ذهاب للمحتوى


صورة

يوميات بائع الفستق


  • Please log in to reply
7 replies to this topic

#1 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 16 March 2010 - 11:01 AM

يوميات بائع الفستق (1 ـ 4)

بقلم: محمد محمود عبد الرازق
....................................

تستطيع أن تٌلقي الموهبة وسط أي بيئة، وتحت أي ظرف، بالإرادة وحدها تعبر عن نفسها، قاهرة كل الصعاب، ولا شك أن والد محمد حافظ رجب كان عصاميا لا يرضى بالواقع، ربما ورث محمد الرضا بالواقع عن أبيه، وإن اختلفت بهما السبل، كان الأب يسعى إلى تحسين حالته المالية دائما، انتقل من بيع الجرائد إلى بيع المحمصات، ثم قاده طموحه إلى فتح مطعم للفول يؤمه الفعلة غالبا، أما الابن فكان يتطلع إلى شيء آخر، ونحن نميل إلى أن الأب وضع بذرة هذا الشيء الآخر فيه أيضا، فلكاتبنا ثلاثة أخوة غير أشقاء، أدركتهم حرفة الأدب: الكاتب المسرحي السيد حافظ، ورمضان الذي يكتب المقال أحياناً، وعادل المهتم بالدراسات التاريخية، لكنهما لم ينالا حظ السيد، الذي لم ينل شهرة محمد، ورغم فقر الوالد أصر على تعليم أبنائه جميعا، ولم يستطع محمد الحصول على غير الابتدائية لنزعة التمرد فيه، وربما كانت هذه النزعة وراء تفوقه على أخوته وكثير من كتاب القصة أقرانه، وأراد أبوه أن يحصنه فزوجه صغيرا، ولم يكن يدري أن هذا الزواج سينقلب وبالا عليه، أما قسوة الأب فكانت هي أسلوب العصر عند كثير من الأسر خاصة غير المستنيرة، وإن زادت في بعضها عن حدها.
وينتقل تمرده على سلطة الأب، إلى كل سلطة أبوية أخرى في الوظيفة والثقافة والدولة، ويبدو أنه تفهم الوضع بالنسبة لأبيه بعد أن صار جدا، وعرف طريق الزاهدين، ذكر لي أنه كان يحب أباه ويكرهه لأنه كان يضربه بقسوة .. الآن .. التمس له العذر .. كان عنده حق .. ابنه شاذ .. الشذوذ ـ عنده ـ ألا تهتم بعالمه، وعالمه هو العمل، غير مسموح لك أن تفكر في شيء غيره أو بعده، كان يريد أن يكون ذراعه اليمين، لكن محمد أصر على أن يبتر له ذراعه دون أن يشعر بذلك، وإذا كان تفهم الأمر بالنسبة لأبيه، فما زال يناصب السلطات الأبوية الأخرى العداء، موقفه من يوسف السباعي لم يتغير، وكان السباعي بندقية بروحين، فهو المسئول عنه وظيفيا، وهو أحد ممثلي السلطة الثقافية، ورغم أنه كان مسئولا وظيفيا عالي الهامة، لا يستطيع أن يصل إليه أحد بسهولة، فإنه يحمله وزر كل ما حدث له في الوظيفة، أما نحن فنشعر بعكس ذلك، وبأنه كان يقف إلى جانبه ضد تصورات رؤسائه الكبار، متفهما موهبته التي تميزه عنهم، وإن اصطبغ ذلك بصبغة تأنيبه، ثمة وقائع دالة وإن حكاها محمد لإثبات عكس ما تشير إليه، يقول حافظ إنه نشر قصة: "الفارس" بمجلة: "الإذاعة"، وكانت مجلة مقروءة، وعندما عاد يوسف السباعي من الأسر السوري بعد الانفصال، أوقفنا مدير عام المجلس طابور التحية، كان رجلا عسكريا كمعظم الموظفين الكبار، أشار إليّ وقال للسباعي إنني كتبت قصة ضده، سألني السباعي:
ـ ماذا تقصه ؟.
ـ قصة ضد البيروقراطية.
ـ قال بدهشة.
ـ أيه ؟!!.
ـ البيروقراطية.
محمد حافظ ينطق الراء غينا، ويتحدث ببطء، أتخيل دهشة السباعي ومحمد ينطق الكلمة الأجنبية مرتين ببطئه المعهود:
ـ ألبي .. غُق .. غا .. طية ..
وأزعم أن السباعي اتخذ من هذه الطريقة مطية ليرضي الشاكي الذي لا يجرؤ على مناقشة قرار السباعي، ويهون من شأن الكاتب حتى لا يظهر بمظهر المحابي، وفي نفس الوقت لا يتهم بأنه منع كاتبا من التعبير عن رأيه، فأشار إلى محمد متصنعا الغضب والضيق قائلا:
ـ رح أكتب اللي أنت عايزه(1).
وأحسب أن محمد حافظ أطلق صيحة: "جيل بلا أساتذة" في وجه السلطتين الثقافية والسياسية، فبعد تأميم الصحافة وغيرها من دور النشر، تشبث المتعلقون بأهداب السلطة بمقاعدهم، واعتبروا أية محاولة للاقتراب منهم مزاحمة لهم، وكان لا يفصل محمد وأبناء جيله عنهم سوى بضع سنوات، ولنسمهم جيل الخمسينيات، ونضم إليهم جيل الأربعينيات وفلول من سبقوه، ولم يكن مصطلح الأجيال ظهر بعد، بكل ما اتسم به من حدة فاصلة باترة بين عقود الزمان، ارتمى أتباع النظام وخدامه على أعتاب السلطة القاهرة، ولم يعد يعنيهم إلا المحافظة على الكراسي، ودارت بينهم لعبة الكراسي بغير موسيقى، واتسمت بالشراسة والخداع، واشتهرت اللحظة بتآمر التلميذ على معلميه، وتضحية الولد بأبيه وأخيه، وما زلنا نذكر المؤامرة الكبرى الكريهة التي قضى فيها محمد حسنين هيكل على معلميه، وتربع على عرش الصحافة المصرية ردحا طويلا من الزمن، ساحقا بأقدامه كل من تصادف مروره في طريقه، وما زالت آثار أقدامه باقية، وما زال معاونوه ينتشرون في كل مكان، ويقضون على أي موهبة، وإلى الآن لم تستطع الصحافة المؤممة التي يسمونها الصحافة القومية، أن تبرز عبقرية، أو تظهر نابغة، أو تتيح الفرصة لموهبة.
الجيل الذي أصبح يسمى جيل الستينيات كان ما زال يتلمس طريقه عند قيام الحركة المباركة التي كان معظمه ما زال في المدارس الثانوية، في حين كان الجيل الذي سبقه على أعتاب التخرج من الجامعة إن كانوا دخلوها، وكان جيل الستينيات يتوقع أن يقابل بالترحاب كما اعتاد أن يسمع ويقرأ عن الأجيال السابقة، فهو يعلم كيف استقبل الوزير علي مبارك التلميذ مصطفى كامل، ويحفظ أسماء من مهدوا الطريق لطه حسين وغيره، كانت الأشجار الباسقة تستقبل البراعم والزهور في حدائقها انتصارا للوطن، أو حتى تحقيقا للربح، كانوا رجالا يؤمنون برسالتهم، وظلت هذه الظاهرة حتى قيام الثورة البيضاء !..، إحسان عبد القدوس احتضن مجموعة كبيرة من أصحاب القلم والفرشاة، وتنكر له معظمهم بعد تكميم الأفواه، حفاظا على عروشهم في الدور المؤممة، بعيدا عن الصحافة كانت عمليات الاحتضان والتفريخ تتم ـ أيضا ـ عن طريق الأحزاب والهامات المؤمنة بالله والوطن، تغير الوضع منذ إلغاء الأحزاب واحتكار العسكر للوطنية والعمل السياسي، وحين صد الكبار المواهب الشابة عن سبيلهم، أصر الصغار على طرق أبوابهم حتى كلت أيديهم، وتنبهوا إلى الواقع الممرور فقرروا السير وحدهم.
ويعبر الدسوقي فهمي عن معاناتهم في المقدمة التي كتبها لأعماله بمجموعة: "عيش وملح" ووقعها باسم زميلهم محمد جاد فيقول: ".. وأفقنا على أكوام الورق وزجاجات الحبر، والدم الذي نزفناه، والليالي التي فاتت مثقلة بأعلامنا وبأمل من نعبر عنهم، وقيل لنا اطرقوا الأبواب وفعلنا، ولكن لم يسمعوا، لحظتها ظننا أنه ربما قد تكون قد أخذتهم تعسيلة، أو ربما كان "وابورهم" والعا: فقلنا نسترح ثم نعاود الطرق، ولكننا لم نسترح، وإنما وجدناها فرصة لمزيد من العمل، ففكرنا في أن نيأس، فلم نملك حتى ذلك أيضا، وعدنا ندق الأبواب بأيدينا وأرجلنا، وكانوا قد أعطوا وابورهم نفسا، ولم نحتمل وشَّه، فوضعنا الذوق جانبا، ودخلنا الجامع بالأحذية ودنسنا بلاط صاحبة الجلالة بأقدامنا الريفية، وابتسموا لنا في طيبة وربتوا علينا، قلنا في أنفسنا هؤلاء هم الأساتذة حقا فلنتعلم، إلا أن واحدا منهم قال: اذكروا دائما أن من الناس من أفنى عمره يطلب ودي فما قبلت، وأرى أنكم تدخلون قلبي بسهولة، ولا أستبعد أن يصبحوا أصدقائي، وهي غاية في حد ذاتها، فلتكافحوا من أجلها، ودعوا القصص جانبا، فما أصبح الفن والأدب بما يلهو به العيال بعد.
وفي حوار أجراه علي عوض الله كرار لم ينشر بعد(2) يقول محمد حافظ رجب: نحن حين دهسنا بلاط صاحبة الجلالة، وقوبلنا بوجوه وملامح كرتونية، كدنا أن نستسلم لهم كالأطفال واقعين في غرامهم، جاعلين ـ عن طيب خاطر ـ منهم أساتذتنا، هذا ما حدثنا به أنفسنا، لكن النسخة الفيلمية الثرثارة التي شاء حظنا أن نستمع إلى نصائحها للنهاية، كرهتنا فيها وفيهم، شممنا رائحة غراء للكاتب في أفواههم. أحسسنا أنهم ضفة، ونحن ضفة أخرى. ضفتان لا تلتقيان، لكن قدرهما أنهما تصنعان المجرى والتيار والنسمة الطرية، بدونهم نتحول إلى مستنقع أو في أحسن الأحوال بحيرة جميلة، وكذا نعلم ـ بالحس ـ أنهم بدوننا أيضا يتلاشون، بتلاشينا يتلاشى النهر فيتلاشون هم تبعا لذلك، نحن قدر السلطة وهم قدرنا، مياههم تطردها حرارة أجسامنا إلى حرارة شمس السماء لتسقطها نهرا أو بحرا أو بحيرة، نكتب على نسماتها الطرية قصصنا، لكن هذا لن يحدث إلا مع قدوم اليوتوبيا المستحيلة وزوال الأيام الكوبيا الثقيلة.
ويتسق ذلك مع تصريحه لعبد الله هاشم قبلا عندما سأله عن أسباب إطلاق صيحته: فقال إنها كانت احتجاجا على وجود الملايين في الصف، وهذا يعني تشابه كل الناس في لعبة الخضوع للحاكم الأوحد، وركبت الأجيال السابقة الموجة، ولم تتح لغيرها فرصة التواجد، "واكتفت بالابتسامة أمام الجدد، والتظاهر برعايتهم وكتابة بعض المقدمات لمجموعاتهم القصصية"(3) وأزعم أن الدكتور شكري عياد لم يكن محيطا بهذه الأبعاد عندما تحمس للرد عليه في جريدة "الجمهورية"، وما كان بمكنته أن يحيط بها، وما كان بمكنة محمد حافظ أن يصرح بأكثر مما صرح به وقتها، ومن ثم دخل محمد شكري عياد "المكلمة" الرسمية متسلحا بأسلحتها القديمة "البالية"(4).
وفي الأيام الأولى للانقلاب العسكري كان محمد حافظ رجب من أوائل الذين وقفوا في محطة الرمل لتحية قادته، يذكر أنه اشترى ورودا ونثرها عليهم أثناء مرورهم، وقبل أزمة مارس 1954م زار جمال عبد الناصر كلية الآداب جامعة الإسكندرية، كان وقتها وزيرا للداخلية، قاطع الشيوعيون والأخوان المسلمون خطابه بشعارات استفزازية ترفض "النقطة الرابعة"(5)، وتطالب بعودة الحريات، وكان متولي السلماوي الطالب بكلية الآداب ـ والأستاذ بذات الكلية الآن ـ يقود الشيوعيين، وأراد محمد حافظ أن يفعل شيئا وسط هذا الجو العدائي، فكان يمر على الجبهتين "صائحا: دول رجال ثورة حقيقية .. وعلينا أن نقف بجوارهم"، لكن خطابه لم يصل إلى آذانهم، وحين توجه عبد الناصر إلى سيارته لكزه محمد حافظ في كتفه طالبا مصافحته، وامتدت عشرات الأيدي بعده، ونشرت "آخر ساعة" لقطة لهذا المشهد، بعنوان: "الشباب يعاهدون ..".
يقول محمد حافظ للمترجم الأديب سمير أبو الفتوح "إنه تنبه للخدعة في القاهرة، وكان سعيدا، لهزيمة المارد المسيطر علينا أمام العالم كله عام 1967"(6)، الشيخ محمد متولي الشعراوي صرح بتصريح مشابه، لكني لا أصدقهما، فالوطني الذي يفرح بهزيمة الحاكم المستبد، يشعر بالمرارة ـ في ذات اللحظة ـ لهزيمة الوطن، لكن اللغة لم تتهيأ بعد للتعبير عن العلميات النفسية المركبة .. عن الفرح والحزن المنصهرين معا. في أواخر عام 1967م تعرضت لهذا الحزن في قصة بعنوان: "ديدان الجرح الغائر"، وكان همي إيضاح أن المهزومين ليسوا أبناء الوطن المخلصين، أثناء الانسحاب، شاهد ثلاثة من المرهقين بينهم جريح، سيارة ودراجتين بخاريتين، اكتشفوا أنها عربة تموين. انطلق أحدهم بإحدى الدراجتين بعد أن حملها بما اتسعت له من العلب، وسار في غير طريق العودة، أراد موريس الجريح أن يقول إنه طريق العودة: "لم يكمل موريس عبارته .. ابتلع بقيتها كما يبتلع سجين أيدي رغبة تداعب أحلامه، استقرت جمرات القهر في جوفه وهو يتطلع إلى الأفق مقيما وراءه واقعا جديدا، بل إنه .. طريق العودة .. قلها يا موريس ولا تخجل .. لسنا نحن الذين هزمنا .. الخونة هم الذين هزموا .. الجهلاء هم الذين هزموا .. المخادعون هم الذين هزموا .. الكذابون هم الذين هزموا .. المغرورون هم الذين هزموا .. بكل ثقل الرحلة قلها ولا تخجل .."، وفي لقطة أخرى: "كان عظيما، لم تخرب الرحلة روحه، تذكرناهم ونحن نأكل .. أولئك الذين ما زالوا يقطعون جوعي صحراء بلا حدود، لكن علي حتما كان يتذكر ويفكر بطريقة غير طريقتنا .. لم تستطع الرحلة بكل جبروتها أن تغرس في لحمه شوكها الصحراوي النهم، عاد مرات .. يتزود بمؤونة جديدة وينطلق يوزع الرحمة على فلول جيش لم يتح له الخونة والجهلاء والمخادعون والكذابون والمغرورون أن يشترك في معركة.
قال موريس:
ـ كيف لم نفكر في هذا !!.
قلت كالتائه:
ـ جاءت الفكرة لمن نفذها(7).
***
محل الميلاد: الحقيقي محطة الرمل .. واقعة الميلاد: في "الباب الجديد"، كان يتبع وقتها حي كرموز، الآن يتبع محرم بك.
تاريخ الميلاد: السادس من الشهر السابع من العام الخامس والثلاثين من القرن الماضي.
ظلت الأسرة تداعب "غربال" بعدة نقلات في اتجاهه طيلة خمس سنوات إلى أن استقرت به، مكان غريب مثير للدهشة يسيطر عليه الغجر بقيادة زعيمهم سلامة، معظم بيوتهم من الصفيح، ودارت معظم روايات مصطفى نصر في هذه المنقطة، وتذهب رواية: "جبل ناعسة" إلى أن جامعي القمامة اتخذوا من غربال موطنا لهم ومستودعا لبضاعتهم، تحده ترعة المحمودية، ويفصله عن كرموز شارع راغب الذي يقيم جامعو القمامة خلفه، ولا يبعد "جبل ناعسة" كثيرا عن هذا الشارع، وهو منطقة مرتفعة قليلا، وذكر بالرواية أن المرأة التي يسمى الجبل باسمها ما زالت على قيد الحياة، وهي امرأة غجرية، تسكن كوخا من الخشب وتسرح ببعض الأغنام(8).
ويذكر عبد العليم القباني أن أباه نزح من "مطوبس" إلى كرموز، وافتتح دكانا لتفصيل الملابس البلدية في منتصف شارع "باب سدرة"، ويعتبر أهم شارع بالمنطقة، ويقوم بنيانه الاجتماعي على دعامتين من حيث السكان، الدعامة الأولى: طائفة أبناء البلد وبجانبهم بعض الوافدين من أبناء الوجه البحري ويقومون بأعمال صناعية وتجارية شتى، وتقوم الدعامة الثانية: على الوافدين من أبناء الصعيد الذين يتكتلون في مجموعات كل منها ينتسب إلى بلدة بالصعيد، وقد كانوا هنا ينتسبون إلى أسيوط وإلى مركز منفلوط في الأغلب ويعملون أو يعمل أكثرهم في الصناعات اللازمة لتصدير القطن من حلج وكبس وفرفرة وغيرها، والانسجام بين هذين الطرفين لم يكن تاما، ولهذا ظهرت التكتلات القبلية عند أبناء الصعيد إزاء بعض النثيرات الصغيرة من الطرف الآخر، وضخمها الإحساس بالذات عند بعض الفريقين، ويذكر من تكتلات أبناء الصعيد ـ على سبيل المثال ـ أبناء ريفا وموشل بكرموز، وبني كلب (الكلابوة) والشوكة بباب سدرة، وأبنوب بالفراهدة، ـ وهؤلاء من مديرية أسيوط ـ والصوامعة بالسنوسي واللبان، والعرابة بالعطارين وجهينة بالقباري وهؤلاء من مديرية سوهاج، وشندويل والمراغة والجعافرة بالملاحة، وقامت هذه التكتلات في البداية لرد الأذى وصون الكرامة، وظل الأمر كذلك حتى خفت حدة تكتلات أولاد البلد والبحاروة، وارتفعت كفة تكتلات الصعايدة، وما لبثت النار أن اشتعلت بين التكتلات الصعيدية نفسها، وكان أن اهتدى البكباشي السيد عبد الرحمن ـ وهو صعيدي من برديس ـ إلى فكرة إنشاء "نادي الصيد العام"، وفي مقدمة أهدافه حل المشاكل بالتعاون بين الشرطة ورؤساء الصعايدة الذين اختارهم الناس تحت إشراف المحافظة، ومنح رئيس كل طائفة لقب عمدة، وكان لهذا اللقب سحره، فشعر المعلمون بالمسئولية أمام كبار رجال الدولة، وهدأت العاصفة واستمر النادي يؤدي رسالته سنوات وسنوات إلى أن هدأت النفوس وازداد الوعي فتحول بناء النادي إلى مستشفى(9).
من غربال تسرب الخيط الدرامي الدامي، وفي محطة الرمل تفتح البرعم، شاهد محمد حافظ رجب أفلام سينما ستراند(10) كلها، وكذلك سينما الهمبرا(11). توما خريستو وشركاه صاحب مصانع شيكولاتة "كورونا" كان يمتلك العديد من دور السينما، من بينها ستراند ورويال(12)، ومحمد علي(13)، كما كان يمتلك محلات "على كيفك" التي كانت تبيع السندوتشات والمشروبات وخاصة الحكولية، أسرت محدثي الرسوم المحركة. رأى في "توم آند جيري" ما لم يره من قبل، القط الأليف أصبح مخلوقا شريرا، والفأر الجبان القذر بحيله للخلاص أحببناه، عندما كبرت رأيت فيه الدول الصغيرة التي تعاني من بطش المستعمر، كان لهذه الأفلام "حدوتة" مكررة، جعلتها الإثارة الأمريكية زادا لا غنى عنه، وكانت تتنوع كتنوع الفول والطعمية والبصارة والأصل واحد.
(يتبع)

#2 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 16 March 2010 - 01:23 PM

يوميات بائع الفستق (2 ـ 4)

بقلم: محمد محمود عبد الرازق
...................................

كذلك كنت أستعير الصحف والمجلات والكتب من باعة الجرائد، أقرأها واقفا وأنا أبيع المحمصات، أحيانا أحمل كتابا معي وأعيده في الصباح، الناس هم منهلي العذب الرئيسي .. مدرستي الحقيقية، الناس العابرون، والناس المزروعون في المحطة: باعة الصحف، ماسحو الأحذية، الجرسونات، أصحاب المحلات، الواد يورو الذي يعمل في محل "على كيفك" كان بيديلي الجيلاتي، كان بالمحل أيضا عمال شيوعيون، ومن العابرين ما زالت أذكر رجلا مصريا كان شكله آسيويا، وكان يأتي إلى المحطة ويضع سيجارته في مبسم طويل ويقرأ الجرائد الإنجليزية، سافر إلى أمريكا واستغل سحنته الآسيوية في الضحك على الأمريكان، كان يلبس ملابس الهنود الحمر ويبيع "إكسير الحياة" .. شوية ميه ملونة.
كنت أنتعش عندما تقوم المظاهرات، أشعر أن الدنيا حلوة، كل محال الخواجات كانت تداري أسماءها الإفرنجية.
يقف محمد حافظ رجب ببنيكته أمام سينما ستراند، أعتقد أن "البنيكة" تصغير "بنك" بالمصرية، قبل إنشاء البنوك أو المصارف كانت لفظة "بنك" تطلق ـ في العالم الغربي ـ على الحاجز الذي يتصدر واجهة المحل التجاري ويفصل بين صاحبه وعملائه، كان الزبون يضع النقود على البنك الخشبي أو المغطى بالزنك أو الرخام، وكان صاحب الدكان يعد له الباقي على ذات البنك، من أجل هذا سميت المصارف بنوكا، واستمر استمرار المعنيين معا، وربما يكونا انتقلا إلينا معا، والبنيكة هي الصندوق ذو الجدران الزجاجية الذي توضع فيه المحمصات، ويسرح به الباعة الجائلون أو يضعونه على حامل خفيف الوزن ليسهل حمله والانتقال به من مكان لآخر، ويحدثني محمد حافظ عن أبيه فيقول: إنه كان يبيع الجرائد في محطة الرمل، ثم تحول إلى بيع المحمصات بجوار سينما ستراند، وأنه أول من أدخل بيعها في المحطة كلها، ويسميها الناس "تسالي" بحكم طبيعة العلاقة بينها وبين البضاعة، هكذا يقول محدثي الذي لا يترك شيئا في حاله، أو في حالة سكونه، كان الناس يقضون لياليهم في المسامرة، وكان يلزم المسامرة زاد خفيف، وربما كان يلزم الفم إيقاع أيضا، فكان اللب وطرقعاته التي تتناغم مع الضحكات، وانضم إليه ـ حسب المقدرة ـ السوداني والفستق واللوز والبندق.
أنجب أبوه عشرة أبناء ماتوا جميعا ما عداه ـ كان ترتيبه الثالث رزق الأب بأبناء آخرين من سيدة أخرى ـ مكث محمد في مدرسة أحمد طلعت الأولية عاما، وفي مدرسة الكمال الأولية عاما، وحصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة صلاح الدين بصعوبة، كان تلميذا خائبا في جميع المواد ما عدا الإنشاء.
في محطة الرمل كانت لي شعبية كبيرة ـ كما يقول ـ بين الغاديات الرائحات، كن يتجمعن إلى جواره، وكانت باكينام بنت فرغلي باشا تنزل من العربة الرولزرويس التي ظل أبوها يحتفظ بها طيلة حياته، فأنظر إليها وهي تدخل السينما، ويأتي أبوها بنفسه ليشتري لها اللوز والفستق، زيزي بنت نيازي باشا كانت في مدرسة داخلية، عرفت اسمها من مجلة "روز اليوسف" التي نشرت صورتها.
ـ أهلا زيزي هانم.
ابتسمت ..
ـ كيف عرفت اسمي ؟
ـ من روز اليوسف
ما زلت أذكر أظافرها الطويلة، ذات الطلاء الأحمر بلون شفتيها، وهي تلتقط من "بكها" الصغير نصف فرنك وتضعه في راحة يدي. كان الملك فاروق تضوي صورته فوق العملة الفضية التي كانت تعمل غدوة معتبرة وقتها:
ـ خد
ـ ياخد عدونيك
تضحك
ـ بعدين يسمعوك
كان عندي قوة خارقة تجذب النساء، لكني لم أكن أعرف أن أتكلم، أعتقد أنها قوة شيطانية، استعيذ بالله منها الآن، كانت النسوان تسحب أزواجها للشراء مني .. وبنات شوارع أيضا، كنت أسبسب شعري، ضاق بي أبي فزوجني وعمري سبعة عشر عاما، لم تكن لي تجارب، كنت أهوى الجمال فقط، أتفرج طول اليوم على كعوب الغزلان، ثاني يوم أردت أن أطلقها، لا أعرف ماذا أعمل بها ؟، أفهمني أبي ماذا أفعل، كانت غلطة عمري التي ما زلت أندم عليها.
وإذا كان محمد حافظ يرى أنها قوة شيطانية، فإننا نرى أنها خيال شاعر، وعلى أية حال لا يوجد فرق بين عرائس الأولمب وشياطين وادي عبقر.
وكان ضابط المحطة أيضا من معارفه، وإذا كان أحد الضباط اقتلعه منها، فإن ضابطا آخر أنقذه من تهمة سياسية، وثالث عينه في مصنع "نادلر" للحلويات الذي كان يمتلكه والد زوجة الدكتور بطرس غالي، وكان من الوجوه المصرية اليهودية الشهيرة. كان الملك محمد الخامس أسيرا لدى فرنسا، وكانت الصحف المصرية تتحدث عما يلاقيه من إهانات، كتب محمد حافظ عام 1949م وعمره 14 عاما خطابا إلى مجلة "أمريكا"، كان يشعر أن فرنسا تسير في ركابها، ضمن خطابه ذلك، وأنهاه بقوله: "وداعا يا أمريكا، أيتها الحمقاء المطاعة"، بعدها بأيام طلب منه عسكري أن يتوجه معه إلى نقطة شريف بجوار كلوب محمد علي (قصر ثقافة الحرية الآن)، أراد أن يضع البنكية في أحد المحلات، طلب منه العسكري أن يحملها معه، أخذ ينقلها من يد إلى الأخرى حتى كلت يداه ووصل منهكا إلى النقطة، دخل على ضابط القلم السياسي، يبدو أنه تعاطف معه فلم يشأ أن يعطي القضية صبغة سياسية، نبه عليه أن يبحث له عن مكان آخر لأن محطة الرمل لا تصلح للسياسة، واصطحبه إلى ضابط المباحث الجنائية الذي ما زال يذكر اسمه، قابلة بأبشع السباب، واتهمه بأنه نشال يتخفى وراء البنكية، قلت لمحمد حافظ أن هذا الضابط أحيل إلى التقاعد برتبة لواء بعد أن شيد عدة عمارات فخمة بالإسكندرية، وتوفي في الثمانينات إثر سقوط مصعد إحدى عماراته به في بئره، يدهش محمد، ثم تهدأ تعبيرات الدهشة، وتتداخل مع تعبيرات السكينة حتى تمحوها.
انتشله الضابط الذي اصطحبه من بين أنياب الضابط الآخر، قائلا:
ـ يا ابني دي مصر لازم تفخر بيك
وكأنه يوجه كلامه للآخر.
ـ تفخر إن فيها بياع بيكتب بالشكل ده.
يشك محمد حافظ في أنه صادق النية، صدقته وقتها، لكن مرور الأيام علمني الكثير، يبدو أنهم يجيدون عملية البسترة، الغلي لأعلى درجة، ثم التبريد لأدني درجة للتخلص من البكتريا، والسياسة عندهم هي البكتريا الضارة.
عام 1954م بقرت بطن محطة الرمل لتشييد الأنفاق التي تجري من تحتها، ازدحمت الأرصفة وتعثرت حركة المرور، حدث أن ضابطا كان يشتري منه وهو يخاطب ضابطا آخر، لاحظ أن الناس يصطدمون به:
ـ أنت مش شايف أنك مزاحم الطريق ؟.
ـ أنت اللي زاحمه بوقفتك.
بهدوء تركه وبهدوء ـ لابد ـ توجه إلى النقطة، وأرسل إليه قوة اقتلعته من المحطة.
الضابط الذي ألحقه بشركة "نادلر" كان من ضباط بوليس الأجانب، كان الجميع يقولون له: يا بيه، وكنت أقول له: يا عزيزي، وأتباهى بذلك أمام الباعة الذين نقلوا كلامي إليه فعاتبني .. قلت:
ـ يا بيه دي .. نزلت في آية ؟
الرجل أجنبي.
في المصنع اشتغلت في جر العربات التي تحمل صناديق السكر وغيرها، وكان معظم الرؤساء من اليهود، وكانوا يكرهون بعضهم البعض، وكان المصريون يقلبون القباقيب حتى تستمر مشاداتهم، أحسست بالإرهاق فرحت لطبيب المصنع:
ـ عندك أيه ؟
ـ تعبان
ـ أنت بتدلع
ـ اكتب لي دوا
بعد انتهاء المناوشات، كتب لي يوما أجازة، ففصلوني.
***
أنشأنا رابطة "أدباء القطر المصري" ونحن مازلنا صبية، لا أذكر التاريخ، كان رئيس الرابطة صبي مصوراتي اسمه زكريا محمد عيسى، أصبح ـ فيما بعد ـ أمين الاتحاد الاشتراكي في محطة الرمل، ثم أمينا للحزب الوطني بنفس المنطقة، وكنت سكرتير الرابطة، من أعضائها الذين مازلت أذكرهم: أمين الصندوق صبحي محمد إبراهيم وكان صبيا في دكان الحلبي بياع الهريسة بجوار سينما ستراند، وإبراهيم العدوي بائع عصير في محل "على كيفك"، ورضوان محمد رضوان خادم في فندق، وجابر المراغي عامل نظافة بشوارع المحطة، وكتب عدة أغنيات أذاعتها له إذاعة الإسكندرية، وحين جُند زكريا سلمني الختم وتوليت قيادة الرابطة، راسلنا الصحف فاعتقدت أننا رابطة بصحيح واستجابت لنا، كنت وقتها أكتب قصصا عن الزنوج، التعبير عن مجتمع غير مجتمعك يشير إلى الانفصام عن الواقع، لا أميل إلى رأي محدثي، فالتعبير عن المضطهدين في أي مكان يشير إلى إرادة التغيير الكامنة داخل المبدع، كما يشير إلى احتضانه العالم كله لتوحد قضية الإنسان.
اتصلت بلطفي الخولي الذي كان يحرر باب "الطبقة العاملة" بجريدة "المساء" أرسلت له قصصا قصيرة جدا لا يتجاوز حجمها صفحة فلوسكاب، كما كنت أكتب في مجلة: "الفن" لعبد الشافي القشاش كل أسبوع تحت عنوان: "كتاب وثوار"، وراسلت مجلة: "القصة" التي كان يصدرها يس سراج الدين، ونشرت فيها حوالي ست أو سبع قصص، كانت أولاها بعنوان: "الجلباب"، وكان حكاها لي خال إخوتي عن عامل في مصنع تمزق جلبابه الذي لا يملك غيره، وكنت أرسل قصصي لإذاعة الإسكندرية، ومحطة الشرق الأدنى للإذاعة البريطانية، أول قصة أذاعتها إسكندرية كانت بعنوان: "رسالة إلى الله"، أحدثت هذه القصة مشكلة مع يوسف عز الدين عيسى، قصة طفلة فقيرة، والدها على سرير المرض، أرسلت خطابا إلى الله: عشان خاطري تبعت لنا الدوا، وكيل البوستة فتح الجواب، اقترح عليه طبيب صحة البلدة أن يقوموا بتلبية النداء، عند خروجهم من منزل الأسرة قالت الطفلة: من فضلكم ما تنسوش تسلموا على ربّنا، وتقولوا له أنا متشكرة قوي على اهتمامه بالجواب بتاعي، يوسف عز الدين عيسى أدعى أني سرقتها منه، هددني بإبلاغ النيابة قدام علي نور الذي كان يعمل بالإذاعة، ونشرت جريدة "القاهرة" التي كان يرأس تحريرها حافظ محمود الاتهام تحت عناوين مثيرة لكاتبة اسمها مريم خالد: بائع بمحطة الرمل لديه نزعة أدبية يسرق قصة يوسف عز الدين عيسى.
من كثرة القراءة تراءى لي أن الله ليس حقا !! .. يقهقه: أصبحت ملحدا .. أصل القراءة بتبوظ المخ، اعتنقت الشيوعية عن طريق الذين يهاجمونها، كانوا يذكرون مبادئها للهجوم عليها فتعلقت بها، قرأت كثيرا من الكتب التي يتداولها الشيوعيون، وضعت بعضها في الفاترينة، لا للبيع وإنما لملء الفراغ، كنت استأجرت فاترينة سجاير في قهوة فانجيلي بشارع صفية زغلول في وش سوق المسلة، كان صاحب الفاترينة يوناني لديه محل لبيع السجاير، كنت أدفع لصاحب الفاترينة وصاحب القهوة حتى ضاقت بي السبل، في القهوة كونت رابطة "كتاب الطليعة" عام 1956م، كان من بين أعضائها علي شلش، وعباس محمد عباس، ومحسن الخياط، ورجب البنا، ومحمد خاطر السيد ـ في السويد الآن ـ بياع متجول كان يمر على المصالح الحكومية لبيع الجوارب والمناديل، وأحمد حسين عطا الله شاعر وطالب بالمعهد الديني، وفي مرة جاءني صبي القهوة وقال لي:
__ إيه الحكاية .. القهوة مرشقة مخبرين !!
كان التحق بالمخابرات أثناء تأديته الخدمة العسكرية، فكانت حاسته أكثر استجابة منا بطبيعة الحال. لم يمض وقت طويل وطلبني ممدوح سالم، كان يعمل في قسم مكافحة الشيوعية بالإسكندرية. أوقفوني في الخارج لفترة طويلة. عملية الإذلال التي تعرفها. أدخلوني على بعض الضباط. قال ممدوح سالم:
ـ بتحب مين من الكتاب؟
ـ مكسيم جوركي
ـ من المصريين ؟
ـ الخميسي، ويوسف إدريس
ـ ليه ..؟
ـ بيكتبوا عن الفقراء ..
ـ مفيش حد بيحرجم عليك من الشيوعيين ؟
ـ مفيش حد يقدر يلفني .. وأصدقائي لازم تعتزوا بيهم.
ـ زي مين ..؟
ذكرت لهم اسم بائع المناديل والشربات واسم طالب المعهد الديني .. انفجروا ضاحكين.
المهم فرشت لهم أوراقي كلها، فعزم علي ممدوح سالم بسيجارة، قلت له إني لا أدخن هذه الأنواع، أنا بدخن م التانية، فهم أني أعني الأنواع الرديئة فابتسم وأشعل لي السيجارة وهو يقول:
ـ إذا حد حاول يتصل بك بلغني ..
واتصلت وصديقي عباس محمد عباس بعادل حسونة ابن الدكتور حسونة حسين، ويذكر علي عوض الله كرار أنه طبيب أسنان من مؤسسي الحزب الشيوعي المصري عام 1924م، وأنه انضم إلى منظمة العصبة الماركسية في الأربعينيات، وفي عام 1956م كوّن مع فوزي جرجس حزب "طليعة الشعب الديمقراطية"(14) التي انضم إليها محمد حافظ وصحبه، وعرفاهما على المسئول باسمه الحركي، يقول محمد حافظ إنه كان موظفا بالمحافظة قصير القامة أسمر اللون، ويذهب علي عوض الله كرار إلى أن هذه الصفات تنطبق على سيد حسن عضو حزب التجمع الذي يكتب أحيانا بجريدة "الأهالي"، وكان أول اجتماع لهم بحدائق النزهة، وهي حدائق رحبة آمنة تضم حديقة "أنطونيادس" و"حديقة الحيوان" ومروج خضراء واسعة أخرى، ورغم هذه الاحتياطات الأمنية، جاء علي شلش إلى المقهى بعد ما يقرب من أسبوع، وقال لي: أنت أصبحت عضوا في تنظيم ماركسي، فكفرت بالتنظيمات المحترقة، ولم أكمل المسيرة، وإن ظللت مناصراً للشيوعية.
وصل محمود أمين العالم لإلقاء محاضرة بكلية الطب، اصطحبوه إلى القهوة لمواصلة الحديث، كان من بين الملتفين حوله محسن الخياط، وأحمد البكار، وينقل علي عوض الله كرار فقرات من شهادتي رمسيس لبيب ومحمد علي فخري نقلا عن كتاب: "الحركة الشيوعية في مصر"(15) جاء بها أن أحمد حسين البكار كان طالبا بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية وعضوا قياديا في منظمة "طليعة الشعب الديمقراطية" ثم "الطليعة الشيوعية" وكان قبل ذلك عضوا في "نحو حزب شيوعي مصري"، وهو من مواليد كوم الدكة، وكان والده يمتلك محلا لبيع الثلج في ذات الحي، وساهم أحمد في الحركة الفدائية بالقنال، وكوّن بحي كوم الدكة لجنة للمقاومة الشعبية، ويقول محمد حافظ أنهم تناولوا أدق أسرار الحركة الشيوعية، وكادت دماغي تطق وهم يتناقشون كل ما هو سري وخاص في مقهى عام، كنت أفهم كل ما يقولون، لكني لا أعرف كيف أعيده .. عبارات ضخمة فخمة مثل عبارات الاتحاد الاشتراكي فيما بعد.
لكن أمين ريان له رأي آخر، تعرف عليه عن طريق المجلس الأعلى للفنون والآداب، كانوا مجموعة من الشباب الضائع الذي يبحث عن خرم إبرة، هكذا يقول أمين ريان، كنا نتردد على دور الصحف والمجلات والمجلس الأعلى، كانوا يعرفونني في "روز اليوسف" لأني كنت نشرت "حافة الليل" و"المعركة"، لكنهم لم ينشروا شيئا، المصيبة أن السباعي جاء به إلى القاهرة، خلع الكاتب العبقري من جذوره ليقضي عليه في القاهرة، لم يستطع أن ينشر ما يريد، كان يطبع بضع نسخ على البالوظة ويوزعها على الكتاب، يضع الصبح الدوسيهات على المكاتب، وفي نهاية اليوم يلمها ويسلمها للأرشيف، كان يقول لي:
ـ شف أنا انتهيت إلى إيه ؟
قاسى كثيرا .. الوحيد الذي حصل على شهادة في عائلته .. والفقير إلى أدنى موهبة، كان ينظر إليه شزرا، ربما خرجت صيحة: "جيل بلا أساتذة" من داخل هذا الحصار، كان ثمة أساتذة للجيل السابق: أمين الخولي ومندور .. ومصطفى عبد اللطيف السحرتي طبع ديوان كامل أمين على نفقته، كان لمحمد حافظ رجب نظارة سوداء باغة على ما أعتقد تلعب عيناه من ورائها، وأسنان متفرقة، الموجود منها كعدمه، يحرك إصبعه عند الحديث بإشارات هي عبارات غير منطوقة، ولم يكن ذهنه يتسع للأيديولجي، تصور واحد داخل يعمل عملية خطيرة وتكلمه عن فن تربية العصافير !! .. الأيديولجيات ترف بالنسبة إليه(16).
(يتبع)

#3 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 16 March 2010 - 07:59 PM

يوميات بائع الفستق (3 ـ 4)

بقلم: محمد محمود عبد الرازق
...................................

***
أرسلت نداءً إلى لطفي الخولي للعمل، فنشره، كان النداء موجها إلى الاتحاد العام للعمال، وعدة وزارات من بينها وزارة التربية والتعليم، كان المجلس الأعلى للفنون والآداب يخضع لمملكة كمال الدين حسين، فأحال النداء إلى يوسف السباعي، الذي أرسل لي مدير مكتبه صلاح عبد المتجلي إلى باب بيتي بغربال، قابلني السباعي في فندق سان استيفانو عام 1957م، ناقشني في صعوبة إيجاد عمل، ثم سألني عن الأجر الذي أريده، كنت أكسب ثلاثين قرشا، قلت: ثلاثين، طلب مني الحضور في شهر أكتوبر، وشغلني بعشرة جنيهات، يا ليتني قلت له: خمسين. كان أبي افتتح ـ مع آخر ـ محلا للفول والفلافل بشارع شكور في ظهر محطة الرمل .. شارع جانبي ضيق، انتزعت من وسط الجمال والعطر والأضواء إلى تحرش الجدران ومزاحمة الفعلة ورائحة الثوم والبصل ودق عجينة الفلافل، أخبرت أبي أني سأعمل موظفا، لمّ على المعلمين، وقال لهم: أنا هنغنغه، لم يستطيعوا إثنائي، في القاهرة عرفني الشيوعيون بعامل اسمه نجاتي لأبيت عنده في باب الفتوح، سمعت أمه تقول له:
ـ يمكن يكون حرامي !.
قدمت استقالتي في ثالث يوم، عدت لأبي فطردني، قلت له إنني تركت مكتبا عليه تليفون، توسط أهل الخير قبل أن أدق الفلافل في الجرن، ومنعني من الأكل بدون فلوس، بعد فترة .. رحمني من الجرن. واشتغلت جرسونا، كان قويا، حين كتفني وضربني علقة سيحت دمي، قلت في عقلي: السباعي أرحم، عند موت أبي قدمت استقالتي وعدت أعمل في الدكان.
كنت معينا بالمجلس الأعلى بقرار من مجلس الوزراء، عندما تلكأ يوسف السباعي في إعادتي أرسلت عدة خطابات للصحف فلم تأت بنتيجة، أضربت عن الطعام في منزلي، لم يتصل بي غير عبد المنعم السويفي مدير مكتب جريدة "الجمهورية" بالإسكندرية وقتها، شربني زجاجة كازوزة لإنهاء الإضراب، أمي كانت منفصلة عن أبي، جابت لي بطاطا من محطة مصر بالإسكندرية، قابلت نجيب محفوظ وباكثير وكامل الشناوي ولا فائدة، رحت المجلس فقال لي سكرتير السباعي:
ـ مبروك.
كان السباعي أصدر قرار بعودتي إلى عملي ..
وبدأت مرحلة القاهرة، عينت سكرتيرا للجنة النشر، كان مقرر اللجنة مهدي علام، ومن بين أعضائها: نجيب محفوظ وعبد القادر القط وعبد الحليم عبد الله، وكان على اتصال بهم لأخبارهم بمواعيد الاجتماعات .. كنت أقول للدكتور مهدي علام:
ـ والنبي ما تنساش تبقى تيجي.
وتلك عبارة يستعملها محمد حافظ عندما يريد أن يكون في منتهى الرقة مع محدثيه، في قصة "رسالة إلى الله" قالت الطفلة: "من فضلكم ما تنسوش تسلموا لي على ربنا"، لكن مهدي علام اعتبر ذلك انحرافا عن القواعد، وأبلغ السباعي الذي أمر بنقله إلى الأرشيف، كنت أُعد البوستة وأقيدها وأعرضها على صلاح عبد المتجلي الذي كان يرهقني في العمل.
لما رجعت سكنت في إمبابة في بيت أم حميدة، كان لها بنتان، في المرة الأخيرة قعدت عند صبحي الشاروني في الجيزة، في هذه الفترة بدأ التحول الخطير في حياتي، في الليل يأتي من يكلمني، عملت ذنب كبير .. إثم عظيم .. كان يقول إن الناس اللي عاملتهم معاملة وحشة سيعاقبون .. لا .. لا .. ليس أي حد .. أنا لا يكلمني إلا الله، قعدت على رصيف جامع بميدان الجيزة .. جامع السنية، جاء من يقول لي:
ـ خش .. قم خش
لما دخلت .. وجدت تفاحا وبلحا وفواكه أخرى، أكلت .. رحت السيدة زينب .. زحفت على بطني .. سمعت جوه الجامع من يقول لي:
ـ هعجبك .. هعجبك .. خش ..
لا يمكن يكون جِن ..
ما يقدرش ..
أنا أجننه ..
لا أعرف إن كان زحفي حقيقة أم خيالا .. لابد أنه كان حقيقة، بالإثم العظيم ما زلت أدمر حياة آخرين .. لم أكف عن التحدي .. كنت أدور في شوارع القاهرة حتى الثالثة صباحا، أنا وكمبارس كان يعمل معي في المجلس الأعلى .. موظف لكنه كان يقوم ببعض أدوار الكومبارس في التلفزيون، كنت مطاردا مطاردة أبدية من الإثم العظيم، سكنت فوق سطح في العجوزة، ابتديت أعرف الكتابة الجديدة، بقيت أشوف صور وعملوا لي عملية فتح بطن .. ولقيت دم.
عرضت الكتابة الجديدة على طه المتبولي زميلي في المجلس كان يعمل سكرتيرا للجنة الشعر، وكان مثقفا حقيقيا، كنت أكتب القصة في ليلة، وأعرضها عليه فيعجب بها، وربما اقترح حذف بعض الفقار أو الجمل، كانت ثقافته فرنسية، واطلع على أحدث التيارات في فرنسا، شعرت أني أقوم بعملية تطهير، أرسلت النتاج الجديد لجميع كتاب مصر على البالوظة، لم يلتفت إليه أحد، قلت لفتحي غانم: أنت عايش في الظل وأنا في الهجير، وقلت ليوسف إدريس: أنا أحسن كاتب في مصر، قال لي: أنت مجنون.
المخرج كمال حسين كان لسه جاي من أمريكا، وكان يخرج برنامجا ثقافيا، استضافني ورشدي صالح لمناقشة قصة "الجنية" من مجموعة "عيش وملح"، قبل التسجيل كان أحمد رشدي صالح رقيقا طيبا أثنى علي وأشار إلى اجتهاداتي بدرجة أخجلتني، أثناء التصوير انقلب شخصا آخر، فحمل علي حملة غريبة، فانقلبت عليه أنا أيضا، كان يحيى حقي كتب مقدمة: "عيش وملح" فأكد رشدي صالح على هذه النقطة وكأنه يمن علينا لندور في فلك الكبار، قلت له إن الفضل متبادل، فنحن نكتب وأنتم تكتبون، ونحن نقرأ وأنتم تقرأون، وفي وجه التعالي أطلقت عبارة "نحن جيل بلا أساتذة" التي التقطها فؤاد دوارة، وجعلها عنوان مقالة له: "هل هم جيل بلا أساتذة حقا ؟"، وكان رشدي صالح يحرر الصفحة الأدبية بجريدة "الجمهورية" فكتب يقول: محمد حافظ خطاب ـ وليس رجب ـ يقول: نحن جيل بلا أساتذة، رديت عليه بعدة صور قلمية، كان يرد ثم كتب أنه لا يستطيع مناقشتي لأني عنيد، واشترك كثير من الكتاب في النقاش.
يوسف الشاروني من الشخصيات التي تعرفت عليها عن طريق المجلس، كنت أقول له كل أسراري، صبحي كان يسجن كثيرا، عن طريق صبحي الشاروني عرفت فوزي جرجس، كنت أزوره في بيته، أحب الشيوعيين جدا، بعد تضييق الحصار عليهم أراد فوزي أن يكتب قصصا، أطلعني عليها فدهشت لأن زعيم وسكرتير حزب شيوعي لا يعرف في الفن، كان يريد تعويضا، قلت له: وحشة، عبد الفتاح الجمل أتجنن عليه مرة وشتمني، كان يعامل الجميع بهذه الطريقة، وكان الذي يخضع لقوانينه ويستحمله ينشر له، قلت ربنا موجود في إسكندرية وموجود في مصر، أحسن من البهدلة رح لأهلك، انقطعت عن الكتابة منذ عام 1965م، ثم حررت صفحة "الصحوة" عام 1968م، لكني لم أكتب قصصا، دخلت المستشفى في فترات متعددة، ولمدد متفرقة، تحدثت الصحف في القاهرة عن رغبتي في العودة إلى الإسكندرية، كنت هضيع خالص، حمدي عاشور نقلني من أرشيف المحافظة إلى أرشيف المتحف الروماني، كتاب إسكندرية رأوني أجتر أحزاني فطالبوا المسئولين بإعادتي إلى القاهرة، عدت عام 1972م، لكني لم أمكث طويلا، عام 1986م ـ على ما أذكر ـ تساءلت "المساء": أين محمد حافظ رجب ؟، في نفس العام زراني الناقد السينمائي علي عوض الله كرار في المتحف الروماني، كان يكفيني أن أجد أحدا يتعاطف معي، عدت إلى الكتابة، حمل بعض القصص إلى جماعة "الأربعائيون" والبعض الآخر إلى بعض المجلات بالقاهرة، ومجلة "نادي القصة" بالإسكندرية.
***
بين ثنايا مقال لنا بعنوان: "باقة ورد من الثغر الباسم" ذكرت أن محمد حافظ رجب أصدر ثلاث مجموعات من القصص ثم توقف عن الكتابة "إلى أن أخرجه بعض أصدقائه من عزلته، وهم الأصدقاء الذين أهداهم مجموعته الرابعة: "حماصة وقهقهات الحمير الذكية"، ونحن نثبت الإهداء هنا اعترافا بفضلهم: "إلى النبلاء الذين نفخوا الروح في أشلائي المتناثرة فولدت من جديد: سليمان فياض، عبد العظيم ناجي، يوسف القعيد"(17)، ثم ذكر لي محمد حافظ رجب أنه لم يعتد إهداء كتبه لأحد، وأن الذي فعلها هو علي عوض الله كرار ظنا منه أنهم ربما نفعوني.
أيام النكسة قلت: أحسن، كنت أود أن ينتهوا ويخلصونا، لكنهم تآمروا كعادتهم .. واستمروا يحكمون، رحت محطة مصر (بالإسكندرية) وسمعت قرار التنحي من الراديو، قلت: الحمد لله، لكنهم كانوا عاملين حسابهم .. استغلوا حيرة الشعب، وإيهامهم بالفراغ، خرجت الجماهير المنظمة تطالب بعدم التنحي، الشعب كان يعي كل شيء، أنت عارف النكت التي قيلت ـ في ذات اللحظة ـ عن التنحي، ومنها النكت التي قيلت عن مظاهرات الداعرات، عند وفاته خرجت الجماهير تبكي، صحت في وسط الزحمة: في داهية .. في داهية يا ولاد .. لكن أحدا لم يسمعني.
وحين حرر محمد حافظ رجب صفحة: "الصحوة" بجريدة "السفير" كان من بين همومه الرئيسية كشف فضائح الدكتاتورية، فحين يحدثنا عن "نوفونتي" دكتاتور تشيكوسلوفاكيا الأسبق نشعر أنه يحدثنا عن مصر، يأتي حديثه تحت عنوان: "رسالة عيد الميلاد الحزين"، وهي الرسالة التي وجهها رئيس تشيكوسلوفاكيا الجديد "لودفيك سفو بوذا" إلى شعبه: "لقد رأينا كيف ذهبت ثمار عمل شعبنا هباء، ورأينا والألم يعصر قلوبنا كيف فقد الشعب حماسه ونشاطه .. وثقته بنفسه"، ويعقب محمد حافظ على ذلك بقوله: "الأصل في الاشتراكية أنها تمنح الشعب ثمار عمله، وتدفعه إلى بحر الحماس ليسبح فوق قارب النشاط مالكا لنفسه وثقته بنفسه، لكن القياصرة في بعض الظروف يشوهون اشتراكية الإنسان كما فعل القيصر نوفونتي الكريه في تشيكوسلوفاكيا الصديقة"، ويبدأ حديثه بقوله: "أحسست بمرارة الحزن في فمي وأنا أتابع كلماته .. أجهش قلبي بالبكاء المكتوم .. أدركت من كلماته كم هو حزين .. كم هو مشفق على أهله، وأدركت من ظلال الكلمات، كم هو بشع ومهين ومقيت من يستند على عرش الاستبداد ليهين الإنسان .. كم هو كريه وغض هذا الذي كان على عرش تشيكوسلوفاكيا يركب فوق أعناق الناس هو من يؤمنون بركوب الإنسان .. أدركت كم هو عفن نظام الاستبداد القديم الذي كان يحكم تشيكوسلوفاكيا برئاسة نوفونتي الكريه"(18)، ويتابع الحديث عن أحداث تشيكوسلوفاكيا في العددين الصادرين في 29 أبريل، 5 مايو 1969، نقلا عن كتيب أصدرته وكالة"نوفوستي" وتتضمن بعض آراء كتاب تشيكوسلوفاكيا.
(يتبع)

#4 سلوى الحمامصى

سلوى الحمامصى

    عضو مميز

  • المشرفون
  • PipPipPipPip
  • 978 المشاركات:

تاريخ المشاركة 17 March 2010 - 12:40 PM

قرأت اليوم مقالة جميلة فى الأهرام عن المفكر الراحل فؤاد زكريا، أحييك عليها د. حسين.
مودتى
سلوى الحمامصى
مشرف / الأدبى العام




http://digital.ahram...870449&eid=1044
[salwa-writer@hotmail.com[/email]
http://www.facebook....044&h=2AQHpt9X7

#5 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 17 March 2010 - 12:57 PM

(سلوى الحمامصى @ 17-03-2010, 12:40 pm) عرض المشاركة

قرأت اليوم مقالة جميلة فى الأهرام عن المفكر الراحل فؤاد زكريا، أحييك عليها د. حسين.
مودتى

شُكراً للأديبة الأستاذة سلوى الحمامصي على روحها العذبة،
وأنا لم أرسل للأهرام مقالة عن الدكتور فؤاد زكريا.
وهذه هي المرة الثانية التي تُنشر مقالة تحمل اسمي وأنا لم أكتبها،
الأولى حينما أرسل لي الصديق الشاعر السوري الكبير مقالة تحمل توقيعي عن قاصة شابة سورية، والمقالة منشورة في "الثقافة" السورية، فطلبت منه أن يخبر صاحب المجلة ورئيس تحريرها الشاعر مدحة عكاش أني لم أكتب المقالة،
وهأنذا أخبرك أن المقالة تحت هذا الرابط، ليست لي:
http://www.ahram.org...17/4/11760.aspx
مع التحية والود.

#6 سمير الفيل

سمير الفيل

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 9230 المشاركات:

تاريخ المشاركة 17 March 2010 - 01:10 PM

الدكتور حسين علي محمد ..

عودة للمشاغب الزاهد محمد رجب حافظ

سيرة حياته مليئة بالمنعطفات الحادة بين القاهرة ومسقط رأسه الأسكندرية..

والكتابة عنه متعة حقيقية.



شكرا لك ان ذكرتنا به

وقد كان بحثي في مؤتمر القصة القصيرة العربية حول مجمل اعماله..

ومن الاسكندرية اتصل بي هاتفيا الناقد عبدالله هاشم والقاصة بشرى ابوشرار..

.. للتعبير عن تعاطفهم مع كاتب بحجم محمد حافظ رجب.



سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/


#7 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 18 March 2010 - 02:14 PM

شُكراً للروائي الكبير سمير الفيل على التعليق،
ومحمد حافظ رجب صديق حميم،
لدي في بيتي في مصر عشرات الخطابات منه،
وقابلته مرة واحدة في خريف 1979م،
وأعطاني يومها مجموعتته القصصية "مخلوقات براد الشاي المغلي"،
فنشرتها في سلسلة "كتاب آتون" التي كنتُ أشرف عليها،
وكتبت لها مقدمة.
ودراستك عنه من الدراسات الجميلة ـ القليلة ـ التي كُتبت عنه.
....
تحياتي أيها المبدع الجميل.

#8 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 18 March 2010 - 09:34 PM

يوميات بائع الفستق (4 ـ 4)

بقلم: محمد محمود عبد الرازق
....................................

وتنشر مجلة: "الهلال"(19) قصيدة "الرعب" ليوفتشنكو فينقلها إلى صحوته(20)، ويقدمها بكلمة نشر معها أنها تعبر عن أحاسسيه، وإذا كان يوفتشنكو يذكر أن "الرعب" أصبح مجرد ذكريات، فإن محمد حافظ ما زال يعيشه:
مظاهر الرعب في روسيا تتلاشى
كأنها أشباح الماضي الغابر
فما بقى منها يشبه العجائز المتسكعات
يتسولن لقمة العيش في فناء كنيسة
***
إني أذكر الرعب في كامل قوته وسطوته
كان يتخايل حول قصر الزيف
كان كالظل ينتشر في كل مكان
يتسلق .. ينفذ من الجدران
***
كانت بصمات الرعب تدفع كل الأشياء
تعلم الناس بالتدريج
كيف يصيحون في موضع الصمت
ويصمتون في موضع الصياح
***
ذاك الزمان ولى
وقد يكون غريبا الآن أن نذكر
الرعب الدفين من وشاية
الرعب الدفين من طرق الباب
***
أما الرعب من التحدث مع أجنبي
فما أهونه إذا كان الرعب ليسود الحديث مع الزوجة
بل قمة الرعب كانت
أن يضبط الإنسان متلبسا بصحبة الصمت
***
أبدا ما خفنا العمل في عنفوان العواصف الثلجية
أبدا ما خفنا الاندفاع إلى المعارك تحت قصف المدافع
ولكن الرعب القاتل كثيرا ما أخافنا
حين كنا نتحادث إلى أنفسنا
***
أبدا ما هزمنا ولا أغوانا أحد
وليس صدفة أن روسيا
حين قهرت الرعب فيها
تبث مزيدا من الرعب في أعاديها
***
إني أريد أن يستبد بالناس
الرعب من إدانة شخص بغير محاكمة
الرعب من إهدار الفكر بالتزييف
الرعب من تمجيد الذات بالكذب
***
الرعب من اللامبالاة بالغير
حين تنتابه محنة أو كارثة
الرعب الطاحن من الجبن
في ساحات العلم أو الفن
***
إنني أكتب هذه الأبيات
متسرعا أحيانا بغير قصد
أكتبها في ظل رعب واحد:
ألا تكون كلماتي في كامل قوتها
------------------
الهوامش
(1) ـ اعتمدت في كتابة هذا الفصل ـ في المقام الأول ـ على حديث سجلته للكاتب أثناء انعقاد مؤتمر القصة القصيرة ببني سويف عام 1998م.
(2) ـ حصلت من علي عوض الله كرار على نسخة خطية من الحوار.
(3) ـ نادي القصة، العدد 36 لسنة 1990م.
(4) ـ راجع كتابنا: باقة من الثغر الباسم، إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي، أبريل 1999م، ص49.
(5) ـ مشروع أمريكي لاحتواء المنطقة بعد فشل حلف بغداد.
(6) ـ حوار مسجل أهداني عبد الله هاشم نسخة منه.
(7) ـ الجرح الغائر، المركز القومي للفنون والآداب، 1987م.
(8) ـ راجع مقالنا: المناطق العشوائية في الرواية السكندرية، مؤتمر واقع الشعر والرواية بإقليم غرب ووسط الدلتا، مايو 1999م، ص74.
(9) ـ أخبار الأدب، من القرية إلى المدينة، الحلقة الثالثة، العدد الثالث، أول أغسطس 1997م.
(10) ـ كان اسمها "سينما فون عزيز ودرويش" عندما افتتحت في التاسع والعشرين من نوفمبر 1906م، بعرض سينمائي ناطق بواسطة أسطوانات مسجل عليها الصوت وتدار مع شريط الفيلم.
(11) ـ مساء الخميس الخامس من نوفمبر 1896م، شهدت الإسكندرية أول عرض سينمائي في مصر بإحدى صالات بورصة طوسون باشا، حيث عرضت أفلام لوميير الأولى، أما البداية في دور العرض السينمائي فكانت في يناير 1897م بسينما توجراف لوميير بشارع محطة مصر بين بورصة طوسون باشا وتياترو الهمبرا، وأول عروض تكميلية تمت بمسرح الهمبرا في يناير 1900م، وتحول المسرح إلى دار عرض سينمائي في 22 يوليو 1911م، وشهدت الإسكندرية في هذه الدار أول عرض سينمائي ناطق في 14 مارس 1928م، وثاني عرض في 17 مارس من نفس العام، وكان الفيلمان أمريكيين، الأول: "ابنه بتيكوكولي" لتشاركز كايزر، والثاني: "مس فينوس"، وتنعي الآن "الهمبرا" من بناها بعد أن تهدمت عن آخرها.
(12) ـ في أول سبتمبر 1921م افتتحت سينما "ماتوسيان" وفي عام 1922م سميت "ماجستيك"، وافتتح في نفس العام: "لمباسادر" و "رويال"، وفي 26 نوفمبر 1929م تم عرض أول جريدة ناطقة "فوكس نيوز" بسينما رويال.
(13) ـ في عام 1925م افتتحت دور عرض: "ليون" .. "أورنيكال الشرق" .. "الحرية" .. "محمد علي"، ثم أعيد افتتاح الأخيرة بعد تجهيزها بالآلات عرض ناطقة في 11 نوفمبر 1929م، وهي الآن مسرح سيد درويش.
(14) ـ الحوار المشار إليه.
(15) ـ الجزءان 2،3 ـ مركز البحوث العربية، ص158 من الجزء الثاني، ص120 من الجزء الثالث.
(16) ـ حديث تليفوني مع أمين ريان.
(17) ـ باقة من الثغر الباسم، مرجع سابق.
(18) ـ الصحوة، 6 يناير 1969م.
(19) ـ الهلال، فبراير 1969م.
(20) ـ الصحوة، 7 أبريل 1969م.





0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين