ذهاب للمحتوى


صورة

جمرة العريفي تلجأ إلى الهلاك (2-2)


  • Please log in to reply
No replies to this topic

#1 فهد حسين

فهد حسين

    عضو جديد

  • الأعضاء
  • Pip
  • 13 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 March 2012 - 12:55 PM

ويقدم النص امرأة رابعة هي ليلى الطالبة في المدرسة التي حاولت أن تستحوذ على محمود السيد في كل شيء، إذ تعطيه الجسد والمتعة واللذة، وتأخذ منه المال والذهب والمجوهرات والملابس الثمينة، »عاش متنعمًا في حياضها، وعاشت متنعمة في هداياه الكثيرة، والباهظة الأثمان، ففتح لها حسابا مصرفيا... هذا الخاتم الألماس أريده يا حبيبي .. هذا العقد من الألماس يعجبني... ص174« حتى إذا ما شبعت منه تركته بحسرته ولوعته لتذهب إلى أحضان أصدقائه في تلك المزرعة التي يذهب لها. »رأى ليلى تجلس في حضن أعز أصدقائه وبقية الأصدقاء يغنون ويرقصون فاشتعلت النار في جوفه وتأجج لهيبها... ص184«.
هذه أربعة نماذج نسوية طرحتها الرواية كانت تحلق في فرحها وسعادتها عبر الكلمة الشعرية، ولكن في الوقت نفسه أشار النص إلى أن لجوء هذه النماذج إلى محمود السيد، ومحاولة الأخير استغلال ذلك لم تكن »وليدة« رغبة محضة، بل نتيجة ظروف قاسية مرت بها هذه المرأة أو تلك، فلو كان محسن زوج مريم يقوم بواجباته الزوجية والطبيعية ويعطي وقتًا إلى زوجته لما حدث ما حدث، لهذا كان لجوء مريم لمحمود السيد هو هروب من واقع غير سعيد في اعتقادها، إلى واقع اعتقدت أنه سيكون سعيدًا ويخرجها من حالتها إلى حالة أفضل، لكن القدر لم يعطها ما تريد بل ذهبت ذات يوم إلى الشقة فوجدت المفتاح لم يعد متوائمًا مع قفل الباب. وكذلك لجوء دلال وزينب وليلى.
يحاول الكاتب في هذا النص السردي أن يقدم لنا بعض نماذج من الرجال والنساء في المجتمع، حيث ما من مجتمع في الحياة إلا وفيه من هذه النوعية التي يقبلها أو يرفضها المجتمع، وطرح هذه النماذج لم تكن لمجرد ابراز هذه النماذج فحسب، وإنما لأن هناك تداعيات ومعطيات سببت وجود هذه النماذج النسوية والرجالية، ولن نقف عند كل هذه النماذج إذ نتركها للقارئ، وإنما نقف على نموذجين هما دلال وزهرة، حيث كشفت الرواية أسباب لجوء دلال إلى نسج علاقة مع محمود لما كانت تعانيه من غيرة على من تحبه، وهو الشاب الذي فضلت أن تكون معه في الدراسة الجامعية بأمريكا، إنه عماد، لكن الأخير تعود بحكم تربيته في الغرب ممارسة حريته الشخصية والجسدية مثلما يريد ويرغب من دون قيد أو شرط، وهذا ما حصل يوم الحفل الذي أقامه عماد حبيبها في شقته »فبينما دلال وحدها تعاني تمزقًا حادٌّا بين حب تراه يسيل من بين أصابعها، وبين وضع لا تستطيع أن ترضاه، حتى رأت عماد يأخذ فتاته ويدخل بها غرفة النوم ويغلق الباب... ص128-129« بعدها مباشرة يأتي طلب العودة إلى البحرين، وتدخل في المعاناة العاطفية، والمرض النفسي، والاكتئاب، ولكي تعود إلى حالتها الطبيعية اقترح عليها طبيبها أن تكتب ما تفكر فيه وتشعر به بأي أسلوب تراه، وأن تبدأ الدراسة الجامعية مرة أخرى، وهكذا استطاعت أن تحقق الاثنين، كتبت الشعر مداعبة أفكارها وعواطفها وأحلامها، وحوارها مع ذاتها، وتنهي دراستها الجامعية لتكون موظفة في تجارة أبيها. وما لجوؤها إلى محمود السيد إلا منطلق إلى عالم أرحب وفضاء أوسع يستطيع حمل تلك الأثقال من على كاهلها. فهي حالمة أن يكون محمود السيد أستاذها الذي يمسك بيدها لعالم الشهرة، والكتابة، لكن وإن عرفت بين الأوساط الثقافية بعض الشيء إلا أن الرياح تأتي بعكس ما يتمناه ربان السفينة، لذلك فضلت الابتعاد عن محمود ومقاصده. أما لجوء زهرة إلى خلفان الأجير الذي اشتراه السيد جعفر وهو لم يتجاوز السنوات التسع بعد ما هرب من عُمان ليكون عاملا في المزرعة أصبح، مقربًا إلى العائلة وزوجات السيد الأربع، ولكن زهرة الأصغر، والزوجة الرابعة التي تتقارب مع خلفان في السن، فقد أحبته ورسمت لها عالمًا تختلي فيه بخلفان ليمارسا بعض الوقت ما لم يستطع السيد جعفر أن يحققه لها، وبخاصة أنها لم تنجب بعد، فمن خلال لقاء ليلي في المزرعة بعد أن تسللت لها بحجة تريد السباحة في البركة »علمني السباحة... وبمجرد أن لامس ثدياها يديه توتر جسده تمامًا وأسقطها في الماء فغاصت ثم خرجت بقوة تشهق... أمسكها يريد أن يعيدها إلى الدرج فالتصق جسدها كاملا بجسده... ص105-106«.
وفي المقابل هناك هروب من قبل الرجل أيضًا مثل هروب خلفان بعد ما تكشف أمره مع زهرة والبقاء في المنامة ليدخل في مزالق الحياة واللذة والشراب في بيت أمينة، وكذلك مبارك الخارج من السجن من دون مأوى ليستقر به المقام بعد شرب وعربدة، والرجوع إلى القراءة في كتاب الديانات السماوية والوضعية، والجلوس في أحد معابد الهند، ثم ينتهي به المقام ليستقر في أحد المساجد يقرأ القرآن ليلاً ونهارًا مبتعدًا عن كل ماضيه وحاضره، وجاعلا نفسه لاستقبال الآخرة. وينهي الكاتب روايته بنهاية محمود السيد الذي قتله عشق النساء، والبحث عن ممارسة اللذة معهن، فبعد ترك ليلى إياه، فسدت حياته، وعاش معذبًا لذاته، فلم يعد كما كان شاعرًا وكاتبًا، وزوجًا وأبًا لعائلة، بل وهب نفسه لتيار الأهواء والحسرة والحزن حتى هرب إلى منطقة الشاليهات مبتعدًا عن كل الناس والعالم، «وظلوا يبحثون وينادون ويصرخون حتى وجدوا جثته على شاطئ مهجور وطيور النورس تحوم حولها وكذلك الذباب ص189».
وما يلفت النظر أن الكاتب جعل الشعر ركيزة أساسية في العمل الذي نمت أحداثه وبخاصة بين النساء ومحمود السيد، ولم يشر إلى أي امرأة تكتب القصة مثلا، على الرغم من أن النص الروائي أشار إلى وجود ناد للشباب يعنى بهذا الأمر، بكتابة الشعر والقصة، كما أننا نتساءل لماذا تأكيد عرض بعض نصوص المرأة الشاعرة في الرواية؟ فهل لأن الكاتب يريد لفت انتباه القارئ إلى إمكانيته الشعرية التي تمظهرت في نصوص محمود السيد ودلال وزينب؟ أم لأن تلك الفترة الزمنية كانت سطوة الشعر عالية ومسيطرة على المشهد الإبداعي في البحرين؟ أم قد يكون وراء ذلك أن سلطان الشعر كان ولايزال مهيمنًا على المبدعين والمثقفين، وهم دائمو الحلم بالشعر والكتابة الشعرية؟
هناك أمور كثيرة في الرواية يمكن للقارئ مناقشتها كالعلاقة بين القرية والمدينة وثقافة أفرادهما، النظرة إلى المرأة من قبل المجتمع والأعراف والرجل، بل من المثقف تحديدًا، ولماذا الوقوف عند هذه المحطات من العلاقة الجندرية في المجتمع البحريني، وغيرها من القضايا التي حاولت الرواية الوقوف عندها بشكل أو بآخر، وأما التقنية اللافتة في النص الروائي فهي تلك العلاقة المتداخلة بين الكاتب والراوي والشخصيات، تلك العلاقة التي تبرز بخط أسود يختلف عن خط كتابة الرواية، فمرة نجد الشخصية تتحدث مع نفسها في منولوج تسأل أو تناقش أو تطلب التأمل فيما ستقوم به من عمل، ومرة نجد التداخل في العبارة الواحدة بين الشخصية والراوي عبر الحوار المبطن بينهما تجاه حدث ما، ومرة ثالثة يدخل الكاتب موجهًا بصورة غير مباشرة نحو هدف ما أو حدث لابد أن يقع. إنها مجرد أفكار خالجتنا بعد قراءة الرواية نطرحها لمن يريد قراءة الرواية.




0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين