ذهاب للمحتوى


صورة

التفكير العلمي


  • Please log in to reply
18 replies to this topic

#1 د.أيمن الجندي

د.أيمن الجندي

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 2039 المشاركات:

تاريخ المشاركة 06 April 2007 - 06:26 PM

التفكير العلمي
د.أيمن محمد الجندي
Elguindy62@hotmail.com
كاتب هذا الكتاب ( د.فؤاد زكريا ) من شيوخ العلمانيين ..ومع ذلك لو كان الأمر بيدي لجعلت كتابه مقررا على كل مراحل التعليم لأن التفكير العلمي مسألة حياة أو موت بالنسبة لمجتمعنا .. والمؤلف – ككل البشر – يحمل صوابا كما يحمل خطئا ..وطريقة التفكير العلمي ليست ملكا للحضارة الغربية وإنما هي تراث خالص للبشرية ..والحكمة ضالة المؤمن ومن الحمق أن يمنعنا عنها موقف مسبق تجاه شخص أو تيار فكري ..بل إنني أزعم أن فقهاء المسلمين في عصور أزدهاره كانوا أول من ألتزم طريقة التفكير العلمي بمقاييسه الصارمة .
..................................
التفكير العلمي ليس مجرد حشد المعلومات العلمية في الفيزياء أو الكيمياء أو معرفة طرق البحث في ميدان معين وإنما هو طريقة في النظر إلى الأمور تعتمد على العقل والبرهان ( خلاصتها الآية الكريمة : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ..يمكن أن تتوافر لشخص لم يكتسب تدريبا خاصا في فروع العلم ( مثل تاجر حاذق ) كما يمكن أن يفتقر إليها أشخاص وافر لهم من المعارف العلمية حظ كبير وشهادات رسمية . هو العقلية العلمية التي يمكن أن يتصف بها الإنسان العادي حتى ولو لم يكن يعرف نظرية علمية واحدة ..
الإنسان الذي يفكر بطريقة علمية لا يقبل شيئا على علاته ما لم يكن عليه دليل سواء في أمور الدنيا والدين ..هو ذلك الذي يندهش من تلك القابلية العجيبة للتصديق عند مجتمعاتنا .
العقلية العلمية تبحث عن الأسباب ..كانت الحضارات القديمة تشيد مباني ضخمة دون أن تحاول معرفة النظريات الكامنة وراء عملية البناء وتكتفي بأنها حققت الهدف المطلوب.. لكن معرفة أسباب هذه الظواهر هي التي تمكنا من التحكم بها على نحو أفضل فدراسة طبيعة الموجات الصوتية هي التي مكنت من اختراع التلفون واللاسلكي والراديو وكان من المستحيل بلوغها لولا معرفة أسباب هذه الظواهر .
الحقيقة العلمية قابلة أن تنقل لكل الناس وتتسم باليقين الموضوعي الذي يرتكز على أدلة منطقية مقنعة لأي عقل وليس اليقين الذاتي المضلل المبني على رغباتنا وإذا كنا في حياتنا العادية يمكننا أن نستخدم عبارات مثل " قلبي يحدثني أنه سيحدث كذا " فمن غير المقبول أن نستخدم عبارة في العلم يشوبها الغموض وحتى حين يكون الشيء احتماليا فالعلم يعبر عن هذه الاحتمالية بدقة أي بنسبة رياضية محددة ..وبذلك فإنه يحدد بدقة درجة عدم الدقة باستخدام لغة الرياضيات .
..........................
العلم ظاهرة متأخرة في تاريخ البشرية ، وحتى الآن فالبشرية ككل ما زالت بعيدة عن اكتساب جميع سمات التفكير العلمي فالعلم لم ينشأ إلا في اللحظة التي قرر فيها الإنسان أن يفهم العالم كما موجود بالفعل لا كما يتمناه ..قبلها استعاض الإنسان بالحلم وكان الأدب والفنون هو المظهر الرئيسي لنشاط الإنسان الروحي وانتشر الفكر الأسطوري المرتكز على مبدأ حيوية الطبيعة (مثل أسطورة أيزيس وأوزريس التي كانت يفسرون بها فيضان النيل ) بينما يسعى العلم الآن إلى تفسير الحي عن طريق غير الحي فيحاول أن يفسر ظواهر الحياة من خلال عمليات فيزيائية وكيمائية .
وإذا كان الفكر الأسطوري قد اختفى فإن الفكر الخرافي ما زال يمارس تأثيره على عقول الناس حتى اليوم في أرقى المجتمعات والدليل ظهور أعمدة "حظك لهذا اليوم " أو قراءة الطالع أو التشاؤم من رقم 13 وأخطر أسلحة الفكر الخرافي هو الربط بينه وبين الدين فيستغلون بعض النصوص عن الحقائق الغيبية مثل السحر والروح ليدافعوا بحرارة عن الظواهر الخرافية ، وخطورة هذا السلاح أنه يضع الدين – بدون مبرر – في مواجهة العلم ..وهو ما سبب انصراف الناس عن الكنيسة في الغرب حينما عارضت مبدأ دوران الأرض مثلا ، ولكننا في الشرق يجب أن نستفيد من تجربة الغرب خصوصا وأننا أصحاب دين فسره مفكروه في صدر الإسلام تفسيرا لا يتعارض مع البحث العلمي بل يدفع الفكر والعلم إلى الانطلاق .
.......................................
السلطة الفكرية والعلمية قد تمثل عائقا آخر أمام التفكير العلمي فكثيرون يؤمنون أن الحكمة كلها تكمن في القدماء ، وهذا بالطبع نوع من النظرة الرومانسية للتاريخ . لقد رفض المعاصرون لجاليلو النظر إلى السماء بالمنظار المقرب الذي أخترعه خشية أن يهدم عالما عزيزا مألوفا لديهم يكون فيه الأرض مركز الكون لا مجرد كوكب سيار . ولا ننس أن الخضوع لآراء أرسطو قد تسبب في تجميد التفكير وشل الروح الإبداعية طوال أكثر من ألف وخمسائة عام حتى أعتبر فلاسفة من وزن ديكارت وبيكون التحرر من قبضة أرسطو الخطوة الأولى نحو بلوغ الحقيقة ..
...............................
من الطبيعي أن يهيب الإنسان في مجال الفنون بملكات أخرى غير العقل لكن إنكار قدرة العقل في ميدان المعرفة واستبدالها بالحدس أو الإلهام أو الحاسة السادسة يمثل عقبة في طريق العلم ..وخصوم العقل يبدءون من مقدمة صحيحة ( مثل أن العقل ما زال عاجزا عن كشف كثير من أسرار الكون ) ثم يستنتجون منها نتيجة باطلة ( مثل أن العقل عاجز قاصر ويجب الاعتماد على قوى أخرى )..وللأسف ينطلي هذا الأسلوب الخادع على كثيرين لاستخدامه مقدمة صحيحة فيتصورون أن النتيجة لا بد أن تكون صحيحة بدورها .
وهؤلاء الذين ينكرون دور العقل عليهم أن ينظروا لشكل الحياة منذ خمسائة عام ويقارنوها بالمعارف الحالية والأمل كبير في اتساع تلك المعارف في المستقبل لتكون الصورة أبعد ما تكون عن صورة العقل العاجز الذي يصورونه ..
التعصب للرأي والاعتقاد الخاطئ أن المرء يحتكر لنفسه الحقيقة وأن غيره يفتقرون إليها يتعارض كلية وطبيعة الحقيقة العلمية لأنه يشجع التفكير اللاعقلي والعقل البشري لا يستطيع أن يجد حلا وسطا بين الاثنين فإما العلم وإما التعصب ولا بد من القضاء على أحدهما لكي يبقى الآخر .
................
كانت الحضارات الشرقية القديمة بارعة في الاستخدام العملي للمعارف الموروثة ولكنها لم تكن تملك نفس البراعة في التحليل العقلي النظري لهذه المعارف..حققت أنجازات عملية هائلة ولكنها لم تتوصل إلى النظريات الكامنة وراء هذه الخبرات ..كانت أشبه بالمقاول الذي أكتسب قدرا هائلا من الخبرات العملية سواء عن طريق التلقين او الممارسة دون أن يعرف اسس البناء بما يمكنه من التصرف حال حدوث أي طارئ .
أما صورة العلم في العصور الوسطى الإسلامية فكانت مختلفة عن صورة الركود والجمود الأوربي ففي العالم الإسلامي كانت هناك حضارة فتية تتسم بالإيجابية والانفتاح على العالم من خلال ترجمة علوم اليونان والفرس والهنود ..ولكنهم لم يهتموا فقط بالجانب النظري كما فعل اليونان وإنما أهتموا بالعلم التجريبي والبحث العلمي من أجل فهم قوانين الطبيعة المحيطة بنا .مثل جابر بن حيان في الكيمياء والحسن بن الهيثم في البصريات والبيروني في الفلك والرياضيات والرازي وابن سينا وابن النفيس في الطب وابتكروا علم الجبر وحساب المثلثات وتفوقوا في الهندسة التحليلة فأضافوا للعلم معنى جديدا لم يكن يلقى اهتماما بين اليونانين وهو استخدام العلم من أجل كشف العالم الطبيعي وتمكين الإنسان من السيطرة عليه .وكان ذلك طبيعيا في حضارة قامت على أساس الجمع بين الدين والدنيا .
لكنهم قد احتفظوا ببعض العناصر السلبية التي ترجع إلى اليونانيين مثل فكرة الأمزجة في الطب والعناصر الأربعة " الماء والهواء والنار والتراب "وضاع وقت ثمين في أبحاث عقيمة كتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب والتنجيم والبحث عن حجر الفلاسفة ..والمشكلة أنه حسب نظرة العصر نفسه فلم يكن هناك حد فاصل بين الأبحاث العقيمة والمفيدة .
والدرس الأكبر في التفاعل بين تاريخ الحضارة الإسلامية هو أن التفاعل بين الثقافات هو الدافع الأول إلى تقدم العقل البشري فلم يخجل المسلمون في عصرهم الذهبي من استيعاب علوم الثقافات الأخرى الأقدم منهم عهدا ، ولم يخجل الأوربيون أيضا من ترجمة أمهات الكتب الإسلامية وتدريسها في أعظم جامعاتها ..فالتفاعل مصدر نفع للبشرية أينما حدث.
........................
العلم معرفة نظرية والتكنولوجيا هي تطبيق هذه المعرفة ..كان الفأس والعجلة في وقتها نوعا من الأنقلاب التكنولوجي لا يقل أهمية في عصره عن اختاراع الطائرات ..لكن المنجزات التكنولوجية القديمة قد تحققت بمعزل عن العلم لأن من قام بها لم يدرسوا نظريات علمية معينة طبقوها فأتاح لهم تطبيقها الوصول إلى أختراع جديد بل كان هؤلاء صناع مهرة توارثوا خبراتهم جيلا بعد جيل فتتطورت صنعتهم ببطء مما جعل الانتقال من عصر لعصر يستغرق آلاف السنين ولذلك فإن كشوفا حاسمة في تاريخ الإنسانية مثل أكتشاف النار والخزف والنسيج والعجلة والسفينة تم تحقيقها على نحو مستقل عن العلم .وحتى الكشوف التكنولوجية الهامة في أوائل العصر الحديث كالبارود والعدسات المكبرة والمقربة والطباعة تمت على يدي صناع مهرة لا يسترشدون في عملهم بنظرية عليمة بل يستعينون بما توارثوه من خبرات . وهكذا استمر هذا الوضع ( العلم مدين للتكنولوجيا وليس العكس ) حتى الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر ونشوء مجتمع تعجز عن الوفاء بمطلباته أساليب الصناع القديمة فحلت طاقة البخار محل طاقة الحيوانات واستخدم الفحم وقودا للمصانع ومنذ ذلك الحين ظهر البحث التطبيقي للنظريات العلمية وأصبحت التكنولوجيا مدينة للعلم لا دائنة له .
................
هكذا انتهى كلام الدكتور فؤاد زكريا وإذا أردت ضرب أمثلة قلت أن العقلية العلمية النقدية هي التي جعلتني :
1- أفرق بين الهجوم على الدين والمتدينين .
2- أرفض هواية البحث عن معجزة المنتشرة في مجتمعاتنا سواء على المستوى الديني او الدنيوي .
3- أطلب الدليل على أي شيء يقال .
4- أرفض الخضوع لسلطة القديم إذا خالف عقلي فإذا قال أبن القيم مثلا في زاد المعاد أن أوقات الحجامة المستحبة فهم يقولون أن أفضل وقت لها فى الربع الثالث من الشهر العربى وذلك إعتماداً على ماقاله لأن الدم فى أول الشهر لم يكن بعد قد هاج ،وفى آخره يكون قد سكن " فإني أرفض هذا الكلام رغم أحترامي له لأنه ليس صناعته بينما أقدر وأحترم علمه الشرعي .

بلاش اقولك ، حالي يدلك

#2 خالد الجبور

خالد الجبور

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 2500 المشاركات:

تاريخ المشاركة 06 April 2007 - 09:07 PM

شكراً على هذا العرض الموفق لكتاب التفكير العلمي للدكتور فؤاد زكريا ، وأوافقك تماماً بأن مسألة " التفكير العلمي " مسألة حياة أو موت بالنسبة لمجتمعنا .

دمت بخير يا أيمونة .
قطرة دافئة في نهر الحياة

#3 عبدالرحمن السليمان

عبدالرحمن السليمان

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 411 المشاركات:

تاريخ المشاركة 06 April 2007 - 09:48 PM

تحية للدكتور أيمن الجندي على وصف كتاب فؤاد زكريا في التفكير العلمي.

أريد فقط أن أقول إن من السذاجة اعتبار الدين عائقا للتفكير العلمي وإلا لوجب اعتبار كل علمائنا الإسلاميين في العصور الماضية ملاحدة دهريين مثله!

ثم إن أكثرية العلماء العرب البارعين في الغرب هم من أصحاب الدين وليسوا من أصحاب العلمانية! وهم يتبوؤون أعلى المناصب العلمية في دول مثل ألمانيا (فيها آلاف الأطباء والمهندسين المسلمين) وإنكلترة وفرنسا وأمريكا وغيرها!

العلم مثل النبات يا سيدي، لا ينمو ولا يتطور إلا في الأرض الصالحة! ويعلمنا الحاضر أن كل شيء ـ حتى الشجر ـ يكاد يختنق في الأرض العربية! إن الحديث في ضرورة التفكير العلمي في أرض تكاد الأشجار تختنق فيها هو مثل الحديث في جنس الملائكة، وفي أسبقية البيضة على الدجاجة، أو الدجاجة على البيضة، ولا طائل يرجى منه إن هو لم يتعرض للأسباب الرئيسية التي تجعل العرب في أول مؤخرة القائمة الانسانية إن جاز التعبير!

وأنا أدل الدكتور زكريا على باب أقرب إلى ما يريد التفلسف فيه: لا توجد من بين أفضل 500 جامعة في العالم جامعة عربية واحدة! ومن المعروف أن الجامعات العربية (ما عدا بعض جامعات المملكة العربية السعودية) "معاقل علمانية" تدعو إلى إعمال العقل والقضاء على التخلف الخ وأن أحدا من "أصحاب الدين" لا يملك أية سلطة في أية منها وذلك بعد إقصائهم منها بواسطة السلطات العامة! ليفسر الدكتور زكريا ذلك لنا دون أن يتجنب في تفسيره سببا واحدا لذلك، "ينوبه ثواب"!

وتحية طيبة.

عبدالرحمن السليمان
www.atinternational.org

#4 عبد الرحمن حلاق

عبد الرحمن حلاق

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 690 المشاركات:

تاريخ المشاركة 06 April 2007 - 11:31 PM

شكراً أيها العزيز أيمن
لقد ذكرتني بهذا الكتاب وهو على فكرة أول كتاب من سلسلة عالم المعرفة أقتنيه وذلك من أيام الثانوية يعني أظن في عام 1978
لكني أريد أن أطرح نقطة بسيطة وأرجو ألا أكون مزعجاً فيها
لماذا كلما حاول أحد ما أن يلقي حجراً في مستنقع تخلفنا نقول عنه علمانياً ( بدلالتها الحديثة )؟
وكلمة لصديقي الدكتور عبد الرحمن السليمان أنا أعتقد أن الجامعات الخمسمئة التي ذكرتها والتي هي الأولى في العالم أصبحت أولى لأن منهجها لاعلاقة له بالدين لا من قريب ولا من بعيد مسلماً كان أو مسيحياً أو يهودياً .
ولماذا دائما نمتلك إحساساً أن العالم متآمر على ديننا وأن الحقيقة في جيوبنا فقط .
اسمحوا لي أن أسرد لكم حادثة جرت معي قبل أيام ولها دلالة على الهوة الفظيعة بيننا وبين العلم والتفكير العلمي وذلك مع أحد طلبتي في المدرسة
قادنا الحديث إلى سؤال هام طرحه الطالب عليّ ومفاده :
هل اسحق نيوتن أحسن مني ؟
ثم وضح سؤاله على الشكل التالي :
أنا أصوم وأصلي وأدفع الزكاة وأتصدق وهو كافر .
وللعلم هذا الطالب من أصحاب درجة الامتياز في المدرسة .
أما عن آلاف المهندسين والأطباء المسلمين المنتشرين في العالم فلو كانوا في أرض إسلامية أو في جامعة سعودية لما رأيتهم كذلك . ولو كانت ممارستهم الدينية معيقة لبحوثهم لكانت الدول الغربية طردتهم منذ زمن طويل . لكن تأجيلهم لعدد كبير من الأحكام وإلغائهم لبعضها وتساهلهم في بعضها الآخر هو ما يبقيهم في الغرب وذلك من باب دارهم مادمت في ديارهم أو من باب التأقلم مع المجتمع الجديد .

تحيتي لكم جميعاً
كل من يريد أن يكون مبدعاً في الخير وفي الشر ، عليه أن يكون أولاً مدمراً، وأن يحطم القيم .
كذا هو الشر الأعظم جزء من الخير الأعظم : لكن ذلك هو الخلق
نيتشه

http://hallak60.maktoobblog.com
hallak60@gmail.com

#5 عبدالرحمن السليمان

عبدالرحمن السليمان

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 411 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 01:30 AM

أخي العزيز الأستاذ عبدالرحمن،

تحية طيبة عطرة.

بداية أنا قرأت الربط بين التشجيع على الفكر العلمي والعلمانية في مقالة الدكتور أيمن الجندي، فاستغربت الربط لأنه لا علاقة ـ من حيث المبدأ ـ بين حرية التفكير العلمي من جهة، والمعتقد الفكري للعالم والمتعلم من جهة أخرى. ومخطئ من يظن أن التفكير العلمي نتيجة حتمية للعلمانية (بفتح اللام نسبة إلى العالم وليس بكسرها نسبة إلى العِلم كما يظن بعض الناس)، أو لأي مذهب فكري آخر.

وأنا لم أذهب بطرحي إلى مسألة المؤامرة على الدين أو ما أشبه ذلك. أردت فقط أن أقول إن الربط بين التفكير العلمي من جهة والعلمانية من جهة أخرى طرح خاطئ جدا فضلا عما يتضمنه من تجهيل لأتباع التيارات غير العلمانية.

بالنسبة إلى الجامعات الخمسمائة فليس صحيحا أيضا أن منهج بعضها لا علاقة له بالدين لا من قريب ولا من بعيد. وأنا أدرس في جامعة كاثوليكية تعتبر من أحسن مائة جامعة في العالم، رئيس مجلسها الأعلى هو كبير أساقفة بلجيكا! وللجامعة مواقف مبدئية من قضايا مثل الاستنساخ والموت الرحيم والإجهاض لا تساوم عليها! ومثل هذه الجامعة كثير بين الجامعات الأفضل في العالم. ولن أحدثك عن دور الدين في الجامعات العبرية التي تدخل في عداد أفضل الجامعات في العالم!

إن تقدم تلك الجامعات يعود إلى ثلاثة عوامل يجب أن نفهمها جيدا قبل طرح مسألة العلم والتفكير العلمي:

1. توفير الدولة الأرضية الجيدة للجامعة كي تؤدي دورها بشكل جيد.
2. الاستقلالية المطلقة في العمل والتعيين والبحث العلمي وتطبيق نتائج البحث العلمي!
3. جذب الطاقات العلمية إليها بغض النظر عن الأصل والدين والمعتقد الفكري لتلك الطاقات.

وهذه الشروط غير متوفرة في جامعاتنا!

إذن ليس الدين، بل الفساد وتدخل ذوي السلطان وتعيين الناس حسب الحزب والطائفة والملة والاتجاه الفكري هو سبب تخلف جامعاتنا. ونكون ظالمين للحقيقة إذا اختزلنا الأمر بالدين وحده أو بمذهب فكري معين! ومن المستحيل تحسين أدائها دون القضاء على الفساد بإخراج ذوي السلطان منها وإقالة كل من تم تعيينهم بقضاء وقدر وتحريرها من كل القيود المفروضة عليها، مهما كانت تلك القيود.

فالأمر لا يتعلق هنا بالحقيقة، بل بحقائق مرة منها أن أكثر الجامعات العربية بات في قبضة العلمانيين الذين يقصون المتدينين منها بالقوة وبالتواطؤ مع السلطان. ولقد اطلعت على تقرير رفع إلى محكمة حقوق الانسان الأوربية يوم 20 آذار المنصرم يؤكد ذلك وتحدثت فيه في جلسة برلمانية خصصت لذلك*. وغني عن القول إن التدين منتشر في بلاد العرب وإن إقصاء المتدينين من المراكز العلمية يعني تعطيل دور شريحة واسعة من شرائح المجتمع في عملية التنمية الملحة! إن العلم والفكر ـ أي علم وأي فكر ـ لا يتطوران إلا بمشاركة الجميع وبحرية مطلقة، وهذا هو مقصدي من طرحي من أوله إلى آخره أخي العزيز.

مشكلتي يا أخي العزيز تنحصر ـ بالضبط ـ فيما يلي:

في حرية الفكر للجميع! في تطبيع مسألة حرية الفكر للجميع! في عدم إقصاء كوادر علمية بسبب لحاها وحجابها أو أي رمز من رموز دينها أو مذهبها أو معتقدها الفكري**! هذه الكوادر تأتي إلى الغرب، فتزدهر فيه، وتتبوأ فيه ـ بلحاها وحجابها ورموزها الدينية والمذهبية ـ مناصب علمية عليا، بينما لا يبقى في الجامعات العربية عقول يعول عليها في شيء!

هذه الحرية وهذا التطبيع غير متوفرين في الجامعات العربية التي نصب السلطان في أكثرها أصحاب التيارات العلمانية الذين أقصوا أصحاب الأديان والفكر السياسي المختلف وسائر المخالفين منها فجعلوا منها أسوء جامعات في العالم!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أشرت إليه بإيجاز في الخبر التالي:
http://www.arabicsto...?showtopic=6479

* في السادس والعشرين من هذا الشهر سنسنقبل في "قصر الأكاديميات" في بروكسيل الدكتور صادق جلال العظم الذي سيحاضر في مسألة "المجتمع المدني والدين والإسلام" وذلك بدعوة من ملتقى "A. & A. Leysen Forum" الجامعي، وأنا عضو في مجلس إدارته .. ولقد سبقه إلى المحاضرة في هذه السلسلة كل من الأستاذ بسام الطيبي والأستاذ نصر حامد أبو زيد. وهنالك أسماء أخرى محسوبة على تيارات أخرى ستحاضر لاحقا ضمن هذه السلسلة.


فالمشكلة ليست مع التيار، إنما مع فرض التيار بأساليب إما غبية (ربط التقدم بالعلمانية والتخلف بالدين) أو بطرق عدوانية (الفرض والإقصاء بالقوة). وأرجو أن يكون رأيي قد اتضح.

وتحية طيبة عطرة.

عبدالرحمن السليمان
www.atinternational.org

#6 د.أيمن الجندي

د.أيمن الجندي

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 2039 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 08:33 PM

تحية لأخي الحلاق .
مؤكد يا أخي عبد الرحمن السليماني أنك لم تقرأ المقال جيدا وإلا لما كتبت هذا التعليق لأن التفكير العلمي مكسب للإنسانية ولا علاقة له بالعلمانية ( باي مفهوم لها ) ولم أذكر كلمة العلمانية إلا في المقدمة حينما ذكرت ضرورة ألا يعيق رفض المتدينين لفكرة العلمانية لقبول فكرة التفكير العلمي .,
تحياتي لكليكما .
بلاش اقولك ، حالي يدلك

#7 سمير الفيل

سمير الفيل

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 9230 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 09:48 PM

(د.أيمن الجندي @ 6-04-2007, 07:25 pm) عرض المشاركة




التفكير العلمي ليس مجرد حشد المعلومات العلمية في الفيزياء أو الكيمياء أو معرفة طرق البحث في ميدان معين وإنما هو طريقة في النظر إلى الأمور تعتمد على العقل والبرهان ( خلاصتها الآية الكريمة : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ..يمكن أن تتوافر لشخص لم يكتسب تدريبا خاصا في فروع العلم ( مثل تاجر حاذق ) كما يمكن أن يفتقر إليها أشخاص وافر لهم من المعارف العلمية حظ كبير وشهادات رسمية . هو العقلية العلمية التي يمكن أن يتصف بها الإنسان العادي حتى ولو لم يكن يعرف نظرية علمية واحدة ..
الإنسان الذي يفكر بطريقة علمية لا يقبل شيئا على علاته ما لم يكن عليه دليل سواء في أمور الدنيا والدين ..هو ذلك الذي يندهش من تلك القابلية العجيبة للتصديق عند مجتمعاتنا .
العقلية العلمية تبحث عن الأسباب ..كانت الحضارات القديمة تشيد مباني ضخمة دون أن تحاول معرفة النظريات الكامنة وراء عملية البناء وتكتفي بأنها حققت الهدف المطلوب.. لكن معرفة أسباب هذه الظواهر هي التي تمكنا من التحكم بها على نحو أفضل فدراسة طبيعة الموجات الصوتية هي التي مكنت من اختراع التلفون واللاسلكي والراديو وكان من المستحيل بلوغها لولا معرفة أسباب هذه الظواهر .
الحقيقة العلمية قابلة أن تنقل لكل الناس وتتسم باليقين الموضوعي الذي يرتكز على أدلة منطقية مقنعة لأي عقل وليس اليقين الذاتي المضلل المبني على رغباتنا وإذا كنا في حياتنا العادية يمكننا أن نستخدم عبارات مثل " قلبي يحدثني أنه سيحدث كذا " فمن غير المقبول أن نستخدم عبارة في العلم يشوبها الغموض وحتى حين يكون الشيء احتماليا فالعلم يعبر عن هذه الاحتمالية بدقة أي بنسبة رياضية محددة ..وبذلك فإنه يحدد بدقة درجة عدم الدقة باستخدام لغة الرياضيات .










شكرا لهذا العرض الشيق الذي قدمه الدكتور أيمن الجندي ..
للعالم الدكتور فؤاد زكريا حول " التفكير العلمي "
وهناك دراسة هامة تقترب من نفس المناخات ..
حول الأسطورة مصدرا للتاريخ لأستاذنا العلامة الدكتور محمود اسماعيل.
قدمها في مؤتمر أدبي عقد مؤخرا بدمياط أول ابريل 2007 ..
بعنوان " الموروث الشعبي والنص الأدبي "..
ليتك تزورها يا د كتور أيمن ..
والرابط هو :

http://www.arabicsto...?showtopic=6620


سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/


#8 عبدالرحمن السليمان

عبدالرحمن السليمان

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 411 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 10:10 PM

(د.أيمن الجندي @ 7-04-2007, 09:33 pm) عرض المشاركة

تحية لأخي الحلاق .
... لأن التفكير العلمي مكسب للإنسانية ولا علاقة له بالعلمانية ( باي مفهوم لها ) ولم أذكر كلمة العلمانية إلا في المقدمة حينما ذكرت ضرورة ألا يعيق رفض المتدينين لفكرة العلمانية لقبول فكرة التفكير العلمي .,
تحياتي لكليكما .


أخي العزيز الدكتور أيمن الجندي،

هذا كلام أوافقك عليه مائة بالمائة أخي العزيز لأن هنالك في دنيا العرب من يزعم أنه لا تقدم علمي يكون إلا بنبذ الدين، بينما الدين عامل مهم من عوامل النهضة العلمية لا ينبغي تحييده!

والعاقل لا يرفض شيئا في العلم بسبب معتقد العالم، ورفض العلمانية لا ينبغي أن يكون مبررا لرفض فكرة التفكير العلمي كما تفضلت وذكرت، هذا مع التأكيد بأن كلمة عَلمانية منسوبة إلى "العَلم" (بفتح العين) وهو "العالم" للدلالة على تيار لا ديني، وليس إلى العِلم (بكسر العين)، إذ لا علاقة بين مذهب العلمانية كما هو في الغرب، وبين التفكير العلمي والمناهج العلمية، لا من قريب ولا من بعيد.

وتحية طيبة عطرة.

عبدالرحمن السليمان
www.atinternational.org

#9 سمير الفيل

سمير الفيل

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 9230 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 10:22 PM

(عبدالرحمن السليمان @ 7-04-2007, 02:30 am) عرض المشاركة





.

بالنسبة إلى الجامعات الخمسمائة فليس صحيحا أيضا أن منهج بعضها لا علاقة له بالدين لا من قريب ولا من بعيد. وأنا أدرس في جامعة كاثوليكية تعتبر من أحسن مائة جامعة في العالم، رئيس مجلسها الأعلى هو كبير أساقفة بلجيكا! وللجامعة مواقف مبدئية من قضايا مثل الاستنساخ والموت الرحيم والإجهاض لا تساوم عليها! ومثل هذه الجامعة كثير بين الجامعات الأفضل في العالم. ولن أحدثك عن دور الدين في الجامعات العبرية التي تدخل في عداد أفضل الجامعات في العالم!

إن تقدم تلك الجامعات يعود إلى ثلاثة عوامل يجب أن نفهمها جيدا قبل طرح مسألة العلم والتفكير العلمي:

1. توفير الدولة الأرضية الجيدة للجامعة كي تؤدي دورها بشكل جيد.
2. الاستقلالية المطلقة في العمل والتعيين والبحث العلمي وتطبيق نتائج البحث العلمي!
3. جذب الطاقات العلمية إليها بغض النظر عن الأصل والدين والمعتقد الفكري لتلك الطاقات.

وهذه الشروط غير متوفرة في جامعاتنا!

.



يا أستاذ عبدالرحمن
كلامك هادي ورصين..
وانا مقتنع به تماما
دعني اسألك :
هل سبب تخلفنا العلمي قلة التمويل ام تبعية الجامعة لمؤسسات اخرى؟
أم ان المجتمع نفسه يفرض طرائق التفكير؟
أرجو التوسع في هذه القضية لما لكم من خبرة أكيدة
مع خالص الشكر لكم
..



سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/


#10 عبد الرحمن حلاق

عبد الرحمن حلاق

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 690 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 10:27 PM

الأخ والصديق العزيز عبد الرحمن سليمان
سعيد أنا أني استطعت استفزازك فأنت ممن ينطبق عليهم المثل ( منهز الورد لنشم ريحته )
صديقي أولاً لاوجود على ما أعتقد في بلادنا لمصطلح العَلمانية ( نسبة إلى العالم ) وإنما المتداول هو بكسر العين ولم يعد معناها ( المنتسب للعلم ) بل الملحد ببساطة .
أتفق معك تماماً بحرية التفكير وأن يكون للجميع بلا استثناء . ولكن دعني أوضح لك نقطة هامة وهي :
جامعاتنا التي تقول عنها علمانية لاعلاقة لها بهذا المصطلح والذي أصر على معناه العلمي وليس الإلحادي ، جامعاتنا مجرد مؤسسات تابعة لسلطة ز ولا تستطيع الخروج عن نهج هذه السلطة وهي بشكل أو آخر بوق لاستمرارية الكراسي رغم حالات التمرد التي يمكن أن نراها بين الفينة والأخرى من قبل الطلبة وذلك بدافع روح الشباب .
المشكلة يا صديقي حسبما أراها تكمن في بنية العقل العربي القائمة على الإقصاء وعلى مفاهيم البداوة القائمة على القنص وبهذا تستطيع أن تضع في سلة واحدة صاحب اللحية والحليق فكلاهما لايستطيع قبول الآخر معه .
وإن كان العلماني أكثر قبولاً ذلك أن لامشكلة لديه في نقاش أي كان ومحاورته أما صاحب اللحية فالحواجز عنده كثيرة وكثيراً ما يرفض الحوار مع الآخر بتهمة علمانيته وفسقه .
فالمشكلة ليست بالدين وكذلك ليست بأي مذهب سياسي آخر وإنما في تلك البنية التي سبق وذكرتها .
وعلى المحبة دائماً نلتقي .
كل من يريد أن يكون مبدعاً في الخير وفي الشر ، عليه أن يكون أولاً مدمراً، وأن يحطم القيم .
كذا هو الشر الأعظم جزء من الخير الأعظم : لكن ذلك هو الخلق
نيتشه

http://hallak60.maktoobblog.com
hallak60@gmail.com

#11 سمير الفيل

سمير الفيل

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 9230 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 10:43 PM

(عبد الرحمن حلاق @ 7-04-2007, 11:27 pm) عرض المشاركة



جامعاتنا التي تقول عنها علمانية لاعلاقة لها بهذا المصطلح والذي أصر على معناه العلمي وليس الإلحادي ، جامعاتنا مجرد مؤسسات تابعة لسلطة ز ولا تستطيع الخروج عن نهج هذه السلطة وهي بشكل أو آخر بوق لاستمرارية الكراسي رغم حالات التمرد التي يمكن أن نراها بين الفينة والأخرى من قبل الطلبة وذلك بدافع روح الشباب .

المشكلة يا صديقي حسبما أراها تكمن في بنية العقل العربي القائمة على الإقصاء وعلى مفاهيم البداوة القائمة على القنص وبهذا تستطيع أن تضع في سلة واحدة صاحب اللحية والحليق فكلاهما لايستطيع قبول الآخر معه .

وإن كان العلماني أكثر قبولاً ذلك أن لامشكلة لديه في نقاش أي كان ومحاورته أما صاحب اللحية فالحواجز عنده كثيرة وكثيراً ما يرفض الحوار مع الآخر بتهمة علمانيته وفسقه .
فالمشكلة ليست بالدين وكذلك ليست بأي مذهب سياسي آخر وإنما في تلك البنية التي سبق وذكرتها
.



بالضبط كده ..

سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/


#12 عبدالرحمن السليمان

عبدالرحمن السليمان

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 411 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 11:16 PM


أخي العزيز الأستاذ سمير،
أخي العزيز الأستاذ عبدالرحمن،

تحية طيبة عطرة،

معكما ومع سائر الأعضاء أحبة "بيت العيلة" يحلو النقاش، ويطيب التواصل. وأعتذر عن أية حدة في الطرح قد تكون مني، فمعاذ الله أن تكون في نيتي الإساءة إلى زميلة أو زميل، فاعذروني أيها الأحبة، فإنها الغيرة على ثقافتنا وليس غير ذلك.

سأعود لاحقا هذا المساء إلى التعقيب على تفضلتما وأثرتماه من نقاش مفيد جدا. أثناء ذلك اسمحا لي أن أنشر حاشية لغوية في أصل كلمة "علمانية" حتى يزول بعض اللبس.

العَلْمانِيَّة مشتقة من الكلمة عَلْم (بفتح العين)، وهي مرادفة لكلمة عالَم، ولا علاقة لها بالعِلْم (بكسر العين) كما توهم البعلبكي صاحب المورد، الذي أوردها بكسر العين هكذا: عِلْمانِيَّة!

وأعتقد أن هذه اللفظة اشتقت أولاً في السريانية حيث وردت كلمة عالَم فيها هكذا: /ܥܠܡܐ: عَلْما/ (والألف نهاية الكلمة للتعريف في السريانية)، خصوصاً وأن المعنى الغالب في الكلمة السريانية هو الدهر، فالعلماني هو الدهري في السريانية.

ومن الجدير بالذكر أن الجذر السامي /ع ل م/ يفيد في جميع اللغات السامية معاني الدهر، السرمدية، العالَم، الدنيا، الزمن اللامتناهي، إذ يجانس الكلمة السريانية /ܥܠܡܐ: عَلْما/ في العبرية: /עולם: عُولَم/ (ومنه البسملة اليهودية: בשם יהוה אל לעולם: بِشِم يَهوه إِلْ لَعُولم = بسم يهوه إله إلى ما لا نهاية)، وكذلك /عَلونو/ في البابلية و/عالَم/ في الحبشية وسائر اللغات السامية.


وأعتقد يا أخي عبدالرحمن أن قراءة كلمة العلمانية بكسر العين للإيحاء بأن العلمانية منهج علمي، أمر كان مقصودا بداية القرن الماضي وذلك لتسويق تيار لا ديني لدى أمة في زمن كان للدين فيها (ولا يزال) حضور قوي، ذلك أنه ليس من أدنى علاقة على الإطلاق بين الكلمة والعِلم أو المعرفة في أية من اللغات البشرية المعروفة. (قارن الإنكليزية Laicism والفرنسية Laïcisme وهما مشتقتان من الكلمة اليونانية /Λαος: لاوُس/ "شعب"، "رعاع" أي عكس "الكهنة". من ثمة صارت الكلمة تدل على القضايا "الدنيوية" الشعبية، بعكس "الدينية" الكهنوتية. والكلمة السريانية أعلاه ترجمة مستعارة عن اليونانية كما نرى لأن "الدنيا" من معاني الكلمة السريانية /ܥܠܡܐ: عَلْما/ أيضا).

وإتماما للفائدة أذكر أن العلمانية في الغرب علمانيتان: واحدة مطلقة وأخرى مقيدة بكره الأديان وأتباعها. والعلمانية المطلقة أكثر انتشارا من العلمانية المقيدة بكره الأديان، ويشكل أتباعها الأغلبية الساحقة للعلمانيين الغربيين، وهم أصحاب "التيار الانساني" في الفكر الأوربي، بعكس أتباع مذهب العلمانية المقيدة بكره الأديان، فهؤلاء ينطلقون في فكرهم من فكرة كره الدين، وأكثرهم ماسونيون جعلوا من العلمانية تيارا متطرفا شأنه في التطرف شأن التيارات الدينية المتطرفة ولا فرق.

وللأسف الشديد جدا يا أخي عبدالرحمن أذكر أن أكثرية العلمانيين العرب الذين قابلتهم في حياتي كانوا من أصحاب التيار الثاني، وهذا مؤسف حقا. وممن يمكن اعتباره علمانيا مطلقا الأستاذ صادق جلال العظم والأستاذ عبدالله الجابري والأستاذ محمد أركون، وهم أصحاب أطروحات ومذاهب فكرية جديرة بالتأمل.

وتحية طيبة عطرة.


عبدالرحمن السليمان
www.atinternational.org

#13 عبدالرحمن السليمان

عبدالرحمن السليمان

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 411 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 11:40 PM

(عبد الرحمن حلاق @ 7-04-2007, 11:27 pm) عرض المشاركة

المشكلة يا صديقي حسبما أراها تكمن في بنية العقل العربي القائمة على الإقصاء وعلى مفاهيم البداوة القائمة على القنص وبهذا تستطيع أن تضع في سلة واحدة صاحب اللحية والحليق فكلاهما لايستطيع قبول الآخر معه .
وإن كان العلماني أكثر قبولاً ذلك أن لا مشكلة لديه في نقاش أي كان ومحاورته أما صاحب اللحية فالحواجز عنده كثيرة وكثيراً ما يرفض الحوار مع الآخر بتهمة علمانيته وفسقه .
فالمشكلة ليست بالدين وكذلك ليست بأي مذهب سياسي آخر وإنما في تلك البنية التي سبق وذكرتها .


أخي الحبيب الأستاذ عبدالرحمن،

هذا هو لب المشكلة: "بنية العقل العربي القائمة على الإقصاء وعلى مفاهيم البداوة القائمة على القنص"! نقصي بعضنا بعضا ـ مسبقا ـ بسبب الانتماء الديني أو الفكري أو المذهبي أو الطائفي .. ولا شك في أن الغرب تطور بعدما تحرر من ذلك تحررا شبه مطلق.

وصحيح إن العلماني أكثر تقبلا لبعض القضايا من أصحاب الأديان، إلا أن حواجز المتنورين من أصحاب الأديان قليلة نسبيا (يلتقي المتدينون من المسلمين والمسيحيين واليهود في الغرب في رفض الإجهاض والموت الرحيم والاستنساخ وما أشبه ذلك، بينما لا يرى العلمانيون، المطلقون منهم والمقيدون بكره الأديان، مشكلة في ذلك).

أما التطرف في الدين فهو مرفوض، وشأني في رفضه هو شأني في رفض سائر أصناف التطرف. إنما المشكلة تكون في خلط الأوراق والفرز بناء على الخلط كما يحصل في أغلب الأحيان. والتطرف الديني ـ في رأيي المتواضع ـ نتيجة للتطرف السياسي في دنيا العرب، ولا حل لمشكلة التطرف الديني إلا بحل مشكلة التطرف السياسي!

وعلى المحبة نلتقي دائما أخي العزيز.

عبدالرحمن.



عبدالرحمن السليمان
www.atinternational.org

#14 عبدالرحمن السليمان

عبدالرحمن السليمان

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 411 المشاركات:

تاريخ المشاركة 08 April 2007 - 12:27 AM

أخي العزيز سمير،

حياك الله أجمل تحية، وشكرا جزيلا على حسن ظنك بي.

أود أن أستهل بالإشارة إلى محاضرة لنائب رئيس جامعة أنتورب، وهو عالم بيولوجي معروف، حضرتها الثلاثاء الماضي (20/3)، قدم فيها عرضا شاملا للبحث العلمي في بلجيكا عموما وفي جامعته خصوصا. وقال إن الجامعة "أسست حتى الآن أكثر من 5000 Spin-offs نتيجة لأطروحات ماجستير ودكتوراه في العلوم". والـ Spin-offs هي مؤسسات أو شركات تنشأ نتيجة لتقدم نظري جديد في العلوم فتخرج ذلك الاختراع النظري إلى حيز الوجود والتطبيق. ومثل المحاضر على ذلك في مجالات الهندسة الانسانية والمعدات الطبية حيث يقوم طالب ببحث علمي يؤدي إلى اكتشاف ما فتؤسس الجامعة شركة لإنتاج ما اكتشفه ذلك الطالب، وذلك شراكة مع شركات ممولة، وتسويقه.

الجامعات المتطورة في العالم جامعات مستقلة استقلالية تامة: تستلم سنويا من وزير التعليم "ظرفا" فيه ميزانية الجامعة ثم تقوم الجامعة بإدارة ذلك باستقلالية تامة، فتعين الأساتذة دون العودة إلى أية سلطة خارج سلطة الجامعة، وتقيلهم، وتجذب الباحثين، وتنشئ الشركات (شركات الـ Spin-offs)، وتستثمر الأرباح في ما يعود على الجامعة والبحث العلمي والأساتذة والطلاب والباحثين والمجتمع بالخير، وذلك في استقلالية تامة كما ذكرت. ولكل أستاذ جامعي ميزانية مالية سنوية لدعوة الأساتذة من الخارج وللسفر والقرار ـ قرار الدعوة والسفر إلى الخارج ـ بيده وحده لا يتدخل فيه أحد كائنا من يكن. لذلك يقوم كل واحد بدوره على أكمل وجه بعيدا من البيروقراطية والتدخل في عمل الجامعة والأساتذة ومراكز البحث العلمي. للأستاذ ما يريد بشرط واحد هو: قيامه بالبحث العلمي والنشر الدائم وإلا أقيل من العمل بلا رحمة!

كيف نجعل من جامعاتنا جامعات متطورة؟

أعتقد أن تحرير الجامعة من أية تبعية للسلطة السياسية هو الخطوة الأولى لذلك. وأعتقد أن إيجاد تمويل مناسب لعمل الجامعة هو الخطوة الثانية لذلك، وأعتقد أن اعتماد نظام محاسبة صارم بعيدا من المحسوبية هو الخطوة الثالثة. وهذه الخطوات تكفي لتطهير الجامعات من الفساد وبدء تحقيق نهضة علمية.

وللجامعات المتطورة دور اجتماعي أيضا، فهي لم تعد مؤسسات نخبوية بل باتت تجذب الجمهور العام إليها عبر وسيلتين:

1. تنظيم دروس مسائية في كل فروع العلوم والمعرفة يتابعها الجمهور العام في المساء (وهذا الإجراء إجباري فرض على الجامعات منذ حوالي خمس سنوات)؛
2. تطبيق النظريات والمكتشفات العلمية في ما يفيد المجتمع. (مثال: يقوم طالب ببحث علمي يؤدي إلى وضع تصور لاختراع كرسي مفيد للظهر في الجلوس، فتقوم الجامعة بإنشاء شركة Spin-off شراكة مع مصنع أثاث وتترجم التطور النظري إلى الواقع فتفيد المجتمع من وجوه كثيرة أهمها تقديم اختراع جديد وتوفير عمل لليد العاملة وضخ جديد في الحركة الاقتصادية).

ولا شك في أن المجتمع يفرض طرائق تفكير معينة بعضها سلبي للغاية، لكن تغيير تلك الطرائق السلبية لا يكون إلا بالإبداع وطرح الفكر الجديد والمفيد للمجتمع. فأي اهتمام يكون للمجتمع في الجامعات إذا كانت مؤسسات حكومية نخبوية مشبوهة الأساتذة فيها أنصاف آلهة؟! وأي اهتمام للمواطن العادي في الجامعات إذا كانت لا تعتني به في أية مرحلة من مراحل عملها؟ وأي اهتمام للمواطن العادي في الجامعة إذا كان القائمون عليها أبواقا للنظام السياسي، سواء أكان ذلك النظام صالحا أم طالحا!

منذ أسبوعين أو أكثر كنت أستمع إلى نقاش بخصوص تعديل الدستور في مصر شارك فيه رئيس جامعتين كبيرتين. كان محور حديثهما إبراز الحكمة البالغة في مشروع تعديل الدستور بهدف إقناع المواطنين في حال تنظيم استفتاء. ليس هذا هو دور رئيس الجامعة في العالم المتطور! إن تدخل السلطان في عمل المؤسسات العلمية هو الذي يجعل رئيس جامعة عربية كبيرة يزني بالكلام على مرأى ومسمع من ملايين المشاهدين، دون أن يندى له جبين .. فما الذي يجعل رئيس جامعة يتصرف هكذا؟ وما هي مهمة وزير الإعلام إذن؟!

وفي دولة مثل سورية: يجب أن تكون بعثيا حتى تقبل أستاذا في الجامعة! في كل دول العالم المتحضر يشترط عليك أن تكون عالما متخصصا في مجالك فقط، ولا أحد يسألك عن اتجاهك السياسي!

هذه مشكلة متشعبة أخي سمير، بعضها يأتي نتيجة لبعض، وأعتقد أن في ترك الجامعات تمارس دورها باستقلالية مخرجا لها وللعلم والثقافة من مستنقع التخلف. والاستقلالية والتمويل الجيد كفيلان بإقناع أصحاب رأس المال في الاستثمار في البحث العلمي كما يحصل اليوم في الغرب. وهما أيضا كفيلان بجذب المجتمع إليها والتأثير فيه بطريقة إيجابية بعد غشراكه في عملية التنمية.

هذا ما خطر على بالي الآن،

وتحية طيبة عطرة.

عبدالرحمن السليمان
www.atinternational.org

#15 سمير الفيل

سمير الفيل

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 9230 المشاركات:

تاريخ المشاركة 08 April 2007 - 12:47 AM

(عبدالرحمن السليمان @ 8-04-2007, 01:27 am) عرض المشاركة



الجامعات المتطورة في العالم جامعات مستقلة استقلالية تامة: تستلم سنويا من وزير التعليم "ظرفا" فيه ميزانية الجامعة ثم تقوم الجامعة بإدارة ذلك باستقلالية تامة، فتعين الأساتذة دون العودة إلى أية سلطة خارج سلطة الجامعة، وتقيلهم، وتجذب الباحثين، وتنشئ الشركات (شركات الـ Spin-offs)، وتستثمر الأرباح في ما يعود على الجامعة والبحث العلمي والأساتذة والطلاب والباحثين والمجتمع بالخير، وذلك في استقلالية تامة كما ذكرت. ولكل أستاذ جامعي ميزانية مالية سنوية لدعوة الأساتذة من الخارج وللسفر والقرار ـ قرار الدعوة والسفر إلى الخارج ـ بيده وحده لا يتدخل فيه أحد كائنا من يكن. لذلك يقوم كل واحد بدوره على أكمل وجه بعيدا من البيروقراطية والتدخل في عمل الجامعة والأساتذة ومراكز البحث العلمي. للأستاذ ما يريد بشرط واحد هو: قيامه بالبحث العلمي والنشر الدائم وإلا أقيل من العمل بلا رحمة!

.[/b][/size]




أخي الكريم
الدكتور عبدالرحمن السليمان
أشكرك على ما قدمت من جهد
لقد استفدت من طرحكم كثيرا
سأنقل صورة منه لأصدقاء لي يشغلون مراكز حساسة بالجامعات المصرية
لعل وعسى

الف شكر لكم
ودام قلمكم


سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/


#16 هويدا صالح

هويدا صالح

    الـقـصــــة و الـنــــقــــــد

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 2936 المشاركات:

تاريخ المشاركة 08 April 2007 - 12:48 AM

يا دكتور مساؤك طيب
ما أحوجنا لنوعين من التفكير
الأول التفكير العلمي
والثاني التفكير النقدي
العقل العربي يحتاج لمراجعة المسلمات
كما يحتاج للتفكير العلمي
لك تقديري
ملاك الفرصة الأخيرة
http://saidnoh.blogs...og-post_12.html

#17 عبدالرحمن السليمان

عبدالرحمن السليمان

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 411 المشاركات:

تاريخ المشاركة 08 April 2007 - 10:12 AM

(هويدا صالح @ 8-04-2007, 01:48 am) عرض المشاركة

يا دكتور مساؤك طيب
ما أحوجنا لنوعين من التفكير
الأول التفكير العلمي
والثاني التفكير النقدي
العقل العربي يحتاج لمراجعة المسلمات
كما يحتاج للتفكير العلمي
لك تقديري


صباحك مسك وعنبر يا أستاذة هويدا.

أجل ما أحوجنا إلى تحبيب العلم والتفكير العلمي والنقدي إلى أنفسنا وإلى أجيالنا الناشئة!

لا شيء أخطر من المسلمات عندما نأخذها على علاتها.

وأستنثني من ذلك المسلمات العقدية بالنسبة إلى المؤمنين المعتقدين، ذلك لأنه يجب علينا احترام عدم حاجتهم إلى مراجعة مسلماتهم العقدية. والذي لا يحترم ذلك ينصب نفسه وصيا عليهم! المبدأ ذاته ينطبق على جميع أصحاب الاعتقادات الدينية والفكرية، لأن مشكلتنا ـ أساسا ـ ليست مع تيار معين بقدر ما هي مع فرض ذلك التيار!

أشارك في هذه البلاد في الحوار الديني والفكري بين أتباع الأديان والمذاهب الفكرية المختلفة، وشعارنا ـ جميعا ـ هو عدم التطرق للمسلمات العقدية. نناقش معتقدات بعضنا بعضا الدينية والفكرية فقط بهدف التعرف والتعارف لزيادة درجة الفهم والتفاهم والتعايش الإيجابي، وليس من أجل إثبات حقائق وإبطال أخرى فهذا لا طائل يرجى منه. إن الحديث في المسلمات العقدية بغرض الإثبات والإبطال هو جدل وليس حوارا، ولا خير في الجدل في جميع مراحله.

وتحية طيبة عطرة.

عبدالرحمن السليمان
www.atinternational.org

#18 د.أيمن الجندي

د.أيمن الجندي

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 2039 المشاركات:

تاريخ المشاركة 08 April 2007 - 04:35 PM

الأساتذة الكرام : سمير الفيل ، هويدا ، عبد الرحمن
الله يفتح عليكم
بلاش اقولك ، حالي يدلك

#19 عبدالرحمن السليمان

عبدالرحمن السليمان

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 411 المشاركات:

تاريخ المشاركة 09 April 2007 - 02:22 AM

(عبد الرحمن حلاق @ 7-04-2007, 12:31 am) عرض المشاركة

أما عن آلاف المهندسين والأطباء المسلمين المنتشرين في العالم فلو كانوا في أرض إسلامية أو في جامعة سعودية لما رأيتهم كذلك . ولو كانت ممارستهم الدينية معيقة لبحوثهم لكانت الدول الغربية طردتهم منذ زمن طويل . لكن تأجيلهم لعدد كبير من الأحكام وإلغائهم لبعضها وتساهلهم في بعضها الآخر هو ما يبقيهم في الغرب وذلك من باب دارهم مادمت في ديارهم أو من باب التأقلم مع المجتمع الجديد .


أخي العزيز عبدالرحمن،

فاتني أن أعلق على هذه الفقرة إيضاحا لبعض الحقائق.

الممارسة الدينية الوحيدة التي قد تعيق المسلم في عمله في بلاد غير إسلامية هي الصلاة والصوم فقط.

بالنسبة إلى الصلاة: لا يعقل أن يترك جراح مسلم غرفة العمليات لتأدية فريضة الصلاة، فللضرورة أحكام، وديننا دين يسر. أما في المجالات الأخرى فالصلاة ممكنة أثناء العمل والمصليات موجودة في كل مكان داخل المؤسسات الكبرى: الجامعة والمعامل الكبيرة والمستشفيات والسجون الخ. وهنالك في مدينة أنتورب، حيث أسكن، شركة "بيل تلفون - الكاتل"، وهي أكبر شركة اتصالات في أوربا الغربية، فيها مئات المهندسين الباكستانيين والهنود والأترك والعرب، وبداخلها مسجد لتأدية الصلاة فيه. والسبب في ذلك كله بسيط: الإسلام دين معترف به رسميا وحرية الدين والعبادة مكفولة دستوريا، وما كفل في الغرب دستوريا، فهو مكفول لأن الدستور في الغرب ليس لعبة بيد أحد!

أما الصوم، فلا يشكل ـ نظريا ـ مشكلة إلا وقت الإفطار أثناء العمل أو الدراسة، والمواطن البلجيكي العادي يعرف كل شيء عن رمضان، وأنا لم أسمع، منذ عشرين سنة حتى اليوم، رب عمل واحدا، أو أستاذا جامعيا واحدا، أو مديرا واحدا، اعترض على قيام مسلم بالتوقف عن العمل من أجل الإفطار. وأنا أوقف المحاضرة وقت الإفطار ثم نستأنف بعد ذلك وهذا كله أمر طبيعي جدا. وأكثر زملائي يفعلون ذلك احتراما للطلاب المسلمين.

ثم إن أكثر الطلاب والكوادر الإسلامية في الغرب (يوجد في بلجيكا نصف مليون مسلم متجنس بالجنسية البلجيكية) مواطنون ولدوا في الغرب وتجنسوا بجنسياته وهم جزء من نسيجه الاجتماعي ودينهم معترف به رسميا وأعيادهم (الفطر والأضحى) معترف بها وحقوقهم مضمونة ولا أحد يتعرض لها. وكل الأحزاب السياسية تحسب لهم حسابا لأنهم كتلة ناخبة مهمة!

لذلك فإن القول "ولو كانت ممارستهم الدينية معيقة لبحوثهم لكانت الدول الغربية طردتهم منذ زمن طويل " ليس دقيقا. الأمر ذاته ينطبق على: "لكن تأجيلهم لعدد كبير من الأحكام وإلغائهم لبعضها وتساهلهم في بعضها الآخر هو ما يبقيهم في الغرب وذلك من باب دارهم مادمت في ديارهم أو من باب التأقلم مع المجتمع الجديد"! والدول الغربية دول ديموقراطية ولا تتعامل مع الأجانب على أراضيها بعقلية الطرد والإقصاء، فضلا عن كون الأكثرية الساحقة للمسلمين من المواطنين المتجنسين وإقصاء أحدهم مستحيل حتى وإن كان يشكل خطرا على الأمن القومي! والمواطنون الغربيون المسلمون، سواء أكانوا من أصول أجنبية أو أصول أوربية، لا يعرفون "عقلية المداراة" المقصدودة هنا لأنهم باتوا من أهل الدار! ولقد فرضت بلجيكا على من لم يتجنس منهم الجنسية بقرار إداري جعل حوالي مائة ألف طفل من أصل أجنبي مواطنين بلجيكيين دفعة واحدة (يعرف هذا القرار باسم "قانون غول"، وغول هذا كان وزير العدل قبل حوالي خمس عشرة سنة من الآن).

فالأمر يتعلق بالصلاة والصوم فقط وهما لا يشكلان مشكلة. أما في الأعياد فيناوب الأطباء المسلمون واليهود والممرضات المسلمات واليهوديات في عيد الميلاد ورأس السنة ليفسحوا المجال لزملائهم المسيحيين بالاحتفال مع أسرهم، وفي المقابل ينوب المسيحيون واليهود عن المسلمين في أثناء الفطر والأضحى، وأكثر الناس يتفاهمون مع بيئة عملهم ويجدون حلولا انسانية لمشاكل انسانية وهلم جرا!

وتحية طيبة عطرة.

عبدالرحمن السليمان
www.atinternational.org




0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين