ذهاب للمحتوى


صورة

تجديد الذاكرة: تعالوا نقرأ هذه المقالات


  • Please log in to reply
107 replies to this topic

#41 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 December 2007 - 09:11 AM

(هيا القحطاني @ 18-12-2007, 02:33 pm) عرض المشاركة

أستاذي القدير/ د. حسين
لا زلت أتابع ما تعرضه أمامنا من مقالات راقية تدل على وعي كتّابها ورقيهم
واختيارك لها يدل على ذائقة وحس أدبي راقِ لا يملكه إلا امثالك
اسمحي لمتابعة المزيد
لك فائق التحايا
أختك
هيا


شُكراً للأديبة المبدعة الأستاذة هيا القحطاني على التعليق الجميل،
وكل عام وأنتِ بألف خير.


#42 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 December 2007 - 03:36 PM

علي الغريب يسأل ماذا يُريد المبدعون؟
ماذا يُريد المبدعون؟

حاورهم: علي محمد الغريب

د.حسين علي محمَّد: المبدع فقد دوره المؤثِّر في النَّاس!
الإبداع موهبة ومقدرة، ووسيلة من وسائل تجاوب المبدع مع واقعه، وكلَّما تمرَّس في هذا المجال علت مقدرته، وازداد إسهامه في بناء أمته، وترشيد عقلها، وعليه أن يحقِّق ذلك بكلّ الوسائل الممكنة فنياً ومعرفياً، بما يحقِّق التوازن بين ما يريد أن يقوله وذوق الجمهور الذي أصبح ينفر بشكل ملحوظ من كثير ممَّا يُسمَّى إبداعاً اليوم، ممّا ساعد على اتساع الهوَّة بين المبدع وجمهوره بصورة تنبي بانقطاع العلاقة، ربَّما إلى غير رجعة! وفي الوقت نفسه يتهم المبدعون المتلقين والنقَّاد بالتعسف في الحكم على النصّ الأدبي ورفضهم التجديد!
الكثير من الأسئلة المُثارة حول هذا الموضوع نتداولها معاً خلال هذا التحقيق مع جماعة من أهل الاختصاص، نقَّاد ومبدعين للوقوف على الحقيقة ومحاولة استخلاص نتيجة ما.
كما يراها الأدباء
تعالوا نمسك الخيط من أوَّله، نتحاور مع الأدباء ونقترب منهم ونتلمَّس آراءهم ونظرتهم للحركة الإبداعية في الوقت الراهن. الدكتور حسين علي محمَّد الشاعر والناقد الأدبي المعروف والأستاذ بجامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلامية يرى أنَّ الحركة الإبداعية مزدهرة، فالشعراء والروائيون وكُتَّاب المسرح يبدعون وينشرون نتاجهم على الناس، والصحف الأدبية تنشر ـ بين حين وآخر ـ قضايا أدبية جديرة بالقراءة والنقاش، لكن الحركة الأدبية مع ذلك ـ والكلام للدكتور حسين ـ ليست مؤثِّرة كما كانت في الستينيات من القرن الماضي، حيث كانت أيامها مجلاّت مؤثِّرة "القصَّة" لمحمود تيمور، و"الرسالة" لأحمد حسن الزيات "في إصدارها الثاني 1963ـ1965م" و"الثقافة" لمحمَّد فريد أبي حديد، وحتى الاتجاه المضاد كانت هناك مجلات قوية تعطي المكافآت الكبيرة وتنشر للواقفين في الاتجاه المعاكس، كمجلة "حوار" و"شعر" وكانت كتاباتهما تستثير المنتمين إلى الأمَّة وتراثها فيردُّون ويدافعون ويناقشون.
...
الحرية ..؟
هل للمبدع حدود معيَّنة يجب عليه أن يقف عندها وتوضع أمامه لافتة "قف ممنوع التجاوز"؟ متى توضع هذه اللافتة أمامه ومتى تُرفع، ومن أين تبدأ حريته وإلى أين تنتهي؟
... يرى الدكتور حسين علي محمَّد أنَّ الكاتب حرٌّ، يكتب ما شاء أن يكتب، على أن لا يصطدم بعقيدة الأمَّة وثوابتها، أمَّا صالح الأحمر فيقول: تبدأ حرية المبدع وتنتهي، حين تبدأ حرية المسلم وتنتهي. قال تعالى: ﴿ ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ والإنسان المبدع خلقه خالق كل شيء، ولا مناص له من الاستقامة على أمر خالقه، وعندما يستطيع ساعتها أن يتفلت من الالتزام بحدود خالقه سبحانه وتعالى.
ناطق رسمي
الكلام عن الحرية بدايتها ونهايتها يطول، فبعض الأدباء يرى أن دور المبدع منحصر في التعبير عما يعكسه المناخ والبيئة الاجتماعية السائدة من أفكار ورؤى، فيما يرى بعضهم الآخر أن ذلك يمثل مصادرة لحرية الإبداع. اختلف ضيوفنا حول هذه النقطة، فقال الأحمر بشكل قاطع : نعم، دور المبدع ينحصر في التعبير عما يعكسه المناخ والبيئة الاجتماعية السائدة سواء كان التعبير بالموافقة أو بالرفض ، وليس معنى هذا أن يكون المبدع إمعة، ولا أن يكون مغنِّياً في برنامج (ما يطلبه المستمعون) بل المعنى أن يكون المبدع ناطقاً رسمياً بكل الأفكار الخيرة النيرة في مجتمعه ، ومحارباً رسمياً لكل الأفكار الخبيثة الدخيلة على مجتمعه.
وأنبه إلى أنَّه ليس من الحكمة أن يتقيد المبدع فقط بتشجيع الخير الموجود في الواقع ، ومحاربة الشر الموجود في الواقع، بل إنَّ له أن يفتح للناس آفاقاً جديدة من ألوان الخير، ويعلن لهم نذراً غير منظورة من خفايا الشر.
يعقب الدكتور حسين علي محمد على كلام الأحمر فيقول : يجب علينا ألا نحدد للكاتب المجالات التي يطرقها ، والمجالات التي يتجنبها . يجب ألا نملي على الكاتب رغباتنا، وما نريد أن يعالجه من قضايا ومواقف ورؤى، وإنَّما عليه أن يكتب ما يريد أن يكتب فيه ـ على ألا يصطدم بعقيدة الأمة وثوابتها ـ وعلى النقاد بعد ذلك أن يقولوا في نتاجه ما يريدون قوله!
ويداخل د. أبو الرضا متفقاً مع الأحمر فيقول: ليس في التزام المبدع التعبيري عن بيئته ومجتمعه أي مصادرة لحريته، طالما اعتبر نفسه ـ واعتبره مجتمعه ـ فرداً مسؤولاً ، يعطي ويأخذ ، وله فاعلية تحقق ذاته ، وتكشف عن اهتمامات أمته، وإلا كان معزولاً، بما يعني سلبيته، وحرمان أمته من إسهامه في نهضتها وتقدمها بالكلمة الطيبة الجميلة المبصرة ، ذات الأصل الثابت، والفرع الذي في السماء.
حرٌّ ولكن ؟
وتقف الدكتورتان إنصاف ونادية بخاري في المنتصف حيث تريان حرية المبدع مطلقة في حدود ما سمح به الشرع، وممتدة إلى التعبير عن كل ما عبر عنه القرآن الكريم، وأتت به السنة المطهرة، وإذا علمنا أن كتاب الله قد تطرق إلى كل شجون الوجود وشؤون الكون، وإلى كل حال من أحوال الإنسانية ، وإلى كل خلجة من خلجات الإنسان، أدركنا أن للمبدع أن يعبر عما يشاء من ذلك، المهم أن يكون وفق تصور جميل، وقيم أجمل، ولا أصدق ولا أشمل من تصور الإسلام للمضمون الذي يتطرق إليه المبدع أياً كان.
الدين والسياسة
وتتجلى أزمة المبدعين مع مجتمعاتهم حين يصطدمون مع هذه المجتمعات بالدندنة على محاور ثلاثة هي: الدين، السياسة، والجنس وكان من أكثر الأنماط الأدبية شيوعاً في الفترة الماضية هو الإلحاح من جانب بعض المبدعين على هذه المحاور ، ربَّما طلباً للضوء والشهرة، وربَّما لإحداث حركة مدوية ترتد بالضوء والشهرة أيضاً، وقليل من هذه الإبداعات يتلمس الوصول إلى نتيجة صادقة!
عن هذا الإقحام وهذه الدندنة الممجوجة يقول الدكتور أبو الرضا: الحياة اليوم من الاتساع والتنوع، بحيث توجب على المبدع التعامل مع مختلف جوانبها، لكن ربَّما كانت المسؤوليات تجعل بعض المبدعين يتمثل جانباً أو جوانب منها دون غيرها، ولا أظن المبدع الواعي يستطيع أن يتجاهل متغيرات الحياة من حوله ، وما تتطلبه منه من تهيؤ وفاعلية، ورُبَّما كان الدين والسياسة والجنس من مسوغات التعامل مع الحياة من خلال هذه المحاور، لكن هذه المحاور في الوقت نفسه لا يمكن أن تمثل كل جوانب الحياة، وإن كان الدين من الاتساع والشمول من وجهة النظر الإسلامية بحيث يشمل كل جوانب الحياة، وهو منظور يجب الأخذ به، وتفعيله على كل المستويات، لتوجيه الإبداع وجهة سوية شكلاً ومضموناً .
حول الموضوع نفسه تقول الدكتورة نادية بخاري : للأدب الإسلامي آراء حول هذه المحاور : الدين هو الإسلام الذي أُرسل به محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، أما الجنس فهو جانب في حياة الإنسان ينبغي ألا يطغى على تفكيره وألا يشغل من اهتماماته مجالاً أكبر من حقه، وذلك وفق ضوابط الإسلام في شرعية الزواج والهدف منه. والأديب الفعَّال هو الذي يعالج قضايا مجتمعه بهدف الإصلاح والإرشاد ، لا بهدف الإثارة المذمومة.
وتلخص الدكتورة إنصاف رأيها في هذا الموضوع بكلمات موجزة ومعبرة فتقول: كل يكتب بما يعتقد ، يرفد ذلك ثقافته وتوجهه الفكري، واذكر لي مسيرة المبدع أذكر لك لغة إبداعه.
لكن كيف يراها الدكتور حسين وما هي وجهة نظره في هذه المحاور؟ يقول د. حسين : الدين والسياسة من أهم المحاور التي تهم الناس في حياتهم، ومن الطبيعي أن يهتم المبدعون بطرح هذه المحاور ، من خلال رؤاهم الإبداعية، وأرى أن المبدع حرٌّ في طرح همومه السياسية ورؤاه الفكرية ولكن في طرحه عليه أن يتجنَّب معاداة عقيدة الأمَّة حين يحاول علاج بعض قضايا الدين، أو التصادم معها، وعليه في طرحه للجنس كقضية ألاَّ يكون هادفاً للإثارة أو الابتذال، وعلى الذي يطرح هذه المحاور جميعاً أن يلزم الفنية والموضوعية والصدق الفني والأخلاقي وليس الصراخ الفج.
سبل المواءمة
ما العمل إذاً إذا كان بعض المبدعين يجدون أنفسهم محاصرين بالثوابت - على حد زعمهم - والمقدسات ولا يستطيعون التعبير بصورة تكفل لهم حرية الإبداع والتعبير؟ حينما تساءلنا عن كيفية المواءمة بين حرية الإبداع والتعبير والاستقامة على ثوابت الأمة جاءنا رد الأحمر الغاضب : من المؤسف أن يصل بنا الحال إلى أن نسأل مثل هذا السؤال ! وتساءل: هل ثمة تعارض بين حرية الإبداع والتعبير، وبين الثوابت والمقدسات الدينية، لكي نحتاج إلى المواءمة بينهما؟
إن السبب ـ والكلام للأحمر ـ الذي يجعل بعض المبدعين يتهجم على المقدسات الدينية هو أنَّه يستهين بهذه المقدسات ولا يعتبرها من الثوابت، بينما يعتبر احترام العقل البشري من الثوابت التي ينبغي ألا تمس! ولذلك تراه يبيح لعقله (لأنه يقدِّسه) أن يزدري الدين (لأنَّه لا يقدسه). وإجابة عن هذا التساؤل أقول: إنَّ السبيل للمواءمة بين حرية الإبداع والمقدسات الدينية هو - ببساطة - أن يكون المبدع مؤمناً بهذه المقدسات، وبأنَّها ثوابت يجب ألا تمس، وعندها سوف يكون قلبه وقالبه وفنه وإبداعه خالصاً لخدمة دينه ومقدساته، ولن يحتاج لمن ينهاه عن انتهاك حرمة معتقده.
المبدع الناجح
التزام الأديب في الإسلام ، مغاير لالتزام الأديب في الشيوعية أو الوجودية أو المذاهب الفكرية الأخرى. فهو ـ والكلام للدكتورة نادية بخاري ـ التزام بالإسلام وقيمه وتصوراته، وتقيُّد بمبادئه ومثله وغاياته. وهو مسؤولية وريادة في الوقت نفسه، فالمسؤولية إنَّما هي أمام الله تعالى، والريادة هي إخلاص التوجه لعامة المسلمين وخاصتهم، كبارهم وصغارهم، والأدب الإسلامي أدب هادف يسعى إلى ترسيخ الإيمان بالله عزَّ وجلَّ في الصدور، وتأصيل القيم الفاضلة في النفوس، وتفجير ما يكمن في النفس الإنسانية من طاقات الخير والصلاح الخيرية.
والأديب الناجح هو من يستطيع توصيل رسالته دون تصادم مع الثوابت، وهذا ما يؤكده د. حسين علي محمد حين يقول: الكاتب الحق والمبدع الأصيل سيجد ألف سبيل وسبيل للمواءمة بين حرية الإبداع والتعبير والالتزام باحترام الثوابت والمقدسات الدينية، والكثرة الكاثرة من مبدعينا تحقق ذلك دون صراخ أو ادعاء.
وتضع الدكتورة إنصاف بخاري يدها على العلة فتقول: حسن المعتقد المتمثل في الفهم الصحيح للإسلام والالتزام الواعي بحدوده ، يجعل المبدع مؤهلاً لإنتاج ما يوافق الدين ويحترم قيم الأمة وثوابتها، ولينتبه كل أديب مسلم إلى أنه على ثغر من ثغور الإسلام، ويحرص ألا يؤتى الإسلام من ثغره.
..........................................
*عن: مدونة الدكتور حسين علي محمد.
** الرابط: http://hamohd99.maktoobblog.com


#43 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 28 January 2008 - 03:00 PM

د. طه وادي .. في مرحلة الشباب الثانية:

جوائز الدولة تحتاج إلي قواعد علمية
يغيظني من يرفض الاعتراف بأساتذته
نجيب محفوظ أثار أبناء جيلي إلي أهمية الرواية
أنا صاحب مصطلح "كتابة المرأة"

حوار: د. زينب العسال
..........................

د. طه وادي.. الروائي والناقد والاستاذ الجامعي.. يبدأ هذه الأيام علي حد تعبيره مرحلة الشباب الثانية.. يخلف وراءه رحلة سبعين عاماً. ويتطلع الي رحلة أخري يشغلها بالعطاء والإبداع.
عن حصاد سبعين عاما. يقول طه وادي: الرحلة طويلة وشاقة. لاسيما أني كنت حريصا أن أصبح استاذا في الجامعة وأمارس الابداع في الوقت نفسه.. بالنسبة للجامعة. كانت هناك محاولات مضنية للتكوين الثقافي بالدراسة العليا. حتي أصبحت معلما في الجامعة التي تعلمت فيها. عملي في الجامعة يسير في مجالين متوازيين.
الأول هو التأليف والبحث الأكاديمي.. وقد استطعت بفضل الله ان أؤلف 15 كتابا نقديا. تدور في مجال الرواية الحديثة والمعاصرة. وفي مجال الشعر الحديث والمعاصر أيضا. هذه الكتب صارت علامات. وقد طبع بعضها خمس مرات. وأفاد منها الكثير من الدارسين والباحثين.
وفي خط آخر. فإن العمل الجامعي يتم بالاشراف علي الدراسات العليا. والاسهام في الاشراف علي مجموعة من الطلاب المصريين والعرب. وبعض الدارسين من البلاد الاسلامية والأوروبية. لذلك فإن المدرسة العلمية التي أسهم فيها ممتدة وكثيرة العدد. وبعض تلامذتي يشغلون الان مناصب قيادية في الجامعات العربية والأجنبية. وعلي هامش البحث العلمي الاكاديمي هناك النشاط الثقافي من خلال المؤتمرات والندوات واللقاءات الثقافية. أما بالنسبة لمجال الابداع الأدبي. فقد كان هذا السيل ولايزال أكثر صعوبة. وأشد مسئولية. لأن الابداع يشكل اتجاها أصيلا في تكوين الثقافي. الانشغال بالأدب مثل لي هواية منذ كنت طالبا في المرحلة الثانوية. والحصاد الادبي يتشكل من ثماني مجموعات قصصية وخمس روايات وكتاب ديني أدبي بعنوان "أولو العزم من الرسل في القرآن الكريم" وسيرة ذاتية بعنوان "الليالي" وقد ترجم بعض الاعمال الي الانجليزية والاسبانية خاصة رواية "أشجان مدريد" هذا الحصاد يعكس طول الرحلة وقسوتها. وجديتها كذلك. وثمة مجموعة قصصية جديدة تصدر قريبا بعنوان "الوردة والبندقية". فضلا عن استكمال كتابين احدهما في الشعر المعاصر. والثاني في الرواية التجريبية الجديدة علي ضوء منهج النقد الثقافي الذي يعد آخر المناهج النقدية وأكثرها جدة في دراسة الأدب. لأنه يحاول الافادة من معظم المناهج النقدية السابقة. وهناك كتاب لابد من الاشارة إليه هو "شاعرية طه وادي" الذي يقدم مجموعة من الرؤي النقدية المعاصرة بأقلام مجموعة كبيرة من أهم الأدباء واساتذة الجامعات.
تواصل
* قلنا : بماذا تصف علاقتك بأساتذة هم أعمدة الحركة الثقافية في الوطن العربي؟
** قال : لقد درست في مرحلة مابعد 1952 مباشرة. بالتحديد من 56 الي 60 وخلال تلك المرحلة عاصرت مجموعة من الاساتذة العظام. سواء في قسم اللغة العربية أو غيره. لأنه كانت هناك رغبة في أن يتعرف المرء علي الكثير من الاعلام المؤثرين في الفكر والأدب. مثل طه حسين وشكري عياد ومحمد مندور ولطيفة الزيات وزكي نجيب محمود وغيرهم. كانت الرغبة قوية في التواصل مع هؤلاء الاعلام. بل ومتابعة جوانب من الانشطة الثقافية. مثل أغنيات أم كلثوم وعبدالوهاب والاطرش وليلي مراد. وأيضا بعض قراء القرآن الكريم أمثال محمد رفعت ومصطفي اسماعيل وعبدالعظيم زاهر وأبوالعينين شعيشع. كانت الرغبة قائمة علي التواصل مع كل مايمكن ان يجذب الانسان نحو مستقبل أفضل. لاسيما ان الطموح كان حادا. وحين دخلت قسم اللغة العربية أصبح طه حسين قدوة لي ومثلا أعلي. وكتابي "الليالي" معارضة لكتابه "الأيام" فهناك من التشابه بين سيرة طه حسين وبين سيرتي الذاتية. وعموما فقد حرصت دوما علي القراءة المتواصلة والموسعة. مما شكل مايمكن تسميته استشراف الرؤية المستقبلية في الأدب. وبالطبع يقف نجيب محفوظ موقف واسطة العقد من الأدباء الذين أثروا في محفوظ هو الذي لفت نظر جيلي بقوة الي أهمية الرواية. وكل من ادعي غير ذلك لايقر بالحقيقة. ولايعترف بمن مهدوا له الطريق.
* قلنا : بالمناسبة : أعلنت اعتزازك بالتلمذة لأساتذتك.. هل هذه الروح موجودة الآن؟
** قال : هناك قاعدة اساسية في الحياة بأن اصابع اليد الواحدة لاتتشابه. بالنسبة لجيلي كان عدد الاساتذة والعلماء قلة. وكان تأثيرهم أكثر عمقا. من هنا كان الاعتزاز بهم معلنا. ربما يشكل أفضل مما هو في الجيل الحالي. البعض لايهمه الا العلم في ذاته. يسعي الي الدرجة العلمية علي يد زيد أو عبيد. وأحيانا تنتهي علاقة الاستاذ بالطالب مع نهاية مناقشة رسالته.. مع ذلك فإنه يوجد قلة قليلة مخلصة ووفية تتواصل معي الي اليوم. نحن نعمل في مجال الدراسات الانسانية. فماذا وماذا نتعلم.
* قلنا : ما رأيك في الاسلوب الذي تمنح من خلاله جوائز الدولة؟
** قال : الأمور لاتسير علي قواعد أو قوانين منضبطة ولا أسس صحيحة. لايوجد تقييم حقيقي. والمفاضلة تتم من أجل سواد العين أو العلاقة الحميمة.. ورأيي أن كل مايتصل بأمر الجوائز يحتاج الي مراجعة.. لابد من مراعاة القواعد العلمية والموضوعية.
أفضال كثيرة
* قلنا : ماذا عن المرأة في هذه الرحلة؟
** قال : علاقتي بالمرأة إنسانية تتركز في أمي رحمها الله. كانت بالنسبة لي الملهمة والموجهة والحامية والحانية. ثم جاءت التلمذة علي يد سهير القلماوي في الماجستير والدكتوراه. ادين لهاتين السيدتين بأفضال كثيرة. ولعلي أول من قدم الي الحياة الادبية مصطلح صورة المرأة في الرواية من خلال رسالتي للدكتوراة في 1971 ربطني هذا الموضوع منذ وقت مبكر بقضية المرأة وأدب المرأة. بل لقد ترك تأثيرات كبيرة علي ابداعي القصصي والروائي.
بعض الألتباسات
* قلنا : فلماذا تغفل هذه الدراسة عند الحديث عن كتابة المرأة؟
** قال : لو أننا أخذنا عناوين الرسائل العلمية التي تتناول هذا الموضوع. فسنجد ان الموضوع طرق بشكل واسع. انا صاحب هذا المصطلح. وقد اشعته بشكل واسع الي جانب مصطلح "أدبيات القصيدة" لقد اشعت هذين المصطلحين في الدراسات النقدية. وان كان ثمة بعض الالتباسات في فهم معني صورة المرأة نفسها. المصطلح موجود. ودراسة المرأة نالت عناية من الدارسين علي مدي نصف القرن. لكننا في حاجة الي ان نكرر ونعيد. وأحيانا نذهب لمناقشة رسالة جامعية فنتبين ان الموضوع قد درس من قبل. وهذا يرجع الي ان الارشيف غير جاهز. نحن نريد أرشيفا ومعلومات عن اسم الكاتب والموضوع وسنة الصدور. نريد انضباطا ببليوجرافيا. ويكفي ان رسائل كثيرة اخذت عنوان كتابي.
* قلنا : مارأيك في المناقشات التي تثور حول قضية كتابة المرأة والنقد النسائي؟
** قال : النقد النسائي الادبي بدأ يأخذ صورة مشرقة في المرحلة المعاصرة. وظهر العديد من الناقدات الملتزمات فكريا بداية من سهير القلماوي ولطيفة الزيات وفريال غزول وسيزا قاسم ورضوي عاشور. وظل الخط مستمرا حتي اليوم. التأريخ للكتابة النسوية ليس مشكلة. لكن المشكلة في أدب المرأة من قبل المرحلة الحالية الكثير من الكاتبات كن يمارسن الكتابة الادبية ثم يتوقفن. الان الصورة اتضحت في ابداعات سحر الموجي وميرال الطحاوي وسلوي بكر. المرأة الادبية شقت عصا الطاعة علي التابو. بل إن بعضهن فضلن حياة الابداع عن كل ماعداها. الدعوة إلي الادب والنقد النسائي والثقافة الخاصة بالمرأة. علامة علي التطور والتجديد في طرائق الفكر المعاصر وضرورات الحياة الانسانية التي تساوّي بين الرجل والمرأة.
....................................
*المساء ـ في 29/9/2007م.

#44 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 09 February 2008 - 05:08 PM

من المحرر

بقلم: محمد جبريل
....................

يذهب محمود تيمور إلي أن رواية زينب لمحمد حسين هيكل هي "أول قصة مصرية كتبت علي النمط الغربي" فعهد زينب كان بدء تحرر الأدب من السيطرة العربية القديمة. واستلهامه من الأدب الغربي. أي بدء ظهور النفوذ الغربي في أدبنا العصري".. ويقول يحيي حقي: "من حسن الحظ أن القصة الأولي في أدبنا الحديث قد ولدت علي هيئة ناضجة جميلة. فأثبتت لنفسها أولاً حقها في الوجود والبقاء. واستحقت ثانياً شرف مكانة الأم في المدد منها والانتساب إليها. وإلا أين كنا نداري وجوهنا لو التف القماط علي خلقة دميمة مشوهة. تجد عذر غثاثتها. أنها من إنتاج قلم غشيم في الكار؟".. ولعلي أميل إلي رفض الرأي بتحديد البداية علي أساس فني. دون مبرر علي الإطلاق. بل إن أستاذنا يحيي حقي يسقط تماماً صدور أية محاولة سابقة لزينب. حين يحمد الله علي أن الوليد الأول [!] جاء مكتمل الصحة. ولا يعاني تشوهات خلقية. بينما صدرت قبل زينب الفصول السابقة دليلنا بضعة أعمال روائية تعاني السذاجة في مجموعها. لكنها تظل وثائق فنية لصورة المجتمع المصري في مطالع القرن العشرين.. ربما جاءت ذات خلق دميمة شوهاء. لكنها تنتسب إلي الفن القصصي. ولأنها تجارب أولي. فهي لابد أن تتسم بأخطاء التجربة وسذاجتها. بل إن أحداً لم يلتفت إلي زينب بالذات. إلا بعد أن أعيد طبعها عام 1929 "وعرف أنها لهيكل باشا. فأخذت أهمية في الأدب العربي الحديث. لمقام هيكل باشا. لا لما فيها من الفن".
إن كل المحاولات التي سبقت زينب. مثل حديث عيسي بن هشام وليالي سطيح. تنتسب في تقدير يحيي حقي إلي المقامة. وليس إلي فن الرواية. ومن ثم فإن زينب. حتي لو جاءت صورة شوهاء. كانت ستظل الأولي لعدة اعتبارات: إنها تخلصت من أسلوب المقامة. وتوخت السهولة والبساطة في العرض والتناول.. إنها أقرب في قضيتها إلي الرواية في أصلها الأوروبي.. إنها لجأت إلي العامية في الحوار. وإنها عالجت لأول مرة وضع المرأة في عمل روائي. إن لهيكل علي حد تعبير الكاتب فضلا في اتخاذ الريف والفلاحين موضعاً لأول رواية مصرية. وكما قلنا. فإن اجتهاد يحيي حقي غادر صفحات كتابه. ليصبح اجتهاداً أساسياً. أو مسلماً به. في كل الدراسات النقدية التالية.
فهل تعد زينب بالفعل أول رواية مصرية؟..
لقد كتب يحيي حقي دراسته في أثناء عمله بدار الكتب. وبالتالي فقد أفاد من كل المراجع التي تضمها الدار. وقدم لنا للمرة الأولي بعض الرواد من الأدباء الذين كانوا شبه مجهولين مثل عيسي عبيد وشحاتة عبيد وغيرهما من أدباء ما بعد زينب إن جاز التعبير ولم يبذل الجهد نفسه في دراسة البدايات الأولي التي تنفي أن زينب كانت هي الرواية الأولي. بحيث توضع رواية هيكل في موضعها المتأخر نسبياً بين المحاولات الروائية المصرية الأولي. وينقذ أصحاب تلك المحاولات من الاهمال غير المبرر. فلا يغيبون عن الدراسات التي تؤرخ للرواية المصرية منذ بداياتها.
إن دراسة "المتن" وليس الاعتماد علي اجتهادات سابقة. هو ما يهب البحث العلمي قيمته الحقيقية. وأحري بنا في هذا الإطار أن نعيد دراسة كل الأعمال الروائية المصرية الرائدة دون التقيد باجتهاد مسبق ليمكن أن نجيب عن السؤال: هل زينب هي أول رواية مصرية.
................................
*المساء ـ في 8/2/2008م.


#45 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 11 February 2008 - 07:32 AM

الموت الجميل.. مرثية متأخرة لمحمد البدوي!

بقلم: عبدالله خميس بن سُنْكر
..................................

كثيرة هي آلام الإنسانية , تلتقي عندها – كما يقول الرافعي –:
" أنةُ المريض , وزفرةُ العاشق , ودمعةُ الجائع , وصرخةُ اللهفان المستغيث".
وقد تجتمع هذه الألوان من العذاب في شخص , وقد يُبتلى آخر ببعضها أو أحدها , لكن القليل من الناس من يتحمل هذه الآلام وتبعاتها , نزرٌ يسير منهم من يحيل التعاسةَ سعادةً ,والوجع غبطةً , والقلق أنساً , والغيظ رضىً.
وصديقي ( محمد ) أنموذجٌ رائع لهذه القلة , ومثلٌ جميلٌ لمن يعيش فوق الآلام , وهو صورةٌ مشرقة للصبر والتضحية والوفاء, وهو – مع هذا وذاك – مبدعٌ في صبره وتضحيته ووفائه.
******
أعترف أنني عاجز عن التفنن في سوق المقدمات للحديث عنه؛ ففي اللحظات التي تفيض فيها النفس بالألم , وتنبض بالوجع , يتعذر على الإنسان أن يصف مشاعره , أو يترجم أحاسيسه , أو يمسك دموعه.
ابتلاه الله بالمرض فصبر صبراً جميلاً , فاستحال ألمه لذةً , وضعفه قوةً , وعذابه راحةً وطمأنينة , لم يقهره المرض , ولم يزعجه الإعراض , ولم يكدِّر عليه النسيان؛ ربما لأنه أراد أن يرينا كيف يكون الإيمان بقضاء الله وقدره نوراً يشع فيغمر قلب الإنسان وكيانه , ويتغلغل في أغوار نفسه فيملؤها بالسكينة والراحة , أو ربما أراد أن يلقن البؤس والألم درساً في كرم الصبر وحلاوة الاحتساب , حيث طمأنينة النفس ورضاها , وراحة القلب وسكونه.
******
خط سطور إبداعاته في دفتر غربته، يدفن بها الألم، ويدفع بها الشقاء، كانت الكتابة عبير روحه، و خفق قلبه، وشعاع نفسه، كان جميلاً يحب الجمال , ويتنفس الإبداع، ويعجبه التفاؤل؛ فحلي الوجود أمام ناظريه، وساغ المر في فمه..
ما زالت كلماته الوجعى عن وخز الآلام، وهموم الحياة، وأكدار العيش، تتغلغل في أعماقي، وتحرق قلبي، لكنه كان يداويها ويداويني بطمأنينة النفس، وبرد الرضا:
" الحمد لله..نشكو الحال إلى الله !"..ثم يمضي يحدثني عن إبداعاته الجديدة، وعن تجربته مع( الفشل الكلوي ) وأنه يزمع إخراجها في كتاب.. حدثني عن مدينته
(القنفذة) وجمالها، وأهلها الطيبين، عن شاطئها البديع، عن سحر الطبيعة هناك على سيف البحر، وعن (حَلي) و(عَمِق) و (البِرْك) و (القَحْمة) و(الحِرِيضة)...
كنت أعرف الجمال البديع الذي حدثني عنه، والطبيعة الخلابة التي وصفها لي، و(الإنسان) الرائع الذي أثنى عليه، لكنه شوّقني بحديثه ووصفه وثنائه، حتى بدا وكأنني لا أعرف تلك الأرض وإنسانها وجمالها، فوعدته بالزيارة واللقاء في صيف هذا العام؛ لنبصر معاً ذلك الجمال , ونعيش معاً لحظاته , ونصنع معاً ذكرياته الجميلة..!
لم أكن أعلم أو يعلم أن الله قدَّر أمراً آخر، أنه يمشي خطواته الأخيرة على هذه الأرض، أنه يسير نحو الشاطئ الآخر، و الضفة الأخرى؛ حيث المقر الأبدي..لم نكن نعلم أن أمانينا ستستحيل أضغاث أحلام وتمضي مع الريح؛ فلن أراه بعد الآن..ولن يراني.. ‍!
لم أكن أدري أو يدري أن الله كتب عليه الموت، وأن مشيئته - سبحانه- قد سبقت بأن يلقى ربه بعد يومين- فقط – من حديثنا عبر الهاتف..!
يا ويح نفسي!..أين يا أبا عبدالرحمن؟..
والوعد.. واللقاء.. والبحر.. والشاطئ البديع.. والطبيعة الساحرة؟!..
******
في صباح يوم الجمعة المبارك أحس بالألم يعاوده من جديد، لم يستطع مقاومته، ودع أهله وأحبابه، وتوجه مع أخويه إلى المستشفى، وبدأت الرحلة، أو قل بدأ قطار العمر يغذُّ السير نحو المحطة الأخيرة، كان منها على بعد ثلاث ساعات تقريباً؛ هي المسافة ما بين
(القنفذة) و (أبها).. وفي الطريق كان يرتل كتاب ربه، وفي جوفه من الآلام ما يحطم جوفه، لكن آيات ربه أنسته الآلام؛ فلم يظهر عليه شيء من أثرها - كما يخبر أخواه -، واستمر يرتل..ويرتل، وروحه تسيل في عروقه، تزفها آي الذكر الحكيم إلى بارئها، تخرج مع همساته، تصعد مع لحنه الشجي إلى السماء، تعلو به أفقاً واسعاً، تخرجه من غربة الأرض، و تهرب به إلى الآخرة..!
في تلك اللحظات، ودّع كتاب ربه،الذي أضاء قلبه، وتوهجت معانيه في دمه، ثم غرق في صمت رهيب، وهدوء صامت، ولاذ بمولاه، واطمأن إليه، راضياً مرضيّا..
ذلكم هو (محمد البدوي)؛ الصديق، والأديب، والكاتب المسرحي، الذي اشتغل بالكتابة والألم، ثم مات وهو ينتظر!..‍
تُرى.. ما المسرحية القادمة بعد الموت يا محمد؟!
...............................
*عن: موقع لها أون لاين.

#46 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 12 February 2008 - 08:42 AM

الكتابات النسائية..وصورة المرأة

صفاء: قصصي تحمل ّماً هائلاً من الرؤي الفلسفية
منار: الكتابة هي المعادل الوحيد للحياة
منال :أسعد بأفكار الأخريات

حوار: د. زينب العسال
...........................

مع تعدد الكتابات النسائية. أي الكتابات التي تبدعها المرأة. فإن الأسئلة تثور حول رصد صورة المرأة بقلمها. وفكرتها عن ذاتها. وهل تغيرت هذه الذات بتجدد المتغيرات الاجتماعية والنسائية؟ وكيف تري المرأة أختها المرأة؟ وما طبيعة العلاقة بينهما؟ وما النموذج الذي ارتضته الكاتبة للمرأة؟
"قضايا أدبية" ناقشت هذه الأسئلة. وقضايا الكتابة النسائية بعامة. في ندوة شارك فيها عدد من الكاتبات اللائي حققت إسهاماتهن وجوداً لافتاً في الساحة الإبداعية.
البداية - بالنسبة للقاصة صفاء عبد المنعم - كانت في 1983. عندما كتبت أول قصة "يوم عاصف". نشرت ضمن مجموعة "حكايات الليل" في 1984. وتقول صفاء: ربما يكون حظي مدهشاً وغريباً في الوقت نفسه. ففي 1982 حصل ماركيث علي جائزة نوبل. وصدرت الأعمال الكاملة ليحيي الطاهر عبد الله. وامتلكت - لأول مرة - مالاً خاصاً بي. وغرفة خاصة بي أيضاً. حيث أصبحت موظفة في الدولة. هذا حدث لي وعرفت قيمته. قبل أن أقرأ كتاب "غرفة تخص المرء وحده" لفرجينيا وولف. خضت التجربة بشكل حقيقي قبل ان أقرأ تجارب الآخرين. أول قصة قرأتها وأدهشتني حتي البكاء قصة "العطسة القاتلة" لتشيخوف. وكذلك قصة "المسخ" لكافكا. ثم قصة "جبل الشاي الأخضر" ليحيي الطاهر. وزادت المعجزة الإلهية عندما قرأت "عينا الكلب الأزرق" و"أجمل غريق في العالم". ثم توالت الدرر. وعرفت جوركي ويوسف إدريس. ثم عرفت بعد ذلك طريق الندوات. وصدرت مجموعتي "تلك القاهرة تغريني بسيقانها العارية" في .1990
وتعد أول مجموعة صادمة في حينها عندما تبنت فكرة "كتابة الجسد".
والآن. بعد ان صدر لي الكثير من الأعمال القصصية فإني أجيب عن السؤال ذي الشقين: ماذا قدمت القصة لي؟ وماذا قدمت أنا للقصة؟. لقد قدمت القصة لي عالماً واسعاً من الخيال الجميل. والواقع المرير. والتجارب الشخصية الهائلة. والإرث الثقافي المبهر منذ محمد ومحمود تيمور إلي الآن.
أما ما قدمته للقصة. فأزعم - دون غرور - أني قدمت الكثير. حين أقرأ أول قصة كتبتها عام 1983. وآخر قصة كتبتها أمس. أري بعيني المبدع المحايد فرقاً شاسعاً من حيث اللغة. البناء. الثقافة. الرؤية. أنا أكتب القصة مثل لسعة النحل سريعة. وخفيفة. وقصيرة. ولكن بها كماً هائلاً من الرؤي الفلسفية. بحيث يحق لي أن أقول أني صاحبة فلسفة خاصة. صنعتها علي مهل. وفي عزلة تامة. وعلي حدة. فلسفة شربت من ثقافة الجسد. وثقافة الحياة الشعبية. والثقافة الورقية. والتاريخ والحب والموت والوحدة.
جينات أدبية
القاصة والناقدة منار فتح الباب لا تشعر - كما تقول - أنها تحققت كإنسانة إلا من خلال تحققها ككاتبة. ففي الكتابة أحلق في عالم الحرية الذي لا يتاح لي في الواقع. أعبر عن الأنثي بحرية. أعبر عن المرأة. الكاتبة. عن الرجل. عن الإنسان. أكتب آرائي في المجتمع. والعلاقة بين الرجل والمرأة. أكتب نثراً يشبه الشعر كثيراً. وأشعر بلذة لا متناهية بينما أكتب. وعند اكتمال الكتابة أشعر بإشباع وارتياح كأني امتلك العالم. نعم. إن كتابة المرأة تحقق ذاتها. والعكس صحيح. فالكاتبة التي تتوقف عن الكتابة أجدر بها ان تموت صمتاً. إنني أقتنص لحظات النقاء والبراءة والأمان الأبدي حين ألتحم بإبداعي متشكلاً علي الورق. ومن قبل ذلك ألتصق بجنين الكتابة متشكلاً في حلم يقظة. وحين أكتب أشعر بالخلود الذي كان يشعر به المصري الفرعوني القديم وهو يبني الأهرامات. وينقش علي جدران المقابر.
في مجموعتي الأولي"لعبة التشابه" كنت أحكي سيرة ذاتية للطفلة الأنثي. وأفلسف فكرة التشابه. أحاول أن أقترب من الآخرين دون خوف. وعلي الرغم من ميلي نحو كتابة السيرة الذاتية. فقد اهتممت بقضية الحرية لدي الإنسان في تعبيره عن ذاته. وفي مجموعتي الثانية "القطار لا يصل إلي البحر" اعتمدت اللغة التشكيلية للقص. بعد كبت موهبة الرسم داخلي. وتأكدت أن الكتابة هي المعادل الوحيد للحياة نفسها. وفي مجموعة "القطار لايصل إلي البحر" أتميز ككاتبة بابتكاري رمزاً واسعاً للطموح الإنساني هو القطار. وأبتكر معادلات موضوعية لمناقشة قضايا مثل كبت الأنثي والحرية والاغتراب والظلم الاجتماعي والنفاق الإعلامي والتعبير عن ثنائيات الحياة. الموت والحلم. الحقيقة. الوهم والكوابيس التي تختلط بالحقيقة.
وبعد انتهائي من مجموعة "القطار" كنت أتصور أنني لن أكتب ثانية. ذلك هو ما أحسه أحياناً بعد كل عمل. لكني أبدعت "ظلال وحيدة" التي تعد رواية قصيرة مقسمة إلي أجزاء. تحكي - في بعضها - عن تخيل زوجة تأخرت في الإنجاب أنها أنجبت طفلة تعيش معها. ولعلي أري أن البذرة الجينية للأدب التي ورثتها عن أبي الشاعر الكبير حسن فتح الباب تنقذني دائماً من شبح التوقف أو الوهم بالانتهاء ككاتبة تبوح بأسرارها من خلال القص.
وتشير القاصة منال السيد إلي انشغالها بالصمت منذ طفولتها. فلم يكن بينها وبين أفراد الأسرة حوار. بسبب ترتيبها بين أفراد أسرتها. وتقول منال: كنت أتمني ان أعيش الحياة لا أكتبها. ليس لدي أفكار منظمة تجاه العالم ولا أريد أن أغير العالم. ظللت فترة طويلة أكتب ولا أعرف أن هذا الذي أكتبه سينشر. كنت أظن أني ألعب. وأخذني من أقتنع بما أكتب. فنشر لي قصة. كما نشر لغيري من أبناء جيلي.
والغريب - والطريف - ان الناس استقبلوا مجموعتي الأولي "الذي فوق" بما كان يحفل به من أخطاء. وظل اسمي مقترناً بتلك المجموعة. لكن مجموعتي الثانية "أحلي البنات تقريباً" - رغم أنها أكثر نضجاً - لم تحقق النجاح الذي حققته المجموعة الأولي. لم أكن أعترف بوجود تصنيف جنسي للكتابة. وكان رأيي أن القيمة هي الفن. لكنني بدأت - ككاتبة - أحتفي بكتابة الأخريات. وبدأت أسعد بمنجزات المرأة الكاتبة.
ورداً علي مداخلة من الأديب عبد الناصر العطيفي قالت صفاء عبد المنعم: فكرة ان أكتب بضمير الأنا. كانت تدفع أي قارئ - حتي لو كان مثقفاً - إلي البحث عما إذا كانت التجربة شخصية. وحقيقية. ولكن مع جدية الكتابة انبثقت شخصية الكاتبة من النص بشكل عام. وتأكد أننا كاتبات بحق وحقيق.
تجارب
وقالت منال السيد في مناقشتها لمداخلة الأديب طه عبد المنعم: كتابة الجسد لا شأن لها بالدين. الجسد الذي أعنيه هو الجسد الثقافي. أن أفتح الباب علي الثقافي بداية من التاريخ ثم وجهة نظرك المحملة بالتجارب الجديدة ووجهات النظر المختلفة.
وعن سؤال للأديب فايز أحمد حول الموضوعات التي تتفوق المرأة في كتابتها عن الرجل. قالت صفاء عبد المنعم: هناك التجارب الشخصية. ونظرتي إلي الأشياء التي رأيتها حين تدخل في ذاتي تختلف عما يكتبه غيري. اضافت: لقد تحدثت - في دقائق قليلة - عن تجارب عشرين عاماً من الألم والقراءة والقهر. وأملنا أن نفيد الأصدقاء بهذه الخبرة الطويلة.
وتعددت المداخلات من هاني صلاح وإبراهيم السيد وعائشة عبد الواحد وهدي توفيق وغيرهم حول رفض تقسيم الأجيال. وتقسيم الكتابة إلي نسوية وذكورية. وهو ما رفضه الأديب صبحي شحاتة الذي أكد علي المذاق الخاصة للكتابة النسوية. لكن المشكلة تكمن في الثقافة التي نعيش فيها. وهي ثقافة تغلب كل ما هو ذكوري. فهي ذات مركز واحد.
..................................
*المسـاء ـ في 27/10/2007م.

#47 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 12 February 2008 - 09:43 AM

حوار لم ينشر مع الشاعر الراحل جيلي عبد الرحمن
.............................................................

محمود أمين العالم هو من عرفنا باحسان عبد القدوس
صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وفوزي العنتيل هم أبناء دفعتي


* بعثت الينا الروائية والقاصة والكاتبة الدرامية زينب الكردي السودانية المقيمة في القاهرة هذا الحوار الذي اجرته عام1996 مع الشاعر جيلي عبد الرحمن ولاسباب ما لم ينشر.. الاستاذ السر السيد سجل زيارة للاستاذة زينب بمنزلها، واجرى معها حواراً سننشره في اعدادنا القادمة ومن بين اوراقها ارسلت الاستاذة زينب هذا الحوار لجريدة الصحافة خاصة.. من جانبنا نرحب بالكاتبة الكبيرة وبحوارها.
وقد تطرق الراحل جيلي عبد الرحمن في هذا الحوار الى فترة اقامته بمصر وبروزه كشاعر هناك ، وهو والشاعر محيي الدين فارس ، وقد تناول كثيرا من ذكرياته مع الادباء المصريين الذين عاصرهم وكانت هنالك علاقات فكرية تربطه معهم فكان هذا الحوار:
* تم هذا اللقاء عام 1996، اي قبل وفاة صاحبه الشاعر الكبير السوداني جيلي عبد الرحمن بشهور قليلة، وكان وقتها على فراش المرض يعاني من الفشل الكلوي.
واعترف أن ذلك اللقاء اجريته معه بالصدفة، فالفكرة نبتت في رأسي بدون نية أو اعداد مسبق، وكان يومها يجلس علي فراشه وحوله ابنتيه وزوجته التي عانت معه رحلتي المرض والمرض وهى اذربيجانية مسلمة.
* قلت لجيلي:
حسب معلوماتي قضيت انت وعائلتي المرحوم حاكم رسام الكاركاتير، والكاتب الريفي الطيب فاروق منيب طفولتك في قرية ( انشاص) كبرى التفاتيش الملكية، وبعد قيام الثورة رحلتم جميعاً الى القاهرة لتستقر مع عائلتك في عابدين. فما الذي قادك الى عالم الشعر وماهى المنابع التي استقيت من منها اشعارك؟
- أجاب جيلي:
أنا انتمي لقومية متميزة هى أهل النوبة وهم أناس غالبيتهم فقراء جداً ،إذ بخلت عليهم الطبيعة بالموارد الضرورية التي تضمن لهم استمرارية الحياة وبخلت عليهم الدولة أيضاً بالرعاية.. كانت النوبة هى المنفى الطبيعي لاي موظف في الدولة تغضب عليه السلطة المركزية في مصر.. حالياً اهتموا بها بعد ان اكتشفوا انها منجم ذهب يدر عليهم مليارات الدولارات بسبب السياحة فتم تجميلها بما يرضي السائح لا النوبي إذ ظلت الحياة فيها صعبة والبيئة شحيحة، لهذا سعى معظم سكان النوبة الى الهجرة منها الى مصر طلباً للرزق.. اسرتي كانت من بين من هاجروا.
في البداية عشنا في (انشاص) أهم واكبر التفاتيش الملكية، وفيها اكتشفت عمق الهوة التي تفصل بين الأغنياء والفقراء، وكنت اقارن دائماً بين قصور وضياع الملك الشاشعة وبين التعاسة والفقر اللذين يعيشهما الفلاح العادي.. وفي القاهرة وجدت نفس الهوة بين أغنياء تمتعوا بالثراء الفاحش، والفقراء الذين ينسابون- كهوام الارض- في الحارات والازقة، وكانت أسرتي من بين تلك الطبقة الاخيرة، لكننا كنا نختلف عنهم بسواد بشرتنا ولهجتنا النوبية وكانت مختلفة وغير مفهومة وان كنا مثلهم نعيش اسفل السلم الاجتماعي، وكان معظم أهلي يمتهنون حراسة البنايات والقصور أو يعملون داخلها كخدم لأنهم لم يتلقوا حتى التعليم الاولي الذي لم تهتم بايجاده لهم الدولة، وكانوا كغيرهم- يناضلون باستماتة من اجل ادخار بضعة جنيهات ثمن تذكرة الباخرة وتغطية مصاريف الاقامة في الاجازات كل سنتين أو ثلاث .. وكان اهل النوبة في مواجهة في هذه الظروف الصعبة شديدو التكافل والتعاطف مع بعضهم البعض في لحظات الفرح والموت، وكان الأثرياء والأمراء يستأمنونهم على بيوتهم وممتلكاتهم ويمنحونهم ثقتهم الفائقة ويحترمونهم لأن النوبي بطبعه لا يداهن ولا يكذب ولا يستحل ماليس له.. انا لا اتحدث عنهم باستعلاء فهم مميزون بالفعل وكانوا يستحقون دراسات عديدة على الاقل ليعرف الناس من هم؟ وما اصل (الرطانة) التي يتحدثون بها وماهو سر هذا الحزن في أغانيهم والحانهم ولماذا هذا النواح الغريب الذي لم استشعره ابداً في مجتمع آخر؟ هل هى تركيبة مجتمع؟ هل هو موروث فرعوني؟ هل سببه كارثة الهجرات العديدة التي ارغموا عليها من اجل اقامة السدود وآخرها السد العالي؟ هل هذه الهجرات أكدت داخلهم مشاعر الفقد والاغتراب وعدم الاحساس بالاستقرار والامان..
* اول قصيدة كتبتها؟
- كانت من وحي هجرتي من قرية (صاي) النوبية قريتي وكان موقف وداعي لها حزيناً، مؤثراً:
وقفا على الشط والذكريات بقلبي المعذب والشاعر
وقبلنا أمي في وجهها ولوحنا للمركب الزاخر
وعمي يبلل رأسي الصغير بريق الفم اللاهث الفاتر
ولحيته شوكت وجنتي وداعب شاربه ناظري
وقال وفي مقلتيه دموع نزلن غذارا على خده
وفي قلبه امنيات حيارى يناجي بها الليل في مهده
بنى اذا ما وصلت بخير واعطاكم الله من عنده
فقل لابيك تذكر أخاك.. تذكره دوماً على بعده
كانت تلك القصيدة هى خطوتي الاولى لعالم الشعر.. تعبير لطفل حديث عهد بالغربة..
بعد ذلك بدأت أنا وفاروق منيب وتاج السر الحسن وحاكم، رحلة العمل الجاد وتعرفنا على الكتاب والادباء ، واذكر أن الفنان الكبير زكريا الحاوي- وكان يعمل في جريدة المصري- بدأ يقدم لنا كثيراً ويستقبلنا بحب وحفاوة مقدماً نصائحه وتوجيهاته ويقدمنا للندوات الادبية والفنية وكتب عنا مقالة لفتت الينا الانظار تنبأ لنا فيها بالريادة ( كان عمري وقتذاك 16 سنة) ثم تعرفنا على المرحوم (الجرنوسي) الذي لعب في حياتنا نفس الدور الفعال.. وبعدها تعرفت على مزيد من الشعراء المصريين واكتشفت في نفسي قدرات شعرية أكبر مما كنت اتصور.. تلك القدرات كنت استضعفها فوجدتها تنال احتراماً كبيراً، و بعد عدة قصائد- خاصة- قصيدة عزاء في قريةـ ضمنتها قصائد سودانية ونشرتها في مجلة الآداب، وكان لها صدى كبير في مصر الى حد انها ساعدت على تحويل تيار كامل من الرومانسية والضبابية والكلمات المذوقة الى لغة الشعب العادية والتعبير الحر ، ثم دخلت بوابة الشعر الحقيقية من خلال قصيدة (اطفال حارة زهرة الربيع) التي نشرها الاستاذ الكبير الحجاوي في جريدة المصري ثم في الاذاعة ومجلة الفنون الشعبية.. بعد الاستاذ الحجاوي التقطنا الاستاذ الكبير احمد بهاء الدين ثم الاساتذة محمود أمين العالم واحمد عباس صالح وهما اللذان عرفانا على الكاتب الكبير احسان عبد القدوس.. وبعدها وضعنا يدنا على عمق الحركة الشعرية والادبية والفنية.
يسترجع جيلي الذكريات ثم يتنهد قائلاً،بعد لحظة صمت: كنا فقراء نستحي من انفسنا وضعفاء لكننا بتأييد الناس وخاصة الجالية السودانية التي تحمست لنا انا وتاج السر ومحي الدين فارس ومحمد الفيتوري كنا نشعر بالقوة.. ايامها لعبت مجلة الآداب البيروتية ومجلة الثقافة الوطنية ومجلة «المجلة» ومجلة الشعر دوراً قوياً في احتوائنا وفتحت الباب للاقلام التي تستطيع أن تشق طريقها..
* من هم أبناء جيلك؟
- المرحوم صلاح عبد الصبور، واحمد المعطي حجازي، والمرحوم فوزي العنتيل والاخير كنت أحبه كثيراً وكانت لديه طاقة شعرية كبيرة وكان مريضاً لا تملك الا أن تتعاطف معه، وقد حزنت كثيراً من أجله عندما التقيته خارج مصر وكان مريضاً.. كان فلاحا عاشقا حقيقيا للفن الشعبي.. ايضاً كان من جيلي الشاعر كمال نشأت وهو شاعر مجيد وقد قام هو وفوزي العنتيل والفيتوري بتأليف رابطة النهر الخالد وكانت تنشر في الآداب والاديب في بيروت.. وكان معنا العظيم كامل ايوب ، لكنه كان منكفئاً على نفسه لأ نه تخيل أن المجتمع الادبي لا يهتم به وهذا اعتبره أنا شخصية سلبية اتاحت للشعراء قليلي القيمة ان يتصدروا مواقع لا يستحقونها.. كان هو ومجاهد عبد المنعم من الشعراء المجيدين لكنهما للاسف لم يتحمسا للنشر.. لابد للفنان ان يفرض نفسه ويتواجد في المحافل الادبية خاصة ان غياب النقد الجاد يعطي الفرصة للضعفاء أن يتسيدوا وينتشروا.
* دور النقد في شعرنا الحديث حالياً؟
- دور ضعيف للغاية.. على ايامنا كان هناك نقاد عظام: الدكتور عبد المحسن طه بدر، الدكتور محمد مندور، شكري عياد، ومصطفى ناصف وهو ناقد ممتاز تدرس كتاباته في الجامعة، لكنه- هو ايضاً- تغيب عن الساحة وترك النقد كما فعل الدكتور محمود أمين العالم الذي ترك الشعر واكتفى بالمقالة ثم صمت عن الشعر والنقد معاً.. حالياً حركة الشعر تحتل دورباً حديثة لكن النقد لا يواكبها فهو- اي النقد- اما جزئي او انطباعي وليس نقداً منهجياً يرتكز على التفوق والعلم ، وكانت في الخمسينات والستينات تتناول المد الشعري تقييماً وتعميماً للتجربة، رغم أن هذا النقد تجاوز بعض الشعراء.. اي تقييم نراه الآن هو مجرد تكرار وإجترار بلا قاعدة أو ثقافة ولا يواكب الجديد الناس ، ثم وقعت الحركة الشعرية في مأزق وسادت أصوات لا علاقة لها بالشعر إلا عن طريق السطو والشعوذة وتقاربت النماذج حتى في التفاعيل والكلمات والغى الاصل في محاولة دائمة للتجريد والذهنية والتلخيص وعزل الشعر عن منابعه الاصلية.
في نظرك ماهى اسباب هذا العجز وماهو العلاج؟
- سبب هذا العجز هو غياب المنابر وضياع الشعراء والنقاد والأ هم من ذلك هو غياب الديمقراطية التي لابد من طرحها كمضمون اجتماعي بديل وحيد، لكن هذا لا يعفي النقاد القادرين منهم وبالاخص الاستاذ محمود امين العالم مثلاً بالتصدي لمسؤوليتهم ارتكازاً على نماذج حسية بالمقارنة والتقييم، والبعد عن المجاملات والتمسح لاسماء معروفة مهما كثرت كتبها وجلبتها في الساحة.
*أعلم انك سافرت الى موسكو ثم الى اليمن، فلماذا؟
- سافرت اولاً لموسكو لمواصلة الدراسة في معهد (جوركي) للآداب ودرست علم الجمال الذي يهتم به المعهد كثيراً، وهذا العلم وثيق الصلة بالفلسفة وبالنقد الادبي وتاريخ الفن وكانت رسالة الماجستير التي تقدمت بها تتناول تقييم تجربتي الشعرية مدعمة بنماذج مترجمة الى الروسية اهلتني للدفاع عن اطروحتي امام متمرسين بنظريات الجمال ثم ذهبت الى اليمن الديمقراطية لتدريس الادب الحديث وهو تخصص في رسالة الدكتوراة، واستجبت لرغبة كلية التربية اليمنية في تدريس مادة علم الجمال فأنا لا ادرس الفلسفة خالصة، ولا شك ان استيعاب فلسفة علم الجمال يكمل دور الشعر كمنظور فلسفي إبداعي.
* في رأيك هل تراجع الشعر حالياً؟
- الشعر العربي- تحديداً- لا يتراجع ابداً. لدينا شعراء عظام: محمد عفيفي مطر، أمل دنقل، محمد الفيتوري، وغيرهم كثيرون.. المشكلة في التوصيل، الصحف والمجلات الكويتية كالعربي مثلاً تقوم بدور فعال ومؤثر، لكنها لا يمكن ان تستوعب كل الشعر العربي ولا يمكن ان تصل لكل البلدان العربية، نفس الشئ بالنسبة للصحف والمجلات والكتب العربية الاخرى، المصرية- مثلاً- والسورية والعراقية وهذه التجزئة وخلو الساحة من مجلة مركزية لكل الناس في كل الارض العربية وغير العربية من اسباب عدم وجود التفاعل الشعري وعدم بروز الأسماء الجيدة وانعزال الشعراء.. هناك شعراء مجيدون في اليمن كالبردوني مثلاً لا تعرفه إلا قلة متخصصة في العالم العربي مع أنهم قمة. كذلك في السودان مع أنها تعيش عصر الازدهار الشعري.. يكفي أن فيها محمد المكي ابراهيم، ومحمد عبد الحي، والياس فتح الرحمن وغيرهم.. عندك ايضاً في الكويت أصوات شعرية ممتازة كمحمد الفايز، وخليفة الوقيان، والعتيبي وغيرهم لكن لا أ حد يعرفهم خارج حدود بلدان الخليج.. الحكم الآن على الشعراء العرب لن يكون دقيقاً ولا منصفاً خاصة أن هناك بعض المجلات تصدر في لندن واوربا وباريس تنشر اشعاراً مهلهلة تحسب على الشعر العربي مما أصاب الشعراء الجيدين باليأس.. المسألة تحتاج الى مجاهدة لأن يتصدى اتحاد الكتاب العرب الى إنشاء مجلة عربية تعبر عن الحركة الشعرية والنقدية بنماذج مختارة على ان يكون لها مجلس ادارة مكون من خيرة الكتاب العرب في كل بلدان العالم العربي.. مجلة العربي تنشر لكنها لا يمكن ان تستوعب كل الشعراء لأنها تهتم بمواضيع اخرى مهمة.. هناك ابداع لكنه محدود وغير متداول في العالم العربي كالجزائر مثلاً والمغرب العربي أو المغرب..
مجلة المجلة محترمة جداً لكنها غالية الثمن ونسخها قليلة.. نحتاج لمجلة كالآداب مثلاً فقد تركت فراغاً كبيراً.. لابد ان يميز المثقفون بين الادب والسياسة.
محاولة التمييز صعبة.. ممكن ان تطالب الاديب بالبعد عن التعصب لكن كيف ينأى عن السياسة؟
في روسيا، وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت حركة الديمقراطيين الروس للنقاد، وكانت هذه الحركة معارضة لنظام الحكم القيصري والاقطاعي وقتذاك، لكنها كانت تحارب بأسلحة ادبية صرفة.. ما اود ان اقوله انه على السياسيين ان يرفعوا ايديهم عن الادب ولابد أن توجد مساحة من الديمقراطية وحرية التعبير والتحضر.
ما نراه الآن: كل مدينة عربية علاقتها عدائية بالدولة المجاورة لاسباب سياسية تمنع دخول كتبها وصحفها ومجلاتها ، لكن اذا كانت العلاقات حسنة تسمح، وهذا خطأ وجريمة في حق الشعوب.. في اوربا ثمة مذاهب واتجاهات متعددة لكنهم يسمحون لجميع الآراء بالتعبير عن نفسها بحرية.. تفكيرنا القبلي الضيق يجب ان يزول ليحل محله مقارعة الرأى بالرأى وليس بالارهاب ولي الذراع، كل امة تتميز بآدابها.. خذي مثلاً مايحدث في امريكا اللاتينية وما لعبه الادب من دور.. كل اوربا تقرأ لهم ولم نسمع عن مصادرات أو ارهاب.. أنا شخصياً عندما يقع تحت يدي كتاب من الكتب التي تدعهما الدولة الكويتية اشعر بالاعتزاز فهم يمنحون المجال واسعاً لكل الكتاب العرب، دون تمييز.. يجب ان نميز بين السياسة والادب لأن الاخير سلاح فعال وثابت ويجلي وجه القومية العربية.
* كم ديوان صدر لك حتى الآن؟
- قصائد من السودان ( الرافضون) وهو مشترك مع تاج السر حسن ونجيب سرور ومجاهد عبد لمنعم مجاهد وكمال عمار، والجواد والسيف المكسور، وبوابات المدن الصفراء.
..............................
*عن جريدة (الصحافة) السودانية.

#48 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 14 February 2008 - 10:00 AM

قراءة في كتاب «هدم اللغة العربية .. لماذا؟» لإبراهيم سعفان

بقلم: أ.د. حسين علي محمد
................................

مُنذ أن أصبح للإسلام دولة وراية تُرفرفُ من مشرقِ الأرضِ إلى مغربها وأعداءُ الإسلامِ يعملون على تقويضِ أركان هذه الدولة، وإسقاط هذه الراية. وقد نجحت مُحاولاتهم في تفتيت الدولة الإسلامية التي تكوّنت في صدر الإسلام إلى دويلات صغيرة متفرقة، وبقيت اللغة العربية القلعة الأخيرة الصامدة التي تكرّرت محاولات هدمها بأيدي أعدائها وأبنائها على السواء.
وفي هذا الكتاب الصغير الحجم، الذي صدر في سلسلة "كتاب آتون"، في 48 صفحة من القطع الصغير يتناول الكاتب مُحاولات هدم اللغة العربية.
وتحت عنوان "الغزو الفكري ومحاربة الإسلام"، يقول المؤلف: "رغم أن الإسلام يحترم جميع الأديان، ويدعو إلى التسامح والإخاء، إلا أن جميع رجال الكنيسة لم يستطيعوا حتى نهاية العصور الوسطى أن ينسوا الخسارة التي لحقت بكنيستهم وبهم نتيجة انتشار الإسلام، مما جعلهم يشعرون دائماً بالرغبة في الانتقام من الإسلام والمسلمين.، فكانت الحروب الصليبية التي استمرت مائتي عام"(1 ).
وقد نجح الاستعمار ـ فيما لم ينجح فيه الصليبيون الذين رُدُّوا على أعقابهم ـ نجح في تشكيل عقول تلاميذه الذين جنَّدهم من البلدان الإسلامية نجاحاً لم يتوفّر له خلال مئات الأعوام الماضية. و"ليس أدلَّ على نجاحه من انقلاب العالم الإسلامي كله تقريباً إلى صورة مشوّهة معكوسة من الغرب"، ومنذ اقتناع الغرب بالحرب الفكرية لغزو البلاد الإسلامية وهو دائم البحث عن إيجاد أساليب جديدة للقضاء على المسلمين، وبدأ أفراد منه بتركيز جهودهم على اللغة العربية ـ لغة القرآن الكريم ـ "فإذا استطاعوا أن يُغيِّروا شكل اللغة العربية بتغيير حروفها مثلاً استطاعوا أن يُباعِدوا بين المسلمين والقرآن الكريم، فيُصبح كتاب طقوس فقط، لا يُتلى إلا في المساجد"( 2).
ومن تلاميذ الغرب الدكتور لويس عوض الذي يدأب في مهاجمة اللغة العربية، ومحاولة النيل منها. ومن قبله عبد العزيز فهمي عضو المجمع اللغوي!!، الذي تقدَّم للمجمع عام 1943م، باقتراح كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، وقد لاقي هذا الاقتراح آنذاك رضى عضو المجمع هـ. ر. جب الإنجليزي، الذي قرَّر في كتابه "إلى أين يتجه الإسلام؟": "أن من أهم مظاهر الوحدة الإسلامية الحروف العربية التي تُستعمل في سائر العالم الإسلامي".
ومن بعد عبد العزيز فهمي ولويس عوض: سلامة موسى، ويوسف أوغسطس، وإلياس عكّاوي. أما الأجانب: فالقاضي الإنجليزي "ولمور" ألَّف كتاباً أسماه "لغة القاهرة"، وضع فيه قواعدها، واقترح اتخاذ لهجة القاهرة لغة للعلم والأدب، كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينية. وقد رد على دعاواه حافظ إبراهيم بلسان اللغة العربية:
رجعْتُ لنفسي فاتَّهمْـتُ حَصَاتي .:. وناديْتُ قومي فاحتسبْـتُ حياتي
رمـَوْني بعُقْمٍ في الـشَّبابِ فليْتَني .:. عَقِمْتُ فلمْ أجْـزَعْ لقوْلِ عِداتي
وسِعْـتُ كتَـابَ اللهِ لفظاً وغايةً .:. وما ضِقـْتُ عنْ آيٍ بهِ وعِظاتِ
فكيْفَ أَضِيقُ اليومَ عنْ وصْفِ آلةٍ .:. وتنسيقِ أسْماءٍ لمُخْــتَرعَاتِ؟!
أنا البحْرُ في أحشائهِ الدُّرُّ كَـامنٌ .:. فهلْ سَأَلوا الغَوَّاصَ عنْ صَدَفاتي
أيُطربُكمْ منْ جانبِ الغرْبِ ناعِـقٌ .:. يُنَادي بـوأْدي في ربيعِ حياتي؟!
ثم جاء السير وليم كوكس الذي نادى بهجر اللغة العربية، وحتى يضع دعوته موضع التنفيذ قام بترجمة الإنجيل إلى اللغة المصرية، وقد تبعه في ذلك المصري المُهاجر ولسن بشاي.
بعد هذا العرض للمحاولات التي بُذلت لهدم اللغة العربية بأيدي أبنائها ـ المخدوعين ـ وأعدائها على السواء، يُقرِّر المؤلف في آخر الكتاب أن كل هذه المُحاولات "قد باءت بالفشل، وبقيت لغتنا العربية شامخة تتحدّى هذه الدعوات وأصحابها"(3 )، وما كان هذا إلا لأنها "لغة القرآن الكريم، والله تبارك اسمه يقول: "إنا نحن نزّلنا الذكرَ وإنَّ له لحافظون" (سورة الحجر: الآية 9).
ويقول: "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نورَه، ولو كره الكافرون" (سورة التوبة: الآية 32).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
( 1) إبراهيم سعفان: هدم اللغة العربية .. لماذا؟، دار آتون، القاهرة 1980م، ص13.
(2 ) السابق، ص19
( 3) السابق، ص47.
............................................
*موقع: لها أون لاين ـ في 13/2/2008م.

#49 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 18 February 2008 - 01:25 AM

بورتريه رجاء النقاش الجواهرجي

بقلم: عزت القمحاوي
........................

الصورة التي نشرت لرجاء النقاش في حفل تكريمه مؤخرا بنقابة الصحفيين، كانت بالنسبة إلي عديدممن عرفوه أكبر إيلاما من خبر الوفاة الذي لم يتأخر أكثر من عشرة أيام بعد التكريم.
بري المرض اللعين الجسد الربعة المدكوك، مصمصه علي مدي ثلاث سنوات، ولم يترك إلا العظم الواهن للجسد والوجه الذي كان وسيما.
رجاء بعينيه الزرقاوين ووجهه الأشقر المستريح كان منافيا لكل ما يمثله عالم الثقافة من حرق وفقر دم مشهر في الوجوه، وإذا سألت من يراه للمرة الأولي أن يخمن له مهنة فسوف يجيبك بلا أدني تردد: جواهرجي.
ولن يكون قد ابتعد كثيرا، فميزة رجاء الأساسية أنه كان جواهرجيا يعرف كيف يكتشف النص النفيس، كان موهوبا في التقاط المواهب وتقديمها، ويكفي أنه وضع الضوء الأول علي ثلاثة من فحول الشعر والقص: محمود درويش، أحمد عبدالمعطي حجازي، والطيب صالح.
قدم ديوان حجازي الأول مدينة بلا قلب وتحمس له في مواجهة صقور القافية، وهو الذي صك مصطلح شاعر الأرض المحتلة لمحمود درويش. وبقدر السهولة التي صك بها رجاء مصطلحه، وبقدر السهولة التي انتشر بها، بقدر الصعوبة التي واجهها الشاعر الذي يجاهد إلي اليوم كي يتخلص من اللقب!
أما الطيب صالح، فقد كان مقال رجاء عن روايته الأشهر موسم الهجرة إلي الشمال بداية التعريف به عربيا، ومن يتأمل الكتاب التذكاري الذي أصدرته دار الآداب عن الطيب صالح، قد يدهشه أن كل الدراسات تقريبا أكثر أهمية من دراسة رجاء، لكن العنوان عبقري الرواية العربية كان من مقال رجاء، فهو وحده من يجازف بهذه الأحكام ويلقي بثقله وراء نص أو كاتب، يكتب عما يستقر في قلبه بحماس مشجع لكرة القدم يقسم لك علي إعجابه بالتسديدة من دون أن يكترث أين ستضع تشجيعه، أو حجم المعرفة بقوانين اللعبة.
نالت منه أحيانا طراطيش الكلام، حيث يجب علي المثقف أن يكون ضد النظام أو مخبرا، لا حل ثالث في نظر البعض، لكن الشجرة الربعة المدكوكة في الأرض وقفت ثابتة.
توجهاته تمليها قناعاته الداخلية، عروبته تكوين عضوي في البدن وليس ناتج أفكار. وقد عاش راضيا بما يصنع، ولم تكن هذه الراحة التي تنط من وجهه إلا نتيجة لحالة من التصالح مع النفس لرجل قليل الاكتراث بالأيديولوجيا، والتحزب، قليل الاكتراث بالنظرية الأدبية وتحولاتها.
موقفه من الأدب لايختلف عن موقفه من الحياة، يحب ويكره ويقول ما يراه ببراءة طفل، كتابة أو شفاهة في مواجهة صاحبه. عندما يتحدث يحرك رأسه بزاوية، فيعطي محدثه بروفيلا، وكأنه يتحاشي كوابح نظرات الآخر التي يمكن أن تقيده، وينطلق كما لو كان في منولوج خاص وهاديء مع نفسه.
ذات مرة كنا وقوفا علي النيل، وأشار له الروائي يوسف القعيد إلي عمارة وقال له: تصور، الشقة في هذه العمارة بثمانين مليون جنيه!
وأجابه رجاء بتلقائية وبغير استنكار: يا سلام!! خلي المصريين يشوفوا الدنيا.
واستغربت الجواب، إذ كيف يفرح الفقراء بوجود هذه الأسعار في مدينتهم، لكنها دهشة الطفل كانت تتحدث علي لسان رجل لم يزعم يوما أن له علاقة بمشاحنات الطبقات!
آخر مرة رأيته في جمع كان شديد الانزعاج من لغة روائي، قال له: لديك خيال جيد، لكن من العيب أن تكتب كل هذه الأخطاء. وبين فترة وأخري يعود إلي المنولوج نفسه: تعلم يا أخي، ليس عيبا، ويتفرع الحديث ويتعدد المتحدثون، ولكن رجاء يعود إليه: لا تقل إنك تحطم اللغة ، أنت لا تعرف لغة وهذا عيب!
كان تمحور رجاء حول النقطة مستغربا، وتمنيت لو أنه سكت، وخفت أن يحتد عليه الرجل، لكنه لم يفعل، لأن رجاء كان قد أعطاه ما يستحق ورحب به كتابة من قبل، مما يؤكد نبل مقصده. لم يكن في لهجته رغبة في الإحراج أو الإيذاء، كان كمن يقول لنفسه، إن من العيب أن يكتب أحدهم بعربية متكسرة.
ظل رجاء متابعا إلي آخر يوم في حياته، لكن الدعم الذي تلقته الأجيال التالية من رجاء النقاش كان أقل مما ناله مجايلوه ممن بدأوا الكتابة في الخمسينيات والستينيات، وهذه مشكلة تتعلق بالجدران العازلة بين الأجيال الأدبية، أكثر مما تتعلق برجاء نفسه، ويكفي الثلاثة الكبار الذين قدمهم لكي نراجع النظرة الدونية للنقد الصحفي، الذي يقيم الجسور بين النص والقاريء، ويمضي وراء النص وليس أمامه كما يفعل النقد الأكاديمي.
ولم يكن رجاء النقاش مجرد كاتب مقال علي أهمية هذا الدور ولم تجعل خبرة الجواهرجي منه خبيرا مثمنا للنص الجيد فحسب، وإنما جعلت منه صانع مجلات ثقافية من طراز رفيع، ساهم في تأسيس صحف ومجلات عديدة وإن كان أهمها تجديده شباب مجلة الهلال المصرية العريقة عندما تولي رئاسة تحريرها شابا،وتأسيس مجلة الدوحة التي حظيت بانتشار عربي كاسح حتي أوقفت بقرار، ثم عادت مؤخرا.
أما هو، فقد عاد إلي أمنا الأرض، وقطع علي المرض فرصة الاستمرار في التشفي الفظ.
------------------------------------------------
*أخبار الأدب ـ في 17/2/2008م.

#50 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 27 February 2008 - 11:30 AM

الاستعمار الألماني في فلسطين

بقلم: محمد خليفة
......................

بالتوازي مع ظهور المشروع الصهيوني وحلم الدولة اليهودية في فلسطين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، ظهر مشروع استيطاني آخر في فلسطين . وهذا المشروع كان أصحابه هذه المرة من الألمان ، ذلك أن فكرة ما يسمى "الأرض المقدسة ـ أرض الميعاد" فلسطين ، وعودة المسيح المنتظر التي سيطرت على العقل البروتستانتي ، دفعت شخصاً يدعى هوفمان من بلدة ورتمبرغ بألمانيا عام 1860 إلى إحداث حركة دينية بين الشعب البروتستانتي في تلك الأنحاء مدعياً أن الأفكار النصرانية في ذلك الحين ، لا يمكن تأليفها مع مبادئ الكنيسة ، وأخذ يطالب بالإصلاح . فتأسست جمعية دينية باسم "تامبل" أو "جمعية القدس الشريف" لتسعى وراء تأسيس إمبراطورية متناسبة مع عظمة الحق تعالى ورحمته على وجه الأرض . والغاية من المسعى المباشرة بتأسيس إمبراطورية إلهية تدريجاً مبتدأة من أرض الميعاد إلى أن تشمل سائر الأنحاء وتجديد معتقدات الكنيسة والخلق وإصلاح عاداتهم . وقبل أن تبدأ الجمعية بالعمل ، أرسلت من قِبلها إلى استانبول "هوفمان" مع رجل آخر يدعى "هاردوك" وذلك عام 1868 وطلبا من السلطان العثماني عبد العزيز /1861 ـ 1876/ إذناً بتأسيس مستعمرة ألمانية في الأرض المقدسة . فبادر السلطان إلى إعطائهما الإذن دون أن يفكر بعواقب هذا الأمر لأنه كان يريد المال فقط . ومن ثم قام هوفمان وهاردوك بزيارة سوريا وحيفا وقفلا عائدين إلى ألمانيا من أجل إرسال المهاجرين إلى فلسطين . وفي عام 1869 وطأت أول قافلة من مهاجري ورتمبرغ أرض حيفا ، وبعد سنة جاءت عشر أسر ألمانية أمريكية إلى حيفا فانضمت إلى أبناء وطنها . ولما أعلنت الحرب الروسية العثمانية عام 1878 ، أمرت الحكومة الروسية بتجنيد المهاجرين الألمانيين المقيمين في روسيا ، فتركت عدّة أسر من أولئك الألمان الأرض الروسية وجاءت إلى فلسطين . وقام هوفمان بشراء أراضٍ في يافا والقدس وأسكن فيها المهاجرين الألمان . وأسس المهاجرون قرية "صارونة" القريبة من يافا ، كما أنهم أسسوا قرية أخرى تدعى "ويلهلمه ـ حميدية" وذلك في عام 1900 . وعلاوة على ذلك ، فإن المستعمرين اشتروا من عائلتي سرسق والتويني المسيحيتين البيروتيتين قريتي بيت لحم وأم العمد في جوار الناصرة . وفي حيفا استملك المستعمرون الألمان الأقسام المهمة من جبل الكرمل فزرعوا أشجار الصنوبر وأشجار الفستق الحلبي والكروم ، كما أصبح لهم حيّ كامل في المدينة . وهكذا بدأ المشروع الاستيطاني الألماني في فلسطين الذي كان يلقى دعماً وافراً من الإمبراطورية الألمانية آنذاك التي كانت ترى فيه موطئ قدم لها في الشرق . وكانت الحرب العالمية الأولى قد اندلعت عام 1914 ، فوقفت النمسا وألمانيا والدولة العثمانية في حلف واحد يسمى "دول الوسط" ، ووقفت بريطانيا وفرنسا وروسيا في حلف آخر يسمى "الحلفاء" ، وانتهت تلك الحرب عام 1918 بهزيمة دول الوسط مما أدى إلى تقهقر مشروع الاستيطان الألماني في فلسطين . وفي نفس الوقت ، كان مشروع الاستيطان اليهودي يلقى دعماً كبيراً من بريطانيا وفرنسا لوقوف أثرياء اليهود في أوروبا ، ولاسيما عائلة روتشلد إلى جانبهما في الحرب . ولا شك أنه لو انتصرت دول الوسط ، لكنّا الآن نشهد دولة ألمانية في فلسطين وليس دولة صهيونية . ولا نعلم ماذا حدث للألمان ، لكن على الأرجح أنهم عادوا إلى بلادهم بعد أن أصبح المستعمر الصهيوني وحليفه المستعمر البريطاني أعداء لهم . وفي الحالتين فإن الخاسر الأكبر مما جرى في فلسطين هم العرب الذين كانوا مغيبين عن مسرح الأحداث في ذلك الوقت بسبب وجود الدولة العثمانية . وللأسف ، فإنهم ما يزالوا مغيّبين بسبب وجود الولايات المتحدة التي تكتم على أنفاسهم . بيد أن الأمل الكبير معقود على سواعد المجاهدين لإعادة الشرف العربي المثلوم ، ولانتزاع الحق العربي من المغتصب الصهيوني لفلسطين .
*كاتب من الإمارات
..............................................
*المصريون ـ في 26/2/2008م.


#51 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 March 2008 - 10:40 AM

سقط صنم لويس عوض ..
ولن تُفلح محاولات ترميمه!(1)

بقلم: أ. د. حسين علي محمد
.................................

نشرت مجلة «حريتي» الزاهرة في عددها الصادر في 26 فبراير 1995م مقالاً للروائي الأستاذ محمد جبريل عنوانه « لويس عوض في محكمة حلمي القاعود» يعرض فيه للدراسة العلمية الموثقة التي أصدرها الدكتور حلمي محمد القاعود الأستاذ بجامعة طنطا مؤخراً بعنوان «لويس عوض: الأسطورة والحقيقة».
وإذ نشكر مجلة «حريتي» لحرصها الشديد على تقديم الجديد في الأدب والإصدارات النقدية، فإننا نشكر الأستاذ الروائي محمد جبريل على جرأته لعرض هذا الكتاب، فلويس عوض واحد من المحسوبين على الحياة الأدبية، وقد أمضى في جريدة "الأهرام" فترة من الزمن، وصل فيها إلى درجة المستشار الثقافي لهذه الجريدة، وكان في إمكانه أن يكتب وينشر على الناس ما يُريد دون أن يكون لأحد حق مراجعته، ودون أن تتيح الصحيفة المذكورة حق الرد لمن يُخالفونه في الرؤية، أو من يعرفون إمكاناته الأدبية والنقدية المتواضعة.
وحين يجيء أستاذ جامعي ويهوله ما فعل لويس عوض في حياتنا الثقافية، من نشره الأباطيل، واحتفائه بالجواسيس، وهدمه للعمالقة، وكتابته شعراً وقصصاً ومسرحاً رديئاً .. حين يرى كل ذلك، وغيره، ويكتب دراسة موضوعية علمية، وينشرها في كتاب، فيحتفي به روائي كبير، ويكتب عرضاً له في مجلة ذائعة، حينئذ نشكر منْ عرَض الكتاب، والمجلة التي نشرت العرض.
لقد احتشد صاحب الدراسة عدة أعوام، ورجع إلى كل ما كتبه لويس عوض، ورجع إلى مُعظم ما كُتِب عنه، وحاول أن يختط درباً وحيداً هو إنصاف الحقيقة، وتقديم الدرس العلمي المثال، الذي ينبغي في الدراسات الأدبية المُعاصرة.
وما قدمته هذه الدراسة كثير، أشرتُ إلى بعضه في مقالة أخرى نشرتها صحيفة «المسائية» بالرياض، لكني أحب أن أُشير هنا إلى ثلاث نقاط فحسب:
أولاً: قراءة المؤلف الدكتور حلمي محمد القاعود لسيرة لويس عوض الذاتية، المسماة «أوراق العمر» قراءة واعية، وقد وجد المؤلف بعد الفحص والدرس أن لويس عوض في سلوكه الشخصي وعلاقته مع الآخر المُشايع له في الفكر والتصوُّر يُحقق حالة من الاتساق التام، على العكس من علاقته مع الآخر المُخالف له، حيث يبدو التناقض واضحاً وقبيحاً إلى درجة غير مقبولة » (ص32).
ويُمكننا أن نُدلِّل على ذلك بإشادته بمجموعة من ضِعاف المُبدعين في الستينيات في دراساته، ونشره إنتاجهم في جريدة «الأهرام»، بينما عصَفَ بمجلة « الرسالة » التي انتقدته، وأغلقها وتسبب في دخول العلامة محمود محمد شاكر السجن، لأنه كتب عنه مجموعة من المقالات(2).
ولنا هنا ملاحظتان نضعهما بين عُضادتين:
[1-لماذا لا يتكلّم العلاّمة محمود محمد شاكر عن محنة سجنه التي أشار إليها في ذيل كتاب «أباطيل وأسمار»(3)، ولماذا لا يبين لنا دور لويس عوض فيها؟
2-إن لويس عوض من عزبة "الجرابيع" أو "كفر اللصوص" التابعة لقرية «شارونة» فلماذا تبرّأ لويس عوض من ذكر ذلك في سيرته الذاتية « أوراق العمر». ولماذا لا يُدلي الكاتب المعروف يوسف الشاروني ـ ابن شارونة ـ بدلوه في ذلك؟ ولماذا لا يُسجل شهادته؟]
ثانياً: كشفت الدراسة عن خطايا ـ ولا أقول أخطاء ـ لويس عوض في فهم اللغة العربية، وفقهها. فقد كان لويس عوض ضعيفاً في اللغة العربية، لا يُحسن تذوّقها أو التعبير بها، وكان إحساسه بها إحساساً أجنبيا، فكيف يتسنّى لمن كان هذا قدره أن يكون ناقداً كبيراً، بله مبدعاً كبيراً كما يزعم حواريوه وأنصاره، بل تابعوه ومقلدوه في الإفساد والتزوير في حياتنا الثقافية؟
ثالثاً: وضعت الدراسة لويس عوض في حجمه القزمي مبدعاً؛ فلا روايته العنقاء أو مسرحيتاه الراهب وإيزيس، أو شعره يصنع منه مبدعاً متوسط القامة!، فهو من أرباع الموهوبين.
إن كل ما يتميّز به لويس عوض مبدعاً هو القبح، إذا كان القبح مزية!
إنه يتحدث على لسان مريم العذراء، أو من يُمكن تأويلها بالعذراء، قائلاً:
وأخصبني بآلته .:. فذقتُ حلاوةَ الوتدِ!
فالصورة الجنسية القبيحة هنا ـ وفي أعماله الأخرى ـ قوائم عمله، وهي لا تتفق هنا ومقام السيدة العذراء، التي برّأها الله من فوق سبع سموات.
ومثل هذه الصورة البذيئة أصبحت الأب المرجعي لكل شعراء الغثاء وقصاصي الخواء من مُعاصرينا، الذين يجترئون على المحرمات، ويُحاربون المقدسات، ويُصورون في وقاحة وادّعاء ـ مل ينبغي ستره وكتمانه.
وبعد؛
لقد أبدى د. حلمي القاعود شجاعة كبيرة حينما كتب هذه الدراسة العلمية المحترمة عن صنم من أصنام حياتنا الثقافية، فأبدى زيفه وخواءه، ووضعه في حجمه الأصلي الذي ينبغي أن يوضع فيه. ولقد أبدى المؤلف جرأة كبيرة في تقديمه هذه الدراسة عن لويس عوض، فمازال صبيانه للأسف الشديد ـ يُسيطرون على الساحة الثقافية. والجو مهيأ لتقبل الدراسات العلمية التي تُعيد النظر في الأصنام لتُسقطها من عليائها الموهومة ... (4)
لقد سقط صنم لويس عوض، وتكسّر قطعاً صغيرة شوهاء، ولن تُفلح ـ بعد اليوم ـ أية مُحاولة لترميمه.
شكراً للدكتور حلمي محمد القاعود، فقد حطّم "مناة" العصر الحديث.
شكراً للروائي محمد جبريل، فقد كسَرَ جبل الصمت، الذي فُرِض على الكِتاب من المُهيمنين على حياتنا الثقافية.
شكراً لمجلة «حريتي» فقد أثبتت أنها ساحٌ للحرية والرأي الحر.
.......................................
(1) نشر في صحيفة «الجزيرة»، العدد (8368) ، في 8/7/1995م، ص9.
(2) كتب العلامة محمود محمد شاكر خمساً وعشرين مقالة جمعها في كتاب «أباطيل وأسمار»، وكان قد نشرها في مجلة «الرسالة» (نوفمبر 1964 ـ يوليو 1965م) يعلق فيها على مقالات لويس عوض عن أبي العلاء المعري التي نشرها في «الأهرام» عام 1964م ونشرها في كتاب عن دار الهلال بعد ذلك بعنوان «على هامش الغفران» (كتاب الهلال، 1966م)، وقد جاء رد لويس عوض على شاكر « بطريقة غير مباشرة، حين كتب في «الأهرام» مقالاً في 14 مايو سنة 1965م، تحدث فيها عن مجلات وزارة الثقافة، وعما يُنفق عليها، وما يوزع منها، وكان خلاصة رأيه ... أن هذه المجلات لا توزع إلا ثلث ما يطبع منها، وأن مجلتي «الرسالة» و«الثقافة» قد انصرف عنهما القراء، إذ لا يصل مجموع ما توزعه كل واحدة منهما إلى ألف وخمسمائة نسخة أسبوعيا، أي ربع ما تطبعه، ودعا إلى إعادة النظر في جميع المجلات التي تصدر عن وزارة الثقافة، وكان نتيجة هذا المقال صدور قرارات الوزارة بإغلاق معظم تلك المجلات، ومن بينها مجلتا «الرسالة» و«الثقافة» (نسيم مجلي: لويس عوض ومعاركه الأدبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1995م، ص199، 200 ـ بتصرف).
(3) يقول العلامة محمود محمد شاكر في نهاية كتابه «أباطيل وأسمار» ـ الذي يُناقش فيه لويس عوض ـ كما أسلفنا ـ تحت عنوان « ثم غلقت الأبواب»: « في الثالث من جمادى الآخرة 1385 (30 أغسطس 1965م)، وأحاطت بي الأسوار، وأظلمت الدنيا، وسمعت، ورأيت، وفزعت، وتقززتُ، وكان ما كان:
وعلمتُ حتى ما أُسائلُ واحداً .:. عن علمِ واحدةٍ لكيْ أزْدادَها
وتسلَّيْتُ عن كلِّ ما ألقى بقول شيخِ المعرّة:
يسوسونَ الأمورَ بغيْرِ عقْلٍ .:. فينفُذُ أمْرُهمْ ويُقالُ ساسَهْ
فأفِّ من الحياةِ وأُفِّ مني .:. ومنْ زمنٍ رئاستُهُ خساسةْ
(لويس عوض الأسطورة والحقيقة، ط1، دار الاعتصام، القاهرة 1414هـ-1994م، ص295م).
ما علاقة لويس عوض ـ موضوع كتاب «أباطيل وأسمار» ـ بالسجن الذي أشار إليه شاكر؟
سؤال يظل مطروحاً .. حتى نجد إجابة.
(4) أشار المؤلف إلى بعض هذه المصاعب في المقدمة.
انظر المرجع السابق، ص 5 ، 6 .



#52 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 26 March 2008 - 01:20 AM

النقد في حياتنا‏..‏ إلي أين؟

بقلم‏:‏ سامح كريم
.....................

منذ أن رحل محمد مندور ولويس عوض ورشدي صالح وعلي الراعي وأنور المعداوي وعبدالقادر القط‏,‏ ورفاق لهم من جيل الأساتذة‏,‏ وقبلهم طه حسين والعقاد والمازني وعبدالرحمن شكري‏,‏ وغيرهم من جيل الرواد‏..‏ والنقد في حياتنا في فتور‏,‏ إن لم يكن في جمود‏,‏ وهو الفتور الذي يشمل حياتنا الثقافية بوجه عام‏,‏ حتي يمكن القول إنه بعد رحيل هؤلاء سكت النقاد أو كادوا‏,‏ وإذا حدث قليل من النقد بين الحين والحين فإنه نقد غير خطير كالأشياء التي تنقد‏.‏
يحدث هذا في الوقت الذي تتفرع أوجه النقد إلي ألوان مختلفة‏,‏ ومع ذلك لا نجد في أي منها ما يلتزم بالمقاييس العلمية المتعارف عليها‏,‏ التي أقرها النقاد قديما أو حديثا‏,‏ عربا كانوا أو أجانب حين أشاروا إلي بعض التطورات النقدية في العصر الحديث‏,‏ تلك التي تمت بالأزهر الشريف علي يدي كل من الشيخ سيد المرصفي‏,‏ والشيخ حمزة فتح الله حين اتبع كل منهما أساليب نقاد العرب الأقدمين‏,‏ وفي مقدمتهم ابن سلام الجمحي‏,‏ والمبرد‏,‏ والقالي‏,‏ والجاحظ‏
حيث العناية في النقد تتجه أولا إلي جمع النصوص المختارة‏,‏ وتناولها تناولا يهتم باللغة والبلاغة والتذوق‏,‏ وكانت الخطوة التالية علي يد توفيق حسن العدل‏,‏ أحد خريجي كلية دار العلوم‏,‏ الذي درس في ألمانيا‏,‏ وأفادته هذه الدراسة في التعرف علي أساليب ومناهج النقاد هناك‏,‏ ليعود بمنهج في النقد ضمنه كتابه أدب اللغة‏,‏ وتبعت هذه الخطوة خطوة ثالثة حين افتتحت الجامعة المصرية القديمة‏,‏ وقام بالتيرس فيها بعض المستشرقين من أمثال جويدي‏,‏ وناللينو‏,‏ وفييت‏,‏ واستخدامهم المناهج الأوروبية الحديثة في النقد‏.‏
وإلي جانب هذه الخطوات الثلاث كانت هناك جهود مواكبة لها أو بعدها أسهمت إلي حد كبير في تطور حركة النقد‏,‏ ومنها جهود جورجي زيدان في كتابه تاريخ الأدب واللغة العربية‏,‏ ومصطفي صادق الرافعي في كتابيه تاريخ آداب العرب وإعجاز القرآن‏,‏ وجهود كل من العقاد ورفيقيه‏(‏ في مدرسة الديوان‏)‏ المازني‏,‏ وعبدالرحمن شكري‏,‏ وطه حسين في كتابيه ذكري أبو العلاء المعري وفي الشعر الجاهلي‏,‏
وطبيعي أن يتأثر جيل الأساتذة الذي يتزعمه محمد مندور‏,‏ بما ذهب إليه جيل الرواد‏,‏ حتي إن خالفوهم في الرأي‏,‏ خلافا لا يجعلهم يخرجون من عباءتهم حتي ولو شاءوا تمزيقها‏,‏ فظهرت علي أيدي هذا الجيل ملامح الحركة النقدية في تنويعاتها المختلفة‏,‏ ومنها ظهور ناقد الأدب الحقيقي الذي يتصور قواعد يستخدمها في تمييز الأدب الصحيح من الأدب التقليد‏,‏ وأن تنغرس هذه القواعد عند الناقد المتمرس في كيانه حتي تكاد تكون جزءا من فطرته‏,‏ أو كأنها حاسة جديدة تضاف إلي حواسه المعروفة‏
وما يقال عن ناقد الأدب يصدق علي ناقد الفن في استخدامهما النقد التطبيقي حينا‏,‏ والآخر الانطباعي في أحيان كثيرة‏,‏ ومنها ناقد الفكر الذي أول ما يميزه عن ناقد الأدب أنه‏(‏ أي ناقد الفكر‏)‏ لا يتقيد بميدان معين‏,‏ إنما هو يحمل في يده عدته النقدية ليستخدمها في أية فكرة يريد نقدها ومنها النقد الاجتماعي الذي يتوجه إلي نقد ممارسات الحراك الاجتماعي‏,‏ وإنجازات العمل السياسي‏.‏
علي أنه يندر في هذه الأيام النقد الموضوعي الدقيق بوجه عام‏,‏ لذلك ظهرت في حياتنا صور من التفكير اللاعقلي مثل الذين يتحدثون عن تحضير الأرواح‏,‏ ورؤية الأشباح‏,‏ والخرافة‏,‏ والفهلوة‏,‏ والادعاء‏,‏ والضحالة‏,‏ والثرثرة الفارغة‏,‏ مما نتج عنها‏:‏ أن يظفر بالجوائز من لا يستحقها‏,‏ ويحتل ويتبوأ مقاعد الرئاسة وأضواء الشهرة من لم يكن ليجد سبيلا إليها لو كان في حياتنا النقد الموضوعي النزيه‏,‏ المهتدي بالعلم الصحيح‏.‏
.....................................
*الأهرام ـ في 26/3/2008م.

#53 ماجد رشيد العويد

ماجد رشيد العويد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3310 المشاركات:

تاريخ المشاركة 26 March 2008 - 06:56 PM

ما ينقله الدكتور حسين بحصافة فيه غنى للنفس والروح والعقل.

#54 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 27 March 2008 - 03:28 AM

(ماجد رشيد العويد @ 26-03-2008, 07:56 pm) عرض المشاركة

ما ينقله الدكتور حسين بحصافة فيه غنى للنفس والروح والعقل.

شُكراً للأديب ماجد رشيد العويد على تعليقه،
مع موداتي.

#55 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 28 March 2008 - 11:45 PM

افتتاحية العدد الأخير من مجلة "الآداب"

بقلم: سماح إدريس
...........................

بابا الدكتور سهيل إدريس
صباح الخير يا بابا الدكتور،
حين تركتُ المستشفى في العاشرة والنصف من ليل 18/2/2008،
بناءً على إلحاح الماما عايدة، كنتُ أخشى أنّ ما يَفْصل بينكَ وبين الرحيل الأبديّ ساعات. لذا، عدتُ إلى المنزل، ووضعتُ هاتفي المحمولَ بين أذني اليمنى والمخدّة. بعيْدَ منتصف الليل، دقّ الهاتفُ، فأَدركتُ أنّ موعدي معكَ قد حان. قالت رنا إنّ عايدة اتّصلتْ وأبلغتْها أنّكَ لن تستطيع الاستمرار. ارتديتُ ملابسي بسرعة، وأَعلمتُ كيرستن بالأمر. ثم مررتُ على رنا، وطِرْنا إلى المستشفى.
كنتَ فاغرَ الفم، ونسائمُ السَّكينة تحوِّم فوق جبهتك. عايدة محمرّةُ العينين، وتقول إنَّها سمعتْكَ تَشْهق شهقاتٍ صغيرةً قبل أن تَرحل. تسألني، كطفلٍ أضاعَ لعبتَه، أين ذهبتْ روحُكَ؟ تقول إنَّها لم تَرَها. وكيف ستريْنها يا ماما، فكَّرتُ؟ أهي الشهقاتُ، سألتْني؟ أيكون ما يَفْصل بين الحياةِ والموتِ... شهقة؟
ملأْنا أوراقَ المستشفى، وأخذناكَ، أنا ورنا إلى البرّاد. هناك، في الغرفة، أمام البرّادات الثمانية، قبّلتُكَ. ها إنّ تاريخًا من الأُبوّةِ والتأسيسِ والإبداعِ والنضالِ والقتالِ والحُبِّ والشَّبقِ والشَّغفِ يَدْخل إلى الثلاّجة.
أوصلتُ الماما ورنا إلى بيتيْهما. لم نخبرْ رائدة لأنَّها كانت تعاني آلامَ الظهرِ والرقبة، وكانت نائمة. عدتُ إلى المنزل وقضيتُ ساعات الفجر مع كيرستن، نتحدَّث عنك.
في الصباح قرَّرْنا، أنا ورنا، أن لا ندفنَكَ إلاّ في اليوم التالي: فقد كان يَصْعب أن ننهيَ ترتيباتِ الوداع خلال ساعات؛ ورنا نَسيتْ أو أَهملتْ أو أنَّها لم تصدِّقْ أنَّك ستَرْحل ذاتَ يوم، لذا لم تشترِ القبرَ قبل شهور كما كنّا اتفقنا. ذهبنا إلى "إدارة المدافن" في مقبرة الشهداء. الناس، أَقصد الأحياءَ، بعضُهم فوق بعض. جَلَسْنا في مكتب الإدارة. المسؤول شخصٌ طريف: عملُه هنا "بنصف دوام"؛ أما في الدوام الثاني فيعمل محاسِبًا في نادٍ ليليّ. قال لنا إنّ "جمعية المقاصد" ستتولّى كلَّ شيء، من الألفِ إلى الياء، وشَرَح لنا دَرَجات الجنّاز.
نعم يا دكتور. جنّازُ الموت طبقات، ولِمَ يكون أفضلَ من مهرجانات الحياة؟! قال المسؤولُ إنّ أمامنا ثلاثةَ خيارات: مليون ومئة ألف ليرة، ومليون وستمئة ألف ليرة، وثلاثة ملايين وثلاثمئة ألف ليرة. الموتُ الأوّل عبارةٌ عن سيّارةٍ "جيّدة" وحمّاليْن. الموتُ الثاني عبارةٌ عن سيارةٍ أفضل، وكَفَنٍ أفضل. الموتُ الثالث موتٌ دولوكسٌ: سيّارةُ ليموزين، وسيّارةُ إسعافٍ وراءها (لِتُسعفَ مَنْ؟)، وثلاثةُ حمّالين، وكَفَنٌ مصريٌّ خَلَنْج، وخَيْمةٌ خضراءُ تظلِّل القبرَ وقتَ الدفن. كان الطقسُ عاصفًا يا بابا. قلتُ للمسؤول إنَّنا نَكْره الليموزين، وإنَّكَ طوالَ عمرك تَكْره التشاوفَ والفَخْفَخَة. ولكنّ الخيمة... الخيمة ضرورية في هذا الطقس العاصف، وإلاّ ابتَلَّ الواقفون حول القبر أو مَرِضوا، فَجَرَّسونا. ثم... ماذا سيقول الناسُ الكلابُ لو استَرْخَصْنا موتَكَ، سألتْ رنا؟ سيتّهموننا بالبُخْل والعقوق، وقد نُحْرِجُ الماما أمام "العائلات" البيروتية. فلْنتجنَّبِ البهدلةَ إذنْ، قالت رنا. واخترنا الموتَ الدولوكس.
آه، نسيتُ. الملايينُ الثلاثةُ والكسور هي غيرُ ثمنِ القبر طبعًا، الذي هو 6000 دولار (أَنزله المسؤولُ فيما بعد إلى 5500 "كِرْمالنا"). بعدها، بدا الحرجُ على المسؤول اللطيف حين خَيَّرَنا بين مقبرتيْن: الشهداء أو الباشورة. أما المكان الأول، كما قال، فلا يُستَبْعد أن يكونَ في داخل قبوره الجديدة موتى قُدامى... خلافًا لمقبرة الباشورة التي استَحْدَثَتْ فيها "جمعيةُ المقاصد" رقعةً جديدةً للدفن. ولكنْ، هل تَضْمن يا حضرةَ المسؤول ألاّ يكونَ تحت هذه الرقعة الجديدة نفسِها موتى قُدامى، سألناه بين الجدّ والمزاح؟ ابتَسَمَ: "لا ضمانة. الأرض كلُّها أموات!". وتذكّرتُ يا بابا بيتَ المعرّي:
خَفِّفِ الوَطْءَ ما أَظُنُّ أَديمَ الـ .:. أَرْضِ إلاّ مِنْ هذهِ الأجساد!
فليكنْ مقامُكَ، إذنْ، في مقبرة الشهداء يا دكتور، حيث أفرادُ العائلة الآخرون، كما قالت رنا.
حسنًا، ابتسم المسؤول. ثم سأل عمّن يَمْلك الحقَّ الحصريَّ في فتحِ قبرِك. تطوَّعتُ للحقّ الحصريّ، من دون أن أَفْهمَ المغزى. شَرَحَ لنا أنّ ذلك يعني أنّ بمقدور عددٍ محدودٍ من الأشخاص أن يُدفَنَ بعدكَ في المكان نفسِه: أنا والماما، ورنا، ورائدة، وعائلتي الصغيرة؛ ويضاف اليهم من أوافق أنا وحدي على إدخاله. وهذا يعني أنّكَ لن تكونَ إلاّ بمعيّتنا، أو بمنْ أوافقُ أنا شخصيًّا على أن يكونَ معكَ. ممتاز، قلتُ، وأنا أشعرُ بالتميُّزِ والعَظَمةِ... والسُّخف.
أصرّت رنا على إضافةِ مزهريّةٍ إلى الضريح. هذه "لوحْدها، لحالها"، قال المسؤولُ، وكلْفَتُها مستقلّةٌ: 75 دولارًا. والورود؟ سألتُ. هي أيضًا مستقلّةٌ، "لحالها، لوحدها"، أجابني. فكّرتُ: مزهريّةٌ من دون ورود؟ سورياليةٌ قد لا تناسِبُكَ، وأنت أقربُ إلى المذهب الواقعي. اتَّكَلْنا على اللَّه يا أستاذ: زهورٌ ومزهريّةٌ على ذوقِكَ. جميل، ردّ. حان وقتُ زيارةِ القبر، إذن. ونادى أحدَ الموظّفين ليريَنا منزلَكَ الجديد.
في المقبرة كنّا أيضًا أمام خياراتٍ ثلاثة (أراكَ تبتسم وتقول بخبث: الحياةُ نفسُها لم تَتركْ لي هذا العددَ من الخيارات!). المكانُ الأوّل بعيدٌ عن المدخل، ولكنّه في ظلِّ شجرة. والثاني بعيدٌ عن المدخل، ولا يظلِّله شيء. أما الثالث، وهزّ الموظَّفُ رأسَه، فهو أحسنُ قبر: "هنا"! وأشار بيده إلى مكانٍ في وسط المقبرة كما يَفْعل السّاحرُ أمام المشاهدين بعد نجاح حيلتِه. صِحْتُ في داخلي وقد اجتاحني العبث:
نعم، هذا أفضل قبر في الدنيا وما بعد بعد الدنيا!
عُدنا إلى مكتب المسؤول اللطيف، المحاسِبِ في النادي الليليّ بعد انتهاء دوام الدفن. سنَكْتب النعيَ الآن، قال. أدارَ الكومبيوتر، ثم بَحَثَ عن "ملفّ" النعي، فارتسمتْ على الشاشة تلك الورقةُ التي تمتلئ بها جدرانُ لبنان وهي تبدأ بالآية {يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ}. قال إنَّها "نعوة ستاندرد." بكبسةِ زرّ، حَذَفَ المسؤولُ اسمَ ميّتٍ قبلَكَ، ووَضَعَ اسمَكَ مكانَه: سهيل شريف إدريس. سارعتُ إلى إضافة لقبك: "الدكتور"؛ فأنا لا أعلافك إلا دكتوراً: وُلدتَ دكتورًا، وعِشْتَ دكتورًا، وتموتُ دكتورًا. ثم سأَلَنا عن أسماء أولادكَ، واسمِ زوجتك، واسميْ زوجيْ رنا ورائدة، وأسماءِ إخوتك الذكور، وشقيقاتِكَ المرحوماتِ الثلاث، وأسماءِ أزواجهنّ، وعنوانِ العزاء. ثم سَحَبَ نسخةً من ورقة النعي من آلةٍ طابعةٍ أمامه، وأعطاني إيّاها.
ستَضْحك يا دكتور الآن (تِسْلَمْ لي ها الضحكة!). فحين قرأتُها، عُدتُ رئيسًا للتحرير. تناولتُ قلمًا من طاولة المسؤول، ورحتُ أصحِّح: "نَنْعَى" لا "نَنْعِي" يا أستاذ، قلت. فالفعل هو نَعَى، يَنْعَى. ثم إنّ شقيقَيْ أبي، وجيه ومنير إدريس، مرحومان، لا "مرحومون"... ولا "مرحومِين" بالتأكيد. وأخيرًا، لا تَضَعْ يا عزيزي فراغًا بعد الواو.
سُرَّ المسؤولُ سرورًا شديدًا يا بابا. طلبتُ إليه فورًا، وأنا أبتسم، أن يَخْفضَ الكلفةَ ألفَ دولارٍ لقاءَ الخبرة التي قدّمتُها إليه. ضَحِكَ، وحَلَفَ لي بأنَّهم في "المقاصد" لا يَرْبحون شيئًا. ثم شكرني وقال إنَّه "سيعتمد" نسختي المصحَّحة لكلّ أموات المسلمين القادمين. سأَلَنا عن الجرائد التي نودُّ أن نُرسلَ ورقةَ النعي إليها. قلنا "السفير" و"النهار" و"الأخبار". ردّ أنّ أحدًا لا يقرأ "الأخبار"، واقترح جريدة "المستقبل". قلتُ إنّ جمهورَكَ يا دكتور أكثرُه في "السفير" و"الأخبار". استَغْرَبَ قليلاً: فالجمهورُ بالنسبة إليه، كما يبدو، هم الطائفة؛ ولـمّا كنتَ يا دكتور من السُّنّة، فذلك يعني (كما أظنّ أنَّه اعتقد) أنّ جمهورَكَ ــ في الأساس ــ هُمْ في جريدة "المستقبل".
*******************************************
صار كلُّ شيء جاهزًا، إذنْ. عادت رنا إلى بيتكَ لتكون إلى جانب الماما. وتوجّهتُ إلى المكتب لأحضِّر سيرتَكَ المهنيّة؛ فقد خشيتُ أن يتكاسلَ الزملاءُ الصحافيّون عن القيام بذلك، أو يخبِّصوا في المعلومات. لكنَّني فوجئتُ بأنّ معظمَهم كان مهيَّأً للأمر قبل شهور: فكثيرٌ من المقالات المكتوبة بعيْد رحيلكَ ينحو منحًى أكاديميًّا؛ وهذا أَشْعرني بالسرور لأنَّك تَكْره العجلةَ و"التأبينيّةَ" السخيفة. أَنهيتُ سيرتَكَ المهنيّة، فنَضَّدَتْها ميشلين، وفَكَّسَتْها جُمانة (نعم، حبيبي، أَدخلتُ فِعْلَ "فَكَّسَ" في قاموسِنا الجديد، لا تَخَفْ). وجلستُ على كرسيِّكَ، وبدأتُ أكتب... لا لشيءٍ إلا لأنَّني مشتاقٌ إليكَ.
كتبتُ عن فجيعتي برحيلِ أهمِّ رجليْن في حياتي خلال شهرٍ واحدٍ: أنتَ، والحكيم جورج حبش. كنتُ أشعر باليُتْم الكامل: فها إنّ أَكْمَلَ رجليْن عرفتُهما رَحَلا. وكنتُ أشعر بالذَّنْب يجتاحني: فأنا لم أَكتبْ كلمةً واحدةً عن الحكيم، وكنتُ أنتظر أن يأتي موعدُ صدور هذا العدد من "الآداب" لأكتبَ عنه صفحاتٍ طوالاً. ولكنْ جاء رحيلُكَ أنتَ يا بابا، ولم أعد أعرفُ ما أفعلُه: فدمجُكما معًا في مقالٍ واحدٍ ظُلْمٌ لكما معًا، وتجاهُلُ رحيلِ الحكيم مستحيل، ولاسيّما أنّكما كما يبدو وُلدتما في العام نفسه (1925) ورَحَلتما في العام نفسِه... وبفارقِ شهر (مَنْ دَبَّرَ هذه المؤامرة؟). والأسوأ أنّ كلَّ أفكاري عن الحكيم أخذتْ تتبدّد، وتكتسحُ صورتُكَ بسْمَتَه. لا أعرف ما يسمّون ذلك في علم النفس، لكنَّني شعرتُ في كلّ الأحوال بأنَّني قادرٌ على أن أُعبِّر عن وفائي للحكيم في وقتٍ آخر، كتابةً أو عملاً ميدانيًّا. وإلى أن يأتي ذلك "الوقتُ الآخر"، أرجو منكَ يا بابا أن تسلِّمَ عليه، وأن تُخْبرَه بأنَّني سأبقى ابنَه البارَّ (لا تَغَرْ يا بابا)، وبأنَّني لن أكلَّ عن العمل في "الآداب" و"نادي الساحة" و"حملة المقاومة المدنية" لخدمة القضايا التي مات (ومُتَّ) من أجلها.
وضعتُ ما كتبتُه عن الحكيم وعنكَ جانبًا (أَذْكر أنَّني ركّزتُ على أنَّه عَلَّمني ضرورةَ الأخلاق في السياسة، وأنَّكَ عَلَّمتَني ضرورةَ السياسة في الثقافة). وذهبتُ إلى عايدة. بلا طُول سيرة كما يقولون، قرّرنا أن نذهبَ، أنا ورنا وجمال ابنُ خالتي سامية، إلى المستشفى صباحَ اليوم التالي لسَحْبِكَ، وغَسْلِكَ، ثم العودةِ بكَ إلى عايدة ورنا والمعزِّين، قبل أن نودِّعكَ.
هنا واجهتُ إحراجًا جديدًا. فقد قال جمال إنَّه ينبغي على بعض أفراد عائلتنا أن يَشْهدوا مراسمَ غسلِكَ، وأضاف أنَّه سيَفْعل ذلك إنْ لم أكن راغبًا. كنتُ أشعرُ بأنَّني سأنهارُ لو رأيتُكَ ساكنًا وعاريًا وباردًا، غير أنَّني لم أحتملْ أن أبدو جبانًا ومتردِّدًا و"خَسِعًا". حسمتُ أمري: "بالتأكيد سأذهب، وَلَوْ! شو هالحكي!". بل وطلبتُ إلى رنا أن تبقى خارجًا، بحجّة ضعفِها ورقّتها، مع أنَّني تذكّرتُ فورًا كيف أُصبتُ بشبه انهيارٍ جسديّ حين شهدتُ ولادةَ ابنتِنا نايْ. أَتَذْكر يا دكتور سهيل؟ وقتَها، تبجّحتُ بأنَّني قويٌّ كالثور، فدخلتُ غرفةَ الولادة؛ ولكنَّني حين رأيتُ كيرستن تَصْرخ ألمًا، صَعدَ العرقُ الباردُ إلى جبهتي، وانغلقتْ أذناي، واصطكّت ركبتاي، وهرولتُ إلى الحمّام، حيث اندلقتْ منِّي دفقاتٌ مقرِفةٌ من الإسهال الشديد، فيما رحتُ أَسْمعُ كيرستن تَصْرخ من بعيد وتَشْتمني وتَشْتم أبي وأبا أبي!
الحاصل أنني دخلتُ غرفةَ الغسيل مع جمال، وأَدْخلكَ الحمّالون في تابوتٍ، ثم رفعوكَ منه. طلبتُ كرسيًّا كي لا "أُصَفْرِن"، وجلستُ. في الزواية، جَلَسَ شيخٌ يقرأ القرآن. صوتُه مبحوحٌ قليلاً، وقراءتُه غيرُ جميلة. ثم نَزَعَ رجلانِ عنكَ بيجامَتَكَ وسألاني إنْ كنتُ أودُّ الاحتفاظَ بها. قلتُ لهما لا. وفكّرتُ: ما تركْتَه لي سيكفيني حتى أموت.
أخيرًا رأيتُكَ. رأيتُ وجهَكَ، فوقفتُ. وضعتُ يدي على فمي. بدأ شيءٌ جديدٌ يخترقني كالسَّهم، في مكانٍ ما بين المعدةِ والصّدر، وخشيتُ أن يتكرَّر ما حصل معي أثناء ولادةِ نايْ. فجلستُ من جديد، ورحتُ أراقبُ الرجليْن يَنْزعان باقي ثيابِكَ بعد أن غَطّيا جذعَكَ بمنشفةٍ بيضاء.
كنتَ نحيلاً يا بابا. كان نحيلاً يا ماما. حبيبُكِ كان نحيلاً، أَنْحَلَ ربّما ممّا عرفتِهِ يومَ التقيْتِهِ قبل 53 عامًا في مكتبه في العازارية لتبدأا معًا مشوارَ الحبّ والألم والأدب. وكنتَ أبيضَ هادئًا. اقتربتُ منك وقبّلتُ رأسَك البارد، وتلبَّثتُ أمامه قليلاً: ترى، أين ذهبَ ما في هذا الرأس من أفكارٍ وتجاربَ ونضالاتٍ وعواطفَ ونساء؟ وأين سيَذْهب ما فيه من مشاريع كُتُبٍ وقواميسَ واتّحادات؟
عُدتُ إلى الكرسيّ، لكنَّني سرعانَ ما انتفضتُ حين رأيتُ أحدَ الرجلين (وكان عجوزًا) يحاول أن يَنْزَع مِن صدركَ الشريطةَ اللاصقةَ الصغيرةَ التي تغطّي الثقبَ الذي كان يجري من خلاله غسيلُ كلْيَتيْكَ." البابا بيتوجَّعْ هونْ"، قلتُ، "اللَّه يخلِّيكْ يا معلِّم. شويّ شويّ على هيْدا المحلّ. كان بيوجِّعو كتير". وكانت تلك المرةَ الأُولى التي بكيتُ فيها فعلاً: فحين نَزَعها ولم تُحرِّكْ ساكنًا يا حبيبي، تيقّنتُ من أنَّكَ لم تعد تحسُّ بأيّ شيء.
بدأ الغَسْل. أتى الرجلُ العجوزُ بليفةٍ من النوع الخشن، وبصابونة. ورشّ الرجلُ الآخرُ (وكان شابًّا) عليهما ماءً من نربيشٍ معدنيٍّ موصولٍ بحنفيّة. آه، لا، نسيتُ. قبلَ ذلك، كان العجوزُ قد أَخْرجَ من حقيبته كيسًا صغيرًا ونثَرَ محتوياتِه على اللِّيفة. كان ما نثَرَه شيئًا أبيضَ يُشْبه النفتالينَ الذي تَنْثره عايدة بين الثياب التي تخزِّنها خشيةَ العُثّ؛ لكنِّي لم أجرؤْ على سؤاله مخافةَ أن يكون ذلك هو النفتالينَ فعلاً. وبدأ العجوزُ يحفُّكَ ويَفْركَ جسمَكَ ووجهَكَ ورأسَكَ بالليفةِ والرغوةِ الكثيفة، حريصًا في الوقت ذاتِه على ألاّ تقعَ المنشفةُ عن جذعِك. ثم طلب من زميله الشابّ أن يرشَّكَ بالماء. وأعادَ الكرّةَ بليفةٍ جديدة، فرَغا الصابونةَ فوقَها، ثم أضافَ ذلك الشيءَ الأبيضَ الذي يُشْبه النفتالين. تجرّأتُ هذه المرةَ وسألتُه عمّا يكون. إنَّه الكافور، أجاب، وأردف أنّ ذلك من "عاداتِ أهلِ السُّنّة والجماعة".
نعم، يا دكتور! أنسيتَ أنَّكَ من أهل السُّنّة والجماعة؟ العجوز، كما أظنّ، لم يقرأ "الخندق الغميق"، الذي هو شِبْهُ سيرةٍ ذاتية، أو سيرةٌ ذاتيةٌ روائية. لم يَعْلمْ أنّ سامي خلَعَ الزّيَّ الدينيَّ بعد أن ناداه الأولادُ "شيخ صغير"، وبعد أن دَعَتْه امرأةٌ على الشرفة إلى انتظارها قليلاً لتناديَ أختَها فـ "تتفرّج" عليه، وبعد أن استولتْ عليه رغباتُ الجسد منذ اللحظة التي رأى فيها مِنْ على سطح المعهد الدينيّ نفسِه تلك الفتاةَ الشقراءَ صاحبةَ ثوبِ النوم الأزرق، وبعد أن استحوذتْ على خياله نداءاتُ السينما ("ذلك المكانِ المشبوهِ"). نداءُ "العيْنيْن الزرقاويْن، والشفتيْن الريّانتيْن، والنهديْن المُسْكِرين"، لتلك الممثِّلة وهي تقبِّل ممثِّلاً "قبلةً محمومةً عاصفة": كان ذلك النداءُ يا دكتور سهيل (وضَعْ جانبًا الآن حكايةَ التمييز بين الروائيّ والشخصية الروائية) هو ما شَدَّكَ في الدُّنيا، وإليها. ولكنّكَ اليومَ، في لحظةِ رحيلكَ الأبديّ، تُكْمِلُ ما انقطَعَ من سيرةِ الشيخِ الصغير سامي: فتعودُ من أهلِ السُّنّةِ والجماعة! على كلّ حال، الكافورُ، كما قال لي المغسِّلُ العجوزُ، يُعطي الجسدَ رائحةً طيِّبةً، ويُزيلُ عنه رائحةَ العفونة. إذنْ، فكّرتُ بعد هنيْهة، كان سامي، "اللاّشَيْخُ"، الشَّبِقُ، عاشقُ الممثِّلة، وعاشقُ سُميّا، سيحبّ الكافورَ هو أيضًا.
ثلاثَ مرّاتٍ غَسَلَكَ الرَّجُلان، فصِرْتَ أنظفَ من النظافة يا حبيبي. لَفْلَفاكَ بثلاثِ ملاءات: بيضاءَ وزهريةٍ وخضراء. وبعدَها كَفَّناكَ بكفنٍ مصريّ بلون الخَرْدل، وسَمَحا لي ولجمال بتقبيلِكَ القبلةَ الأخيرةَ على رأسك الباردِ الناصع، ووضعاكَ في التابوت، ثم في سيّارة الليموزين السوداء، تتبعُها سيّارةُ الإسعاف، فسيّارتُنا. وتوجَّهنا إلى بيتك.
على الطريق يا بابا، لاحظتُ أنّ سيارةَ الإسعاف تُطْلق زمّورَها المزعج. ذكَّرني ذلك بمواكب الزّعماء الشَّبِّيحة الذين تَكْرههم وأَكْرهُهم. اتّصلتُ من هاتفي المحمول بسائقِ الإسعاف وطلبتُ إليه أن يوقفَ الزمّورَ فورًا: "الزلمة مات"، قلتُ، "فما الحاجةُ إلى الزّمور؟". شعرتُ بأنّ السائق استغربَ طلبي رغم رضوخِه له؛ فكأنَّني في نظره تخلَّيتُ عن شيءٍ دفعتُ ثمنَه غاليًا! ثمّ لاحظتُ أنّ توقُّفَ الزمّور تَرافَقَ مع خفوتِ صوتِ القرآن من الليموزين. كنتَ ستحبُّ ذلك يا أبي: فلطالما أَخبرْتَنا بأنّكَ لا تَفْهم سببَ "زعيق" الأئمّة في المساجد، ولا سببَ علوّ صوتِ القرآن. قوّةُ القرآن لا يُفترَضُ أن تأتيَ من الزعيق، ولا من حجمِ مكبِّرات الصوت؛ ذلك هو ما ردّدتَه أمامنا غيرَ مرة.
بلَغْنا البيتَ، فأَذِنَ لنا حَرَسُ الرئيس نبيه برّي بعبور الحاجز من دون تفتيش (أَعْلم أنّ ذلك لا يُثير في نفسِكَ أيَّ فخرٍ استثنائيّ). وهناك نزلتِ الماما، ورائدة، ورنا، وكيرستن، ولين، وعمر، وغادة، وتالة، وجُمانة، وميشلين... من البيت لاستقبالِكَ ووداعِكَ في الوقت نفسه. وكان هناك الخال وليد، وسائقُنا حسين، والناطور أحمد (لم أره باكيًا من قبل)، وعددٌ كبيرٌ من أفراد العائلة والأصدقاء (منهم أحمد سعيد محمديّة وعبد طحّان، زميلا "فتّةِ الورق" أثناء الحرب). تحلَّقْنا جميعًا حول السيّارة التي تُقِلُّكَ. حبيبتُكَ عايدة كانت ترجو منكَ أن تأخذَها معكَ. وكانت كيرستن تعانقها من الخلف وهي ترتجف. خلعتُ جاكيتتي الجلديةَ ووضعتُها على كتفيْ كيرستن، فلم يخفَّ ارتجافُها. قالت إنَّه شيءٌ آخرُ غير البرد. كنتُ بردانًا، فاستَعَدْتُ الجاكيتةَ، وانطلقْنا إلى مقبرة الشهداء، يُشيِّعنا الدمعُ والنِّداءُ والدُّعاءُ والسَّواد.
أَدْخلوكَ الجامعَ ليُصَلُّوا عليكَ. بقيتُ في الباحة أَستقبل المعزّين. أَعْلم أنَّكَ لم تكن ستَعْتبُ عليَّ؛ فآخرُ مرةٍ صلَّيتُ فيها كانت قبل مئة سنة، وأخشى أن أتبهدلَ أمام المصلِّين أو أتعثَّرَ بأحدٍ ينحني أو يَسْجدُ حين أكونُ واقفًا... أو العكس. تقاطَرَ المعزّون: مثقفون، سياسيون، نقابيون، لبنانيون، فلسطينيون،... ثمّ اقترح نقيبُ الصحافة محمد البعلبكي أن يأتوا بكَ إلى القاعةِ المواجِهةِ للمسجد، فسُجِّيتَ أمام الحضور، وألقى البعلبكي ونقيبُ المحرِّرين ملحم كَرَمْ كلمتيْن بليغتيْن. فيما بعد، قال لي د. هشام نشّابة إنّ تلك كانت المرةَ الأولى أو الثانيةَ التي يُسجَّى فيها الفقيدُ أمام الناس في تلك القاعة وتُلقى فيه الكلماتُ قبل أن يوارى الثَّرى.
حَمَلْناكَ إلى المقبرة. صراحةً، أنا لم أَحملْكَ خشيةَ أن أؤْذي ظهري من جديد (أَلم تحذِّرْني دومًا من الحمْلِ الثقيل؟)، بل اكتفيتُ بوضع يدي على تابوتكَ. تحلَّقْنا حول الحُفرة: إلى يساري الرفيق أبو ربيع، وورائي سائقُنا حسين، وفوق رأسِكَ الشيخان الضّريران (أمْ أنّ أحدَهما كان بصيرًا؟)، وفي مواجهتي جاك الأسود وعمر ــ حبيبُكَ وحفيدُكَ. كان عمر يبكي كما لم يَفْعلْ من قبل. استدرتُ مِنْ حولِكَ واتّجهتُ إليه واضعًا يدي اليسرى على كتفه اليسرى. لم أحسَّ بأيّ دمع. لعلّه الإرهاقُ، أو روتينُ المعاملات، أو الصّدمة.
غريبٌ، فكّرتُ، أين ذَهَبَ الدمعُ؟
أَنزلوكَ يا حبيبي، والشيخانِ يتلوان القرآن، والطقسُ جميل (يا ضيعان الخيمة!). ثم كَشَفوا عن وجهكَ. نظرتُ إليكَ، وخرجتْ من فمي ثلاثُ كلمات: "رَحْ جَرِّبْ كَفِّي".
وانهمر دمعي عليكَ.
***************************
نعم، سأحاول أن أواصلَ ما فعلتَه يا بابا الدكتور. ردّدتُ هذه العبارةَ لنفسي طوال الطريقِ الفاصلِ بين مثواكَ الأخير، ومثوايَ في هذه الدنيا المليئة ِبالوحوشِ الكاسرةِ والانتهازيين والنصّابين والمستغلّين وشُراةِ الذِّمم والمرتشين وعبيدِ السلطة والكلابِ والحاقدين على تاريخ "الآداب" وحاضِرِها ومستقبلِها. كنتُ أفكِّر بقاموسنا الذي لم ينتهِ، وبالمجلّةِ الفقيرة التي تتعرَّضُ لدعوى قضائيةٍ سياسيةِ الجوهر، وبالدّار، وبالماما، وبألفِ أمرٍ آخر. أيّامُكَ يا أبي كانت أفضل: فحين أسّستَ "الآداب" كانت جزءًا من تيّارٍ ناصريّ قوميّ عربيّ صاعدٍ؛ أما اليوم فهي جزءٌ من "شِبْه تيّار" (وهذا في ذاته لفظٌ مُبالَغٌ فيه) يصارع تيّارًا أعتى وأغزرَ تمويلاً (وغسلاً للأموال!) وأكثرَ استحواذًا على وسائل الإعلام. إكمالُ الطريقِ يا أبي ليس أمرًا هيِّنًا، بل لم يعد بديهيًّا: فاليومَ ينادي الجميعُ بـ "التجديد" و"التحطيم" و"التفكيك"... لا بـ "الإكمال". وأما نحن، أنتَ وأنا، فقد آمنّا دومًا، وبعمقٍ شديدٍ، بمفهومٍ محدَّدٍ للتجديد: إنَّه التجديدُ مِنْ ضمنِ مفاهيمَ عامّةٍ اشتَغَلَ عليها العشراتُ قَبْلَنا من المثقفين والمناضلين والنهضويين، ومن تياراتٍ مختلفةٍ، ومناهجَ إبداعيةٍ متنوِّعة. وأما التجديدُ المنبتُّ الصِّلةِ بما سَبَقَه، فهو قفزةٌ في المجهول؛ وقد تكون هذه القفزةُ رائعةً وشديدةَ الإيحاء على المستوى الإبداعي، ولكنَّها مضيِّعةٌ ومُرْبِكةٌ ومشوِّشةٌ للذهن على المستويات الوطنية والقومية والإنسانية.
بلغْنا البيتَ وعانَقْنا المعزِّين والمعزِّيات. لاحظتُ فورًا أنَّ بيتَكَ انقَسَم قسميْن: الرجالُ هنا، والنساءُ هناك. لا يا جماعة، بيتُ سهيل إدريس لم يكن يومًا كذلك، ولن يكونَ ما دمنا أحياء. جلستُ مع النساء، وصار الرِّجالُ يجلسون من حولي، فأَحْبطْنا مخطَّطَ التقسيم. وعندما حان وقتُ الغداء، تذكَّرتُ كيف ثُرْتَ ذاتَ يومٍ (في عزاءِ إحدى أخواتِكَ على ما أعتقد) حين نُودي على الرجال أَنِ انهَضُوا للأكلِ قبلَ النِّساء، فلم تَدْخلْ غرفةَ السفرة قبل أن تصطحبَ عددًا منهنّ، لاعنًا الممارساتِ الرجعيةَ التي "ليست من الإسلام في شيء". وهذا ما فعلتُهُ في بيتِكَ يا دكتور. قلتُ إنَّ هذا البيتَ لا يُقَسَّم ولا يُطيَّف: إنَّه بيتٌ كان، وسيبقى، واحدًا، وعَلمانيًّا، وتقدُّميًّا.
آه، نسيتُ أمرًا. فوجئتُ بكيرستن حزينةً وشبهَ باكية ؛ فقد نسيتُ أن أضعَ اسمَها على ورقة النعي. لعنَ اللَّهُ الشيطانَ والنسيان!َ لكنَّ كيرستن ترى دائمًا "وراءَ الأكمةِ ما وراءها" كما يقولون. قالت إنّ الأمرَ واحدٌ من اثنين: إمّا أنّ مجتمعَنا ذكوريّ، ولذلك لم يُبالِ المسؤولُ اللطيفُ في "إدارة المدافن" بسؤالي عنها لكي يضعَ اسمَها إلى جانب اسمي على الورقة (هكذا: "وَلَدُهُ سماح، زوجتُه كيرستن شايْد")؛ وإمّا أنَّني "نسيتُه" لأنَّني أنا الرجعيُّ. وطبعًا، يا دكتور، نفيْتُ التهمةَ عن نفسي، وأَلصقتُها بالمسؤولِ اللطيف. ولكي أبرهنَ عن حُسن طويّتي، رحتُ أدورُ على أوراق النعي الملصقةِ أمام مصعدِ بنايتي، وأمام مصعدِ بنايتكَ، وعلى جدرانِ المدخل، مضيفًا إلى جانب اسمي: "زوْجُ كيرستن شايْد". وهكذا صرتُ، يا بابا الدكتور، أعرِّفُ شخصي بها، بدلاً من أن أعرِّفها بي. ألا يَرْسمُ هذا الحلُّ "اليدويُّ" السريعُ بسمةً صغيرةً على شفتيْكَ، أنتَ الذي لم تَرْغبْ يومًا في أن تُغضِبَ امرأةً جميلةً؟!
أعودُ إلى أجواء التعزية. الزوّار متنوِّعون: صحافيون، شعراء، روائيون، مناضلون، فقراء، أغنياء، سياسيون، نقابيون،... الأمرُ الأطرفُ هو الاختلاطُ السياسي. ففي أكثر من مرّة، اجتمعَ في بيتكَ يا دكتور فريقا 14 آذار و8 آذار، ومَنْ بينهما، ومَنْ يتعدّاهما، ومَنْ يحاول أن يتجرجرَ وراءهما. وهكذا جاء ممثّلون عن حزب اللَّه، وتيّار المستقبل، والتيّار الوطني الحرّ، والحزب الشيوعي، وحركة الشعب، واللجان والروابط الشعبية، والجبهة الشعبية، والجبهة الديموقراطية (لا، "حماس" و"فتح" لم تأتيا لأنّهما منشغلتان بالتذابح)، ومنظّمة العمل، والمنتدى الاشتراكي، والمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ونادي الساحة، ونادي اللقاء، وحملة المقاومة المدنية، والحركة الثقافية بأنطلياس، والنادي الثقافي العربي، وجمعيّة المقاصد، ونوّاب ووزراء سابقون من كلّ الاتجاهات. وحَضَرَ أشخاصٌ يكرهونَكَ ويكرهونني بشدّة، وسَبَقَ أن رَكّبوا لكَ (وأحيانًا لي) خوازيقَ بالجمْلة والمفرَّق. وحَضَرَ أشخاصٌ يكرهونني ويحبّونك. عايدة تقول إنّ الموتَ يَجْمع ولا يفرِّق؛ ولذلك كنتُ شاكرًا حضورَهم جميعًا، وإنْ لم أستطعْ أن "أَبلعَ" نفاقَ اثنيْن من المعزِّينَ لم تَجْنِ منهما طوالَ حياتِك إلاّ الخَرْدقةَ والبَعْبَصة. ولكنَّني إخال أنّ جيلَكَ كان أكثرَ ليبراليةً (بالمعنى الإيجابي للكلمة) مِنْ جيلي، أو أنَّ بيروتَ الستينيات كانت أرحبَ من بيروتي أنا، أو أنَّني شخصيًّا أكثرُ عصبيةً وتشدُّدًا وزناخةً منكَ، أو جميع ما سبق ذِكْرُه. الماما عايدة تخالفني الرأيَ: تقول إنَّك مكروهٌ مِنْ كثيرين، وإنَّكَ لستَ أقلَّ تشنُّجًا وعنادًا وتحدِّيًا منِّي. وقالت إنَّك، في الموقف والكرامة والسياسة، "أَضْرَبَُ" منِّي بأشواط. عايدة، بالمناسبة، تتحدَّث عنكَ بصيغة الحاضر، وكأنَّكَ ما زلتَ ممدَّدًا في غرفة نومكِما الداخلية.
أمرٌ طريفٌ آخر: المقْرِئ خالد يموت. إنشادُه رائعٌ يا بابا الدكتور، وصوتُه رخيمٌ، وهو كثيرًا ما يُنهي تلاوةَ القرآن بأدعيةٍ تفطِّر القلوبَ وتُلْهِبُ العيونَ بالدمع. أجملُ ما فيه أنّ تلاوتَه تتجاوز الإنشادَ التقليدي، لتغدوَ أقربَ إلى التطريب الحقيقي. أعترفُ بأنَّني كِدْتُ أقتربُ من الإيمان بسبب عذوبةِ صوته وتموُّجاتِه. وذاتَ لحظةٍ سألتُه إنْ كان يغنِّي. رَدَّ بالإيجاب. حقاً؟ وماذا تغنِّي يا شيخ خالد؟ سألتُه. عبد الوهّاب وأمّ كلثوم، قال. سألتُه إنْ كان يحتفظ بتسجيلٍ لغنائه، فقال إنَّه لا يغنِّي إلاّ في إطار عائلته الضيِّق (عائلة يموت) كي لا يُغضِبَ المشايخَ الآخرين. حَزِنتُ يا بابا كثيرًا؛ فقد كنتُ أريد أن أُسمِعَكَ الآن أغنيةً لعبد الوهّاب (الذي تَعْشق) بصوتِ خالد يموت. ما رأيكُ بـ "جَفْنُهُ، تَرَمْ تَرَمْ تَرَمْ، عَلَّمَ الغَزَلْ"؟ تبًّا للتقاليد!
الأكلُ كثيرٌ، أكثرُ من اللزوم، وكلُّه ممّا لذَّ وطاب: صيّادية بالسَّمك، كبّة أرنبيّة، كبّة لبنيّة، شيش بَرَكْ، صيني، فريكة... وأما الحلويات فهي مما كان سيَقْضي عليكَ حتمًا يا حبيبي لشدّةِ شغفِكَ به، أنتَ المصاب بالسكّري منذ عقود: عَيْش السرايا، وعثمليّة، وبقلاوة، وكرابيج حلب مع ناطِف... ولُوْلْوَة! والفواكه؟ المانجا، والبطّيخ الأحمر، والفريز، والكيوي. أتراني أجدِّف على الدِّين إنْ قلتُ إنَّ طعامَ أهل الجنّة قد لا يكون ألذَّ وأطيبَ؟ وما أدراني أين تكون الآن يا أبي أصلاً (أين يُحْشَرُ الأديبُ الملتزِم بالعدل والتحرير وتجديد اللغة، بالمناسبة)؟ ولكنَّني أَعْلم أنَّكَ انغمستَ في الملذّات حتى الثُّمالة، ولم تأبَهْ للسُّكّري كثيرًا.
لقد عِشْتَ حياتَكَ يا أبي كأنَّكَ لن تموتَ أبدًا!
نخبَكَ، ونخبَ الملذّات التي لا تنتهي، يا أعزَّ صديق.
تسألني عن ردود الصحافة؟
الصحافةُ احتَفَتْ بكَ احتفاءً كبيرًا. لم تبقَ جريدةٌ لم تَكتبْ عنكَ، وبعضُها ("السفير"، "الأخبار"، "القدس العربي"، "النهار"...) كَرَّس صفحةً أو أكثرَ لذكراكَ وأعمالكَ. جَمعتُ بعضَ ما كُتِبَ عنكَ بعدَ رحيلك، ونَشَرتُه في هذا العدد؛ فأنا أَعْلم أنَّ شيئًا لن يُفْرِحَكَ أكثرَ من أن ترى "الآدابَ" الآن. البريدُ السريع لم يَبْلغِ الجنّةَ أو النّارَ بعدُ؛ ولكنْ إذا استمرّ التطوُّر التقنيُّ على هذا النحو، فسيَبْلغكَ هذا العددُ ذاتَ يومٍ قد لا يكونُ بالبعيد.
لا، لم أَضَعْ لكَ في هذا العدد كلَّ ما كُتب عنكَ؛ فهذا سيستغرق عدديْن كامليْن. أردتُ، مؤقّتًا، أن أعوِّضَ عن غيابِ ملفٍّ خاصٍّ بكَ في "الآداب" بما نَشَرَتْه الصُحف. أَعْلم أنَّك تتفهّم مشاكلي: فليس في وسْعنا الطلبُ إلى العشرات أن يَكتبوا فورًا كما تَفْعل الجرائدُ اليوميةُ. عبد الحقّ وياسين وأحمد وسامي في طريقهم إلى إعدادِ ملفٍّ خاصٍّ لـ "الآداب" آمَلُ أن يكونَ لائقًا، وألاّ يكونَ تمجيديًّا ولا تأبينيًّا ولا تقليديًّا. وإلى أن ينتهي إعدادُ الملفّ الموعود، أَنْشر هنا بعضَ المنشور، وبعضَ الشهادات والرسائل والفاكسات، وقصائدَ جديدةً كُتبتْ لك.
هل استبعدتُ أيّةَ مادةٍ منشورةٍ في الصحف؟
لم يتمّ ذلك عن سوءِ نيّةٍ في أيِّ حالٍ يا دكتور، بل تجنُّبًا للتكرار. ولكنِّي أُقرّ بأنِّي استبعدتُ عمدًا مادّتين لابتعادهما عن الموضوعية بعدًا مخيفًا، ولأنَّ هدفَهما الثأرُ المتأخِّر. المادةُ الأولى عنوانُها "سهيل إدريس يَرْحل تاركًا الآدابَ في مهبّ الظنون." فالمقال (الذي جاء بلا توقيع) يرى أنّ مجلَّتَكَ "ظلّت محافِظةً، وبعنادٍ عجيبٍ، على كلِّ تقاليدها الشكليةِ القديمة في ظلّ ثورةٍ طباعيةٍ واتّصالاتيةٍ تبَّنتْها معظمُ المجلاّت المنافسة لها". وعلاوةً على شكلها الذي لم يعجبْ محرِّرَ تلك الجريدة الخليجية (وقد يُعْجبه، ربّما، شكلُ المجلاّت التي تبدو شبيهةً بالأثرياء الجُدد الذين اكتشفوا المالَ فجأةً فراحوا يَلْبسون المجوهراتِ المُزَوْزَقَةَ ومعاطفَ الفراءَ بعضَها فوق بعض، بلا ذوقٍ... وبتعالٍ)، فإنَّه يرى أنّ دورَ "الآداب" الثقافي "لم يستطعْ مواكبةَ العصر". طبعًا، المقال لا يُخْبرنا كيف تكون "مواكبةُ العصر". غير أنَّني أحسبُ أنّ المقصودَ هو الانخراطُ في العولمة الرأسمالية، ونبذُ "اللغة الخشبية"، و"تفهُّمُ" الوجود الأميركي في الخليج (هل تَعْلم أنّ الأميركان اليوم باتوا على شفير شواطئنا اللبنانية؟)... وكلُّها أطروحاتٌ سَئِمْتَ منها ولا حاجةَ بكَ إليها في عالمكَ الآخر.
أما المادّة الثانية فكانت ستسمِّم بدَنَكَ لأنَّها مليئةٌ بالتجنِّي. فكاتبُها، الذي يَعْمل في قناة "الحرّة" المموَّلة من الإدارة الأميركية، يرى أنَّني قتلتُكَ أكثرَ من مرّة قبلَ أن تموتَ الآن. إحدى المرّات كما يقول هي عندما تحوّلت "الآدابُ" عن "عروبتها الثقافية" إلى الدفاع "عن نظاميْن، الأول أوتوقراطي والثاني ديكتاتوري". أما "الأوتوقراطي" فلم يَذْكرْه، وأحسبُ أنَّه يَقْصد نظامَ صدّام حسين، مع أنَّه لم يقدِّمْ ولو كلمةً واحدةً تشير إلى أنَّني أيّدتُ ذلك النظامَ أوْ برّرتُ أفعالَه مرّةً في حياتي، ومِنْ ضِمْنِها تحالُفُه مع الولايات المتحدة (التي تموِّل القناةَ التي تَدْفع لهذا الكاتب أجرَه!) أثناء الحرب على إيران. وأما النظام "الديكتاتوري" الذي يَزْعم أنَّني دافعتُ عنه، فهو النظامُ السوري "في مواجهة ثورةِ الأرز الساعيةِ إلى استقلالِ لبنان بعد عقودٍ من الوصاية بل الاحتلال"! فليتَكَ تُخْبره يا بابا بأنّ "الآداب" ما تزال تُمنع بين الفينة والأخرى من دخولِ سورية (العدد 5 ــ 6، 2007مثلاً)؛ وليتَكَ تذكِّره بأنّ أقطابًا من "ثورةِ أرزِه" كانوا... خَدَمًا عند النظام السوري.
أَعْرف أنَّكَ لا تملُّ من سماعي يا بابا الدكتور. ولكنْ حان وقتُ قيلولتكَ. إنَّها الثانية بعد الظهر. نَمِ الآنَ أيُّها الحبيب، لكي تكون يقظًا للاجتماع القادم. أحْسبُ أنَّكَ، منذ وصولكَ إلى حيثُ أنتَ الآن، انضممتَ إلى تجمُّعٍ جديدٍ للكتّاب والمثقفين والقادة القوميين. نعم، الحكيم جورج معكَ لتحديد البوصلة القومية والوطنية، ورئيف خوري وغسّان كنفاني وسعد اللَّه ونّوس وعبد الرحمن منيف وإدوارد سعيد وجوزيف سماحة ورجاء النقّاش لقيادة العمل الثقافي في وجه التخاذل والميوعة. ويومًا بعد يوم، ينضمّ إليكم كبارٌ آخرون: كبارٌ نَطْمَحُ، نحن الباقينَ على هذه الأرضِ الخلاّبةِ المجنونة، إلى إكمالِ عملِهمْ... بالصِّدقِ نفسِه، والحُبِّ نفسِه.
سماح إدريس
بيروت


#56 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 15 April 2008 - 10:19 AM

البيــــــــــــــــان

بقلم: مصطفى لطفي المنفلوطي*
.......................................

أَعرفُ أدِيباً من أَفْضلِ الأُدباءِ في هذا البَلَدِ المضْطَلِعينَ باللُّغَةِ وفُنُونِها, الحافِظِينَ للْكَثيرِ المُمْتِع من منْظومِها ومَنْثُورِها, إلاَّ أَنَّهُ لا يَكْتُبُ كلمةًً في صَحِيفةٍ, ولا يَنْشُرُ في النَّاس كِتاباً, إلا أَعْجَمَ كَتابَتَه وَأَبْهَمَها, وتَعَمَّلَ فيها تعمُّلاً يأْخُذُ على القارئِ عَقْلَهُ وفَهْمَهُ, فلا يَدْرِي أيَّ سبيلٍ يَأخُذُ بَيْنَ مسالِكِها وشِعابها, وكُنْتُ أَحْسَبُها غَرِيزةً من غرائِزِهِ الغالِبَةِ عَلَيْهِ, الآخِذَةِ من نَفْسِهِ مَأْخَذَ الطَّبيعَةِ الثابِتَةِ والمَلَكَةِ الرَّاسِخَةِ, فلا سَبيلَ لَهُ إلى التَّخَلُّصِ مِنْها, وَالنُّزُوع عَنْها, حَتَّى اطَّلَعْتُ له عِنْدَ بَعْضِ أصْدِقائِهِ على كتابٍ صغير كانَ قَدْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ في بَعْضِ الشُّؤونِ الخاصَّةِ وَكَتَبَهُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ السَّهْلَةِ البسيطَةِ التي يُسَمُّونَها اللُّغَةَ العامِّيَّةَ, فَأُعْجِبْتُ بأُسْلُوبِهِ في كِتابِهِ هذا إعجاباً كَثِيراً, ورَأَيْتُ أَنَّهُ أَبْلَغُ ما قَرَأْتُ لَهُ في حياتي مِنْ كُتُبٍ وَرَسائلَ, وعَلِمْتُ أنَّ الرَّجُلَ فصيحٌ بفِطْرَتِهِ, قادرٌ على الإبانَةِ عن أَغْراضِهِ ومراميهِ, كأَفْضَلِ ما يَتَقَدَّرُ مُتَقَدِّرٌ على ذَلِكَ, إلا أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ الرِّكَّةَ والتّعْقيدَ في كتابَتِهِ تكلُّفاً, ويأْخُذُ نَفْسَهُ أَخْذاً, وَلَوْ أَنَّهُ أَرْسَلَ نَفْسَهُ على سَجِيَّتِها, فَكَتَبَ جَميعَ رسائِلِهِ ومؤلّفاتِهِ بتلك اللُّغِةِ الجميلَةِ العَذْبَةِ التي كَتَبَ بها هذا لَكانَ مِنْ أَعْظَمِ الكُتّابِ شأْناً, وَأرْفعهم صَوْتاً في عالم الكتابَةِ والأَدَب, وَلكن هَكَذا قُدِّرَ له أَنْ يَقْضِيَ بِنَفْسِهِ على نَفْسِهِ.
وقرأتُ منْذُ أَيَّام لأحَدِ الشُّعراءِ المُتَكلِّفينَ ديوانَ شِعْرٍ, فلْمْ أَفْهَمْ منْهُ غَيْرَ خُطْبَتِهِ النَّثْريَّةِ ولَمْ يُعْجِبْني فيه سِواها, وما أَحْسَبُها أَفْلَتَتْ من يَدِهِ, ولا جاءَتْ على هَذِهِ الصُّورَةِ من الجُودَةِ والحُسْنِ إلاّ لأَنَّهُ أَغْفَلَ العنايَةَ بها, والتَّدقيقَ في وَضْعِها, فَأرْسَلَها عَفْوَ الخاطِرِ إرْسالَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّما يُسْأَلُ عن الإجادَةِ في الشِّعْرِ, لا عَنِ البَراعَةِ في النَّثْرِ, وَأَنَّ النَّاس سَيَغْتَفِرونَ لَهُ ضَعْفَ الكاتِبِ, أَمامَ قُوَّةِ الشَّاعِر, غَيْرَ عالِمٍ أَنَّهُ كاتِبٌ مِن أَفْصَحِ الكُتّابِ وَأَبْينِهم, ولو شاءَ لكانَ شاعراً من أَقْدَرِ الشُّعراءِ وَأَفْضَلِهمْ, وَأَنَّهُ ما أَحْسنَ إلا حَيْثُ ظَنَّ الإساءة, ولا أساءَ إِلاّ حَيْثُ ظَنَّ الإحْسانَ.
وَوَاللَّه لا أدري ما الّذِي يَسْتَفِيدُهُ هَؤلاء الأُدباءُ مِنْ سلوكِهِم هذا المَسْلَكَ الوَعِرَ الخَشِنَ في أسالِيبِهمُ الكِتَابيَّة وَالشِّعْريَّة وَتَكَلُّفِ الإغْرابِ وَالتَّعْقِيد فيها, وَهُمْ يَعْلَمونَ أَنَّهُمْ إِنَّما يَكْتُبُونَ لِلنَّاسِ لا لأَنْفُسِهِمْ؛ وَأَنَّ النَّاسَ, خُصوصاً في هذا العَصْرِ, عَصْرِ المَدَنِيَّةِ والعَمَل, وَالحَرَكَةِ والنَّشاطِ, أَضَنُّ بأَنْفُسِهِم وبِأَوْقاتِهِم من أَنْ يَقفُوا الوَقْفاتَ الطِّوالَ أَمامَ بَيْتِ من الشِّعْرِ يعالجونَ فَهْمَهُ, أَوْ سَطْرٍ من النَّثْرِ يُعانونَ كَسْرَ صُخورِ ألفاظِهِ عن معانِيهِ, ولِمَ لا يُؤْثِرُ أَحَدُهُم إِنْ كانَ يَكْتُبُ للمَنْفَعَةِ العامَّةِ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْ سَوادِ المُنْتَفِعينَ بعِلْمِهِ وفَضْلِهِ, أو لِلشُّهْرَةِ وَالذِّكَرِ أَنْ يَنْتَشِرَ لَهُ ما يُريدُ من ذلك بَيْنَ جميع طَبقات الأُمّةِ, عامَّتِها وخَاصَّتِها, عُلمائِها وجُهلائِها؛ وهل الشِّعْرُ وَالكِتابَةُ إلاّ أَحادِيثَ سائِرةً يُحادِثُ بها الشُّعراءُ والكُتَّابُ النَّاسُ لِيُفْضُوا إلَيْهِمْ بخواطِرِ أَفْكارِهِمْ, وسَوانِح آرائِهِم, وخَلجاتِ نُفُوسِهِمْ؛ وهلْ يَعْنِي المُتَحَدِّثَ في حَدِيثه شيءٌ سِوَى أَنْ يَعِيَ عَنْهُ النَّاسُ ما يقولُ, وأَنْ يَجِدَ بين يَدَيْهِ سامِعاً مُصْغياً, ومُقْبلاً محْتفِلاً؟ وأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ إلى جَمْعٍ مِن أصْدِقائِهِ لِيَقُصَّ عَلَيْهِمْ بَعْضَ القِصَصِ, أوْ يُفْضي إِلَيْهِم بِبَعْضِ الآراءِ فيَتَلَطَّفُ في تَفْهِيمِهِمْ, وَإيصالِ مَعانِيهِ إلى نُفوسِهِمْ, ويَفْتَنُّ في اجْتِذابِ مُيولِهِم وعواطِفِهم؛ وبَيْنَ أنْ يَجْلِسَ إِلى مَكْتَبِهِ لِيَبْعَثَ إِلَيْهِمْ بهذه الأحادِيثِ نِفْسِها منْ طَريق القَلَم؛ وَلَمِ لا يَعْنِيهِ في الأُخْرى ما يَعْنِيه في الأُولى؟
لَيْسَ البيانُ مَيْداناً يَتَبارَى فِيهِ اللُّغَوِيُّونُ وَالحُفَّاظُ أَيُّهُمْ أَكْثَرْ مادَّةً في الُّلغةِ وأَوْسَعٌ اطَّلاعاً على مٌفْرَداتِها وتَراكِيبِها, وأَقْدَرٌ على اسْتِظْهارِ نَوَادِرِها وشَوَاذِّها ومُتَرادِفِها وَمُتَوارِدِها, وَلا مُتْحَفاً لِصُوَرِ الأَسالِيبِ وَأَنْواعِ التَراكِيبِ, وَلا مَخْزَناً لأَحْمالِ المجازاتِ وَالاسْتِعاراتِ, وحقائِبِ الشَّواهِدِ والأمْثالِ؛ فَتِلْكَ أَشْياءُ خارِجَةٌ عن مَوْضُوعِ البَيانِ وَجَوْهَرِهِ, إنَّما يُعْنَى بها المؤُلِّفُون والمُدَوِّنُونَ وَأَصَحابُ القَوامِيس والمَعاجِم ووَاضِعُو كُتُب المترادِفاتِ ومُصَنِّفُو فِقْهِ اللُّغَةِ وتارِيخِ أَدَبِها, أَمَّا البيانُ, فَهُو تَصويرُ المَعْنى القائِم في النَّفْسِ تَصْويراً صَادِقاً يُمَثِّلهُ في ذِهْنِ السَّامِع كأنَّهُ يَراهُ وَيَلْمَسُهُ لا يزيدُ على ذَلِكَ شَيْئاً, فإنْ عَجَزَ الشَّاعِرُ أو الكاتِبُ – مَهْما كَبُرَ عَقْلُهُ وغَزُرَ عِلْمُهُ واحْتَفَلَ ذِهْنُهُ – عن أنْ يَصِلَ بسامِعِهِ إلى هذهِ الغايَةِ , فَهُوَ إنْ شِئْتَ أَعْلَمُ العُلماءِ, أَوْ أَفْضَلُ الفُضَلاءِ, أَوْ أَذْكى الأَذْكياءِ؛ ولَكِنَّهُ لَيْسَ بالشّاعِرِ ولا بِالكاتِبِ.
ما أَشْبَهَ الجمودَ اللُّغَوِيَّ في هذه البِيئَةِ العَرَبِيَّةِ بِالْجُمودِ الدِّينيِّ, وَمَا أَشْبَهَ نَتيجَةَ الأَوَّلِ بِنَتِيجَةِ الآخَرِ.
لَمْ يَزَلْ عُلماءُ الدِّينِ يَتَشَدَّدوُنَ فيهِ ويَتَنَطَّعونَ, وَيَقْتَطِعونَ من هَضْبَتِهِ الشَّمَّاءِ صُخوراً صَمّاءَ يَضَعونَها عَقبةً في سَبيلِ المَدَنيَّةِ وَالحضارَةِ حَتّى صَيَّرُوهُ عِبْئاً ثَقِيلاً على كَواهِلِ النَّاسِ وعَواتِقِهمْ, فَمَلَّهُ الكثيرُ مِنْهُم, وَبَرِمُوا بِهِ, وَأَخَذُوا يَطْلُبُونَ لأَنْفُسِهِمُ الحياةَ الطَّيِّبَةَ من طريقِ غَيْرِ طَرِيقِهِ, ولو أَنَّهُم لانُوا به مَعَ الزَّمانِ وصُرُوفِهِ, وتمشَوْا بأوامِرهِ ونواهِيهِ مع شُؤون المجْتَمَع وَأَحْوَالِهِ, لاسْتطاعَ النَّاسُ أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأَخْذِ بأَسْبابِ دِينهِمْ, وَالأَخْذِ بأسبابِ دُنْياهُمْ.
وَلَمْ يَزَلْ جماعَةُ اللُّغَويِّين وَعَبَدَةُ الألفاظِ والصُّوَرِ يَتَشَدَّدُون في اللُّغَةِ وَيَتَحذْلَقُونَ وَيَتَشَبَّثُونَ بالأساليبِ القَدِيمَةِ وَالتراكيبِ الوَحْشِيَّةِ, وَيُغالونَ في مُحاكاتِها وَاحْتِذائِها, وَيَأْبَوْنَ على النَّاسِ إِلاَّ أَن يَجْمُدُوا مَعَهُم حَيْثُ جَمَدُوا, ويَنْزِلُوا على حُكْمِهم فيما أَرادُوا, وَيُحاسِبُون َالكاتِبِينَ والنّاطِقِينَ حِساباً شَدِيداً على الكَلِمَةِ العَربيَّةِ و المعنى المُبْتَكَرِ, وَيُقِيمونَ المناحاتِ السَّوْداءَ على كُلِّ تَشْبِيهٍ لم تَعْرفْهُ العَرَبُ, وَكُلِ خَيالٍ لم يَمُرَّ بأَذْهانِهِمْ, حَتَّى مَلَّهُمُ النَّاسُ وَمَلُّوا اللُّغَةَ مَعَهُم فَتَمَرَّدُوا عَلَيْهِم وَخَلَعُوا طاعَتَهُمْ, وطَلَبُوا لأَنْفُسِهِم الحُرِّيَّةَ اللُّغَوِيَّةَ التَّامَّةَ في جمَيعِ مواقِفِهِمْ, وعَلائِقِهِمْ فسَقَطُوا في اللُّغَةِ العامِّيَّةِ في أحاديثِهِمْ وَشِبْهِ العامِّيَّةِ في كِتاباتِهِمْ, وكادَتْ تَنْقَطِعُ الصِّلَةُ بَيِنْ الأُمّةِ وَلُغَتِها, لَوْلا أَنْ تَدارَكَها اللهُ بِرَحْمَتِهِ, فقَيَّضَ لها هذا الفَريقَ العاملَ المستنيرَ من شُعراءِ العَصْرِ وكُتَّابِهِ الَّذِينَ عَرَفُوا سِرَّ البيانِ, وَأَدْرَكُوا كُنْهَهُ, فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهم في مناحِيهم الشِّعْرِيَّةِ والكِتابِيَّةِ أُسْلوباً وَسَطاً مُعْتَدِلاً, جَمَعُوا فِيهِ بَيْنَ المحافَظَةِ على اللُّغَةِ وأَوْضاعِها وَأَسالِيبِها, وبَيْنَ تَمْثيلِ رُوح العَصْرِ وتصوير الحياةِ, وَلَوْلاهُمْ لَبَقِيَتِ اللُّغَةُ في أَيْدِي الجامِدِينَ فماتَتْ, أَوْ غَلَبَتْ عليها العامِّيَّةُ فاسْتحالَتْ.
* * *
قَالَ لي أَحَدُ الأُدباءِ المُتَكَلِّفِينَ في مَعْرِض اعْتِذارٍ عِنْ نَفْسِهِ, وقَدْ عَتَبْتُ عَلَيْهِ في هذا المَنْهَج الخَشِنِ الوَعْرِ الَّذِي يَنْهَجُهُ في أُسْلُوبِهِ: أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ في هذا البَلَدِ قَدْ أَلِفُوا مِنْ طَريقِ خَطِأ الحِسِّ أَنْ يَنْظُرُوا بِعَيْنِ الإجلالِ وَالإعْظامِ إلى كُلِّ أُسْلوبٍ شِعْريِّ أَوْ كِتابيِّ مُعَقَّدٍ غامِضٍ, وإنْ تَفِهَتْ معانِيه, وهانَتْ أَغْراضُهُ؛ وَبعَيْنِ الازْدِراءِ وَالاحْتِقار إلى الأساليبِ السَّهْلَةِ البَسيطَةِ وإِنِ اشْتَمَلَتْ على أَشْرفِ الأَغْراضِ وَأَبْرَعِ المَعاني, أيْ أَنَّهُم لا يَرَونَ السُّهولَةَ والانْسِجامَ حَتَّى يَتَوَهَّمُوا التّفَاهَةَ وَالفُسُولَةِ, ولا يَرَونَ الرَّكاكَةَ وَالمُعاظَلَةَ حَتَّى يَظُنُّوا الحِذْقَ والبَرَاعَةَ وَسُمُوَّ المعانِي وَشَرَفَها, وَهِيَ حالَةٌ طبيعيَّةُ في جَمِيع النُّفُوسِ البَشَريَّةِ أَنْ تَزْدَرِيَ المَبْذُولَ لها, وَتَسْتَسْني قِيمَةَ المَمْنُوعِ عَنْها, وَلَيْسَ هذا شَأْنَهُمْ مَعَ أُدباءِ العَصْرِ الحاضِرِ فَحَسْبُ, بَلْ مع أُدباءِ كُلَّ عَصْرٍ وجيلٍ, فَهُمْ يُسِمُّونَ البُحْترِيَّ وَأبا نُوَاسٍ وَالشَّريفَ الرَّضِيَّ وأمْثالَهُمْ: شُعراءَ الألْفاظِ, وَيُسَمُّونَ المُتَنَبِّي والمَعَرِّيَّ وَابْنَ الرُّوميِّ وَأشْباهَهُم: شُعراءَ المَعانِي؛ وَشَرَفِها إلاَّ أنَّ الأَوَّلِينَ أَمْطَرُوها على النَّاسِ وبَعْثَرُوها تَحْتَ أَقْدامِهِم فهانَتْ عليهم, وضَنَّ بها الآخَرُونَ ووَعَّرُوا سَبيلَها, فعَظُمَتْ في أَعْيُنِهِمْ, وجَلَّتْ في صُدُورهِم. قالَ: وَلَقَدْ عَرَضْتُ السِّلْعَتَيْن في سُوقِ الأَدَبِ, فكَتَبْتُ أَتْفَهَ المعاني وَأَدْوَنَها في أخْشَنِ الأساليب وَأَوْعَرِها فَنَفَقَتْ في تلك السوق نَفَاقاً عَظِيماً, وَكَثُرَ المعْجَبونَ بها والمُكْبرونَ لها؛ وكَتَبْتُ أَشْرَفَ المعانِي وأَبْرَعَها في أَلْطَفِ الأَساليبِ وَأَعْذَبِها فما أَبَهَ لها إِلاَّ القَلِيلُ مِنَ النَّاس, وَرُبَّما لم يَأْبَهْ لها أَحَدٌ؛ فَلَمْ أَرَ بُدّاً مِنْ أَنْ أَنْتَهِجَ لِنَفْسِي في الكتابَةِ الخِطَّةَ الَّتِي أَعْلَمُ أَنَّها أَجْدَرُ بي وَأَجْدَى عَلَيَّ.
فعجبْتُ لِرَأيِهِ عَجَباً شَدِيداً, وَقُلتُ لَهُ: أَمَّا هَذاَ الَّذِي تَذْكُرُهُ فَإني لا أَعْرِفُه إلاّ لِفِئَةٍ قَلِيلَةٍ من القُرَّاءِ, فاسِدَةِ الذَّوْقِ, لا يَعْبَأ بها عابِئٌ, وَلَيْسَ هذا رَأْيُ جُمْهورِ المُتَأدِّبينَ, بَل ولا رَأْيُ العامِّةِ مِنْ أبْناءِ هذه اللُّغَةِ, وَهَبْ أَنَّ الأَمْرَ كما تَقُولُ, فَالأَدَبُ لَيْسَ سِلْعةً مِنَ السِّلَعِ التِّجارِيَّةِ لا هَمَّ لصاحِبِها سِوَى أنْ يَحْتَالَ لنَفَاقِها في سُوقِها, إنَّما الأَدَبُ فَنٌ شَرِيفٌ, يَجِبُ أنْ يُخْلِصَ له المُتَأَدِّبُونَ – بأَداءِ حَقَّهِ وَالقِيام على خِدْمَتِهِ – إخلاصَ غَيْرِهمْ من المشْتَغِلينَ بِبَقيَّةِ الفُنونِ لِفُنُونِهم, وَالأدباءُ هُمْ قادَةُ الجماهِيرِ وزُعماؤُهُمْ, فلا يِجْمُلُ بِهِمْ أنْ يَنْقَادُوا للجماهِيرِ ويَنْزلُوا على حُكْمِهِمْ في جهالَتِهِمْ وفَسادِ تصوّراتِهِمْ؛ ولَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى أذْعَنَ للرَّأيِ الَّذي رَأَيْتُهُ لَهُ, فحَمِدْتُ اللهَ على ذَلِكَ.
* * *
(يتبع)
* * *

#57 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 15 April 2008 - 12:16 PM

لَيْسَ من الرَّأيِ ولا مِنَ المَعْقُولِ أنْ يَنْظِمَ الشُّعراءُ الشَّعْرَ, ويَكْتُبَ الكتَّابُ الرَّسائِلَ, في هَذَا العَصْرِ, عَصْرِ الحَضَارَةِ والمَدَنِيَّةِ, وبَيْنَ هذا الجُمْهورِ الَّذي لا يَعْرفُ أَكْثَرَ من العامِّيَّةِ إلا قليلاً؛ باللُّغةِ الَّتي كانَ يَنْظِمُ بها امرُؤُ القَيْسِ وَطَرَفَةُ والقُطَامِيُّ والْخُطْمِيُّ ورُؤْبَةُ والعَجَّاجُ, ويَكْتُبُ بها الحَجَّاجُ وزِيادُ وَعَبْدُ المَلِكِ بن مَروانَ والجاحظُ والمَعَريُّ في عصور العَرَبيَّةِ الأُولى, فَلَيْسَ عَصْرُنا كَعَصْرِهِم, ولا جُمْهورُنا كجُمهورِهِم, وأَحْسَبُ لو أنَّهُم نُشِرُوا اليومَ من أجداثِهِم لما كانَ لَهُمْ بُدٌّ مِنْ أنْ يَنْزِلوا إلى عالَمِنا الّذِي نَعِيشُ فِيهِ لِيُخاطِبونا بما نَفْهِمُ أوْ يَعُودوا إلى مَراقِدِهِمْ من حَيْثُ جَاؤوا.
لَيْسَتِ الأسالِيبُ اللُّغَويَّةُ دِيناً يَجِبُ أنْ نَتَمَسَّكَ بِهِ ونَحْرِصَ عَلَيْهِ حِرْصَ النَّفْسِ على الحَياةِ, إِنَّما هِيَ أداةٌ لِلْفَهْمِ وَطَريقٌ إِلَيْهِ, لا تَزيدُ علَى ذَلِك ولاتَنْقُصُ شَيْئاً.
يَجْبُ أنْ نُحافِظَ على اللُّغَةِ باتَّباعِ قوانِيِنها وَالتَّمَسُّكِ بأَوْضاعِها وَمُمَيِّزاتِها الخاصَّةِ بها, ثُمَّ نَكُونُ أَحْراراً بَعْدَ ذَلِكَ في التَّصَوُّرِ وَالتَّخَيُّل وَاْخْتِيارِ الأُسْلوبِ الَّذِي نُريدُ.
يَجِبُ أنْ يَشِفَّ اللَّفظُ عن المَعْنَى شُفوفَ الكَأْسِ الصَّافِيَةِ عن الشّرابِ, حَتَّى لا يَرَى الرَّائي بَيْنَ يَدَيْهِ سِوَى عَقْلَ الكاتِبِ وَنَفْسَ الشَّاعِرِ, وَحَتَّى لا يَكونَ للمادَّةِ اللَّفظِيَّةِ شأْنٌ عنْدَهُ أكْثَرَ مِمّا يكونُ لِلْمرآة, من الشّأنِ في تَمْثِيلِ الصُّوَرِ وَالمَخائِلِ.
وَيَجِبُ أنْ يَتَمَثَّلَ المَعْنَى في ذِهْنِ المُتَكَلَّمِ قَبْلَ أنْ يَتَمَثَّلَ اللّفْظُ, حتَّى إذَا حَسُنَ الأَوَّلُ أَفَاضَ على الثَّانِي جمالَةُ ورَوْنَقَةُ؛ فَاللَّفْظُ لا يَجْمُلُ حَتَّى يَجْمُلَ المَعْنَى, بَلْ لا مَفْهُومَ لِلَّفْظِ الجَمِيلِ إِلا المَعْنَى الجَمِيلُ.
لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلفَصاحَةِ قانونٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ من يُريدُ مَعْرفَتَها, وَمِقْياسٌ تُقاسُ عَلَيْهِ؛ لَوَجَبَ أنْ يكُونَ قانُونُها العَقْليُّ أنْ يَتْرُكَ القَائِلُ في نَفْس السَّامع الأَثرَ الَّذي يُريدُهُ, فَإنْ عَجَزَ عن ذلك فلا أَقَلَّ مِنْ أنْ يُصَوِّرَ لَهُ المَعْنَى القائِمَ في نَفْسِهِ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هذا ولا ذَاكَ فَاحْتِرافُ أَيَّةِ حِرْفَةِ منَ الحِرَفِ مَهْمَا صَغُرَ قَدْرُها, وَاتَّضَعَ شَأْنُها, أَعْوَدُ بالنَّفْعِ على الأُمَّةِ وأَجْدَى عَلَيْها مِن حِرْفَةِ القَلَمِ.
لا يَبْكِ شاعِرٌ بَعْدَ اليَوْم ولا كاتِبٌ سُقوطَ خَظِّهِ في الأُمّةِ, ولا يَقْضِي حياتَهُ ناعِياً عَلَيْها جَهْلَها وقُصورَها كُلَّما رَآها مُنْقَبِضَةً عَنْهُ غَيْرَ حافِلَةٍ به ولا مُصْغِية إلَيْهِ, فَالأُمَّةُ قَدِ ارْتَقَتْ وَاسْتَنَارَتْ, وَأصْبَحَتْ طمّاحَةً مُتطلِّعَةً, لا يُقْنِعُها من قَلَمِ الشّاعِرِ أنْ يَرنَّ على صَفْحَةِ القِرْطاسِ دُونَ أنْ يُطْرِبَهَا ويَمْلِكَ عواطِفَها, وَلا مِنْ قَلَم الكاتِب أنْ يُسوِّدَ بيَاض الصُّحُفِ دونَ أنْ يُنيرَ لها أَذهانَها, ويُغَذِّي عُقولَها وَمَدارِكَها؛ فإنْ كانَ لا بُدَّ باكياً فَلْيَبْكِ على نَفْسِه وَلْيَنْعَ عَجْزَهُ وقُصورَهُ, وَلْيَعْلَمْ أنَّهُ لَوِ اسْتَطَاعَ أنْ يَكْتُبَ للأُمَةِ ما تَفْهَمُ لاستطاعِتِ الأُمَّةُ أنْ تَفْهَمَ عَنْه ما يَقُولُ.
إِنَّني لا ألُومُ عَلَى الرَّكاكَةِ وَالفَهَاهَة الأغْبياءَ الذين أظْلَمَتْ أَذْهانُهُم فَأَظْلَمَتْ أَقْلامُهُمْ, وَظُلْمَةُ القَلَمِ أَثَرٌ مِنْ آثارِ ظُلْمَةِ العَقْلِ؛ وَلا الجَاهِلِينَ الّذِين لم يَدْرُسُوا قوانِينَ اللُّغَةِ, ولم يُمارسُوا أَدَبَها وَلَمْ يَتَشَبَّعُوا بِرُوحِ مَنْظومِها وَمَنْثُورِها, وَلا العاجِزينَ الَّذِينَ غَلَبَتْهُم إحدى اللُّغاتِ الأَعْجَمِيَّةِ على أَمْرِهِمْ, فأَصْبَحُوا إذا تَرْجَمُوا تَرْجَمُوا تَرْجَمَةٌ حَرْفِيَّةٌ لَيْسَ فيها مُمَيَّزٌ واحِدٌ من مميّزاتِ العَرَبِيَّةِ, ولا خاصَّةٌ من خَواصَّها؛ وَإِذا كَتَبُوا كَتَبُوا بأُسْلُوبٍ عَرَبيِّ الحُروفِ أَعْجَمِيِّ كُلِّ شَيْءٍ بعد ذلك؛ فَهَؤلاءِ جَمِيعاً لا حَوْل لَنا فِيهِمْ ولا حِيلَةَ؛ لأَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعونَ أنْ يَكُونُوا غَيْرَ ذَلِكَ؛ إِنَّما أَلُومُ المُتَأَدِّبينَ القادِرينَ الَّذينَ عَرَفُوا اللُّغَةَ, وَاطَّلَعُوا على أَدَبِها, وفَهِمُوا سِرَّ فَصَاحَتِها,, وَأَنْقِمُ مِنْهُم عُدُولَهُمْ عَنِ المَحَجَّةِ في البيانِ إلى الجَمْجَمَةِ وَالغَمْغَمَةِ فِيهِ؛ وَأَنْعَى عَلَيْهِم نَقْصَ القادِرينَ على التَّمامِ.
..................................
*مصطفى لطفي المنفلوطي: النظرات، ط1، دار ابن حزم، بيروت 1422هـ-2002م، 3/ 5 ـ 15.


#58 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 18 May 2008 - 06:33 PM

أمين الخولي في مرآة وديع فلسطين

بقلم:أ. د. حسين علي محمد
................................

يقول الأستاذ وديع فلسطين (في رسالته المؤرخة في 3/6/1996م):
"عرفت الشيخ أمين الخولي (وهو جاري) ولكن صلتي بزوجته كانت دائماً أقوى وأبعث على التقدير.
عندما كنت أعمل مديراً للعلاقات العامة في مكتب شركة أرامكو في القاهرة، وكان من مسئوليتي توزيع الإعلانات على الصحف واستكتاب الأدباء في مجلة "قافلة الزيت"، زارني الشيخ الخولي وأخبرني بأنني أكاد أكون "المنقذ من الإفلاس" وليس "المنقذ من الضلال"! فمجلته "الأدب" تُعاني من الكساد، وإعطاؤها إعلاناً كل شهر ينتشلها من الإفلاس، وهو وزوجته قادران على كتابة مقال شهري "للقافلة" يستعينان به على مواجهة أعباء الحياة. فأوضحت له أنني مُقيَّد بسياسة الشركة التي تقضي بتوزيع الإعلانات على الصحف والمجلات الرائجة لا الكاسدة، وبأن الكتابة في "القافلة" تتم بتكليف منها لا مني بعد الاتفاق على الموضوع الذي يُكتب.
وقال الشيخ إن في وسعي التغلُّب على هذه العقبات جميعا لأن للشيخ وزوجته [بنت الشاطئ] منزلة لا تُدانى في عالم الأدب. وبعد أيام تلقيت منه رسالة ـ ما تزال عندي ـ خاطبني فيها بصفات مُبالَغ فيها: فأنا راعي الأدب، وعميد الأدب، وسيد الأدباء، والأديب الأوحد .. إلخ. وعاد يُكرِّر رغبته في أن أكون له المنقذ السماوي!
ولم أُخيِّب ظنَّه تماماً، فكنت أُعطيه إعلاناً كل بضعة أشهر لا كل شهر، ونشرنا فعلاً مقالاً أو اثنين لزوجته. وكان قد صدر لي في ذلك الوقت كتاب "قضايا الفكر" فبعثت إليه بنسخة منه. وفوجئت في العدد التالي من مجلة "الأدب" بمقال افتتاحي بقلمه يشغل 9 صفحات، فيه هجوم شديد على الكتاب ومؤلفه، دون أن يذكر اسم الكتاب تحديداً، أو يُشير إلى مؤلفه. ولكنه استشهد بعبارات كاملة بين قوسين من فصول الكتاب، بما يقطع بأنه هو الكتاب المقصود دون سواه.
وكنت حتى ذلك الوقت احتفظ بمجموعة مجلة "الأدب"، فلما اكتشفت هذا الجانب من الشيخ تخلصت من المجموعة، ولم أشأ أن أستبقيها عندي. ولم أندم على ذلك، لأن المجلة كانت متواضعة القيمة ".
ويقول (في رسالته المؤرخة في 17/11/1975م):
"الشيخ أمين الخولي ذو شخصية مهزوزة، وهو طالب شهرة ومال أكثر منه رغبة في تأصيل الأدب وإنشاء مدارس فيه. رأيته بعيني رأسي يلبس العمامة وسائر مستلزماتها، ثم رأيته و"البيريه" على مفرقه في قميص اسبور، ورأيته في مرة ثالثة بالبذلة الفرنجية الكاملة. ورأيته في سانحة أخرى وقد خلط اللباس الأزهري باللباس الفرنجي! ورأيته في رأس البر يرتدي البيجامة! أليس هذا من غرائب الأطوار؟
زارني في مكتبي في شركة أرامكو، وكنت مديراً لعلاقاتها العامة مسؤولاً عن توزيع إعلاناتها على الصحف المصرية، ورجاني أن نرفد مجلته "الأدب" بإعلانات تُساعدها على أداء رسالتها، فاستجبت له مرة واثنتين وثلاثاً. ولم يكتف بذلك، بل وجّه إليّ رسالة ـ مازالت ضمن أوراقي ـ يُخاطبني فيها بصفات السيادة والعمادة والريادة، فأنت سيد الأدباء، وأنت رائد الأدباء، وأنت عميد الأدباء .. إلح، ثم يطلب مني إعلانات "للأدب"، فهاتفته لأشرح له أنني مقيد في تصرفاتي، وأنني لم أتأخّر عن مناصرة مجلته، وأنني سأجتهد في تعزيزها في المستقبل، فغضب لأنني لم أجبه فوراً إلى رغبته، وانتهز فرصة صدور كتابي النافد "قضايا الفكر في الأدب المُعاصر" ليعقد عليه افتتاحية من ثماني صفحات، كلها هجوم عليَّ وعلى آرائي، متعمِّداً إغفال اسمي!
وكان يُحب المشاكسة، وعنه أخذت بنت الشاطئ هذه الخصلة، فكان يُشاكس الكبار لكي ينال شهرة على أكتافهم. ومعاركه مع العقّاد مازالت حية في الذهن.
وأعتقد أن كتبه جميعاً لا تكفي لتخليده، ولا حتى كتابه المشهور "فن القول". لأنه لا أتى بجديد، ولا رسم منهاجاً مما يتحدّث عنه ويُطنب. وقد حاول أن يُنشئ "جماعة الأمناء" منسوبة إلى اسمه بدافع من الشهرة، فماتت في حياته ولم تُحدِث أثراً في الحياة الأدبية".
وقد سألته عن المعركة التي دارت بين أمين الخولي والعقاد، فأجاب في رسالته التالية (المؤرخة في 26/12/1975م):
"وسؤالك الثاني عن الخلاف بين العقاد والخولي في الستينات. والذي أذكره ارتجالاً أن العقاد كتب مقالاً ـ أظنه في يوميات الأخبار ـ تحدّث فيه عن كتب السير والتراجم والذين تخصّصوا في هذا الفن فكتبوا عن مالك بن أنس وسواه. ولم يُشِر العقاد إلى أمين الخولي الذي له كتاب عن "مالك" [صدر في سلسلة "أعلام العرب"]، فكتب الخولي مقالاً في "الأخبار" يتهم فيه العقاد بتعمد إغفاله، وبأنه لا يعرف "المنهج" الصحيح في التأليف، وقال ما معناه أن "المنهجيَّ" الوحيد في الدنيا هو الخولي لا سواه. فردَّ عليه العقاد بعنفه المعهود، وسرعان ما تدخلت بنت الشاطئ لنجدة زوجها، فصبَّ العقاد حملته عليهما معاً. وفصول العقاد منشورة في كتابه "اليوميات"، أما فصول أمين الخولي وبنت الشاطئ فلا أعرف هل جُمعت أو لا".
ويقول (في رسالته المؤرخة في 15/9/1991م) تعليقاً على المعركة الأدبية التي أثارها مقال لي بعنوان "طه حسين وأنور الجندي: وثيقة مجهولة" في مجلة "الهلال"، والذي أشرتُ فيه إلى مقالة قديمة لأنور الجندي في مجلة "الأدب" يُثني فيها ثناءً حارا على طه حسين:
"تابعتُ ردود الفعل في "الهلال" حول طه حسين وخصومه، وعجبت لأن جميع المعلّقين تعمّدوا تجاهلك، وهو أسلوب بعفُّ عنه الآخذون بالمناهج العلمية. كتب عني الشيخ أمين الخولي مقالاً افتتاحيا في مجلة "الأديب" التي كان يُصدرها شغل 9 صفحات منها، ونقل سطوراً كثيرةً من كتابي "قضايا الفكر [في الأدب المعاصر]" دون أن يُشير إليَّ بحرف! فكتبتُ في مجلة "الأديب" مقالاً عنوانه "علاقات الأدباء في حاجة إلى ناموس" ندّدت فيه بالشيخ وأمثاله من الذين تعمّدوا تجاهلي ومنهم ساطع الحصري وزكي عبد القادر وغيرهما. أما زكي عبد القادر وكان يُحبُّني ويحترمني فانتهز فرصة تعليقه في "الأخبار" على كتاب جديد في الصحافة لجلال الحمامصي واعتبرني مدخلاً لهذا التعليق، وأثنى عليَّ ثناءً مُستطاباً".
................................
*من كتاب «سفير الأدباء وديع فلسطين» للدكتور حسين علي محمد.


#59 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 21 May 2008 - 08:17 AM

المفكرة والقلم طريق النجاح

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
....................................

كان الرئيس البوسني "علي عزت بيجوفتش" ـ رحمه الله ـ يقول: علينا دائماً بالمفكرة والقلم.. كما كان - رحمه الله- ينعى على المسلمين عدم تخطيطهم ليومهم وغدهم، مع أن الإسلام يحضّ على التخطيط والإتقان والاستفادة من الوقت، وعدم تضييعه عبثاً.
تذكرت مقولة "بيجوفتش" وأنا أرى كثيراً من الناس، وبعضهم أصدقاء، يهملون في المواعيد، ويتناسون أموراً كُلّفوا بها، ويعتذرون دائماً عن تقصيرهم في عمل ما، أو إنجاز ما تحت ذرائع مختلفة، وأسباب متباينة!
التربية الإسلامية تجعل الفرد المسلم، مستقيماً واضحاً، في كلامه وسلوكه ومنهجه، حتى يصل إلى الصدق في القول والفعل بوصف "الصدق" سمة عامة، وطبيعة ذاتية في المسلم، لا تعرضه للمؤاخذة، أو تسحب الثقة منه أو تضعفها.
إن كثرة الشواغل والالتزامات تحتّم على المسلم أن يلتزم بما يقول أو يعد، وأن يرتّب وقته ترتيباً سليماً يضع في حسبانه المستجدات والطوارئ؛ ولذا فإن المفكرة التي على المكتب أو في حقيبة اليد، ومعها القلم الذي يسجل فيها المطلوبات والمواعيد الخاصة به، سواء على المستوى العام أو الصعيد الشخصي، تصبح ضرورة لازمة، حين ينظر فيها يتذكر ارتباطاته والتزاماته ليفي بها ويقوم عليها.
ولا ريب أن التخطيط للعمل اليومي، يحقق لصاحبه راحة كبيرة، ويمنحه قدرة جيدة على الإنتاج والإبداع، وتعقبه من تداعيات التقصير والاعتذار.
هناك أشخاص عاديون يتحركون في أفق محدود، يتعوّدون فيه على بعض الأعمال الروتينيّة، ولا تتجاوز علاقاتهم المجال المحدود الذي يعيشون فيه، ومع ذلك فهم مطالبون بالالتزام بواجباتهم العامة والخاصة، وأعتقد أن "المفكرة" تساعدهم على الوفاء بهذه الواجبات وغيرها.
أما الأشخاص غير العاديين الذين تتسع آفاق علاقاتهم والتزاماتهم؛ مثل الأطباء والعلماء والأدباء والكتاب والأساتذة ورجال الأعمال وغيرهم من أعيان المجتمع ووجهائه ونشطائه؛ فإن المفكرة بالنسبة لهم تصبح "فرضاً" لازماً، لا يستطيعون الاستغناء عنه أو التفريط به، وإلا وقعوا في التقصير، وارتكبوا "ذنب" الاعتذار!
تجد شخصاً من هؤلاء يقابلك معتذراً عن خلف موعد أو عدم تحقيق اتفاق، بحجة النسيان أو المشاغل الكثيرة أو الظروف، ولا ريب أن هذا الشخص لا يعتذر لك وحدك، ولكنه يعتذر لغيرك، فقد صار منهجه هو "الاعتذار"، وحين يتكرر منه ذلك؛ فإنك تقول: فلان لا يصدق، ولا يُعتمد عليه، ولا يُوثق به؛ لأن سلوكه لم يكن استثناء، ولكنه صار قاعدة.. قد يكون طيب النوايا، مخلص التوجه، ولكن السلوك أو التطبيق ضيع الإخلاص والطيبة جميعاً، وخلّف "فصامية" في شخصية صاحبه "المسلم"، وهو ما يأخذه علينا خصوم الإسلام، ويرونه نقصاً فينا وفي إسلامنا، في حين أن إسلامنا مظلوم منا قبل غيرنا.
قال تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف:30]، فإحسان العمل في شتى المجالات، له أجره وثوابه عند الحق سبحانه وتعالى.
وقال تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف:2-3]، وهذا رفض واضح وصريح للانفصام بين القول والفعل، والسؤال هنا فيه استنكار وتبكيت لمن يقول شيئاً ويفعل غيره، وفيه وعيد ضمني وتهويل وازدراء بمن يعيشون الانفصام ويكون سلوكهم مناقضاً لما يعلنونه ويتحدثون عنه.
الأحاديث الشريفة التي تتحدث عن إتقان العمل والوفاء بالوعد أو العهد ورفض الفصام النكد بين القول والفعل كثيرة جداً لا يحتملها المقال، وتفيد مع الآيات الكريمة أن المسلم لا بد أن يكون دقيقاً في عمله، ملتزماً في سلوكه، منظماً في حياته، وإلا فإنه سيخسر كثيراً مادياً ومعنوياً.
إن قضية الوقت أو الزمن في حياة المسلم محسومة دينياً، فلا يوجد ما يسمى "وقت فراغ" بالنسبة له؛ إن وقته كله مشغول، وزمنه كله ممتلئ. هناك وقت للعمل، ووقت العبادات، ووقت الأسرة، ووقت المجتمع أو خدمة المسلمين، وإن تبقَّى بعد ذلك وقت فائض فهو للنوافل أو الذكر أو القراءة.. كثرة الالتزامات بالنسبة للمسلم لا تجعله يعيش في فراغ أبداً، وهو مطالب - كما يهديه الحديث الشريف- بالعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، والعمل لأخراه كأنه يموت غداً.. فهل يبقى له بعد ذلك فراغ؟! إن استثمار الوقت فيما يفيد صاحبه والإسلام والمسلمين؛ يحتاج إلى إرادة قوية تنظم هذا الوقت، وتعتاد التنظيم، وترتضيه نمطاً يومياً للحياة!
ولا ريب أن المفكرة بالنسبة لمن تتعدّد شواغلهم، وتكثر التزاماتهم ضرورة ومهمة، وإذا كانت المفكرة أساسية للفرد المسلم، فهي أكثر أهمية للمجتمع المسلم.. ولعل سر نجاحات المجتمع الغربي (الأوروبي والأمريكي) هو هذه المفكرة (التي تسمّى بلغة العصر التخطيط الإستراتيجي)، وهذا التخطيط يشمل كل نواحي الحياة التي يقوم عليها بناء المجتمع وتقدمه وانطلاقه في الاقتصاد والصناعة والزراعة والتجارة والثقافة والتعليم والإبداع والاختراع والابتكار.. الخ
إن هذا التخطيط لا يتوقف عند سنة معينة أو سنوات محددة، ولكنه يمتد إلى الأجيال القادمة، فيتناول الثروات والموارد والقوى البشرية والعسكرية وغيرها، لتحقيق أحلام المجتمع وطموحاته، فضلاً عن معالجة نواحي القصور والضعف التي يمكن أن تؤثر على مستقبله ومصيره!
"مفكرة" المجتمع المسلم، توفر الوقت والجهد، وتنظم الحركة بما يضيف إلى رصيد "المسلم" و"المسلمين" جميعاً.. وليس ما يخصم من هذا الرصيد.
إن الذين يتعلّلون بضيق الوقت تسويغاً لتقصيرهم في العمل أو العلاقات الاجتماعية أو الالتزامات الشخصية مخطئون.. ويحتاجون إلى المفكرة والقلم إذا كانوا حقاً مخلصين!
..................................
عن موقع "لها أون لاين"

#60 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 21 May 2008 - 11:09 AM

قراءة في كتاب «نوادر البخلاء»
للدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع(1)

بقلم: أ. د. حسين علي محمد
..................................

كثر الحديث في كتب الأدب عن البخل والبخلاء، وسلك المؤلفون إلى ذم البخل والتحذير منه مسالك ومشارب مختلفة من تصريح أو تلميح ومن إيراد للآيات والأحاديث والآثار في التحذير من البخل إلى إيراد قصص وحكايات وأشعار تنفِّر منه، وتدعو إلى الكرم والبذل والعطاء.
وكتب الجاحظ كتابه العظيم "البخلاء" فأورد من قصصهم وحكاياتهم ومحاوراتهم وحججهم الشيء الكثير، ونجح الجاحظ في التأثير على نفسية القارئ فإذا هو يكره البخل والبخلاء لكنه يتفكّه بأحاديثهم، ويتسلّى بمحاوراتهم وأعاجيبهم.
ثم جاء بعد الجاحظ مؤلفون أفردوا للبخل كتبا مستقلة كما فعل الخطيب البغدادي في كتابه "البخلاء"، وجمال الدين بن المبرد الدمشقي في كتابه "إتحاف النبلاء بأخبار وأشعار الكـرماء والبخلاء"، وأفرد له آخرون فصولا وأبوابا في كتبهم الموسوعية الشاملة، مثلما صنع ابن قتيبة في كتاب "عيون الأخبار"، وابن عبد ربه في كتاب "العقد الفريد"، والآبي في كتاب "نثر الدر"، والنويري في كتاب "نهاية الأرب" … وغيرهم كثير.
ولقد "كانت أحاديث البخل والبخلاء "منتشرة ومعروفة في البيئة العربية قبل أن يشرع الجاحظ في كتابه "البخلاء"، ولقد روّج هذه الأحاديث وأتاح لها أن تُنشر عاملان مهمان:
أولهما الشعوبيون الذين كانوا يُحقِّرون شأن العرب، ويرون أن فخرهم بصفة الكرم ليست إلا نفجاً ووهماً لا حقيقة له.
وثانيهما: الخصومة السياسية بين الأمويين والعباسيين، فقد كان كل فريق منهم يعمل على إشاعة النقائص والمثالب للفريق الآخر، ولو عن طريق الاختلاق والادّعاء، وكان البخل من هذه النقائص التي يذم بها كل فريق الآخر"(2).
وقد أصدر الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع، وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للدراسات العليا والبحث العلمي وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة كتابه الأخير «نوادر البخلاء»، يضم نصوصاً في البخل، مع دراسة نصية لها.
وقد اختار الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع في القسم الأول من كتابه أكثر من ثلاثين نادرة من نوادر البخلاء التي أوردتها كتب الأدب، وضَبَطها، وشرح غريبَها، وأحالها إلى مصادرها الأصيلة.
وفي القسم الثاني تناولها بالدرس والتحليل، وأشار إلى دلالاتها المضمونية والفنية، بعد أن تتبّع حركة التأليف حول البخل والبخلاء منذ الأصمعي، وحتى الفقيه الحنبلي جمال الدين يوسف، ومروراً بالجاحظ، وابن قتيبة، وأبي حيّان التوحيدي، وابن عبد ربه، والأبشيهي … وغيرهم.
وقد قال عن الأسس التي تخير على أساسها النصوص التي أوردها في القسم الأول من كتابه:
«وجدتُ كما هائلاً من النصوص التراثية عن البخل والبخلاء، ولو أردتُ التوسع في جمع النصوص لكان لي ذلك … وركزنا في الاختيار على القصص والحكايات، وتركنا الحديث المباشر أو النكت القصيرة أو أساليب المؤلفين التقريرية في ذم البخل … وحاولنا التنويع في مصادر الاختيار حتى نعطي للقارئ الكريم نماذج مختلفة من أساليب المؤلفين، وإن كان للجاحظ نصيب الأسد من تلك المختارات؛ وهذا أمر طبيعي، فمن يقرأ كتابات الجاحظ وكتابات غيره عن البخلاء لا بد أن ينحاز إلى كتابات الجاحظ لما فيها من إبداع، وتصوير فني رائع، ولأن من كتب بعده في هذا الموضوع إنما هم عيال عليه»(3).
ومن «المعروف أن الجاحظ أديب محدث من طراز رفيع، برع في تقليب وجوه الأخبار وتنويعها أنواعا تتلون بألوان الجدة تارة، وتشرق بألوان النكتة والهزل والدعابة تارة أخرى. وهي في كل حال تتراوح بين مختلف الأغراض وشتى الموضوعات. وهذه السمة التي تطبع أدب الجاحظ بطابع إبداعي فذ هي السمة الغالبة على طبيعة ذلك الأدب. وهي التي تحدد كونه أدبا فنيا قبل أن يكون أدبا فكريا»(4).
***
والنماذج التي تُغرينا بالتوقف أمامها كثيرة، لكن يكفينا هنا أن نتوقف أما أحد النماذج، التي أوردها المؤلف بكتابه تحت عنوان "طعامٌ بكلامٍ"، وهذا نصُّها:
«وبينما الشيخ الخراسانيُّ يأكل في بعض المواضعِ إذ مرَّ بهِ رجل فسلَّم فردَّ عليه السلام، فقال: هلمَّ عافاك الله فلمّا نظر إلى الرجلِ قد انثنى راجعاُ يريدُ أن يطفرَ(5) الجدولَ أو يُعدِّي النهرَ.
قال له: مكانَكَ فإنَّ العجلةَ من عملِ الشيطان.
فوقف الرجلُ، فأقبل عليه الخرَسانيُّ وقال : تريدُ ماذا؟
قال: أريدُ أن أتغدّى.
قال: ولِمَ ذاك؟ وكيف طمعْتَ في هذا؟ ومنْ أباحَ لكَ مالي؟
قال الرجل: أو ليسَ قدْ دعوتَني؟!
قال: ويلكَ! لو ظننْتُ أنك أحمقُ هكذا ما رددْتُ عليكَ السلام. الآيينُ(6) فيما نحن فيه أن تكون إذا كنتُ أنا الجالسَ وأنتَ المارَّ أنْ تبدأ أنتَ فتُسلِّم، فأقول أنا حينئذٍ مُجيباً لكَ: وعليكم السلامُ.
فإن كنتَ لا آكلُ شيئا سكتُّ أنا وسكتَّ أنتَ، ومضيتَ أنتَ وقعدتُ أنا على حالي. وإن كنتُ آكلُ فها هنا آيينٌ آخَرُ هو أن أبدأُ أنا فأقول: هلُمَّ، وتُجيبُ أنتَ فتقول: هنيئاً، فيكونُ كلامُ بكلامٍ، فأما كلامُ بفِعالٍ وقولٌ بأكلٍ فهذا ليسَ من الإنصافِ، وهذا يُخرجُ علينا فضلا كبيراً.
قال: فَوَرَدَ على الرجلِ شيْءٌ لم يكن في حسابه.
فشُهِرَ بذلك في تلك الناحية، وقيل لهُ: قد أُعفينا من السلامِ ومن تكلُّفِ الرد. قال: ما بي إلى ذلك حاجةٌ إنما هو أن أُعفي أنا نفسي من هلُمَّ وقد استقام الأمرُ». (البخلاء للجاحظ، ص 20)
ويقول المؤلف في التعليق على هذا النص مع بعض نصوص أخرى تتفق معه في هدفه، تحت عنوان «هل للبخل وطن؟»: «هل للبخل وطن؟! هل يُمكن أن نحكم على عامة أهل بلد بالبخل أو بالكرم؟
المنطق يرفض ذلك، ففي كل بلد كرماء وبخلاء. لكن بعض البلاد اشتهر أهلوها بالبخل، أو شهرهم الأدباء بذلك، وجنوا عليهم. ومن تلك البلدان إقليم خراسان بصفة عامة، ومدينة مرو بصفة خاصة؛ فقد وجّه إليهم الجاحظ سهام نقده ولاذع أسلوبه»(7). وهذا النص الذي سقناه يكشف عن أن «الخُراسيين قد قنّنوا البخل، ووضعوا له الأنظمة واللوائح والأحكام»(8).
والنصوص التي أوردها المؤلف في حاجة إلى دراسة هذه النصوص دراسة جمالية ونفسية واجتماعية تكشف عن منابع الإبداع وخصائصه في هذا المجال الخصب.
.....................
الهوامش:
(1) نشر في مجلة «الخفجي»، عدد ذي الحجة 1424هـ ـ يناير-فبراير 2004م.
(2) د. عبد الحكيم بلبع: النثر الفني وأثر الجاحظ فيه، ط3، مكتبة وهبة، القاهرة 1395هـ، ص 233، 234.
(3) د. محمد بن عبد الرحمن الربيع: نوادر البخلاء، نصوص ودراسة، ط1، دار الشروق، القاهرة 1420هـ-1999م، ص58،59.
(4) د. ميشال عاصي: مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ، ط1، دار العلم للملايين، بيروت 1974م، ص 6.
(5) يطفر الجدول: أي يعدي من ضفة إلى أخرى.
(6) الآيين: العادة والقانون والنظام، كلمة فارسية.
(7) د. محمد بن عبد الرحمن الربيع: نوادر البخلاء، ص67 ، 68.
(8) السابق، ص68.





1 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين


    Bing (1)