ذهاب للمحتوى


صورة

بنات فى بنات


  • Please log in to reply
1 reply to this topic

#1 سيد الوكيل

سيد الوكيل

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1339 المشاركات:

تاريخ المشاركة 21 March 2007 - 02:49 PM



بنات فى بنات


يمكن لقارىء المجموعة القصصية ( بنات فى بنات ) لصفاء عبد المنعم ، أن يدرك إنشغالها بالجسد ، والتركيز عليه بوصفه أحد تجليات الذات ،وكنا قد لاحظنا طلوع هذا الملح فى مجموعتها الأولى ( أشياء صغيرة وأليفة ) غير أنه كان مشتبكاً بقوة مع تصورات الوعى الذهنى بما هو جسد ، فى حين تبدى مجموعتها الثانية ، درجة أكبر من الوعى بالجسد وصورة أكثر وضوحاً ذات جوانب لم ينم النظر إليها فى مجموعتها القصصية الأولى ، كما أن هذا الوعى بدا أكثر ارتباطاً بالتجارب الشخصية مما يجعل قصصهافى ( بنات فى بنات ) انعكاسا فنياً لحياتها وخبراتها الخاصة ، فتأخذ ذلك الطابع السيرذاتى الذى اتسم به الإبداع النسوى فى الآونة الأخيرة ، معطياً ظهره للتصورات الذهنية عن العالم التى تقوم على التأليف وإعادة ترتيب الوعى وفق مقولات محكمة ذات بريق مسيّس.
غير أن التجربة الفنية نفسها لديها القدرة على إعادة اكتشاف الدهشة فيما نظنه عادياً و مألوفاً كما لاحظنا فى ( أشياء صغيرة وأليفة) ، أما فى مجموعتها التالية ( بنات فى بنات ) تضيف صفاء ملمحين يعمقان مفهوم الجسد لديها وهما : البنوتة و الموت .

البنوتة ..والموت
هى حالة احتفاء خاصة بالجسد فى بكارته وطزاجته الأولى التى لم تنتهك ولم تمس ، لتمثل أنقى صورة من صور الجسد الأنثوى ويأتى ـ فى المقابل ـ الموت ليمثل حالة قصوى من حالات انتهاك الجسد. البنوتة هى ذاكرة الأدب الأنثوى بامتياز ، وهى تجربة متفردة فى وعى كل امرأة، وهى تترقب معالم اليقظة الحسية الأولى التى تتشكل على مهل منذ لحظة الميلاد وحتى لحظة الزواج ، هذه اللحظة الحاسمة التى تشطر حياة الأنثى إلى شطرين .
فى هذه المجموعة ( بنات فى بنات ) ثم توازن إيقاعى بين الميلاد والموت بوصفهما حالتين متميزتين من حالات الجسد لايمكن تكرارهما ،إن أحداً منا ،لايمكنه أن يولد أو يموت مرتين ، كما أن الإرادة الإنسانية لاعمل لها هنا ،غير أن الخبرات الحسية بالجسد ، تلك التى تترك علاماتها بارزة على الروح ولا شك ، هذه الخبرات هى محصلة الرحلة بين هذين الفعلين ( الميلاد والموت ) وهكذا تجد صفاء عبد المنعم فى الجسد أفضية أخرى غير الفضاء الجنسى ( الشهوى ) الذى وجدناه فى مجموعتها الأولى ، والذى يبدو أنه أكثر الفضاءات شيوعاً فى التجربة النسوية المعاصرة، ويعنى هذا أن صفاء تطور وعيها بالجسد على أصعدة مختلفة ، غير أن هذا الوعى ـ كما أشرنا ـ رهن بالخبرات الحية .
ولا شك أن حضور الجسد فى مجموعتها الأولى كان قوياً على نحو ما أشرنا غير أن صورة الجسد ظلت طوال الوقت ملتبسة بصورة الذات ، ولقد امتد هذا الالتباس إلى بعض قصص ( بنات فى بنات ) ، لنجده قائماً بين الطموح والإمكانات ، أو بين صورة الحياة التى تطمح إليها الذات والحياة فى واقعها المعاش ، حيث تبدو الذات كمجموعة من الخبرات والمعارف والمؤثرات الخارجية التى تشكل وعيناً بالعالم فى مقابل ما يخصنا نحن من كل هذا ، إن الذات تبدو مفعمة طوال الوقت بشحنات مربكة من الوعى والوعى المضاد ، ومن ثم يكون الجسد بمثابة نقطة صفرية يمكن التأسيس عليها لبناء عالمنا الذى يخصنا .
نقرأ فى قصة ( حتى لا أكون ثلجاً ) .(7). " ساقرأ عن إضراب النساء فى الأرجنتين ، وعن الحجاب فى تركيا ، وعن نساء إيطاليا فى المظاهرات ، ساقرأ كل ما تقع عليه يدى عن المرأة والرجل ، عن الحب والدين والسلطة والجنس ، عن كيفية الخروج من الحظائر المغلقة ، عن السياسين والعنف والعمل فى مصانع مغلقة كلها حريم أو كلها رجال ، عن سوء التغذية ، والحمل والإجهاض ، عن البنات المحجبات داخل مدرجات الجامعة ...".
إننا أمام زخم متناقض من المعارف هى التى تشكل الوعى بالذات الأنثوية على نحو معوق ومربك ، وفى المقابل ثم وعى مقترح وهو وعى الحواس ، وعى بكر لم يلوث بعد ، يعّول عليه فى استقلالية الإنسان وتفرد ذاته " طعم الشاى الساخن يثير أحقادى نحو الحياة ، طالما لن يؤكد فيها أننى كنت يوماً أحاول أن أكون شخصاً مستقلاً ".
بالتأكيد ستمس كتابات صفاء عبد المنعم ، ولا سيما هذه المجموعة ( بنات فى بنات ) جانباً كبيراً من الهم النسوى ، ومقولاته النضالية ضد كل ما هو ذكورى ومكتمل بذاته أو متعال بسطوته ، ولكننا لا نريد أن نتطرق إلى تفاصيل هذه الموضوعات ، فقط نركز على الوعى الأنثوى بقيمة الجسد فى مقابل مفهوم الذات الذكورى المكتمل ، الذى ينظر إليه فى الأدبيات النسوية بوصفه معنى من معانى السلطة والهيمنة .
الذات مفهوم ذهنى عقلانى حديث ومكتمل بذاته ، ومن ثم يتجاهل الجسد كوسيط حسى فاعل فى إدراكنا العالم حولنا ، غير أن المأساة التى تواجه الجسد هى قابليته للفناء ، ففى حين يمكن للمعرفة الذهنية أن تنتقل إلى الآخرين لتظفر بالخلود ، فإن الخبرات الحسية لا يمكن نقلها ، إنها لصيقة بالجسد ، تعيش فيه ، وتموت بموته ، أو بمعنى أدق ، أنها تخضع لقانون الاستهلاك على نحو ما رأينا فى مجموعة أشياء صغيرة وأليفة : " الحياة تتحرك باتجاه الموت "
سيبدو الموت الذى وجدنا هاجسة بقوة فى مجموعة ( أشياء صغيرة وأليفة ) يسفر عن وجوده بشكل مستبد وملح فى مجموعتها ( بنات فى بنات ) ،وهذا الحضور المستبد للموت هو ما يعادل تلك الخبرات و التجارب الشخصية التى عاشتها الكاتبة لأحباء وأصدقاء ماتوا ولم يبق منهم غير أغانيهم أو كلماتهم ، أو كتاباتهم ، أو بالأحرى تلك الآثار الذهنية التى أمكنهم نقلها إلى الآخرين من معارف تدل على أنهم مروا بهذا العالم من قبل ، أما آلامهم وأوجاعهم الجسدية وحتى لذتهم فقد أخذوها معهم ، ولم يحس بها أحد غيرهم ،وهكذا يبدو الراهان على الجسد من أجل الخلود الذى تنشده الذات المبدعة رهانا خاسراً باعتباره مهدداً بالفناء ، وهكذا يبزغ الجسد فى هذه المجموعة إشكالاً يحتاج بحثه جمالياً عبر حيوات لأصدقاء آخرين ، أصدقاء امتلكواـ مثلها ـ ذواتاً مبدعة وماتوا بعد أن أخفقوا فى التصالح مع العالم ، أصدقاء مثل ( أروى صالح )* التى تحتل مساحة كبيرة من قصص المجموعة وكذلك ( خالد عبد المنعم) *.
من المهم ملاحظة ، أن الغياب الجسدى مؤثر فى أجساد آخرين ارتبط وجودهم بمن ماتوا، فالأجساد التى تتآلف فى علاقات حميمة من نوع ما ، تشعر هى الأخرى بالاغتراب والوحشة وبدرجة قد تكون أكثر إلحاحاً من اغتراب الذات ، إن هذا المعنى مؤسس وضالع فى مفهوم ذاكرة الجسد ،والحقيقة أن ذاكرة الجسد ، ليست مجرد معنى ذهنى أو معرفى ، بل هى واقع تئن الأجساد تحت وطأته ، ذاكرة الجسد ، واقع تؤكده علوم البيولوجيا والطب ، إن ذاكرة الجسد مسؤلة عن كثير من مشاعر الحنين التى تنطلق من معانى حسية ، وتؤثر فى الذات بشكل مدهش ، إن بعض الخبرات الحسية كالروائح ـ مثلا ـ تدخلنا فى حالات من الحنين الضارى إلى تجارب وحيوات قديمة عشناها فى الماضى ، ويظل وجود هذه الخبرات شرطاً لاستعادة هذه التجارب والحيوات التى يختزنها الجسد ويتوق إليها ، ومن الطبيعى ، أن حالات التآلف الجسدى الطويل بين الرجل والمرأة ، والتى تمربمثيرات حسية مثل الروائح التى تنبعث من العرق والعطور والأفواه والمشروبات وخشب حجرات النوم وأقمشة الأسرة ، كل هذه تصبح مثيرات حسية تنعش ذاكرة الجسد .ويصبح وجودها شرطاً لازما لتحقق اللذة بما يستحيل ـ أحيانا ـ تحققها بدون هذ المثيرات ، وقد يبدو هذا أحد درجات الفتشية التى لاترقى إلى مستوى الانحراف الحسى . ولكنه فى جانب آخر يؤسس معنى التناغم الحسى الذى تسعى إلى تحقيقة مؤسسة الزواج الاجتماعية .
ومن البديهى أن محنة الكاتبة بفقد زوجها الشاعر ( مجدى الجابرى )* كانت ماثلة فى وعيها طوال الوقت وهى ترصد مظاهر الفناء ،ويتعمق هذا الإحساس بسطوة الموت عندما ندرك أن الموت لايتحرك كنهاية طبيعية لنضوب التجربة الإنساية وجفاف الذات ، بل هو قادر على المداهمة فى وقت تكون فيه الذات ـ بوصفها مكونا معرفياً ـ فى ذروة تألقها وعطائها ، بما يعمق الإيقاع المأساوى وربما العبثى للموت ، وليس من قبيل المصادفة أن كل من تناولتهم المجموعة ( بنات فى بنات ) ماتوا قبل سن الأربعين أى قبل منتصف العمر واكتمال التكوين الزمنى للذات ،إن الذات ـ أيضاً ـ تتعرض لتهديدات وانتهاكات فادحة من قبل الموت ، ومن ثم ، فلا عجب أن تظل الذات عاملاً مؤرقاً فى مجموعتها التالية ، بعد أن كانت محورا مؤسساً فى مجموعتها الأولى ، وفضاء للبحث والأسئلة فى مواجهة المكون التاريخى والذكورى لها الذى حولها إلى مركز معرفى فى ثقافة الحداثة ، إذ أن مفهوم الذات فى الحداثة الغربية ، ولاسيما عند هيجل ونيتشة ، مؤسس على قيم الموروث الميتافيزيقى الممتدة من الفسلفة الإغريقية ، وهى ما يشير إليها جاك دريداً ـ الآن ـ بوصفها الميتافيزيقا الغربية لتمييزها عن المفهوم الدينى للميتافيزيقا القديمة ، والتى يمكن أن نسميها ( الميتافيزيقا الشرقية ) باعتبار الشرق مصدراً للأديان .
والحقيقة أن كلا المفهومين الميتافيزيقى ( الغربى والشرقى ) عمل على فصل الذات عن الجسد ، وإذا كان مفهوم الذات هو مفهوم حداثى غربى بالدرجة الأولى ، فإن الثقافات الشرقية القديمة حملت مفهوما موازياً هو (النفس أو الروح ) ، حيث اهتمت العقائد الدينية بتنميتهما وإعلاء شأنهما ، وكثيراً ما كانت هذه التنمية الروحية على حساب الجسد ، حتى تخلّق الوعى الدينى على ثنائية تمنح الروح صكوك السمو والترقى ، فيما تحتفظ بنظرة دونية للجسد بوصفه موطنا للخطيئة ، ومن المعروف أن هذه الثنائية كانت بازغة الحدة فى المسيحية ، ومن ثم يمكن اعتبار أن التأسيس الغربى للذات ، هو نمط التحديث لمعنى الروح / النفس ، غير أن الحداثة الغربية أوكلت للعقل العلمى مهمة تشكيل الذات عوضا عن الميتافيزيقا ، فيما لم تنظر بالقدر الكافى ـ فى المقابل ـ إلى الجسد ، إذ ظلت تلك الثنائية قائمة ، وكان الشعار الأكثر هزيما فى الثقافة الغربية ( أنا أفكر إذا أنا موجود ) ، يحصر الوجود فى المعنى الذهنى ، ومن ثم يغيب الجسد تماماً عن التصور الغربى للوجود الإنسانى .
إن هذا الغياب الجسدى فى الميتافيزيقا الغربية أثار حفيظة النسويات ، اللاتى وجدن فى اتجاهات مابعد الحداثة ـ بوصفها مراجعة ناقدة للحداثة ـ نصيراً لهن .
سنجد فى المجموعة أكثر من إشارة إلى ذلك الانتهاك المبكر للجسد الذى يحدث عادة فى لحظات النضج والاكتمال التى تتكون فيها الذات ، ومن هنا فإن ثمة نزوع نفسى لإيقاف الزمن وتثبيته ، وبحيلة كهذه يمكن للأجساد أن تبقى فى طزاجتها وتفتحها الأول ، درءاً للموت الذى يأتى عادة مع الاكتمال وكأن امتلاك الأجساد لذواتها أمراً مستحيلاً .
إن عدم الاكتمال هو أول طرق مقاومة الموت ، ففى قصة (تصورات زرقاء)(8) نجد أجزاء مقتطعة من خطاب شخصى كان مجدى الجابرى قد كتبه لزوجته (صفاء عبد المنعم) يصف فيه حبه لها بأنه مثل بحر له ضفة واحدة ، فغياب الضفة الأخرى ، يعكس عدم الاكتمال ، ولكنه فى نفس الوقت وعد بالتدفق المستمر بلا حدود ، قد يعنى هذا تصوراً طريفاً ، بأن الذات لاتكتمل إلا فى التصورات الذهنية والفلسفية ، فى حين يكون عدم اكتمالها هو القانون الطبيعى فى الواقع المعاش، وهو ما يمنح الإنسان دافعية الحياة ، ولأن الحياة تتحرك فى اتجاه الموت ، فإن اكتمال الذات يصبح مرادفاً للموت.
ولعل أهم مظاهر رفض الاكتمال هو تثبيت الزمن عند لحظة مختبرة وحية ، فى مقابل الزهد فى أحلام أو تصورات مستقبلية يوتوبية ، ومن ثم فإن رصد مرحلة الطفولة يصبح مهربا من الموت وتثبيتا للزمن ، ومن اللافت للانتباه ـ فى قصص بنات فى بنات ـ ذلك التشبب المدهش بالبنوتة غير المبددة المكتنزة فى الجسد .
فقصة ( المكتنزة البيضاء ) (9) تتخذ من بكارة الجسد وطزاجته موضوعاً لها ، ليصل الافتتان والتشبب إلى درجة من الهوس أو الشبق الجمالى الذى تتفتح معه الحواس ، وهو تفتح مرادف للطلوع والانولاد الأول ، وبكارة الأشياء " البنات الصغيرات لهن روائح خاصة ، لا هى بالزهور ولا بالعطر ، روائح اللبن الممزوج برائحة برازهن ، وعرق الجلد ، وبودرة التلك ، رائحة تجعلك تمد أنفك طويلاً بين ثنيات رقابهن ، وتشم طويلاً ، فتصدر عنك ... آه .. طويلة وتظل عيناك مسبلتين تردد .. الله.. الله.. عسل وسكر وتشم وتشم وتشم " .
فى نص كهذا ، تتدفق اللغة من أقصى درجات الحسية لتواجه سطوة الموت المتربص بالجسد ، وتعمل كل الحواس من شم وبصر ولمس .. إلخ ، تقول : " أحب النظر إلى المارة ، والشارع ، والبنات الصغيرات فى نهاية اليوم الدارسى وهن عائدات ، تحمل كل منهن على كتفها نهاية يوم طويل من الأسئلة ، وشنطة مليئة بالكراسات ، وأصابع باردة من كثرة الوضوء ، كل هذا يجعلنى أشعر بلذة الحياة فى نهاية القرن العشرين ، وسطوة الموت الذى خطف أخى الصغير ثم أختى الصغيرة ، التى تمنيت طويلاً أن يمنحنى الله إياها" .
يمكننا ملاحظة ، أن اللذة الحسية يمكن أن تتأسس على بدائل عديدة للجنس الشهوى ، فلذة أن تشم الأم رائحة طفلتها ، أو تشاهد البنات عائدات من المدرسة تثير كوامن قديمة هى خبرات التجارب الجسدية التى عاشتها ، وتظل تعيش فى ذاكرة جسدها ،إنها روائح البكارة والبراءة الأولى التى يمكنها أن تنتصر على الزمن بقدر ماتكون حواسنا يقظة ومتفتحة .

صور أخرى للموت
ويحضر الزمن فى قصص هذه المجموعة ( بنات فى بنات ) بثقل شتائى بارد ليصبح معادلا لسطوة الموت ، إذ ليس من قبيل المصادفة أن تحمل أسماء القصص إشارات صريحة ، أو مضمرة عن الشتاء والبرودة على نحو ما نرى " حتى لا أكون ثلجاً ـ شتاء ـ شتاء آخر ـ شتاءات ـ امرأة من ديسمبر " وتغطى هذه الأسماء أكثر من ثلثى قصص المجموعة .
ويبدو الغناء واحداً من طرائق مواجهة الموت، إذ تورد الساردة مقطعا شعريا للمناضلة الارجنتينية (مرسيدس سوسا ) ، فى سياق قصة (حتى لا أكون ثلجاً) ، وهو نفس المقطع الذى يتصدر المجموعة كلها ، لترتفع كلمات القصيدة إلى مستوى الشعار الذى يظلل القصيدة كلها ، تقول : (سوسا) :
" كل مرة يمحون فيها شخصى
كنت اختفى من الوجود
وحيدة ومن عينى تسيل الدموع
كنت أمشى وراء تابوتى
كنت أربط عقدة فى منديلى
ولكنى كنت أنسى
إن هذه لم تكن موتتى الأولى
فأبدأ الغناء من جديد " .
إن الغناء ، وبكارة الجسد ، من مقومات الحياة التى يواجه بها الإنسان الموت و الشتاء ، ومن ثم، نلحظ الافتتان الكبير بأوائل الاشياء ، وتشبب بلحظات الكشف الأولى والتفتح والبدايات ، بدايات الغناء ، بدايات الأنوثة ، بدايات الحواس .
ولا تكتفى الكاتبة بالاستفادة الدرامية من عالمها القصصى لرصد حالات التفتح الأولى على نحو ما وجدنا فى قصة (المكتنزة البيضاء) ولكنها أيضا تستعير من أعمال الآخرين ، فغير ذلك التضمين الذى وجدناه فى قصيدة (سوسا) نجد مقطعا مستعاراً من رواية (راما والتنين) لإدوار الخراط ..
" لم أعرف نشوة السعادة التى تطير القلب،وتتجاوز الحواس إلا فى أيام الكشف الأولى التى لا يمكن أن تعود" .
وكذلك تكون بدايات الأشياء والأغانى كمرادفات لتفتح الحواس تقف فى مواجهة (البرودة- الغياب) كمرادفات للموت ، سواء كان االفيزيقى ، أو الدرامى ، الذى قد يأتى فى سياق الاستدعاء الحر ، وربما التناص الكثيف حتى يبدو سمة بارزة من سمات كتابات صفاء عبد المنعم عموماً ، وهذه المجموعة خصوصاً ، حيث نجد استدعاءات من( مجدى الجابرى ، وصلاح جاهين وأروى صالح ومرسيدس سوسا ) ، فضلاً عن استدعاءات الأغانى ومقاطع من أعمال أدبية شهيرة ، وكأن هذا التكثيف الاستعارى من الآخرين محاولة للتواصل وكسر العزلة ، وصورة أخرى من صور مقاومة الموت ، أو الإعلان عن الذات فى توحدها وتضامنها مع ذوات أخرى لتحتمى بها ولتجعلها برهاناً على وجودها .
ومن ناحية أخرى فان هذا الملمح يعكس حالات التشوش والارتباك التى تعانيها الذات ، المكونة عبر معارف وسياقات الآخرين ، حينما تختبر بالحسى والحقيقى والمعاش ، وكأننا أمام ثنائية أخرى (الذات- الموضوع ) تتجادل مع (الحياة ـ الموت)، نقيضان لايلتقيان أبداً .
ويبرز هذا المعنى جلياً فى قصة (شتاء آخر) (10) وفيها تلجأ الكاتبة إلى حيلة قديمة للتعبير عن انشطار الذات وتوزيعها بين شعورين متناقضين ، شعور يراهن على الثقافى والمعرفي والورقى، وشعور يراهن على الحياتى والخبراتى والحسى ، ويحدث ذلك ، عندما تتواجه الذاتان فى صورة شخصيتين لكل منهما وعى مختلف ،وفى نفس الوقت تشعر كل منهما بعدم الاكتمال وعدم الإشباع في كافة صوره ، ثمة جوع جسدي واضح في مواجهة جوع شديد للمعرفة ، تقول إحداهما " كلامك أثر فيا ، أنا كمان من برج الجدي ، وساعات يبنتابني نفس السؤال ... أنا ليه مربوطة في الأرض وعيني في السما ؟" .
إن الوعي بالطبيعة المزدوجة / الضدية للعالم ، يعكس ارتباك الذات وتشظيها وعدم تكيفها مع الواقع ، وهو ملمح من أبرز سمات هذه المجموعة ، والثيمة الأثيرة التي تناقشها صفاء عبد المنعم ، وتعيد مناقشتها على أكثر من وجه ، وكأنها محاولات للبحث عن أسئلة بلا إجابة ، أسئلة شتائية ، ومخيفة وكابية ، إن أفق الإجابة المطروح هو العزلة ، الحياة المغلقة ، الموت .... " في شتاء ديسمبر ، كنت أجلس على المكتب واضعة الكتاب أمامي ، والراديو على محطة أم كلثوم ، كنت أعشق أغاني عبد الحليم حافظ ، أكتبها في كشكول خاص وأحفظها ، راهن مدرس الإنجلش على أنني تلميذة مثالية ، وامتاز بقدرة عالية على التركيز ، الرهانات الحقيقية كانت داخلي، هل أنا أحب الحياة أم أحب الموت ؟ أم أحب العزلة ، ؟ أنا أحب ابن الجيران ، وتطيير الطيارات الورق ، كثيراً بكيت مع الأفلام العربي القديمة ، البطلة تموت مودعة حبيبها ، كانت سلوتي في الحياة المغلقة هي الأغاني ، والآهات ، وإذاعة أم كلثوم ".
إن قصص صفاء عبد المنعم تمثل وعيا جديد اً، يتجاوز السياقات المعتمدة بكثير من الجرأة والمغامرة ، ويحتفي بالأشياء الصغيرة وربما الساذجة في مكونات الذات بحثاً عن مقومات تجعل الأدب مرادفاً لفعل الحياة ،وليس مجرد تعبير عنها ، ومن ثم تتحول الكتابة لديها إلى أداء صوتي وبصري / حسي ، فتصير غناء ، حيث في الغناء يمتزج الفن والشعور بالحواس ويعكسان نوعاً من الأداء الجمالي الحي.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ صفاء عبد المنعم : أشياء صغيرة وأليفة ( قصص قصيرة ) ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ القاهرة ـ نوفمبر 1996 .
2ـ نفسه
3ــ صفاء عبد المنعم : ـ بنات فى بنات ( قصص قصيرة ) ـ الهيئة العامة للكتاب ـ القاهرة ـ مارس 2000 .
4ـ إن عظامك لن تفنى ـ من مجموعة قصص ( أشياء صغيرة وأليفة ) ـ سابق .
5ـ بيتزا ـ من مجموعة قصص ( أشياء صغيرة وأليفة ) ـ سابق .
6ـ مانيكان ـ من مجموعة قصص ( أشياء صغيرة وأليفة ) ـ سابق .
7ـ حتى لاأكون ثلجاً ـ من مجموعة قصص ( بنات فى بنات ) ـ سابق .
*( أروى صالح ) ـ مناضلة سياسية ومثقفة ، أقدمت على الانتحار فى فى عام 1997 ، وكانت تعانى حالات من الاكتئاب العميق ، لها كتاب بعنوان " المبتسرون " يعكس أزمة المثقف المصرى فى تلك المرحلة ، ويسجل جانباً من سيرتها الذاتية ، وملاحظاتها حول بعض المشكلات والشخصيات الثقافية والسياسية التى لعبت دوراً فى حياتها .
*(خالد عبد المنعم) ـ شاعر مصرى مات شاباً فى 1994، كان من أصدقاء الشاعر مجدى الجابرى ، وواحد من حلقة شعراء العامية المجددين فى تلك المرحلة ، له ديوان واحد بعنوان : " حمار البحر " .
* ( مجدى الجابرى ).. شاعر عامية مجدد ، له عدة إصدارات ودواوين منها : (أغسطس ، عيل بيصطاد الحواديت ، بالضبط وكأنه حصل) ، وهو باحث فى الأدب الشعبى ، توفى فى 1999 عن عمر يناهز السابعة والثلاثين إثر إصابته بسرطان الرئة ، وترك لزوجته ( الكاتبة صفاء عبد المنعم ) طفلتين جميلتين وبعض الكتب .
8 ـ تصورات زرقاء ـ من مجموعة قصص ( بنات فى بنات ) ـ سابق .
9ـ المكتنزة البيضاء ـ من مجموعة قصص ( بنات فى بنات ) ـ سابق .
10 ـ شتاء آخر ـ من مجموعة قصص ( بنات فى بنات ) ـ سابق .

أن تنصت للموسيقى داخلك ..
http://salwakil.blogspot.com/

#2 سمير الفيل

سمير الفيل

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 9230 المشاركات:

تاريخ المشاركة 24 August 2008 - 02:04 PM



الدراسة للرفع



سيد الوكيل : عد إلينا





صفاء عبدالمنعم : في انتظارك





سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/





0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين