاطمة ولماذا لم تحضر لمساعدتها؛ فأخبرتها صباح أنها ستحضر بعد قليل فردت تحية: - طبعا ناموسيتها كحلي . تلاقيها سهرانة طول الليل تستنى الصايع بتاعها . - وحّدي الله يا أم محمد ربنا يصلحلها الحال -ومين هيدافع عنها غيرك طول عمركم حبايب - دي ولية غلبانة.هتعمل إيه؟ -وتعمل ليه مش بتعبي وتكبش من خير الرجالة وشقاهم وتوديله؟ - وماله .مش إخواتها؟ - ده فاضحنا في البلد ، بقى بت الشيخ صالح تفضل على ذمة الحرامي بتاع النسوان ده؟! سمعت صباح نحنحة الشيخ .أشارت لتحية بأن تصمت .أسرعت إليه تعد له الماء حتى يتوضأ وتجهز الإفطار للصغار الذين سيذهبون إلى مدارسهم. جاءت فاطمة بعد قليل رفضت أن تدخل حجرة الخبيز،حتى لا تتعرض لسخرية زوجة أخيها . جلست على عتبة قاعة الشيخ (على) في انتظار أن ينهي والدها صلاته. وأشار إليها أن تدخل. ارتمت في حضنه وبكت أدرك أنها تشاجرت مع دياب . ربت على ظهرها وقال: ـ الهدى من عند الله ، ربنا عنده خير تصريف ، اصبري يا بنتي . ـ أنا تعبت يابا كل يوم أقول هينصلح حاله مفيش فايدة . سيدة البيت فايزة كل صباح تضع بستلة الماء الساخن على الوابور،ثم تضعها في الحمام ، وتوقظ النضر الذي لم يعد قادرا على مفارقة سرير زبيدة: - صباح الخير يا حاج - صباح النور يا أم أحمد - الحمام جاهز يا خويا يداري النضر الإحراج الواضح تماما . يرفع صوته ويسأل عن أحمد وزهير، فتخبره المرأة بأنهما في سابع نومة. يقبل رأسها ويدخل الحمام . صارت هذه عادتها كل يوم تجهز له الحمام وتكتفي بقبلة على رأسها . ليالٍ كثيرة انتظرته في فراشها البارد. هيأت له نفسها. تمنت دخوله المشرق وهو يتنحنح ويعلو صوته بالذكر. وليال كثيرة لم يأت أكلت قلبها الغيرة . تذكرت صبرها عليه وعلي نزواته في الصعيد . هل هي قادرة علي أن تصبر عليه ثانية وهو يذوب عشقا في أخري ؟ . تعرف أنه لن يستطيع مفارقتها ولو ليلة وحيدة. ولكنه لا يأتي . مازالت تنتظره في سريرها وقلبها يهفو إلي دفئه وحضنه ولكنه لا يأتي حين علم الشيخ صدّيق من زوجته بأن النضر لا يفارق حجرة زبيدة نصحه بالعدل بين زوجتيه. دخل إلى حجرة فايزة وجدها كعروس تنتظر عريسها. حرك الصغيرين قليلا ثم جلس قبالتها وحين مد يديه إليها لا تعرف لماذا ارتعش جسدها. اعتدلت وجلست جواره. كان قلبها قد تألم بما يكفي . هي لا تعرف لماذا قررت أن تبقى ابنة عمه فقط وأم ولديه هكذا أخرجت الكلمات من فمها ودموعها تسيل. استراحت كثيرا وهي تحدد العلاقة أو على وجه الدقة أحست براحة حين أخبرته أنها لها البيت والأبناء ولا دخل لزبيدة في شئونه، هي التي تدبر أمر كل شيء . زبيدة اكتفت بالتزين وانتظاره . حاولت مرة أن تتدخل في شئون البيت نظرت إليها أم أحمد نظرة أعادتها مرة أخرى إلى مكانها حيث كانت تجلس على أول درجة من درجات السلم. وحين تشتكي له يطيب خاطرها . يرجوها ألا تتدخل مرة أخرى؛ فأم أحمد تعرف جيداً ماذا تصنع؛ القليل يصير في يديها كثيرا، يتعجب أحيانا من كل هذا الخير الذي تقدمه للإخوان (في خدمة الحسين) رغم أن دخله من بيع الكتب ليس بالكثير. أرغمت زبيدة على قبول هذا الوضع رغم أنها حلمت كثيرا ببيت يكون مملكتها، ولا يشاركها فيه أحد فما بالك (بضرة) تلغي وجودها، وتعتبرها مخصصة فقط لمزاج الحاج . هو رغم كل هذه المنغصات يملأ قلبها فرحا حين يهل عليها بابتسامته الرائقة وعيونه المملوءة عطفا وحنانا . اقترب موعد المولد والحاج نضر قلق وخائف، رغم علمه أن فايزة تعد لهذا اليوم عدته. تستعد له منذ اليوم التالي لانتهاء خدمة العام الفائت. تدخر طوال العام حتى تشرّف النضر أمام ضيوف آل البيت. أجلسها جواره بعد أن انتهى من التسبيح وقال لها: - إيه يا أم أحمد ضيوف الحسين قرّبوا يهلّوا يا ترى عاملة حسابك؟ - ماتخفش يا خويا كل حاجة معمول حسابها. خيرك كتير ومبروك . دخلت عليها أم زبيدة . وضعت بين يديها كل ما تحمل على رأسها وقالت لها: - دي حاجة بسيطة من بعض خيرك علشان حبايب الحسين - خير ربنا كتير وإحنا عاملين حسابنا - وماله يا حبيبتي الحبايب كتير والبحر يحب الزيادة . نادت فايزة على زبيدة وأمرتها بأن تدخل ما أحضرته أمها إلى حجرة الخزين، ولكنها قبلت يد أمها وجلست بجانبها، أمرتها أمها بإدخال ما أحضرته حرصاً على رضا أم أحمد. نفذت ما طلبته، ثم عادت مسرعة لتهمس في أذنها وعيون فايزة تتابعها . تبدو منشغلة في تنقية الأرز المكوم أمامها في الطشت لكنها تنظر بطرف عينها .. انطلقت زغرودة الأم مجلجلة . توقفت يد أم أحمد عن تنقية الأرز . قطعت المرأة زغرودتها : - مبروك يا أم أحمد زبيدة هتجيب لك أخ لولادك اسم النبي حارسهم - تقوم بالسلامة ببركة الحسين. مبروك يا زبيدة . أحست فايزة كأن يدا عظيمة تضغط على رقبتها . تمنت أن تنشق الأرض وتبلعها، وهل يحتاج النضر لسبب ليزداد تعلقه بمن لا يترك حجرها ؟ لقد تنازلت عنه منذ زمن بعيد . اكتفت بالبيت و الأبناء وتقديره الدائم لها وحب الإخوان والمريدين . من لها بنظرة حب من عيونه مقابل كل شئ؟ من يعطيها نظرة اشتهاء كالتي تراها في عيونه حين تقبل عليه زبيدة؟ يا لهذا الشعور البغيض .هي التي تركته لها ، لماذا لم تحارب من أجله ،؟ لم يُشعرها مرة أنها امرأة تُشتهي . لماذا تغار اليوم وهي التي تركته لها ولغيرها من قبل ؟ حاولت قهرغيرتها .اكتفت منه . منذ زمن بعيد بقوله (أم أحمد الخير والبركة) فلماذا الغيرة الآن؟ لماذا تتمنى موتها؟ هنأتها ، وصمتت . نظرت إليها الحاجة نفيسة نظرة عطف فهي تعرف تماما كيف تشعر امرأة تعشق زوجها وابن عمها . مالت علي ابنتها توصيها بألا تبالغ في الفرحة . رأت في نومها رجلا أقبل إليها من خلال ساتر نوراني أبيض. لم تتعرف عليه. أجلسها في سريرها وظل يمسح على جسدها ويقرأ القرآن، وحين لمح دموعها تنساب مد يده التي تشع نورا ومسحها وانصرف، وهو يقول لها : ـ أبو فاطمة بيدعيك لزيارته بس ضللي على عشك يا أم أحمد . استيقظت وما زال صوته يرن في أذنيها. وما تزال تشعر بلمسته الرقيقة على وجهها. رفعت فتيلة المصباح فانتبهت أنها ما تزال في سريرها بجانب ولديها، ربتت على رأسيهما وأسندت رأسها بذراعها. يناديها ويتعجب من عدم استيقاظها حتى الآن. لم تسمعه ففتح عليها باب الحجرة وقال لها : ـ إيه يا فايزة مش عوايدك . جلس بجانبها علي السرير ، تمنت في تلك اللحظة أن يمد يده ويلمسها .ماذا لو فعلتها هي ؟ لماذا لا تمد يدها وتشده إلي صدرها ؟ وللحق فكرت أن تفعلها . حلم الليلة الفائتة أعادها مرة أخري . تراجعت يداها اللتان كانتا في الطريق للإمساك به . تسللت من جانب الصغيرين حتى لا يستيقظا، وخرجت وهو يتبعها حائراً. جلست على درجة السلم تراقبه وهو يتوضأ وبعد أن فرغ سارت وراءه وفي يدها سجادة الصلاة . انتظرته حتى يفرغ من صلاته، ولم تنتظر أن يكمل قراءة ورده الصباحي، وقصت عليه حلمها. ابتسم ومد يديه قرب رأسها من وجهه وقبلها . تركته يكمل قراءة ورده . تخرج من حجرة تدخل أخرى، تجهز كل شيء لخدمة المولد؛ . هي الوحيدة المسموح لها بالتعامل معهم تلبي طلباتهم؛ صارت لهم أختا أو أماً. لا حرج في حديثها معهم، أما زبيدة فما تزال في حجرتها تجلس على سريرها تتحسس بطنها وتتخيل يوما يكون لها بيت و تكون هي سيدته. دخل محمد صبي المقهي ـ الذي سيصير فيما بعد رفيقاً لأحمد ابن الحاج نضر ويتزوج من فتاة تمت بصلة قرابة للحاجة فايزة ـ بصينية الشاي على النضر في الدكان: -أحلى شاي لحبايب سيدنا. إيه اللي جايبك بدري؟ ابتسم النضر ووضع النقود على الصينية وهي ما تزال في يد ه ، كانت عادته من يوم أن عمل في مكتبته المجاورة للمقهى أن يدفع قبل أن يمسك بكوب الشاي. انسحب محمد بعد أن وضع الشاي والماء على البنك ولم يستمع إلى إجابة السؤال الذي سأله . أمسك بكوب الشاي وراح يحدق في الكتب دون أن تستقر عيناه على شيء. كان يفكر في زوجتيه . زبيدة حامل .أم أحمد بُشرت بزيارة الرسول. من لأم أحمد بمصاريف الحاج ؟ تذكر النقود التي أحضرها لها الشيخ صالح ، يعرف أنها أعطته جزءاً لشراء المكتبة ولابد أنها تحتفظ بالباقي للحج .لا بد أن رؤياها التي منحها لها الله في هذه الليلة بالذات لتبرد نار قلبها التي اشتعلت حين علمت أن زبيدة حامل . أخرج كتاب دلائل الخيرات من الرف القريب منه . جلس يقرأ ويبتهل . أيام كثيرة مضت وهي جالسة في سريرها تنتظر دخوله عليها. ولكنه لم يأت. تعرف أنها هي التي قررت إبعاده عنها. هي التي تركته لها واكتفت بقبلة على الرأس. تعرف جيدا أنه لولا خجله من العائلة ما تزوجها . جاءت إلى منزلهم وهي بعد صغيرة هي اليتيمة ابنة عمه . كانت الحاجة دولت هي الأم التي حرمت منها . هو يكبرها بثلاثة عشر عاما على الأقل وهبها عمها له . الجميع يعرف أنها مخطوبة له. ورغم أنها لم تكن تعلم عن الخطوبة أو الحب شيئا إلا أنها بمرور الأيام أحبته . نامت بجوار فاطمة التي كانت تكبرها بثلاثة أعوام، زوجة عمها تعاملها كأم ، بل ربما بالغت قليلا ، حتي لا تتهم بالتفريق بينها وبين أولادها . حاولت دائما وضع الأعمال الثقيلة على ابنتها و الشيخ صالح يراقب دون كلام .رغم أن الحياة اختلفت كثيرا عن بيتها القديم ؛ فالكل يصحو بعد الفجر مباشرة . الكل يعمل ويتفانى، صارت جزءا منه. وصار حلمها الوحيد الذي تتطلع إليه هو أن يلتفت إليها النضر . أن يلحظ امتلاء خصرها . بروز نهديها. كانت تقف أمام المرآة طويلا. تفرد شعرها وتمشطه وتقرص خديها. وتتعمد أن تقف في محيط نظره . عيناه لا ترياها. هو يتجاهلها تماما .لم يلحظ أنها صارت امرأة يشتهيها الرجال و يخطبها الشباب، ولكن عمها يرد علي من يتقدم لخطبتها . إنها عروس النضر، وهو يلوم أباه الذي يرفض تزويجها . ثم نزل على رغبة أبويه وتزوجها. ولكنه أهملها تماما. كانت تبكي لسلفتها صباح . تجلس معها . تعلمها كيف تغير موقف النضر منها. بذلت كل ما في وسعها لتنال حبه واهتمامه .كان دائم الصد لها . كان عمها يلحظ انكسارها ، فيطيب خاطرها . حاول مرارا أن يجعلها تهتم بالبيت مثل صباح .أن تنال ثقة الحاجة وأن تتعلم منها، ولكنها لا همَّ لها إلا الحرص على رضا النضر. كانت أحيانا تغار من صباح .النضر كان يعمل لها خاطرا في كل شيء؛ حين تدخل عليه حجرته ،وهو يعنف فايزة لشكواها الدائمة منه يضع عينيه في الأرض ويقول لها: ـ اعملها إيه يا مرات أخويا. ماهية مش ساكتة عني . ـ معلش يا نضر ما انت عمايلك مترضيش مسلمين ، وبعدين بص يا أخي لولادك باسم الله ما شاء الله ولدين زي الفل وانت مش واخد بالك منهم وسايبها طول النهار . ـ يعني اقعدلها ولا إيه ؟ وهوه عمر قاعدلكم انتي والبنات ما هو طول النهار في الغيط والليل في القاعة مع أبوه وضيوفه . ـ أديك انت قلت في الغيط ومع أبوه وضيوفه لكن انت يا أخي مع مين ؟ مع دياب واللي انت عارفهم أكتر مننا .الحنية بتطول العمر وتشيل الهم. حن عليها شوية غيرها مش أحسن منها |
|
|
|
![]() |
هويدا صالح - الـقـصــــة و الـنــــقــــــد |
![]() ![]() ![]() ![]() |
17-06-2007, 10:31 pm
مشاركة
#14
|
|
|
|
الشوق إلي الأحبة
عام كامل مر علي موتها وهو يرعي أبناءه وكأنهم بعد صغار ، يعتمد في كل شيء علي صباح في المنزل ، وعلي عمر في الغيط ، في ليلة شتوية شديدة البرودة شعر برغبة في النوم حيث كان جالساً يصلي ، ولكن عينيه غفلتا ، فنام ، أيقظه الشيخ علي وأجلسه أمامه انتبه إليه صالح فمد الشيخ علي يده بصرة ملفوفة بعناية ومعقود طرفها بخيط حريري وقال له : ـ بص يا صالح هذا الكيس لفايزة . ـ فايزة بنت أخويا . ـ نعم اعطه لها قل لها أبو فاطمة في انتظارك . ـ ليه فايزة بالذات . ـ لا تتدخل فيما لا يعنيك فقط افعل ما آمرتك وقل لها( وبشر الصابرين) . ربت علي كتفه وانصرف .أفاق الشيخ صالح .وجد كيسا ملقي في حجره . تعجب وتذكر منامه . صلي علي الحبيب المصطفي وفتحه وجده مملوءاً بالنقود . في الصباح أخبر ابنه وقرر أن يسافر إلي النضر . حين وصل إليه. كان واقفاً مع أحد زبائنه يحدثه عن كتاب يمسك به فلما رأي أباه لم يصدق عينه . احتضنه وقبل رأسه وأغلق المكتبة ،وعاد به إلي المنزل كانت فايزة جالسة تخيط بعض الملابس وبجانبها زبيدة. حين رأت عمها يدخل عليها أسرعت إليه وألقت بنفسها في حضنه وبكت كما لم تبك من قبل .زبيدة واقفة لا تعرف كيف تتصرف ، صحيح النضر لم يتزوجها إلا برضا الحاج ،وإصرار فايزة ،ولكنها لا تعرف ماذا تفعل في هذا الموقف غير المتوقع .لم تذهب إلي البلد ،ولم يأت أحد فرحها . كل ما فعله النضر أنه نال الموافقة من أبيه علي استحياء ، انكمشت في مكانها لا تبدي حركة وبعد أن هدأ ابنة أخيه المتشنجة التفت إليها وقال لها : ـ أهلا يا بنتي . ـ أهلا يا عمي . أمسكت بيده وقبلتها ودخلت إلي حجرتها ، شيعها بنظرات لا تشي برضا أو غضب فقط أمسك بيد ولده وابنة أخيه وأجلسهما وقص عليهما المنام وأعطاهما العطية الربانية ، وفي الصباح غادر لدرجة أن عينه لم تقع علي زبيدة حتي وفاته . تحيرت أم أحمد ماذا تفعل في النقود ولكن أول شيء فكرت فيه أن تعطي زوجها جزءاً من النقود حتي يشتري المكتبة من صاحبها ، وادخرت الباقي للحج كما بشرها عمها وتلبية لدعوة أبي فاطمة [/color] ]دغل التوتة [/color] [color=#333399]كانت الأيام تمر و دياب لا يعرف بماذا يرد علي حملات الحكومة التي لا تغيب شهرا . ما إن يُصلح حاله حتي يجد أمامه قوة من المخبرين وضباط المباحث يجرونه علي المركز . بعد كل هجوم غاشم يجد نفسه مطالبا بالذهاب إلي البيت الكبير والوقوف أمام الحاج ليعاود قسمه أمامه ويعود بفاطمة مرة أخري . لم يكن الشيخ صالح مقتنعا ببراءته. هو يري ذلك في عيونه. مرات كثيرة ثار في وجه فاطمة وأخبرها بغضبه من أبيها قال لها : ـ أبوكي مهما اعمل برضو بيبص لي بصة اتهام ، مش عارف اعمل إيه علشان ارضيه . ـ انت مالك ومال أبويا بس ؟ ماهو واقف جنبنا وبيساعدنا وعمره ما قصر معانا . ـ كل مرة الحكومة تتهمني بحاجة أروح له واحلف له إني بريء ومفيش فايدة . ـ ما هو معذور لما المأمور بيبعتله كل شوية ،المخبرين بيقولوا له علي أخبارك عايزه يشكرك يعني مش ناسيلك أبداً إنك كنت السبب في مرواحي للنقطة وشتيمتي فاكر ولا أفكرك .؟ ـ وأنا ذنبي إيه أديني بشتغل في الأرض وسبت كل حاجة وحشة كانت مضايقاه. بس همه اللي مش سيبيني في حالي . ومن هنا قرر بعد سفر النضر أن يعاود سيرته الأولي طالما هو في الأول والآخر مدان ومذنب. لسنوات خمس فرض الأتاوات علي العمدة وأغنياء البلد ،وأصبح لا يخاف من كلمات الشيخ. كان يعرف أن كثيراً من الناس ترفض أن تبلغ عنه إكراما لذكرى أبيه العطرة كما المسك . كان يستعد لسرقة مخازن العمدة الذي يراه ظالما وواكل حقوق الفلاحين في بطنه الواسعة مثل بطن البحر اليوسفى .هذا هو المبرر الذي أصبح يسوقه دائما للشيخ وابنته؛ فهو لا يسرق إلا من يستحق السرقة، ودائما الشيخ يرد عليه أن السرقة حرام سواء كانت من الأغنياء أو الفقراء ولا يوجد ما يبررها . علم العمدة بنيته من أحد أصدقائه الذي يكيد له لأنه تغلب عليه في التحطيب وهدد دياباً تهديداً واضحاً وصريحاً أنه سيرد له هذا الموقف بعد أن أضحك عليه كل من حضر الواقعة ومن أجل ذلك ذهب إلي العمدة وأخبره بنية دياب في سرقة مخازنه . جهز العمدة بعض الرجال الأقوياء الذين استأجرهم لحماية المخازن أمرهم بإطلاق النار فوراً على كل من يشكون فيه، فقد رآها فرصة للتخلص منه؛ لأنه أضاع كرامته وسط الفلاحين ولم يعد قادراً علي السكوت عليه بعد أن مرمغ كرامته في الأرض . اقترب دياب من المخازن . الرجال يطلقون النار . أضاءت السماء ووجد عبد الرحيم واقفا بينه وبين الرجال يمد كفه يحجب عنه الطلقات. أصابه الذهول حين رأى الشاب البركة. فجأة اختفى الضوء وعبد الرحيم ، وعاد دياب إلى منزله يحكي لفاطمة عن وجود أخيها وكيف لم تؤثر فيه طلقات الرصاص. طمأنته وقرأت كل الرقى التي تحفظها على رأسه وذكرت له الجملة التي رددها والدها صباحا (الهدى من عند الله). حين استيقظ صباحا بدا له ما حدث في الليلة الفائتة حلما بعيدا، سأل فاطمة عنه ، فابتسمت وطلبت منه أن يذهب للشيخ ليباركه. اغتسل وصلى وذهب للبيت الكبير فوجد عبد الرحيم يجلس تحت دغل التوتة الذي يتوسط ساحة البيت. انكب على يديه يقبلهما ويطيل النظر باحثا عن أثر للرصاص لم يجد. أراد أن يسأل عما حدث بالأمس، ولكنه تراجع خوفا ورهبا منه .ابتسم له عبد الرحيم وقال: الله أكبر. ـ ياه يا شيخ رحومة انت إيه بالظبط حيرتني لدرجة إني مش مصدق اللي حصل . نظر عبد الرحيم إلي السماء ولم يعد موجودا بالنسبة لدياب علي الأقل . حاول أن يحدثه عما فعله معه بالأمس ، لكنه أبدا لم يطرف له طرف وهو يحدق في السماء من بين أفرع التوتة التي كانت مثمرة ولا يظهر من خلالها إلا أضواء من بين فروعها الكثيفة. بعدها ولأول مرة منذ سنوات واظب علي الصلاة ، وابتعد مرة أخري عن صاحبيه اللذين باعه واحد منهما للعمدة ورجاله لمجرد أنه تغلب عليه في التحطيب وأضحك الحاضرين . بل وصل به الأمر أنه فكر جدياً في الانتقال إلي جوار النضر حيث يعيش هناك في رعاية آل البيت، واظب علي الذهاب إلي المنزل والجلوس مع الشيخ رحومة والشيخ صالح ، بل أصبح من الذين يواظبون علي حضرة ليلة الجمعة . حتي مقام الشيخ كان يذهب إليه ويساعد الحاجة نبوية تلك المرأة التي لم تعد قادرة علي تنظيفه بعد أن كُفّ بصرها . حين رآه واحد من أصدقائه القدامى داخل المسجد أسرع إلي الأصدقاء يخبرهم، وصار حديث جلسات المزاج لأيام كثيرة مقبلة، قصة الهداية التي نزلت عليه من السماء، وصار التهكم والسخرية يغلفان حديثهم عنه حين تدور رءوسهم من أثر الحشيش فمنهم من لم يصدق قصة هدايته التي نزلت عليه من السماء ومنهم من يردد بكرة يربي دقنه ويشيل سبحة ويذكر في بيت الشيخ . أما أعداؤه الكثيرون لما سمعوا بما حدث هان في عيونهم وتيقنوا الآن أنهم قادرون عليه.سنوات كثيرة دبروا الخطط حتي يوقعوه ، ومرات أكثر كادوا له عند الحكومة والمأمور من خلال المخبرين الذين ينقلون الأخبار وإن كانت كاذبة. تربّصوا به وهو خارج من صلاة الفجر . أطلقوا عليه الرصاص أمام المسجد. أسرع الناس بنقله إلى منزل الشيخ القريب من المسجد ، وصل الخبر إلى فاطمة في لمح البصر؛ فجاءت فزعة صارخة والشيخ يكتم جرحه بقطعة من القماش حتى تأتي عربة الإسعاف، ولكن إرادة الله كانت أسرع . نظر إليها من خلال عيونه التى لا يكاد يفتحها. قبلت رأسه . غسلت وجهه بدموعها تحسس رأسها الذي انحسرت عنه الطرحة ومات دون أن يلفظ بكلمة أو حتى يطلب منها السماح ويوصيها بصغيريه [/color] . |
|
|
|
![]() |
هويدا صالح - الـقـصــــة و الـنــــقــــــد |
![]() ![]() ![]() ![]() |
18-06-2007, 10:00 pm
مشاركة
#15
|
|
|
|
حجرة زبيدة
كان النضر يرفض أن يقدم لنساء البيت أي طلب يطلب منه، وحين تطلبه صباح يخجل أن يرفض بعكس معاملته للفريصة . هو دائم الشجار معها ويتعمد استفزازها . تثور وتجري على زوجها تشتكي منه فيضحك عنتر من تصرفاته ولا يعنفه ، تزداد غضبا. ولما يمل من شجارها مع الجميع ولسانها الذي يتطاول على الكل يظل يضربها ولا يجرؤ أحد على الدخول عليه ويعلق الشيخ صالح بقوله: (سيبوه يضربها علشان يهد حيلها ويكسر سمها). كل هذا قرب بين السلفتين رغم غيرة فايزة من صباح أحيانا ، فتضاعف صباح من حبها لها وعطفها عليها وصرحت لها مرات كثيرة أنها تعتبرها أختها ، فكلتاهما وحيدة لا أخت لها وفي أكثر من مناسبة جلست مع النضر تحدثه عن حب فايزة له . والآن حبه لزبيدة يزداد، لا هم لها إلا أن تتفنن في التزين وإخفاء آثار الحمل والكلف الذي ملأ وجهها . تحاول طوال الوقت أن تخفي الآثار بالوصفات التي تأتي بها أمها من الحاج مصطفى العطار. وفايزة تلاحظ قلقها الدائم على جمالها،تتعمد السخرية منها وخاصة أمامه ، وتواصل العناية بالمنزل والأبناء وتوفر وتدبر من أجل الخدمة والإخوان، وحين تسألها زبيدة كيف تدبر الأمور تضحك وتقول: (الرك ع البركة) اقترب موعد الحج ، فاجأت النضر بما تدخره لذلك اليوم. امتلأت عيونه بالدموع وقلبه بالشوق، ولكنه أخفى قلقه على زبيدة التي اقترب موعد ولادتها. طمأنه الشيخ صديق عليها وشجعه على الذهاب لزيارة المصطفى . سافر إلي الرسول بعد أن بعثا بأحمد وزهير إلى المنزل الكبير في الصعيد؛ لأن زبيدة في أيام ولادتها الأخيرة ولن تستطيع رعايتهما. حانت لحظة ولادتها. بدأت تبكي، وتعض على مخدتها ولا يمل لسانها من مناداته والصراخ. تضحك أم محمد الداية وتقول لها: - دلوقتي بتصرخي وساعتها أكيد كنت بتزقططي. علشان تبطلي شقاوة أنت والحاج. يزداد تشنج زبيدة ويزداد قلق أمها والداية تطمئنها، مضت ساعات دون أن ينفتح رحم زبيدة ، فبدأ القلق يدب في قلبالمرأة . أمسكت بالفوطة الموضوعة على حافة السرير ونشفت يديها. طلبت من أمها أن تنقلها إلى المستشفى. ارتجفت أم زبيدة ونادت على زوجها وسط صراخ ابنتها. هناك في المستشفى أنجبت بنتين وقبل أن تغمض عيونها لمرة أخيرة ، قالت لأمها التي كانت تمسك بيديها تدلكهما لتبعث فيهما الدفء: - أمة إدي البنتين لأم أحمد وخليها هية تسميهم. - ماتقوليش كده يا نن عين أمك. هتقومي ،وتربيهم وتفرحي بيهم زي ما فرحت بيكي - مفيش وقت أنا عارفة. خلّي فايزة هية اللي تربيهم ،لازم يتربوا وسط إخواتهم . ماتت زبيدة وتركت حسرتها في قلب أمها .النضر يطوف حول الكعبة ،ويلف ذراعيه حول جسد فايزة ليحميها من تدافع الطائفين ، أحس بانقباض في صدره . تسمر في مكانه واستعاد ذهنه اللحظة النورانية التي حلق فيها إلى أجواء سماوية وغيرت مسار حياته تماما . في هذه اللحظات التي يذهل فيها الواحد عن نفسه لاحظت المرأة قلق زوجها . نصحته بأن يتمتع بلحظته في هذا الجو الروحاني الذي يحيط بهما . حين انتهت شعائر الحج وعاد النضر وفايزة. عرفا بموت زبيدة. ظل أياما وليالي كثيرة يلازم المسجد يجلس بجوار المقام . يمسك بالمصحف ويقرأ، وحين يتعب من القراءة يسند ظهره للمقام ويجلس صامتا تماما لا يكلم أحدا. يتوه في الفراغ ثم يعاود القراءة. قلق عليه الشيخ صديق فقال له: - يا بني بيتك له عليك حقوق. ارحم نفسك شوية - إيه يا شيخ صديق. دى زبيدة الغالية اللي ماتت. - ماتغلاش ع اللي خالقها يا بني - طب وأنا عامل إيه؟ . أنا بقرأ في كتاب الله . - ده مطلوب بس بيتك وعيالك وشغلك هتسيبهم لمين؟ ، برّد قلبك يا بني النار هتاكل قلبك اللي عامر بذكر الله كان قلب فايزة يتمزق من أجله ولكن ماذا تفعل والصغيرتان (نور) و(رحمة) كما أطلقت عليهما دائمتا البكاء. كانت تذيب لهما السكر في الماء وتسقيهما ولا فائدة قالت لها أم زبيدة: - بقولك إيه يا أم أحمد متجربي تقربيهم من صدرك؟ يمكن ربنا يجريلهم رزقهم - صلي ع النبي وده معقول؟ أحمد وزهير بقوا رجاله - سبحانه يرزق النملة في بطن الجبل والدودة في الحجر قربت فايزة الصغيرة ( نور) من حلمة ثديها.الشفاه الصغيرة تداعب الحلمة التي نفرت. شعرت فايزة بدبيب يسري في صدرها ،والحلمتان تنفران. الخدر يسري فيهما.أوصالها ترتعش لم تصدق ما تشعر به لدرجة أنها أخرجت الحلمة وعصرتها للتأكد أنها تنزل لبناً بالفعل . تقبض الشفتان المتلهفتان على حلمتها وتمتص في سرعة ونهم أضحكت المرأتين الحزينتين. العرق يتصبب من جبينها الصغير وحين تشبع تصلي أم زبيدة على النبي وتسمي على الصغيرة وترقدها في سريرها .تحضر لها الصغيرة ( رحمة ) التي لم تكف عن الصراخ حتى قربتها فايزة من صدرها الذي امتلأ . تكف الصغيرة عن البكاء وتقبض على الحلمة وتمتص بسرعة أنهكتها وجعلت صدرها الصغير يطلع وينزل والعرق يتصبب منها علقت أم زبيدة بأنها كمن يأكل في آخر زاده لما شبعت نامت فأرقدتها جدتها بجانب أختها. جلست المرأتان كمن خرجتا من مباراة حامية. نظرة شكر وامتنان بادية على وجه فايزة. بدأت تفكر في النضر وتدعو الله الذي أجرى اللبن في الصدر الناشف أن يعيده إلى بيته. ذهب إليه الشيخ صديق . وجده جالسا كما تركه بجانب المقام وعيناه كأنهما تنظران إلى شيء لا يراه أحد غيره. لم يشعر به حين جلس بجانبه . وضع الشيخ يده على كتف النضر وقال له: - شفت كرم ربك يا حاج نظر إليه النضر نظرة حيادية تماما لا تدل على أي رغبة في سماع ما يريد قوله . - وحد الله يا نضر. ربنا كرمه كبير. بعت للعيلتين رزقهم . ساعتها انتبه النضر : -أم أحمد رضعتهم من صدرها . - سبحانه قادر علي كل شيء . قام النضر واتجه إلى البيت دونما كلمة ، وحين رأته امرأته ألقت بنفسها عليه وسحّت دموعها غزيرة كما لم تبك من قبل، هدأها وأجلسها على الكنبة ومن خلال دموعها بدأت تحكي له وتصف منظر الصغيرتين وهما ترضعان. تعجب من الحنان الذي يتدفق من صوتها واطمأن على صغيرتيه. حياتها ماثلة أمام عينيها. كيف لم تشعر باليتم أبدا في حضن عمها . قررت أن تلقى الصغيرتان نفس الرعاية التي لقيتها هي . لن تشعرهما يوما أنها زوجة أب خففت هذه المعاملة من آلام زوجها ، كأنه يري زوجته . حاول مرارا أن يعود لحجرتها . خجل من أمره هو الذي تركها طويلا . شعرت به طويلا قلقا ساهرا في حجرته لا يمل الصلاة والذكر نحل جسده. غارت عيناه. أشفقت عليه . سحبته من يده ووضعت المصحف الذي كان يقرأ فيه جانبا وهمست في أذنه (إن لبدنك عليك حقا) أنفاسها حارة وملتهبة سار خلفها. أحكمت الغطاء حول جسد الصغيرتين ودخلت حجرة زبيدة وهو خلفها لم يقل شيئا دخلت تحت الغطاء وشدته إليها ونامت . جاءت بالقوة ،هذه المرأة رفضت فاطمة العودة إلي بيت أبيها بعد قتل دياب.كما رفضت الزواج بعده رغم الجسم الفوار بالنضج الأنثوي الذي كان في أوجه ورغم كثرة الطالبين .قصت شعرها الطويل وربطته بإيشارب أسود لم يتغير علي مدار العمر.بعد شهور قليلة فكرت في فتح دكان في بيتها. لم يجد الشيخ مفرا من الموافقة بعد أن رأي تلك النظرة التي تشبه نظرته في عينيها . ذكرته بحديث رسول الله الذي يقول إن تسعة أعشار الرزق في التجارة.لم يكن يعلم أن فاطمة تمتلك كل هذه العزيمة والمقدرة علي فعل ما فكرت فيه . تجيد المجادلة من أقصر الطرق. هب عمر واقفاً وهو يرفض اقتراحها ويفندها بنقاط سريعة وحاسمة . تركها وخرج لم تتفوه بكلمة واحدة أو تعترض علي كل الأشياء التي قالها. فقط اتجهت بعيونها إلي صباح . طلبت منها أن تأتي معها. بعد يومين فاجأ عمر أباه وهو يخرج ثلاث ورقات فئة العشر جنيهات ويعطيهم لأخته أمامه .أراد أن تستعين بهم علي فتح الدكان . ضحك الشيخ وهو يري نظرات النصر في عيون ابنته . حاولت رفض المبلغ من يد أخيها .عمر يشعر بابتسامة أبيه . يفهم فرحه بقوة ابنته . يداري كسوفه من تراجع موقفه ويخرج . كان يتحجج بكونها صغيرة لم تتعد الواحد والعشرين . لا تعرف أساليب التجارة أبدا كما إنها لم تخرج من بيتها إلا إلي حضن المرحوم .وراح يذكرها بمكانتهم في البلدة . وأمام إصرارها ومساندة الشيخ ، افتتحت الدكان وملأته بما يحتاجه أي بيت في البلدة ، لكن الشيء الذي غاب عن ذهنها هو بعد الدكان عن سرة البلدة.لم تمض أكثر من عامين حتي فاجأت أخاها عمر في طلبها بيع البيت وشراء بيت في وسط البلد . كان أصحابه قد قرروا الهجرة إلي العاصمة .افتتحت محلين في البيت القريب من بيتهم . انتقلت معها الحاجة فردوس أم زوجها وصديقة أمها . ساعدتها في تربية الطفلين . بمضي الأيام ارتسمت علي وجهها تلك النظرة المحايدة والحكيمة .اكتست ملامحها بملامح الرجال التجار وظهر ذلك الزغب الخفيف تحت أنفها. نسيت تماماً كونها أنثي، ولما يطول شعرها الذهبي تقصه وتحبك الطرحة السوداء التي لا تزيدها إلا بهاءً . كثير من كبار البلد تقدم لخطبتها . كثير منهم تعهد برعاية أبنائها ، ولكنها كانت ترفض وترد بجملة وحيدة يدرك من ينظر في عيونها وهي تقولها أنها مصممة عليها تماماً ( أنا خلاص جربت حظي ومعنديش غير ولادي ) ساعتها تنكسر نظرة التصميم في عين عمر أو عنتر حسب الذي يحضر إليها عرض الزواج ويتركها ويخرج ، والشيخ يتابعها ويدرك رفضها . وأبداً لم يفكر في إجبارها علي شيء ، أصبحت تكثر من التشبه بطباع أبيها الشيخ. صممت علي تعليم هدي وصالح الذي تركه أبوه لا يتجاوز العام . بعد وفاة الحاجة صارت صباح صندوق أحزانها وأفراحها القليلة . و أصبحت هي المسئولة عن كل احتياجات البيت الكبير من أشياء تباع . ترفض أخذ أي مقابل حتي من تحية زوجة أخيها التي غفرت لها كل زلاتها السابقة واللاحقة أيضا . روحية محمد جلال روحية تلك الفتاة الطويلة السمراء . فاتها قطارالزواج . كانت تحلم دوما بأن تتزوج وتعيش في مصر أم الدنيا بعد أن ذهبت إليها وهي صغيرة مع والدها الذي كان يمسك بيدها . يطوف بها حول مقام الحسين . تنظر إلي النساء اللاتي يجلسن بجانب المقام . يهمسن له . يعدنه بالعطاء الكثير لأحبائه . إن هو حقق لهن ما يتمنين . جلست الصغيرة تنتظر أباها الذي وقف يصلي في ركن قصي من المسجد الواسع ، كانت عيونها تجول في القناديل المعلقة في السقف وتتأمل تلك الرسوم والألوان البديعة التي لم ترها من قبل . تسللت من مكانها واتجهت للخارج .كانت الصغيرات في سنها يرتدين الملابس الزاهية . يزين ضفائرهن بأشرطة ملونة ويمسكن بالبالونات يطيرنها ويهللن ، تمنت في تلك اللحظة أن تعيش هنا وبالتحديد .. خرج الرجل مذعوراً يبحث عن ابنته . وجدها واقفة تراقب الأطفال والنساء . ارتاح حين رآها . عنفها في حب لأنها سيبت مفاصله وجعلت الدم يفر من عروقه . عادت مع أبيها . ظلت تحلم بأن تقيم في هذه المدينة التي امتلكت عليها روحها . ولما توفي والدها ظلت ترفض كل من يتقدم إليها . تعتقد أنه جاء طمعاً في الفدانين اللذين تركهما لها والدها ، وفي لحظة أحست أن حلمها اقترب منها ، بل كادت أن تمسك به بين يديها حين جاءت فايزة زوجة النضر ، صديقتها القديمة وجلست معها تحدثها عن حلمها بالسفر إلي مصر والزواج فيها أو حتي الاستقرار فيها ، طلبت منها أن تحضر إليها في مولد الحسين القادم . اقترب المولد ذهبت إلي عمر . طلبت منه أن ترافق النساء في رحلة الذهاب للمولد . تردد عمر قليلا . هي امرأة وحيدة ولا يصح لها أن ترافقهم إلي القاهرة وأمام إلحاح صباح التي توسطت لديه أن يصحبها ولا يكسر بخاطرها ، وافق وهناك عرفتها الحاجة فايزة علي محمد الذي لم يعد مجرد صبي يقدم القهوة لزبائنه ، بل صار معلما يلف الشال الحرير علي رأسه . ويصيح في الصبي الجديد أن يأتي له بالشيشة .سيصبح ذات يوم صاحب دكان كبير للعلافة والعطارة . في نهاية الشارع الطويل الذي يفصل الدويقة عن منشية ناصر بعد أن تبيع روحية محمد جلال الفدانين الذين ورثتهما عن أبيها وتشتري لها شقة صغيرة تحرص علي فرشها بالسجاد والموكيت كما تحرص علي تزيينها وشراء كل ما يلزمها من أشياء اشترتها من الغورية و الموسكي مثل بنات مصر ، كما حرصت علي شراء دكان العلافة لزوجها الذي صار فيما بعد الحاج محمد والذي يصغرها بعشر سنوات علي الأقل . كان يفرك القمح للطيور في الوقت الذي يعود فيه رب أي أسرة سعيدة إلى أبنائه في بداية الليل . يجول بنظره في المكان يتفقد صغاره . يضع أكياس الفاكهة التي لابد محمل بها من أجلهم . وفي الوقت الذي تطيل فيه البنات النظر إلى النجوم التي تتلألأ والقمر الذي يبين ويختفي خلف السحاب وتبحث عن أحلامها في صفحة هذا القمر الذي لا يطول اختفاؤه وتخفق القلوب التي لاتزال بعد صغيرة ولكنها تتشوّف لفارس لابد سيأتي علي حصان حتماً سيكون أبيض . في نفس هذا الوقت الذي تقف فيه أي أم أمام موقدها تطمئن على نضج الطعام ، وهي سعيدة وراضية كل الرضا عن حصاد اليوم غير عابئة بالمتاعب التي عانتها طوال النهار به ، يمتلئ قلبها فخرا لأنها أرضت الجميع.في نفس هذا الوقت ينادي عبد الموجود على ابن خالته: - يا صالح . يا شيخ. - أيوه يا مرحب يا مرحب بالحبايب. اتفضل يبتسم ابتسامة شغوفة في وجه ابن خالته ويجره من يده في تصميم من يأتي إليه ضيف عزيز. كان الشيخ يفرح كثيراً به. تعود إليه حيويته وشبابه كأنهما مازالا بالأمس القريب يعيشان طفولتهما السعيدة ويتنافسان على لفت انتباه ابنة خالتهما التي تصغرهما بعامين فقط. ينادي على حفيدته سلوي أن تحضر الطبلية، فتقفز من بين فخذي صباح التي كانت تضفّر لها شعرها ، تجري سعيدة وتترك أمها ممسكة بشرائطها الحريرية متعجبة من لهفة هذه البنت على سماع الحكايات وتقول لها : ـ الجد جود جه، مخك بيطير منك لما بتسمعي صوته ، بالراحة علي نفسك هوه قاعد معانا للعشاء . يجلس عبد الموجود بجانب الشيخ الذي لا يفوته أن يلاحظ التماع عيون الحاجة دولت وهي تمد يدها المغطاة بطرف طرحتها وترحب بابن خالتها. يعجب من نفسه كيف لا يكدره يقينه من حب عبد الموجود للحاجة ذلك الحب الذي جعله يبقى طوال هذه السنين دون زواج بعد أن فضلت عليه الشيخ. وللحق ظلت الحاجة تعامله كما ينبغي لامرأة في وضعها أن تعامل ابن خالتها ورفيق طفولتها. كانت ترعاه. تبعث إليه بابنتها فاطمة تقضي له احتياجاته ولم تنس ولو مرة وحيدة أن تبعث إليه بطعامه. حين تنهي إعداد الطعام كان أول صحن يغرف من الطعام له ، فتضحك صباح وتقول لها في خبث تحبه الحاجة : ـ صحن ابن الخالة من وش الحلة . ـ ترد عليها الحاجة في ود .. طبعاً وهوه فيه أغلي من ابن الخالة . يتقافز الصغار فرحا ويلتفون حول الطبلية وقبل أن يبدأ في النقر عليها يفسح مكانا لعبد الرحيم الذي يجلس بجانبه .يهتز فرحا ويزداد حماسا حين ينتصر أبو زيد في كل موقف. يصفق عبد الرحيم كما الأطفال فيبتسم عبد الموجود وينتقل في حكيه إلى قصص الحب البرئ التي تمتلئ بها الحكايات وعلى لسان أبطاله يبث ابنة خالته حبه وأشواقه . غيباته تطول عن المنزل الكبير ولكنه يعود دائما مشتاقاً ملهوفاً ، مازال ينقر بأصابعه وينغم صوته ويحمله بالانفعالات اللازمة لكل من ينطق بلسانهم ، وفي غمرة اندماجه تسأله سامية ابنة عنتر : ـ جدي هوه حقيقي أبوزيد كان موجود حقيقي ولا ده خيال زي ما محمد أخويا بيقول ؟ ـ طبعاً كان موجود ليه ؟ . ـ مدرس التاريخ مش بيجيب سيرته . ـ مدرس التاريخ مش بيدرسلك الزمن اللي كان فيه أبوزيد . تعاجلها سلوي فخورة : ـ أنا سألته قال إن ده كان في زمن الفاطميين وإحنا بندرس زمن الفراعنة يبقي هيجيب سيرته إزاي ؟ ينشغل الشيخ عن الحوار التاريخي الدائر بين الصغار والجد جود ويطيل النظر إلي عيون الحاجة التي تجلس على عتبة القاعة البحرية وتبتسم راضية ، رغم ثقته فيها وفي عفتها إلا أنه دائما ما يحاول التلصص علي نظراتها لابن خالتها ، الذي وهب نفسه للعائلة ولم يفكر يوماً في الزواج بامرأة أخري رغم علمه بحب فردوس القديم له ، . هو يدرك مشاعر عبد الموجود نحوها ولكنه لم يغضب يوما؛ فهي تحرص كل الحرص على إرضائه. أقامت له منزلا عامرا بالخير والحب والأحفاد. دخلت منزله وهي صبية لم تتعد الثالثة عشر من عمرها. مضى نصف قرن من الزمان .لم تغضبه يوما أو تقصّر في أمر من أموره. دائما مُدبّرة ونشيطة ومثابرة على تحقيق ما يجعله يرفع رأسه بين الإخوان ورفاق الطريق. حين توفيت الحاجة كان الشيخ واقفا كالجبل بين أبنائه. أقبل عبد الموجود نظر إليه نظرة لم يفهم مغزاها وقال له جملة وحيدة وانصرف. - خدتها حية وميتة. انصرف دون أن يشيّع جنازتها أو يقف بجانب ابن خالته وأبنائه . ناداه عمر والدموع في عينيه: - تعال يا خال رايح فين؟ وقف ونظر إلي عمر وقال بصوت دامع: ـ خلاص ما عادت الدنيا ينبكي عليها.وما عاد لي حاجة وسطيكم . ثم تحرك خطوتين قبل أن يستمع إلي صوت الشيخ قائلا: ـ تعال يا جود ماتمشيش دلوقتي ماينفعش . التفت مره ثانية نقل نظراته بين الشيخ وجدران المنزل التي شعر بها تبكي لرحيل دولت وقال والدموع تتساقط من عيونه: ـ خلاص يا صالح مش هينفع آجي تاني هنا . اختفى عبد الموجود من البلد ولا أحد يعرف عنه شيئا، وبين الحين والآخر يقسم فلاح أنه رآه في المقابر يسقي الزرع، ويتسلق النخل يقطع الجريد الأخضر . يوزعه على القبور ، ويختص قبرها بالجريد الأخضر وأعواد الريحان التي يداوم علي رعايتها . وآخر يقسم أنه رآه في حقول القمح يقطف السبلات التي لم تجف بعد، ويفركها في يده و يبدرها للطيور التي لا يعرف أحد كيف تتجمع بكل هذه الأعداد في لحظات، وهو يداوم على فرك القمح و يبدره يميناً وشمالاً، ويقسم مراكبي عجوز أنه رآه يقفز إلى النهر كشاب في العشرين لينقذ طفلاً صغيراً أفلت من حجر أمه في عز القيالة، وقفز إلى الماء ليطفئ نار الصيف المحتدم هو وأقرانه الصغار الذين بدءوا يصرخون حين وجدوه يغطس ويقب ولا أحد ينقذه وإذا بعبد الموجود يأتي لا أحد يعلم من أين أتي في تلك اللحظة ويقفز إلى النهر لينقذ الصغير . شهور مضت ولا يسمع عنه أحد شيئا سوى ما يرويه الناس من أفعال لا يعلق عليها أحد سوى الصغار الذين دائما يتساءلون عن رجوع جدهم (جُود) . والآن الشيخ جالساً في القاعة البحرية يكمل ورده الليلي . يسمع تصايح الصغار وترحيب صباح بزائر لم يتبين اسمه. أراد الخروج للترحيب بالضيف . لعله أحد الرفاق جاء من سفر طويل. شعر بالرضا لوجود ضيف سيؤنس ليلته. وفضّل البقاء حتى يُنهي ورده فعُمَر بالخارج ولا بد سيرحّب به ويدخله ، لم يسمع بعدها صوت عمر أو صباح . سلم عليه عمر . احتضنه عبد الموجود دون كلمه ونظر إلي صباح وكأنه لا يراها ولما أسرعت إليه ميرفت لتلقي بنفسها عليه وتهلل ـ جدي جود جه ، إزيك يا جدي ، كنت فين ؟ تركها تمسك بالفراغ وسأل عمر : ـ فين أبوك يا عمر ؟ ـ إزي حالك يا خال غيبتك طالت . ـ كله بأوان يا عمر، فين أبوك يا بني ؟ ـ في القاعة بيصلي يا خال إدخله . لم ينتبه صالح إلى الواقف بطوله في باب القاعة . يتصاعد ظله على الجدار في ضوء القنديل، ولكنه انتبه على صوت بكاء ونشيج مكتوم. نظر بذهول لذلك الذي يبكي في صمت وحاول التعرف عليه . لم يتبينه في شَعره الثائر ولحيته الكثيفة. أطال النظر لدقائق ولما لم يعرفه قرب المصباح المعلق في سقف الحجرة من وجهه ثم احتضنه بيد و الأخري تمسك بالمصباح ، قبل وجهه ورأسه وبكى، هو الذي ظل واقفا كالجبل ساعة رحيلها. لم تبلل لحيته ولو دمعة وحيدة ، الآن يبكي كما الأطفال رغم أنه ظل متماسكاً ساعة وفاتها حتي أن من يراه ساعتها يقسم كأن من ماتت ليست زوجته ورفيقة عمره . ألقى عبد الموجود بجسده المتعب في حضن ابن خالته واستكان تماما، ولم يعد يسمع نشيجه المكتوم. |
|
|
|
![]() |
هويدا صالح - الـقـصــــة و الـنــــقــــــد |
![]() ![]() ![]() ![]() |
21-06-2007, 11:53 pm
مشاركة
#16
|
|
|
|
الشيخ رحومة صباح تزداد شبهاً بالحاجة دولت، صارت أماً لكل من يدخل المنزل. حتى تحية تعلمت كيف تمتص غضبها . تتجنب لسانها الحاد. صارت تتبع الخطوات التي رسمتها لها في رؤياها ليلة موتها، نفس الرؤيا التى رآها الشيخ صالح وما نقص في رؤية الشيخ اكتمل في رؤية صباح. توطدت العلاقة بينها وبين عمرة الدار . صارت تفعل لها كل الطقوس اللازمة لجعل العلاقة يشوبها الرضا والسلام؛ حتى لا تؤذي أحداً من العائلة ؛ فالكل لن ينسى أذاها الذى ألحقته بعبد الرحيم رغم حبها للحاجة؛ صباح تحذر أبناءها دوما من التطاول عليها. لا تترك زير الماء دون كوب . حين تشعل النار في الفرن تسمي الله وتقول (لموا عيالكم النار جايالكم) . تحرص على ألا يلقي أحد الماء الساخن في الحمام. وهي توقظها في الفجر لتصلي. تحمي لها المتارد لتحلب فيها البهائم. سلوي التي كانت تسأل دائما جدتها عن الصوت الذي تسمعه يناديها كبرت الآن وما عادت تسأل عن الصوت الذي تسمعه يوقظ أمها . عبد الرحيم ارتبط أيضا بصباح ارتباطه بأمه. صارت تعتني به مثلما كانت تفعل الحاجة . استيقظ هذا الصباح نشيطا ومرحا على غير العادة. تفاءلت صباح خيرا بابتسامته. وضعت له الماء الساخن والملابس النظيفة في الحمام، وألحت عليه أن يدخل . وافقها ودخل وبعد الإفطار ذهب مع عمر إلى الغيط القبلي ليساعده في الري. حين عاد في المساء جلس بجانبها وهي تعد العشاء وحكى لها حلما رآه حين نام في القيالة تحت الجميزة. ابتسمت له وقالت: - .خير يا عبد الرحيم - تعرفي يا مرات أخويا أنا شفت أمة الحاجة - شفتها إزاي؟! - كانت قاعدة تحت شجرة تفاح وبتقطف وتوزع على عيال كتير. لما شافتني حبتني في خدي وملتلي حجري تفاح حلو قوى - خير يا عبده دي نفسها تطمن عليك وعطية الميت حلوة . - بس خدت مني أبويا الحاج وسبوني ومشيوا .ولما جريت وراهم صمموا يرجعوني . حين نطق بجملته أحست بسيخ محمي يمر من فوق القلب .كادت أن تنط من فوق الأرض من الألم وبهدوء وخوف قالت له وهي تطمئنه وهي غير مطمئنة علي الإطلاق: - ماتخفش هيه عايزاك كويس وتساعد عمر في الغيط . -ما أنا بساعده . تعرفي أنا اللي حولت الميه في الغيط كله. وكمان كنت بلف ورا البقرة واضربها علشان تطلع ميه كتير. استمعت إلي كلام الشيخ رحومة وهي ذاهلة ولا تعرف معني للحروف التي ترن في أذنيها ولم تجد رداً حين سكت الشيخ الذي مده يده وهزها دون كلمة فقالت: - ربنا يبارك فيك يا عبده . - تعرفي السمك ده كله أنا اللي صدته لوحدي. كان فيه قرموط كبير في حوض الساقية كنت هصيده زي اللي صدناه زمان أنا والنضر وعمر فاكراه. بس يا خسارة هرب منى بسرعة لم ينتظر تعليقها على كلامه. تركها ،ودخل حجرة الحاجة النظيفة دائما .ألقى بجسده على السرير وتاه في عالم لا تتخيله صباح التي داخلها القلق والخوف العظيم من حلمه؛ فهي تراه بريئا كما الأطفال .ما يراه يُعَد رؤيا لا بد ستتحقق .حين يأخذ الميت أحد الأحباء فهذه إشارة إلى وفاته قريباً . أخذت تفكر في موت الحاج الذي رأته كارثة بكل المقاييس، فهو عماد المنزل وملاذ الضعيف، ومساعد المحتاج .اطمأنت على أمور المنزل، وأطعمت الأطفال. تركت الشيخ يصلي في القاعة البحرية، وصعدت حجرتها. صارحت عمر بمخاوفها فقال لها : ـ صلي علي النبي وسيبك من الكلام ده ، دي وسوسة شيطان . ـ لا يا عمر عبد الرحيم بتاع ربنا والشيطان ملوش دعوة بأحلامه . دي أكيد رؤيا . ـ خلتيها أكيد كمان ، بطلي أنا مش ناقص عقل النسوان الفاضي . ـ صدقني قلبي قالي . ـ يا ستي الرؤيا بتكون قبل الفجر مش في عزالقيالة زي ما رحومة بيقول وبعدين وإن حصل هنحوش أمرربنا؟ نامت وهي غير مقتنعة لأن الجميع يرى عبد الرحيم شبه ولي من أولياء الله. وما يراه إشارة للأحباء لا بد أن تؤخذ مأخذ الجد . في الصباح انشغلت بسلوي وميرفت الذاهبتين إلي الامتحان في المركز .نادت علي محمد ابنها الصغير أن يذهب إلي المقدس حنا ، سوف تركبان معه ويوصلهما لمدرسة المركز . عمر لا يطمئن عليهما إلا إذا ركبا مع المقدس الذي يناديه كل أحفاد الشيخ صالح بعمي حنا ، وبعدها أنستها أمور المنزل رؤيا الأمس التي شغلت فكرها ولم تنم بسببها طوال الليل . لم تلحظ تأخر الشيخ في النوم حتى فرشت الشمس وسط الدار. بعد خروج عمر وعبد الرحيم إلى الغيط. قررت أن توقظه، ولكنها سمعت الباب يدق، فتراجعت مندهشة من زائر الصباح الباكر هذا . كانت فاطمة تمسك بصالح الصغير من ذراعه . سحبت طفلها سريعا من فتحت الباب حتى كاد يقع بينهما وسألت في لهفة: -أبويا فين يا صباح؟ ـ نايم. ما لك يا بت؟ بعدين ابعدي الواد من فتحة الباب الوقوف في الأعتاب وحش . - لغاية دلوقتي ؟ ده عمره ما عملها . تركتها تكمل كلامها واندفعت إلى حجرته. نادت عليه فلم يرد. صباح واقفة تمسك بيد الصغير الذي تيتم بدري وقلبها يكاد يفط من صدرها. صرخت فاطمة. جسد والدها بارد. وضعت أذنها على صدره؛ فلم تسمع نفسه. ازداد صراخها. صارت تلطم خدودها وتمزق ملابسها ومن خلال صوتها المكتوم كانت تردد ـ كنت عارفة لما ضرسي الكبير انكسر يابا . تهالكت صباح جالسة على عتبة الباب والصغير في حجرها، ودموعها تغطي وجهها وهي تقول: ـ ياضهرك اللي انكسر يا عمر. الحمل تقيل يا خويا .هتعمل إيه من غيره ؟ حلم رحومة يابا . ـ حلم إيه يا صباح أنا برضو إمبارح شفت ضرسي الكبير انكسر .حسيت إن فيه مصيبة جاية أول ما فتحت عينيا قلت أبويا . كان أول من دفع الباب ودخل بعد صراخ فاطمة، وداد وبعدها تحية التي شاركت فاطمة في الصراخ والندب؛ فحماها وزوج خالتها طالما دافع عنها ومنع عنتر من ضربها، وخاصة بعد رحيل خالتها الحاجة دولت. كانت صباح لا تشارك النساء في الصراخ والعويل؛ فالمنزل امتلأ بالنساء ولا بد أن تعتني بكل الأمور، وتبعث من يخبر الرجال في الغيط . كانت تلف حجرات المنزل تغلقها وهي تبكي. وتردد من خلال بكائها: - لهفي عليك يا خويا. يا ضهرك اللي انكسر يا عمر. كان الخبر قد وصل إلى الرجال في الغيط بعد دقائق من وفاته؛ فموت الشيخ صالح حدث غير عادي في البلد. تناقله الجميع بين مصدق ومكذب فمن يقول : ـ أنا لسه مصلي وراه العشاء . ومن يقول : ـ لسه مسلم على وهوه راجع من صلاة الفجر. وأخري تقول : ـ ده لسه مديني مصاريف اليتامى بالليل بعد العشاء . وصل الخبر إلى أبنائه تركوا أعمالهم وعادوا بسرعة إلى المنزل. كان أول ما فعل عمر كعادته في مثل هذه الظروف أن يدخل النساء إلى الحجرات الخلفية للمنزل .يهدد من تندب أو تصرخ وخاصة تحية وفاطمة. وتفرغ هو وأخواه للإعداد للدفن، واستقبال الإخوان الذين سيحضرون من جميع الأنحاء لوداع والدهم؛ فالأخوان كانوا يعتبرونه الأب الروحي لهم جميعاً نظراً لنسبه الشريف إلى آل البيت، ولأنه أكبرهم سناً، ومنزله مفتوح لهم دائماً. في هذا الموقف الذي لا يعرف فيه الواحد ماذا سيفعل في اللحظة المقبلة. في نفس الوقت الذي تذهل الأم عن رضيعها والذي يشفق فيه أشد الناس قسوة حين ينظر إلى وجه عمر وعنتر وعبد الرحيم في هذا الوقت شق عبد الموجود الجمع المحتشد ودخل على ابن خالته، حاول عنتر منعه إشفاقا عليه . عمر أدخله. كان لابد من وداع أخير بين رجلين جمعتهما الحياة على حب نفس المرأة. أحدهما فاز بها والآخر اكتفى برعايتها وإشفاقها عليه. لم يتحدثا أبداً عن هذا الحب. المرة الوحيدة التي حدثه فيها بهذا الأمر ساعة وفاة الحاجة قال له: (خدتها حية وميتة) وانصرف وسط ذهول الأبناء الذين لم يخطر لهم على بال مثل هذا الأمر،دخل عليه حجرته . كشف الغطاء عن وجهه قال له: - تعرف أنت فزت بيها -........ -بلغها سلامي -........ - جنة من غيركم ما تنداس -........ ـ يا رب اجمعني بيهم ، أقولك علي حاجة كتير اتمنيتها ومرات أكتر لمت نفسي بس اللي كان مصبرني إني عمري مخذلتك ولا بصتلها بصة وحشة . ـ ............ ـ تفتكر قدام اللي لا يغفل ولا ينام هتسامحني ولا هتطالب بالقصاص مني علي ذنب أنا معملتوش ، القلوب سرها عند ربنا وأنا مكنتش أقدر أمنع قلبي .وبعدين أنا حبيتها بس وعمري ما عملت حاجة تغضب ربنا لا من وراك ولا قدامك . مال عليه قبله في خده وخرج. كان الرجال قد رصوا الكنب والدكك في ساحة الدار ؛ إلي أن يحضروا الصوان من المركز؛ فالعزاء سيكون مهيباً وسيحضر إليه الرفاق من شتى أنحاء المحروسة ولابد من صوان كبير يليق به . لم يمش عبد الموجود بضع خطوات تاركا خلفه ابن خالته في حجرته حتي استند إلى التوتة التي تتوسط الدار، أسرع إليه عمر . سقط بين يديه ميتاً هكذا ببساطة دون أن يلفظ بكلمة أو يشير بإشارة. وصل الخبر إلى النساء الجالسات يبكين في صمت خوفا من عمر الذي أقسم عليهن بأنه من يسمع صوتها تعدد سيضربها دون رحمة. حين وصل إليهن الخبر انتفضت تحية واقفة وبدأت تعدد بصوتها الذي علا حتى وصل إلى مسامع عمر الذي لم يجرؤ أن يدخل إليهن ويوبخهن، والخطب أكبر من طاقتهن وتهديده. كوني شديدة واتحزمي بحزام وحلقي ع النعش من قدام التفت النساء حولها وهي تضرب صدرها بيديها القويتين وفاطمة تقف قبالتها في وسط حلقة النساء وترد عليها: مشيع يقول سرير من بيتي وأربع مساند ولحافهم زيتي مشيع يقول سرير من عندي وأربع مساند ولحافهم وردي كانت صباح تمسك ابن فاطمة وتبكي . تنظر بين الحين والآخر ناحية عمر الذي تخشى حضوره في أية لحظة ليعنفهن ويمنعهن من الندب، ردت تحية على فاطمة التي أنهت عدودتها وأعقبتها بصراخ عنيف وباقي النساء ورائها: قدام بيته ساقية وجنينة والعبيد يسووا غدا العيلة قدام بيته ساقية نعارة والعبيد يسووا غدا الرجالة . حمل عمر جسد خاله الذي هاله مدى خفته كأنه يحمل بين يديه طفلاً صغيراً وأرقده بجانب الشيخ صالح، وخرج يضرب كفا على كف، ويردد لا إله إلا الله. نادى على محمد ابن أخيه عنتر وأمره أن يسرع بإحضار المغسل. انسل عبد الرحيم من الجمع وأمسك المصحف وجلس على رأس أبيه وخاله (جود) كما كان يحلو له أن يناديه، وأخذ يقرأ لهم سورة " يس بعد أن انتهى خرج إلى الرجال المرصوصين في ساحة الدار، نادى عمر قائلا: ـ يا عمر أسكت هؤلاء النسوة. ذهل الجميع من طريقة كلام عبد الرحيم الصامت دائما ، الذاهل معظم الوقت فالتفت عمر إلي عنتر والنضر الذي حضر بمجرد وصول الخبر إليه من خلال تليفون جاره الحاج محمد العطار ، ولم يعلق أحد علي طريقة حديث عبد الرحيم . كان عبد الرحيم يعلم أن روح أبيه تحلق في عالم الملكوت، وترشف من رحيق المحبة الإلهية. فلقد بلغت الروح الذروة العليا، وانتقلت إلى المقام الأسمى رأى روحه تطير ومعها روح خاله (جود) فأراد أن يسكت أصوات النساء التي تعوقها عن مواصلة الطيران إلى حيث المقام العلي. كان يعرف للمرة الأولي في حياته أن الموقف يستحق الفرح لا الحزن. كان صوت عبد الرحيم يشبه إلى حد بعيد صوت الشيخ صالح، بل كأنه هو ، وهذا ما زاد من ذهول عمر الذي هده الهم والحزن. هو لا يسمع صوت عبد الرحيم بل صوت أبيه. عبد الرحيم يفيق بعد أكثر من عشرين عاما قضاها ذاهلا على هامش الحياة. لا يشارك فيها إلا قليلا. لأول مرة يتحدث بهذه اللهجة. لأول مرة يعطي أمرا لأحد. خرج عمر من ذهوله واتجه إلى النساء اللاتي يندبن ويعددن مناقب الكرم والشجاعة للراحلين العزيزين قال لهن بصوته الذي يملؤه الحزن والتصميم ووجه حديثه إلي فاطمة وتحية وفايزة : ـ والله اللي هسمع صوتها هضربها ، ثم وجه كلامه للنساء اللاتي قدمن للعزاء : ـ وانتوا ياستي انتي وهيه اللي هتبكي تبكي في بيتها . كل واحدة منكوا بتبكي ميتينها فارحمونا . . وضعت كل واحدة طرحتها على وجهها وخرجت،وهن يمصمصن الشفاه ويتعجبن من أبناء الشيخ وقالت إحداهن : ـ هوه قليل علشان تعملوا كده ، هوه رخيص عليكم للدرجة دي ؟ ده الشيخ صالح وغلاوته في قلوبنا كلنا . ونساء المنزل الكبير يجلسن تسح عيونهن في صمت . ينظرن للنساء الخارجات في ذهول من تصرفات عمر ولا يعلقن فقط يبكين في صمت . حضر المغسل ليعد الراحلين للدفن. دخل معه عبد الرحيم هو الذي قام بتغسيلهما. ثم خرج لعمر يخبره أنه لا بد أن يدفنهما معا، هكذا اتحدت الأرواح فيجب كذلك أن تتحد الأجساد. بعد الدفن تحول مأتم الشيخ صالح من البكاء والعويل وتعديد المناقب على ألسنة النساء إلى حلقة ذكر أقيمت في الصوان الذي بالغ عنتر في أن يكون كبيراً مهيباً ويضم عدداً كبيراً من الكراسي حتى يليق بمكانة والده. وبالطبع سيتحمل هو كل التكاليف فهو أكبر الأبناء سناً وأيسرهم حالاً. ولكن الحقيقة هي أن فاطمة هي التي صممت علي دفع كل المصاريف ولم يجد الرجال أخوتها بما فيهم الحاج نضر مفرا من الموافقة بعد أن هددتهم إنها لن تدخل لهم بيتا أو حتي بيت أبيها ذاته إن أصر عنتر علي دفع التكاليف ولم يجد عمر أمام تصميمها إلا أن يوافق وبسط الأمور لعلي الذي غضب وقال له : ـ يعني إيه يا عمر هتخلي مره تقوم بدفن أبوك ؟ ـ عيب يا عنتر المرة دي أختك بت الشيخ صالح اللي طول عمره بيفخر بيها . رد النضر في تصميم : ـ وماتنساش يا أبو محمد إن فاطمة طول عمرها رافعة راسنا ،دي اترملت وعمرها ميكملش تمنتاشر سنة . ربت عيالها ورفضت إنها تفرد طولها في طول راجل بعد المرحوم وحافظت علي شرفنا . ـ بس عيب علي الشنبات لما تقوم هيه بالمصاريف . رد عمر في غضب ظاهر علي أخيه الأكبر : ـ يا أخي متوجعش دماغنا إن كان معاك قرش زيادة اعمل له سبيل ولا اكفل اليتامي اللي أبوك كان كافلهم . ـ ده كلام مش محتاج تؤكد عليه طبعاً هعمله سبيل وهدق طرمبة علي راس كل غيط لينا وخليلك انت اليتامي اللي كان كافلهم وهمه طبعاً كتير . كان عبد الرحيم يتحدث والإخوان يستمعون في نشوة وصفاء ؛ فالحجب السماوية تنزاح والأضواء الربانية تشع. تنقل الجالسين من حال القرب إلى حال الحب ثم إلى حال سجود القلب. بين لهم ـ العائد منذ ليال ثلاثة من الانصهار الروحي الساجد بقلبه لله ـ بين لهم السبيل إلى تطهير ساحة القلب من نزغ الشياطين. وعمر جالس بين الإخوان يستمع إليه ويتعلم منه هو الذي سهر على رعايته دوماً. عنتر الذي يصلي الفرض بالكاد كان يجلس بينهم لا يطرف له رمش. تذكر عمر آية من سورة النحل قرأها بصوت عال. هذه الآية جعلت الحاضرين يذوبون شوقا في الله " يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده " النساء جالسات بالقرب من قاعة الذكر يبكين. كل واحدة منهن تفكر في تلك السنين التي مضت وعبد الرحيم أمام أعينهن وكيف كن ينظرن إليه. صباح هي الوحيدة التى كان لديها تشوف لحالة عبد الرحيم دائما ما عاملته على أنه شبه ولي من أولياء الله. قد تأكد ما ظنته دائما. في نهاية اليوم الثالث في العزاء وبعد أن رحل المعزون اجتمع أبناء الشيخ ونساؤهم وأحفاده في وسط الدار. استند عبد الرحيم بظهره إلى التوتة. سرح بنظره بعيداً قال عمر: - أين كنت يا أخي طوال هذه السنين؟ - روحي كانت ممسوكة في برزخ كالخط بين الظل والشمس. - كيف وصلت إلى هذه المنزلة ؟ - أراد الله ذلك .ففرَّغ قلبي له. أعرضت عن الأكوان فناءً في محبته. فررت من نفسي إليه هناك وجدت محبتي. كان معظم الناس يعتقدون أن عمرة الدار الغضوب سلبته روحه في ساعة غضب من تطاوله عليها، لكن الحقيقة التي لا يعلمها أحد أن الشيخ صالح دخل قاعة الشيخ (على) ليتعبد ليلة الجمعة، كان أهل الخطوة ـ كعادتهم ـ مجتمعين فيها للصلاة يؤمهم الخضر عليه السلام بعد انقضاء الصلاة والذكر تركوا القاعة غارقة في نور رباني كما الشمس الساطعة . دخل الشيخ صالح يصلي الفجر في القاعة . سجد سجودا طويلا يجعل الناظر إليه يعتقد أنه فارق الحياة، وعلى عادة عبد الرحيم الذي كان يواظب على الصلاة وخاصة صلاة الفجر رغم صغر سنه .انسل من سريره ونزل ليتوضأ ويصلي وهو ابن السابعة التي تعداها بقليل .، رأى النور يبين من أسفل باب القاعة. دخل . بهره الضوء الساطع. تعلقت روحه بهذا الضوء. سجد بجانب أبيه وسمع صوتا يناديه (لقد سجد قلبك لله لا ترفع رأسك أبدا من سجدته. ثبت قلبك على السجود ولا تسمح له أن يتقلب من حال إلى حال.) رفع رأسه من سجوده نظر إلى مصدر الصوت القادم إليه من الضوء الباهر. أنهى الشيخ صلاته فوجد ابنه بجانبه ذاهلاً شاخصاً ببصره ربت على كتفه. اعتقد أنه أنهى صلاته فقام وشده من يده حتى ينام في حجرته. قام عبد الرحيم معه ولم يحدّث أحدا بهذا الأمر أبداً من يومها أصبح دائماً مع الله. دائم السجود. صفي الروح لم يكن يخرج من حالة سجوده تلك إلا المرات القليلة التي يجلس فيها بجانب الجد جود أو في اللحظات التي يحدث الحاجة عن صيده للسمك أو مساعدته لعمر . ما زال عبد الرحيم يتكئ على التوتة والجميع يستمع إليه في وجد سأله عمر: - هل كنت تعي ما نعاني من أجل ذهولك يا أخي؟ - لي عشرون عاماً أكلم الله ، والناس تعتقد أنني أكلمهم. أو يعتقدون أنني أُكلّم الجنية التي أمسكت روحي . كان الكل مشغولاً به وصباح تفكر في أمر آخر. هل سيمضي عبد الرحيم حياته الباقية دون زواج؟. حضّرت في ذهنها كل بنات البلد تبحث عن واحدة تليق به لم تجد. احتارت وغرقت في فكرها ولم تسمع حديث عمر الذي يرتّب مع عنتر أماكن مبيت الأخوان الذين سيحضرون من كل مكان في الخميس الأول . حضر الأخوان وبدءوا يقرأون عِدّْية يس على روح الشيخ وابن خالته .عبد الرحيم بينهم يحدثهم عن المحبة الحقيقية التي يذهل فيها العبد عن نفسه. يتصل بربه. شريطة أن يقوم بأداء حقوقه. يعمل ويكد مثل باقي الناس . ينظر إلى الله بقلبه الذي تحرقه الأنوار الإلهية. بيّن لهم أن الولي الحق يجب أن ينكشف له الحق وتزال عنه أستار العين . لم تغفر يوما موتها تغيرت أحوال النضر بعد موت زبيدة، نار الفقد جعلته يموت موته الخاص بموتها. شوقه الشديد إليها والطابع الأخوي الذي طبع علاقته بابنة عمه ورفيقته من شقاوة الشباب إلى ليالي القاهرة المضيئة بالوجد والحب لآل البيت، كل هذا جعله يوجه كل طاقاته للطريق. اتجه بمشاعره كلية إلى حب أسمى وعشق أعلى يفنى فيه. صار الملاذ لإخوانه في الطريق؛ فالرفاق يرونه امتداد الشيخ صالح في القاهرة، كما يرون أخاه عمر وعبد الرحيم امتداده في الصعيد؛ فالمنزل الكبير بعد وفاة الشيخ صالح ظل عامراً بأنفاس الإخوان مضيئاً بنورهم الرباني . ابنتا زبيدة تولّت تربيتهما أم أحمد، حزنت على موتها حزنا دفيناً لم تستطع أن تبوح به. منذ سنوات حين علمت بحملها وكانت جالسة تنقي الأرز استعدادا لليلة المولد وحين انطلقت زغرودة أمها لتشق الصمت والتوجس اللذين غلفا المكان. حين مالت زبيدة على أذن أمها لتخبرها بالخبر السعيد وحين قالت الأم (مبروك يا أم أحمد جاييلكم ضيف جديد) ساعتها تمنت فايزة أن تموت زبيدة بحملها الذي لا بد سيزيد من ارتباط النضر بها ، هل حقاً هي التي كانت جالسة هناك وضرتها تفرّح قلب أمها بحملها هل حقاً هي التي تمنت موتها ، من الذي وضع كل هذا الحقد في قلبها هي الطيبة التي لم تؤذ أحداً عمرها ؟ لماذا تمنت موتها وهي التي تركت لها النضر بمحض إرادتها ؟ من يومها تشعر بالإثم لموتها ، هل مجرد أن نتمني موت أحدهم يموت ، ما علاقة أمنية شريرة لامرأة موجوعة بالموت ؟ حاولت تعويض ذلك الشعور بالعطف المبالغ فيه نحو البنتين اللتين كبرتا وصارتا أشبه بأمهما. وربما هذا ما دفع النضر إلي أن يبتعد كلية عن أحوال المنزل، ورعاية الأبناء؛ فكلما نظر في عيونهما يشعر بنغزة في قلبه؛ فهما يذكرانه بالحبيبة الراحلة. مال أكثر للعزلة فلم يعد يجلس وسط عائلته بعد العشاء؛ يقرأ لهم ما ينتقي من الكتب التي تحفل بها مكتبته الصغيرة. صارت عادته المحببة إلى نفسه أن يتناول عشاءه ويخرج للصلاة في المقام النفيس ، ثم يذهب إلي أستاذه ووالد حبيبته الراحلة . يصعدان إلى أعلى حيث يتعبّد الشيخ يتذاكران المصابيح المنيرة بحب الله ورسوله، ويقرآن في سيرة السالكين وطرق العارفين. وحين يهجع الكون ويهدأ صخب القاهرة ـ التي لا تنام ـ، يعود إلى منزله يدخل حجرة أحمد وزهير يقبّلهما ثم يدخل إلى حجرة أم أحمد. يبتسم حين يراها تتوسط البنتين وتنام قريرة العين. يرتاح باله ويدخل إلى حجرته لينام ساعات قليلة قبل أن يستيقظ لصلاة الفجر. تفرغ للعمل نهارا والذكر ورعاية الأخوان ليلا. كبر الأبناء بعيداً عن عيونه لم ينتبه لمرور السنين إلا حين تقدم شابان للزواج من ابنتيه. وافق بعد أن قرأ الموافقة حين أرخت كل من البنتين رموشهما الطويلة، ولم تجب على سؤاله. داخله القلق والهم؛ فزواج بنتين في وقت واحد لا بد يحتاج إلى تدابير ستكون مكلفة عليه. هو الذي ينفق دخله وما يأتي من البلد علي أحباء الله. اشترت لهما شوارهما من دكان الحاج عطية المرزوقي رفيق النضر في الطريقة . استقبلها في دكانه في الغورية وأخرج لها البضاعة كلها وقال لها ـ والله يا حاجة أم أحمد البضاعة دي للحبايب بس، دي جاية وصاية من الوكالة الكبيرة علشان البنتين لما سيدنا قالي إنك جاية . ـ تسلم وتعيش يا حاج عطية ماهما بناتك برضو . وتركت البنتين اليتيمتين تختاران ما تريدان .وعدت الحاج عطية أن تدفع له ثمن الشوار بالتقسيط .وافق الرجل الذي يحفظ العيش والملح الذي أكله من يدها في ليالي المولد والذكر . وقفت أم زبيدة وفايزة تساندان بعضهما البعض في الفرح وبعد انتهاء الزفة علي خير قالت فايزة لأم زبيدة . كانت آخر الأشياء التي أخذت من النضر البقية الباقية من روحه هو موت زهير ابنه الذي يصغر أحمد بثلاث سنوات، والذي أنهى خدمته العسكرية منذ قليل. أصابته حُمّى مفاجئة. ذهبوا به إلى كثير من الأطباء، ولا أحد يعرف على وجه الدقة أسباب هذا الارتفاع الشديد في درجة الحرارة. انتهى الأمر بالأطباءإلي أن سبب المرض حمى شوكية في المخ. بعد طول ذهاب للأطباء استقر بهم الأمر أن يرقد على سرير في حجرة ضيقة في مستشفى الحميات، في إمبابة ، واجهت فايزة هذه المصيبة بإرادة صلبة لا تلين، وشجاعة نادرة يحتار الواحد فيها. لم تبكِ ولم تجزع، بل تضرعت إلى الله أن يقويها على هذا الامتحان، وجلست بجانبه على السرير تضع قطع الثلج في كيس من القماش وتمررها طوال الوقت على جبينه وذراعيه وساقيه اللتين تيبستا كأنه عجوز في السبعين، والنضر جالس على الكرسي المعدني البارد يردد تسبيحة وحيدة لا تنقطع " يا مغيث " . يستمد من نور ترتيلته الصبر على هذا البلاء، وأم أحمد ترفع رأسها عن ابنها الذي لا يفيق وتطبطب على ظهر النضر المتكوم بجانبها بين الحين والآخر وتقول: -اصبر يا حاج ده اختبار للمؤمنين يبتسم في إشفاق على هذه المرأة التي لا تسمح لنفسها بالضعف أو البكاء ،و يصمت . لم ترض أن يأكل ابنها أو زوجها من طعام المستشفى المختلط برائحة المطهرات والمخدر . تذهب كل يوم إلى المنزل تعد الطعام وتطعم الدجاج والإوزات،رغم أن البنتين نور ورحمة كل واحدة عرضت أن تأتي لتجلس في البيت ترعاه حتي تعود ماما فايزة من المستشفي كما حرصت كل واحدة علي مناداتها منذ أول كلمة نطقن بها إلا أنها تصر علي أن تعود كل يوم للمنزل ترعي كل شيء بنفسها ، وتطمئن على أحمد الذي يجلس مكان والده في المكتبة، ثم تعود تظل بجانب ابنها حتى موعد انتهاء الزيارة، فتنصرف لأن الأطباء رفضوا مبيتها بجانبه في عنبر الرجال. قبل أن تستيقظ الطيور التي تسكن الشجرة التي تظلل شباك عنبر الرجال في مستشفى الحميات تأتي أم أحمد ، تدس في يد عم حسين البواب جنيها؛ فيدخلها بمجرد حضورها. تفتح شباك العنبر وتدخل هواء الصباح المنعش، تطمئن على المرضى المجاورين لابنها وتعطيهم مما تحضره من طعام وفاكهة. تقبل رأس النضر وتطلب منه الانصراف، وتظل هي جالسة بجانب ابنها الذي لا تنزل حرارته أبداً. تغير له الملاءة وأكياس المخدات بأخرى نظيفة تحضرها من المنزل. تنظف له وجهه بقطعة قماش مغموسة في الماء. تفعل كل شيء وهي ممتلئة بالأمل في الشفاء، ينظر إليها النضر في حيرة. يلقي السلام وينصرف وهي تقضي يومها بين تلبية طلبات المرضى الذين لا أهل لهم ووضع الكمادات على رأس زهير. الأخوان والأصدقاء يتوافدون على العنبر لزيارة المريض الغالي. تلهج الألسنة بالدعاء، وتتمنى القلوب الشفاء، وأم أحمد جالسة تنظر في العيون دون تعليق وقلبها يؤمن علي دعواتهم ، ولكن مجيب الدعاء كان قد اختار ترتيبا آخر، فقد توفى زهير في ليلة صيفية طويلة ومقبضة لم تغمض فيها عينها ، وقبل الفجر بساعات كانت تدق باب المستشفى، فتح لها عم حسين ومن خلال رموشه التي لم تفق بعد من أثر حلم لذيذ يقول في تكاسل: - خير يا أم أحمد هية الساعة كام؟ - معلش يا عم حسين قلقتك ، الفجر قرب يدن . - ادخلي قبل ما حد من الدكاترة ياخد باله تتسلل إلى العنبر، وتدخل . تجد النضر جالسا على السجادة ينهي قيام الليل. جلست على السرير . وضعت يدها على رأس زهير كانت باردة تماما مثل قطع الثلج التي داومت على وضعها عليها لمدة أسبوعين. قلبها ارتعش خوفا تأكد لها الحلم الغامض الذي رأته أول الليل . غطته بالملاءة البيضاء ووقفت في شباك العنبر تتفرس في الظلمة التي تحيط بالمبنى، وتفكر في مدى حسرة النضر؛ فللمرة الرابعة يفقد أحباءه. ترى ما الذي سيموت في روحه هذه المرة ؟ بعد موت الشيخ صالح انكسرت روحه ولم يعد قادراً علي مواجهة الألم ، صار هشاً يصمت ويطيل الصمت . لم يبق منه شيء. هل ستبكيه أم تبكي ابنها؟. هى لا تستطيع البكاء ولا الصراخ في مثل هذا الوقت، ولكنها تظل لليال طويلة تبكي وتعض على يديها وشفتيها ويخيل لمن يراها صامتة أنها صابرة. وتقدر على كتم انفعالها، ولكنها في الحقيقة كانت تحسد فاطمة وتحية على صراخهما وندبهما في موت الحاج والحاجة. هي التي جلست على عتبة القاعة البحرية لا تبكي ولا تصرخ فقط في ليالي وحدتها الطويلة تبكيهم جميعاً.يأتونها جميعا في ليالي وحدتها . تحادثهم ،وتقرأ لهم ما تحفظ من آيات القرآن . تستمد من تشجيعهم لها العون والمدد وحين يفيض بقلبها الشوق إليهم تبكيهم . تحسد كل من يستطيع البكاء لحظتها . البكاء في وحدتها قاس . يحرق قلبها ويوجعه . الراقد الآن علي السرير ابنها الذي أطعمته روحها وسقته قلبها، والجالس بجانب سريره يختم صلاته زوجها الذي لم تعرف أحداً غيره في منزله تربت وهي بعد صغيرة ، ارتبطت عيونها بعيونه ، رضاها برضاه ، تحملت نزواته ، صبرت علي زواجه بأخري ، هل سيصبر علي موت ابنه ، لو مات النضر كيف تواصل الحياة من غيره هل هي قادرة علي كتم دموعها وانفعالها من أجل النضر الذي هده الحزن ؟ أم هل ستهرب دموعها مثلما هربت منها في موت كل الأحبة الذين فقدتهم ؟ بعد أن أنهي النضر تسابيحه جلست بجانبه ويداها تحتضنان ظهره . تعجب من حالها واستدار بوجهه إليها . كانت عيونها تحمل نظرة لم يرها من قبل . تخلص من ذراعيها وقام مسرعا إلي ابنه وجده جسدا باردا غطاه وبدأ يذكر الله ويضع يده فوق رأسه ولم يلتفت إلي امرأته التي كانت جالسة علي الأرض في وضع توسل تمد يديها ولا تنطق |
|
|
|
![]() |
هويدا صالح - الـقـصــــة و الـنــــقــــــد |
![]() ![]() ![]() ![]() |
22-06-2007, 06:28 pm
مشاركة
#17
|
|
|
|
فقط روحها المحاربة
صار النضر بعد وفاة زهير أكثر انكفاءً على ذاته، وخرجت أم أحمد أكثر صلابة ـ رغم بكائها الطويل في ليالي وحدتها ـ روحها المحاربة التي جعلتها تتحمل النضر حين كان صديقا لدياب، ولا هم له إلا جلسات المزاج والجري وراء النسوان هي نفس الروح التي جعلتها تتحمل النضر في حبه لزبيدة وزواجه منها. هذه الروح هي التي جعلتها تتحمل الفقد وتسند ظهر زوجها وتحميه من حزنه الدفين الذي يأكل قلبه. الأيام تمضي وأحمد يزداد شبهاً بعمه عمر ذي القلب العامر بحب الله والوجه الشفيف الذي يشعرك حين تراه أنه أخوك أو أحد أقربائك. ألحت عليه فايزة حتى يتزوج ويطرد عناكب الحزن التي عششت في القلوب : ـ يابني اتجوز هتفضل لأمته من غير جواز ؟ ـ إيه يامه الكلام ده ، جواز إيه هوه القلب خالي للكلام ده بعد اللي راح؟ ـ اللي راح عوضه علي الله يا بني ، ويمكن جوازك يعوضنا زهير من جديد . ـ مينفعش يامه . ـ ليه يابني دي سنة الحياة ويمكن تطرد الحزن اللي عشش علي البيت بعد المرحوم ، الحزن بيجرجر حزن يا عين أمك . وافق أحمد على الزواج من سامية ابنة عمه عنتر ، واعترض النضر على اختيارها ؛ سامية ابنة الفريصة وهي لا تطاق ولا تصلح أن تكون حماة لابنه الوحيد، أكدت له أن البنت لا تشبه تحية في شيء؛ هي المليحة الوجه واللسان حلوة الروح . قالت له: -متخفش يا خويا البت كويسة وحنينة - بس دي تربية تحية -أبداً . دي تربية صباح والحاجة الله يرحمها -البت دايما تطلع لأمها وافق أحمد على الزواج من سامية، وإن كان في قرارة نفسه كان يتمنى الزواج من شادية جارتهم التي أحبها في صمت، واكتفى منها بنظرات يملؤها الحب والحنان. لم يتجرأ يوما أن تتخطى علاقتهما النظرات المتبادلة. كانت تنتظر في لهفة أن تنتهي حالة الحزن على أخيه الراحل ويتقدم لها، لكنها لم تصارحه يوما بذلك فهي تدرك مدى الخجل الذي ينتابه. حين تذهب مع أمها لتساعد الحاجة فايزة في الإعداد للمولد تتعمد الوقوف في محيط عيونه ، ولكنه دائم الهرب منها ولما تذهب ولا تراه تبحث عنه ملهوفة وإن كانت تعرف أنها لن تفوز منه سوي بنظرة خجلة . حين يلمحها قادمة يفر هربا من البيت وقلبه يذوب شوقا . تمنت للحظة أن يبادلها ولو جملة وحيدة. في المرات القليلة التي كانت تحضر فيها للمنزل و تعرف أنه في حجرته. تنطلق ضحكتها صافية مجلجلة وكأنها تود أن تسمعه ضحكها وصوتها حين تطلق إحدى الجارات قفشة من قفشات النساء ذات المغزى الذي لا يخفى على أحد. يستمع إلى حديثها مع الجارات وهن يساعدن الحاجة في الإعداد للمولد. يحبس أنفاسه ويدعو الله مجتهدا ألا تناديه أمه لأمر من الأمور؛ فتعرف بوجوده في الداخل فتجلس خجلة صامتة، ويحرم من سماع صوتها وضحكاتها. وهو لا يعرف أنها تتعمد الضحك والتعليق بصوت عال يصل إليه في حجرته . تمنى لو يصارح أباه بهذا الحب الصامت. لم يقدر كعادته . دائما يخجل أن يطلب أي شيء من أبيه، أو يحادثه كما كان يفعل زهير، فحين كانا صغارا .كان يدفع زهيرا ليطلب من أبيه أي شيء يريدانه رغم أنه يكبره سناً إلا أن المرحوم كان أكثر جرأة . خفة روحه كانت تدفع الأب إلي الموافقة علي أي شيء .هل يستطيع الآن أن يقف أمامه ويقول له أريد أن أتزوج من شادية ولا أريد ابنة أخيك؟ من يعيد إليه زهير حتي يدعه يطلب من أبيه أن يزوجه ممن أحب ؟. هل يقدر أن يُحزن أباه؟ أما يكفيه كل هذا الحزن الذي جعله صامتا تماما . حتى الضحكة لا تخطر أبدا على شفتيه . حين سأله أبوه عن رأيه في سامية رد كما توقعت أمه تماما (اللي تشوفه يا با) سامية زوجته صورة من أمه. لم تدخر وسعا في سبيل إرضائه . خلال عام ونصف تقريبا أنجبت له بنتين الكبرى (سناء) والصغرى (فايزة). شادية فقدت الأمل بزواجه الذي سبب لها صدمة جعلتها تقبل الزواج من أعز أصدقائه . كان صديقه يعلم بحبه لها .كان يشعر بما يدور بينهما من نظرات .حين تزوج أحمد من سامية .تقدم إليها وتزوجها. أنجبت منه ولدا وأسمته أحمد . لم يشعر زوجها بغصة من ابنه الذي حمل اسم صديقه . حين مرض زوجها ورقد في معهد الأورام ، كان يذهب إليه، ويسانده ، .يحضر له أدويته التي لم تكن متوفرة في المعهد . لاحظ الألم في عيون صديقه؛ فقلل من ذهابه إليه. اكتفى بسؤال أمه عن أحواله. ولما مات وتركها هي وصغيرها . تعمدت أن تضغط على يده وهو يعزيها مما جعله يذوب خجلا وشوقا إليها، ولكنه تجنب النظر في عيونها هي التي كانت تنتظره حين يذهب إلي منزل والده في الحسين . كانت تنتظره وهو قادم وتنتظره وهو منصرف، وهو دائم الهرب من نظراتها. ماذا يفعل؟ هو لا يستطيع تحقيق حلمه القديم. لا يستطيع أن يغضب أم سناء. كيف يفر من نظراتها التي تحاصره؟. كيف يهرب من حبها الذي يسكن في أعماقه..؟ انتظرته خلف بابها الموارب. تجاهل ظلها الذي يبين في الضوء المتسرب من بيتها . نادت عليه بصوت هامس. تجاهل نداءها، ولكنه لا يعرف كيف سيتجاهله في المرات القادمة . مر أسبوع وهو يتعمد ألا يذهب إلي والديه هرباً منها . محمد ابن عمه عنتر أتي من البلد قبل الذهاب لمركز التجنيد . ترك لأخته ما حملته أمه لها من طيور وزبد وجبن . يدرك أن الفريصة حينما سيعود في الإجازة القادمة لن تغفرها له وستسوّد عيشته كما صرح للحاج نضر وضحكوا طويلا والحاج يحكي له عن تصرفاتها قديما قال له الحاج : ـ إلا قولي يا واد يا محمد أمك لسه معفرتة والحاج محمد راكبها . ـ يعني هتعقل بتاع إيه ؟ دي كل ما بتكبر عقلها بيخف ومش لاقية دلوقتي غير مراتي تفش غلبها فيها ، مرات عمي صباح واترحمت منها بعد ما جابت التلات صبيان ، وكمان بقالها وضع ، وعمتي فاطمة دلوقتي مركز قوة بتجارتها يعني متقدرشي عليها ، يبقي مفيش قدامها غير مراتي . ـ حد قلك اتجوز دلوقتي دانت يا بني لسه صغير مكملتش عشرين سنة . ـ لا ياعمي عمري اتنين وعشرين سنة بس أنا اللي خدت تأجيل سنتين . ـ دي البت أميرة قوي زي أمها ، ومن عيلة غلابه ملهمشي في المشاكل ولا الكلام ولا الحديت . ضحكت فايزة وقالت لمحمد : ـ طبعاً اسأل عمك عن أمها أصلها من ضمن الحبايب القدام . ـ إلا يا فايزة دي كانت طويلة ، فرسة ورقبتها زي كوز العسل . ـ يا حاج اختشي انت بقيت جد ، دي سناء بنت أحمد مخطوبة يعني سنة كمان وتشوف تالت جيل ليك . ـ يعني يا أختي أنا لوحدي ما انتي كمان كبرتي . ـ ماتنكرش إني أنا أصغر منك بسنين أنا من دور فاطمة . ــ ويعني فاطمة هيه اللي صغيرة ؟ ما الواد ابنها باسم الله ما شاء الله خلّص تعليمه وقرب كمان يخلّص جيش . ـ طيب بذمتك يا أبو أحمد أنا مش أنا لسه بخيري ولا الزمن عمل عمايله معاي ؟ ـ بصراحة انتي أجمد بكتير من أم البت مرات محمد هيه مراتك اسمها إيه يا وله ؟ . ـ اسمها نادية يا عمي . ـ وأمها كان اسمها عزيزة كنا دايماً بنضحك معاها وهي صغيرة ونقول لها يا حبيبة يونس ، وهيه تزعل وتجري ورانا أنا وعمك دياب الله يرحمه بالطوب . فرحت فايزة مثل الأطفال من مزاح النضر لأول مرة منذ سنين يغازلها ويمزح معها . بعد موت الأحبة و آخرهم زهير كان النضر قد انكفأ علي ذاته . تعود إليه روحه المرحة . تشعر الآن أنه تعافي من أحزانه التي طالت . استبشرت بمحمد خيراً وطلبت منه أن يأتي إليهم إذا أخذ إجازة قصيرة يمضيها بصحبة عمه . وعدها محمد أن يأتي إليهم في أول إجازة وانصرف . حين اقترب من منزلها نظر في وجل يتمني أن يراها ، وفي نفس الوقت يخشي رؤيتها ، لمحها تجلس علي باب البيت تبيع العسلية والنداغة للصغار، حين مر من أمامها ألقي عليها السلام وسأل عن أحمد الصغير ، سميه ، وأراد الدخول إلي منزلهم بسرعة قبل أن يعطيها الفرصة للحديث ولكنها بصوت ملهوف استوقفته .نظر إليها في ود وقال لها بعد أن سلّم علي حماتها التي خرجت علي صوته : ـ أأمري يا أم أحمد . ـ لأ هوه فيه أم أحمد غير الحاجة فايزة. ده لقب مانقدرشي عليه . ـ ما انتي برضو أم أحمد أمال أقول إيه ؟ في جرأة تعجب لها ،وعدم خوف من حماتها التي تقف بجانبها قالت له وهي تركز عيونها في عيونه : ـ شادية زي زمان ولا نسيت اسمي . ـ لأ إزاي مانسيتشي ولا حاجة بس أم أحمد نوع من الاحترام . ـ ما علينا ناديني باللي انت عايزه بس قولي عايزة أقدم لأحمد في المدرسة اعمل إيه ؟ . ـ هاتي شهادة الميلاد وأنا بكرة أروح المدرسة وأشوف إيه الطلبات . ـ متشكرين يا ابني ما انت مطرح المرحوم اللي كان روحه فيك . ـ أي خدمة يا حاجة ده ابني واسمه علي اسمي .لازم يتعلم ويطلع حاجة كبيرة إن شاء الله . تعمدت شادية أن تنظر إليه نظرة فيها حب وتحدي وتصميم ومدت يدها لتشكره ، خطف يده من يدها وانفلت إلي منزل أبيه الذي كان واقفاً في الشباك ينتظره حين لمحه من بعيد . حين صعد السلم كانت فايزة بانتظاره علي الباب . أخبرها الأب الذي كان يراقب الموقف عن انتظار شادية له والمحادثة القصيرة التي انفلت علي إثرها الشيخ أحمد إلي داخل المنزل رحبت به الأم وقالت له : ـ إيه يا أبو سناء شادية عايزة منك إيه .؟ ـ أبدا يا حاجه دي عايزة تقدم لابنها في المدرسة ؟ ـ طيب وماله ياحبيبي ما تروح لأقرب مدرسة في الدراسة وتقدم له وانت مالك ؟ ـ إيه ياحاجة مافيش داعي للقلق ده ، دي مرات صاحبي برضو والولد ده زي ابني . ـ لأ يا شيخ احمد ابعد عن السكة دي متكررش اللي عمله أبوك . سامية بنت عمك وشايلاك ، وبنتك سناء مخطوبة وفايزة خلاص داخلة الإعدادية . ـ وأنا عملت إيه؟ أنا بس بعطف علي العيل اليتيم . وأديني في حالي . ـ لأ يابني حماتها من كام يوم كانت عندنا ويظهر قلقانة من عمايل مرات ابنها وجاية تشوف رد فعلنا علي رسم شادية عليك . ـ متخفيش يامه أنا عمري ما هظلم أم سناء . |
|
|
|
![]() |
هويدا صالح - الـقـصــــة و الـنــــقــــــد |
![]() ![]() ![]() ![]() |
24-06-2007, 02:56 am
مشاركة
#18
|
|
|
|
[color=#333399]الشيخ أحمد
عنف الشيخ أحمد الشاب الذي يصعد إليه بقصعة المونة على تكاسله، ثم وضع آخر طوبة في مكانها وقفز إلى الأرض. رفع بصره إلى الحائط المتسق دون ميل، ومرر إصبعيه على شنبه وقال في فخر ظاهر ـ عين الحر ميزان شايف يا واد يا محمود . صفق الشاب بيديه وقال: -يا سلام يا عم الشيخ ولا ميزان ميه ولا يحزنون - بطل غلبة ولم الحاجة وخلينا نروح . عاود الشيخ أحمد النظر إلى الحائط المتسق وابتسم ابتسامة رضا ، ثم دب يده في جيب الصديري وأخرج من محفظته الجلدية خمسة جنيهات وأعطاها للشاب الذي رفض أخذها، ربت علي ظهر الشاب الذي يتمايل بجواره طوال الليل في حلقة الذكر، وقال له : خد دول بس علشان لو عايز تشتري لإخواتك فاكهة . ـ لما تحاسب صاحب البيت يا سيدنا . ـ معلش بكره الحساب يجمع ، خد دول مؤقتا . ثم ارتدى جلبابه النظيف وساعده الشاب في جمع عدته واتجه إلى المنزل الراقد هناك في حضن الجبل في الدويقة. فايزة وسناء في انتظاره على الباب. أسرعت فايزة لتحمل عنه العدة، كانت أم سناء قد أعدت له الحمام ووضعت الماورد في الماء الساخن .خرج من الحمام . جلس بملابسه الداخلية الناصعة البياض . تنحنح ونادي علي أم سناء أن تأتي بالطعام . جلست البنتان بجانبه .اغتاظت امرأته حين أخبرها أن الطعام الذي أكله في المنزل الذي يبنيه اليوم أجمل من طعامها، وأن المرأة التي أحضرت لهم الطعام فرسة جامحة . أقسمت بالله أنها لن تأكل .دخلت حجرتها غاضبة وجلست على السرير منتظرة مجيئه ليصالحها. هو يعرف تماما أنها في انتظاره ، وأنها تتسمع لأدنى حركة يقوم بها .تعمد أن يتأخر قليلا ولكن سناء قالت له: -علشان خاطري يا بابا قوم صالحها قبل ما تكبر في دماغها - سيبيها شوية وهيه هتيجي - أنت عارفها . إدخلها علشان خاطري دي مكلتش من الصبح ومستنياك قام إليها وجرها من يدها وخبط بيده على مؤخرتها التي ما زالت بضة، ونطق بجملته التي تنتظرها دائما: - لسه فيكي الخير يا أم سناء. هوه فيه زي نفسك في الأكل ، أنت لسه بتغيري يا مره ؟ بناتك علي وش جواز . فرحت المرأة وضحكت من قلبها وقالت : ـ آه يا خويا بغير ولا كبرت ... وبعدين أنا هقعد علي يمينك ده مكاني . تركت لها سناء مكانها؛ فهي تحب الجلوس على يمينه. وفايزة عن يساره أما سناء فهي ترضى كل الرضا بترك مكانها لأمها. بعد العشاء ارتدي جلبابه المزهر والمعلق بعناية على الشماعة خلف باب حجرة النوم.لف الشال على رأسه وتعطر بالمسك الذي يداوم على إحضاره من عم رجب بائع العطور في الحسين، وخرج ، والمرأة تنظر إليه ولهانة وخائفة من كل مرة ينزل فيها إلي الحسين ، قالت وجلة : ـ سلم علي عمي والحاجة .. وتعالي بدري علشان الجبل بالليل متلبش . ـ اتركيها لله . نزل من الجبل متمهلا في الشارع الطويل الذي ينتهي بالطريق العمومي ومنه إلى منشية ناصر ومن هناك يركب الميكروباص إلى حيث يسكن والده الحاج نضر بجوار الحسين. في الطريق كان يتفادى البرك الصغيرة التي تكونت أمام المنازل بسبب المجاري التي تطفح دائما. ينقل قدميه من حجر إلى حجر. لا يتوقف إلا أمام دكان الحاج محمد الذي أصرّ على أن يدخل ليشرب معه الشاي قال له: - معلش رايح للحاج . يضحك الحاج محمد ضحكة لها مغزى ويقول له: -أيوه يا سيدي رايح للجو. ـ بطل شقاوة واعقل أنا رايح للحاج زمان الذكر منصوب . -اطلع من دول. يعني مش هتبص بصة على أم أحمد اللي رقبتها زى كوز العسل والحلق أبو مراية يتمايل عليها؟ - والله أنت رايق يا حاج وأنا مش فايقلك ، ما تيجي تذكر لك شوية وتزيح هموم القلب ـ وهوه الذِّكر يزيح الهم؟ لأ يا عم أنا قاعد على باب الدكان أتفرج على البنات العدالة هوه ده اللي يشيل الهم بصحيح -أنت حاج أنت ؟ أكيد حجيت ع الفرن علي رأي جدي صالح الله يرحمه . ـ الله يرحم جدك يا أخي بس أنا مابحسش إني عايش غير لما أقعد كده وأتفرج علي الصبايا وهم رايحين جايين .يمكن أقدر أعلق مع واحدة ترجعلي شبابي اللي كلته بلدياتك ، البنات العدالة الفرجة عليهم ترد الروح . . ـ أم محمود دي ست أميرة . وكويس إنها مستحملاك والله لو واحدة من بتوع الدراسة ولا حتي الدويقة ماكنتش صبرت أبداً علي شقاوتك، دانت يا أخي زي العيل المراهق والست عارفة وصابرة . ـ يعني يا أخويا في إيديها إيه؟ تقدر تطلقني ؟ خليها تروح للصعايدة بتوعها . ـ كانت شورة غبرة ومعرفة طين تلاقي الست بتدعي علي الحاج نضر وعلي أمي سبب المعرفة . ـ هيه تطول تكون تحت واحد زيي ، وبعدين متقدرش تجيب سيرة سيدنا ومرات سيدنا دا أنا أقطع رقبتها . ـ يلا أسيبك علشان اتأخرت . ـ يا عم خليك شوية .اشرب الشاي بس. ـ يبقي لي شاي . سلام عليكم . سار في طريقه ،ولم يرد علي مزاح الحاج محمد الذي اتخذه تكأة ليغازل فتاة تمر في تلك اللحظة ، كان محلقا في عالم آخر . كان يتمني أن يراها . قلبه يحدثه أنها بانتظاره . على ناصية الشارع كانت شادية تجلس لتبيع للصغار الحلوى والسوداني وحمص الشام .ابنها أحمد يلعب جوارها . حين رأته رمته بنظرة أصابت قلبه تماما، ثم أرخت رموشها الكحيلة في دلال ساحر. سار مرتبكا يتحاشى النظر في وجهها .الصغير رآه ، فترك الكرة .جرى إليه. احتضن ساقيه ، فمال الشيخ أحمد على رأسه قبلها . أخرج محفظته، وأعطاه جنيها، قامت مسرعة ،وخلصت الصغير من حضنه وقالت : ـ مايصحش كده مش كل ليلة . ولم تنس وهي تخلص الصغير من حضنه أن تدع يدها تلمسه لمسات خفيفة اهتز لها جسده كله، وغاب لحظة ، وشعر كأن قدميه تطيران به . عاد إليها وهي واقفة جواره ، وما زالت تحتضن الصغير و تسدد سهامها في عينيه . لم تخش حماتها الجالسة علي عتبة الباب ،ترقبها وتتملي في وجه الشيخ أحمد الذي يعكس انفعالات روحه .تمالك نفسه .سار إلى المنزل وهو يرتل الأدعية بصوت قصد أن يكون عالياً حتي يطرد طيفها الذي يملك روحه في تلك اللحظة .صعد السلم . سمعت صوته الحاجة فايزة. أسرعت إليه وألقت بنفسها عليه قبل رأسها ويديها. فلكزته في صدره وقالت له : ـ أنت يا واد قاسي كده ليه .. من يومين ماطلتش علينا ، وإزي أم سناء والبنتين ؟ مال علي يديها يقبلهما وقال : ـ بيبوسو إيديك يا حاجة . ـ ربنا يسعدك يا ابني بالولد الصالح علشان يلبس العمامة من بعدك . لما سمع أبوه صوته ترك الرجال الملتفين في حجرة الذكر . خرج إليه احتضنه ، ولف ذراعه حول جسده . دخل به على الذاكرين. ألبسه العمامة الخضراء ووضع على كتفيه شالا رُسم عليه سيف ومصحف ومكتوب تحتهما لا إله إلا الله شيخ الطرق الصوفية. تعجب الشيخ أحمد من تصرف والده، ولكن الوالد لم يعطه فرصة للكلام ، بل قدمه إلى وسط الحلقة وطلب منه أن يقوم بالإنشاد. حاول أن يقدم والده ولكن الأب قال له سأردد وراءك حان الوقت لتدير أنت الحلقة. ارتجف الشيخ أحمد وهو يحكي لهم عن قاض في مدينة الإسكندرية كان يتعسف مع مريدي سيدي إبراهيم الدسوقي فأرسل إليه سيدي إبراهيم رسالة مكتوب فيها : سهام الليل صائبة المرامي إ ذا وترت بأوتار الخشوع يصوبها إلي المرمي رجال يطيلون السجود مع الركوع بألسنة تهمهم في الدعاء وأجفان تفيض من الدموع إذا أوترن ثم رمين سهماً فما يغني التحصن بالدروع هلل الذاكرون وكبروا حين أكمل لهم حكاية القاضي الذي كان يُنكر علي المريدين أحوالهم ، ويضطهدهم باسم الدين ويتهمهم بالشعوذة . حين أكمل القاضي المنكر للأحوال رسالة إبراهيم الدسوقي خرج من الرسالة سهم اخترق صدره ، فخر ميتاً . تعجب السامعون من كرامات الأولياء ، وطلبوا من الشيخ أحمد أن ينشد لهم شعراً لأحد الأقطاب ، فأنشد أبياتا لابن الفارض والرجال يتمايلون على صوته الرخيم الذي يشبه إلى حد بعيد صوت والده. لم يقطع إنشاده إلا سقوط والده وارتطام جسده على الأرض. كبّر الذاكرون وقال أحدهم : ـ لا إله إلا الله الحاج نضر طاف ، وخرج الريم من فمه. توقف الذكر وانشغل هو والرجال في إفاقة والده. بعد أن أفاق انصرف الرجال ودخلت أمه تمسك بيدها كوبا من عصير الليمون ، وضعت ذراعها خلف رأسه وقربت الكوب من فمه. شرب العصير الطازج .نظر إليها بعطف . أراح رأسه علي ذراعها . استأذن أحمد والده في الانصراف . حاولت أمه أن تجعله ينام الليلة في المنزل لأنها قلقة على أبيه و عليه أن يعود إلى الجبل بعد أن تأخر الليل . طمأنها وقبل رأس أبيه وخرج من الحجرة. ضحك الأب ساخرا وقال بصوت واهن : ـ ابنك ما يقدرش يبعد مؤخرته عن مؤخرة أم سناء ولو ليلة وحيدة، خبطته الحاجة في كتفه وقالت : ـ ما تسيب الواد يا نضر . خَجّلْته يا نن عين أمه . مش كفاية سيبت ركبنا وهربت دمنا . ـ تفتكري ابنك يقدر يبعد عن أم سناء ليلة واحدة ؟ ـ ربنا يحنن قلبه عليها وبعدين هيطلع لمين ، من شابه أباه ما ظلم . ـ الحكاية مش كده يابا . بس البنات في الجبل ومقدرش أسيبهم يباتوا لوحدهم .البيت لسه مكملش دلوقتي يعتبر مَنطّ والصيع في المنطقة كتير . ـ قلنالك بيعه وتعال اشتر حته هنا . ـ ما أنت عارف سعر المتر في الحسين وصل أكتر من الألف إذا كان في المنشية وصل ألف يعني البيت وما فيه ميجبش خمسين متر هنا . ـ حد قالك يا ابني سيب البيت ماهو كان سايعنا كلنا وخلاص . ـ يابا حبايبنا كتير طول السنة ، الإخوان دايما في البيت شتي وصيف ، وأنا معايا بنتين ولازملهم كل واحدة أوضة ، وبعدين مش هنعيده تاني . انصرف النضر بوجهه إلي امرأته التي صار وجهها أصفر كما الليمونة ، وربت علي مؤخرتها وقال لها : ـ اتخضيتي عليه يا فُوز يا جميل ، وبعدين ماله أبوه طول عمرك ميته فيه ولا شوية الأغمي دول هيخلوكي تعيدي نظر ؟ ـ طول عمرك مدوخني معاك لسه هعيد نظر بعد العمر ده كله . .ـ مدوخك معايا ولا مدوخك فيا . اعترفي يا أم أحمد . خجل الابن من كلام أبيه وانصرف وهو يضحك عليهما .تظهر في مخيلته التي لا تبدو بعيدة في تلك اللحظة صورة أبيه ، وعشقه لزبيدة الذي ملك عليه نفسه، وزواجه منها ، دون خوف من الشيخ صالح. ابتسم لصبر هذه المرأة المناضلة والمكافحة دوماً من أجل الاحتفاظ به ، وردها لكثير من مكائد النسوان كما تردد دوما من أجل سرقة رجلها منها . كانت أمه في تلك اللحظة تدعو له أن يرزقه بالولد الصالح حتى يرث العمامة الخضراء من بعده. نزل السلم متمهلا وهو يتساءل في نفسه هل ما زالت في انتظاره أم أنها أغلقت بابها عليها هي وطفلها ونامت . أخرج رأسه من باب البيت ،فوجد ظلها يبين من وراء الباب ، نادته بصوت هامس. يجاهد نفسه تماما حتى لا يلبي نداءها. أسرع من أمامها كأنه لم يسمعها . وفي الطريق لم يكن يسمع إلا صوت قلبه الذي يلومه على عدم إجابة ندائها. نظراتها تخترقه. كل ليلة يحلم بها.تأتيه في زينتها وتمد إليه يدها، وهو لا يستطيع الاقتراب منها. الطريق يطول وهو ما زال يفكر فيها. اقترب من البيت ، لمح أم سناء تقف على سطح الدار في انتظاره . نزلت مسرعة .فتحت له الباب . تحتضنه بشوق كأنه غاب عنها دهراً كاملاً. يحدق في عينيها ويلمح الخوف والحيرة فيهما فهي تعرف تماما شغفه الذي يدفنه في قلبه. تعرف حبه لأم أحمد زوجة صديقه الذي أوصاه بها وبابنها. تحاول أن تداري خوفها . دون إرادة منها تنسال دمعات علي خديها ، يلمح الدموع . يشعر بخوفها ، ولكنه يفر بعينيه بعيدا . . قالت بصوت يملؤه الشجن : ـ أخبارعمي ومرات عمي إيه ؟ ـ بعد يومين مولد الحسين والحاجة بتفكرك تروحيلها من بكره علشان تجهزوا للحبايب .ـ كل سنة وأنت طيب أكيد الجماعة جيين بكره من الصعيد . ـ عمي عمر و أولاده ومرات عمك صباح جايين أكيد . ـ لو أبويا وأمي يعملوها مره وييجوا ؟ ـ عمي عنتر أكيد مش فاضي ومش معقول مرات عمي تحية هتيجي لوحدها . ـ طيب كانت تيجي مره تسأل علي هيه ولا أبويا . ـ محمد أخوكي لسه جيبلك شي وشويات من خير أبوكي وبعدين ما أنا أخوكي وأبوكي ولا أنا مش كفاية ؟ تبتسم في امتنان،و تبعد وجهها عن وجهه وتداري الدموع التي غافلتها ونزلت على خديها. يضمها إليه ويحاول أن يطمئنها وأن يبعد الشكوك عن قلبها . ربّت على ظهرها . ضغط على جسدها بذراعيه ودخلا إلى الحجرة . دفنت رأسها في حضنه ونامت. كان صوت أم أحمد مازال يتردد داخله وهو يفكر إلي متي سيظل قادرا علي الهروب، وهل يكفي ولاؤه لابنة عمه أن يجعله قادراً علي الفرار من امرأة تمناها طويلا وراح يتذكر تردده الدائم الذي جعلها تضيع من يده من قبل ؟ وللمرة الأولي خرج السؤال من قلبه وارتسم علي صفحة الهواء أمامه.هل يستطيع التضحية بها من جديد ؟ هويدا صالح القاهرة 2003[/color] الأحبة جميعا لكم كل الود أرجو أن تنال الرواية تقديركم . الملفات المرفقة
_______________.doc ( 86k )
عدد مرات التحميل: 45 |
|
|
|
![]() |
هويدا صالح - الـقـصــــة و الـنــــقــــــد |
![]() ![]() ![]() ![]() |
26-06-2007, 01:36 am
مشاركة
#19
|
|
|
|
[quote name='فاطمه.ن.' date='14-06-2007, 10:33 am' post='50529']
الحبيبه هويدا... كنت قد بدات بتجميع هذه الرواية من موقع دروب ..كلما نزلت حلقة وضعتها مع اخواتها فى ملف خاص..ووصلت للحلقة الثالثه..وقلت لن اقراها حتى تكتمل...لا اكتمك اننى كنت اغش بعض الاحيان..واقرأ ثم اصبّر نفسى..واقول..عندما تكتمل سأشعر بلذة قراءتها.. الان..هل ستنزل هنا بنفس التقطيع ام لا..لانه اسهل علىّ ان احفظها من نصوص مفتوحة هنا. الف تحية لك ايتها الغاليه..ولإبداع جدير بالمتابعه... احييك بحب..واسميك عمرة الدار. [/quote] الحبيبة فاطمة الناهض يا حبيبة أرسلت لك اليوم نسخة ورقية مع عايدة النوباني ستصلك يوم 20 يونيو لك محبة يا ست البنات وشكرا لمتابعتك هنا وفي دروب |
|
|
|
![]() |
هويدا صالح - الـقـصــــة و الـنــــقــــــد |
![]() ![]() ![]() ![]() |
26-06-2007, 01:48 am
مشاركة
#20
|
|
|
|
[quote name='خالد الجبور' date='14-06-2007, 11:02 am' post='50534']
أنا أريد نسخة ورقية . [/[size=5]quote] خالد يا العزيز نسختك ستصلك مع عايدة النوباني لك تقديري يا أبا لؤي [/size] |
|
|
|
![]() ![]() |
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء: