ذهاب للمحتوى


صورة

تأملات في حياة معدمة


  • Please log in to reply
952 replies to this topic

#821 عايدة النوباني

عايدة النوباني

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1457 المشاركات:

تاريخ المشاركة 18 September 2008 - 12:10 AM

أخي العزيز شرف الدين شكري...

تعلم أنني افتقدت التأملات جدا وتعلم أنني حين أغيب اعبر من هنا وكأنني أترك لروحي أن تحاور الكلمات في أفق لا يحده شيء ...اترك لها ان تغتسل بنبض الكتابة والكلمات وبشفافية التجربة الكونية التي تبدأ من جذور الذات إلى بداية تشابك البشرية مع الكون ...

(ج 10: المغامرة كحق في التجربة البشرية التي بإمكانها أن تُخرجنا عن صمت الحملان الحزينة .)

وقراءتك مغامرة ...مغامرة الوصول إلى أعماقنا النفسية... إلى البحث في كل ما هو راكد أو متراكم بفعل الصمت وسنوات كثيرة تخدعنا فلا نرى منها سوى ايامنا الكادحة...
القراءة لك اسرتني من زمن ولا زلت كلما تعرفت إلى كاتب حقيقي أقول له وبصدق عليك أن تقرأ (شرف الدين شكري) ليس لأنه فقط مفكر وكاتب حقيقي ولكنه أيضا روح تستطيع أن تستشرف في ابعادها عمق الشفافية الأولى للخلق في تكوينه الأول...
قرأت التأملات كلها واعدت قراءة مقاطع كثيرة منها فتعلمت أن أرافق الافكار في لحظة غياب الوعي لاستحضار ما نستطيع أن نقول عنه أنه حقيقة لا تقبل الواقع لانه منفصل عنها بقوة الكذب الذي تأصل في ذواتنا وفي كتاباتنا وفي كل ما حولنا...
قد تكون الكتابة / الترجمة اعادة صياغة للنص الأول لكنها أيضا لا تتبرأ من هوية مرتكبها وعمق احساسه بالكلمات... في (التلميذ والمدرس) استطعت أن أرى الروح المتأملة للمترجم عبر الاقتراب من الروح المتأملة ايضا للكاتب ولكن مع اختلاف بوابة العبور للنص ... الفكرة التي اوجدت ذاتها في كل مرة بشكل مختلف عبر كلمات (المؤلف) و (المترجم) ...

كأن الكتابة اعادة صياغة للروح وما تعانيه في سبيل انفصالها عن الجسد الذي التحمت به في كارثة كونية أفقدتها ذاكرتها... الجسد في الكتابة لا يحمل أي ذاكرة أو فكرة ... لكنه يقدم اصابعه ونبضات قلبه فقط كوقود لا بد منه لنقل الروح من مرحلة الصدمة الأولى في التصاق الجسد فيها مثقلا إياها بعيدا عن التحليق... إلى محاولة التعلق مرة أخرى بما يستطيع أن ينجي الروح من ثقلها الأرضي الذي لا بد سيقتلها يوما إن لم تكتشف الثقب المخفي في ثنايا الكلمات لتفر منه بعيدا في غور الذات والكون و الأخر و.... الخالق

أخي شرف الدين شكري دمت بخير

مودتي


وحيدةً ...
بلا قصيدة أعدو خائفةَ
على حرفين أخذتهما من دفتر قديم
وحيدة ...
بلا أرض أموت
وفي يدي سحابة
وفي قلبي عشق مستحيل

http://lelthakra.blogspot.com/


#822 شرف الدين شكري

شرف الدين شكري

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1259 المشاركات:

تاريخ المشاركة 18 September 2008 - 04:29 AM

عزيز أبو خالد..
لم تنشأ حدودٌ للكتابة ابدا...هذه هي ميزة النصوص..أحيانا تضعنا أمام سيناريوهات غريبة شكَّلت ورطة لبعض من سبقونا إلى هذا الميدان ،كالكتابة المشترَكَة ،ولكنَّها شكلت نجاحا مبهرا للبعض الآخر،على غرار ما قرأتُه في تاريخ الكتابة الفلسفية والصحفية في فرنسا :كشراكة فليب غاتاري وجيل دولوز مثلا !
ولذلك فإن شرط نجاح النص ،هو شرط ضمني فقط ؛أي شرط مرهون بقوة النص في حد ذاته ،وليس بقوة الأطراف المتحدة \الكاتبة.
وأما عن وسائل استقبال المادة ،فهذا أمرٌ جدلي أيضا ،وُضع للنقاش منذ قرون طويلة ،وأنت تعرف في تراثنا الإسلامي القديم حادثة صاحبنا الذي سُئـل : لماذا لا تكتب ما يُفهم ؟ فأجاب : لماذا لا تفهمون ما أكتُب! .وهناك من أجاب عن سؤال الجمهور بقوله : "أنا أكتب لأجل أصدقائي "..وهناك من خالف هذه القاعدة ،واستأثر العالم الذي اعتاد على نهج سلوك استهلاكي صِرف في مطالعاته وأذواقه الفكرية ،فخرج إلى العالم بأشياء جديدة، قوبلت في البدء بالإستغراب : مثل حادثة اكتشاف هوجو لشعر بودلير لأول مرة عبر " أزاهر الشر ،وقوله بأنه لم يفهم جيدا ما قاله صاحب الشعر ولكنه استحسن شعوره بالجدَّة وتنبَّأ بأن تيارا شعريا جديدا سوف يخرج مستقبلا في فرنسا. العالم الفرنسي طبعا ،استهجن شعر بودلير،وحاكمه على مجموعته التي لم تُطبع بشكلها النهائي إلا بعد حوالى القرن ،ولكنَّ ذلك التيار ولد فعلا تيار الرمزية ومهَّد للبرناسية والإنطباعية والسريالية ،وخرج عن الرومنسية التي حاربته عند بدايته.
نفس الشيء بإمكاننا قوله عن ريمبو ،ونيتشه الذي رفضت المطابع الألمانية طبع كتبه الأولى ،كـ" ميلاد التراجيديا" مثلا . طبعا نيتشه ،وبحكم فطنته وذكائه تنبَّأ ،وتيقن بأنه ،وبـ "فضل " هذا الرفض ،لامس الجديدَ والمميّز في الثقافة الألمانية ! . ولك أن تحكم يا عزيزي شاهر ،ماذا لامس في امتداداته ،فيما بعد ؟ لقد لامس البشرية جمعاء ،حتى هذه الساعة الفجرية المتأخرة ،ونحن نتأهب للصوم عن كل شيء.
ونفس الحادثة وقعت لميشال فوكو ،حين رفضت المطابع عند بداية نزقه الفكري المهول الأول،طبع كتاب "تاريخ الجنون "واعتبرَته خروج بليد عن قواعد الآداب الفرنسية !. تلك الآداب التي جعلت فرنسا تنفجر في الستينيات في وجه الكلاسيكيات والبنيويات الوضعية الفارغة ،ممثلةً في صرامة التعليم الجامعي الجاف ،عبر فلسفة لاكان مثلا .تلك الفلسفة التي عبَّر عنها بعض ثوار الفكر الحديث قبل نزولهم إلى شوارع الموت والحرية في باريس الستينيات ،بعبارة كُتبت على لوح صبورة التدريس ،أمام وجه "لاكان" : إن البنيات ،يا ميسيو لاكان ،لا تقوم بالثورات.."
طبعا كان الخلود فيما بعد لميشال فوكو ،ولشباب ثورة الستينيات أو الستينيون Les soixente witards ..رغم تعنُّت ساركوزي البليد النشيط ،في دعوته المُجتمَع الفرنسي إلى أعادة النظر في تراث ثورة الستينيات ،أي إعادة النظر في قيمة قوَّة التغيير في المجتمع الفرنسي ،وتقبُّل فكرة التدجين أو التهجين على الطريقة الأمريكو - إسرائيلية التي تمتصُّ عبر عولمتها للعالم كل مختلف ومتجدِّد خارج إطار ميكانيزما أمركة العالم.
أردت أن أقول من خلال هذا يا عزيزي شاهر ،بأن العالم مهيَّأ للتدجين أكثر مما هو مهيَّأ لتغيير. ولكن العالم يختلف وفق نسبة أو درجة التدجين التي انغرست به ،ودرجة التحرُّر أو الخروج عن التدجين التي تسلَّح بها.
أكادُ أجزم بأن جميع السُّلَط ،هي سلط قمعية تجاه أي نوع كان من الثقافة .ولكن الإختلاف بين السلط يقع في درجة تغلغل نسبة التدجين والتخويف في أفراد المجتمات المختلفة.مما يخلق حتما ،اختلافا ،يتناسب طردا مع قوة مضادة ذلك التدجين وذلك التخويف.مما يخلق حتما ،الثقافات المختلفة التي تتفاوتُ في درجة نقديتها ،من درجة الصفر أو درجة الحركية الجامدة : أي الثقافة الإستهلاكية التكرارية التقليدية المنسوخة -كما هو الحال لدى أغلب السياسات الثقافية العربية الإسلامية-،إلى درجة الوسط ،أي درجة الحركة والخمول ،والنتيجة تغدو عند هذا الوضع ،بمثابة الـ " صفر الإيجابي " إذا قيست وفق المردود الرياضي إلى درجة المردودية ،أو الحركة الإيجابية التي تنتصرُ فيها درجة الإبتكار والإبداع والتجديد ،على قوة السُّلطة الشُّرطية ،التي هي بمثابة الطبيعة العارمة تقريبا على كل أنواع السلط .
طبعا يا عزيزي أنت تعلم بأنني من دعاة فردانية الفعل الإبداعي ،وبخاصة في وطن الآلام الكبير الذي نرزح تحت أعبائه بشكل جماعي بليد ونكرر نشيد البجعة فيه ،وبأنني من أنصار "باسكال" الذي أخبرنا بأنَّ "الوحدة هي التنظيف السليم للروح" ،ولكنني كما قلت لك اعلاه ،ليست هناك من شروط تحككم في أي فعل فني .وحده المضمون سيِّدُ الموقف.غير أنّي أجد بأن الفعل الفردي الذي يخلق النص،هو وحده الفعل المسؤول عن موت صاحبه أو انتحاره في رداءة تطريز هندام الفكرة..زأو في منحه الحياة الأبدية .
دمت أبو خالد.


عزيزتي عائدة..
لن أجد من صديق ربما عرَّفني على هذه التأملات مثلك.وانا أعيد دوما قراءتها عبر كل ملاحظة تبدينها ،وأستلذُّ النص بشكل جديد دوما ،حسب رأيك فيه. ولك أن تعلمي مدى اختلاف المناظر في غابة النص الواحد ،ومدى اختلاف ذاتيتنا دوما تجاه ما نكتب.
أمام أدبياتنا وفلسفتنا البسيطة،تنفطر قلوبنا كالأطفال أمام فعلتنا الشنيعة : فعلة الكتابة. حينها لا تكون لدينا اية درجة من الموضوعية ،ونحن حينها ايضا ،وحوش كبيرة من الأنانية والنرجسية. فمرحا لغابة الوحوش البشرية التي اجتمعنا فيها على مأدبة أكل نصوصنا بشكل بدائي خالص،على أمل الهروب من قبضة القناص الأكبر !


للفائدة فقط ،ولأنني لا أحب أن ابدأ دوما صفحة التأملات دون نص،فليعذرني القارئ الكريم على تعمُّد نشر الحوار من جديد .
تحياتيزشكري ش.

*****




حوار مع شرف الدين شكري.
حاورته : نوارة لحرش







- س1:تكتب الشعر بنفس فكري و فلسفي، فهل هو بالنسبة لك فلسفة ، فكرة ،معنى ، أم هو كل هذا، وبعض من هذا؟

- ج1 :
كتابة الشعر بالنسبة لي، لا تأخذ ديناميتها من التركيبة الذهنية التي تُشكِّل تخيُّلنا الكلاسيكي لشكل القصيدة العربية كما تمَّ تلقينه لنا عبر تنشئتنا المدرسية أوالآكاديمية – وياللأسف !- ،فهما مؤسستان حكوميتان محافظتان تعملان على استبعاد كل ما يدخل في سياق الخلخلة أو تربية السؤال المفتوح. وقِسْ على هذا أيضا، نوع الخطاب الشعري المتداوَل حتى السَّاعة على منابر تمثيل الأنشطة الثقافية العربية. فهو خطاب رجعي بامتياز، وخطاب مؤسِّس للهامش أيضا بامتياز.ما يماثله، يأخذُ شرعيته من المطابقات الشكلية والضمنية ،أي الانعكاسات الذهنية حتما ، وما يخالفه،يأخذ مكانته القَصِية من معارضَتِه لتلك المماثَلة أو المشابهة أو المطابقة.
لقد فصَلَت أوروبا منذ أكثر من قرنين في مسألة التمثيل والمماثلة والمشابهة(Similitude)بانسلاخ عصر الأنوار عن معطف ظلام قرونها الوسطى- كما نقرأ هذا جليا في الكلمات والأشياء وأركيولجيا المعرفة لدى ميشال فوكو- بعد أن عرفت الخلافة الإسلامية كيف تكسر مصباح ديوجين وتغتالَ العقل(كالرشدية مثلا) لحساب النّقل.ولا زالت حتى الآن معالم هذا الانتصار من جهة وهذا الانهزام من جهة ثانية تسيطر على سياسة جل أنواع النِّتاجات الفكرية والإبداعية في كلاَّ الضفتين؛ ضفة العقل،وضفة النَّقل.
لهذا سعيتُ جاهدا ، متأثرا بمعالم أستاذي "ميشال فوكو" الذي رأى في المغامرة جزءا مهمَّا جدا في تكوين امتدادات عقلية مفتوحة، إلى إقرار شرعية الاعتراف بالـ " المغامرة " لأجل ملامسة - بقدر الإمكان - تعرُّجات الروح الإبداعية المتنوِّعة (وبخاصة في مجال الشعر والقصة والرواية..إلخ). فوحدها المغامَرَة ، ونفسية المغامِر ،بإمكانهما أن يوصلا الروح إلى "طواحين" الهواء العملاقة التي أسَّست لأول مغامرة أخرَجَت الإنسان من قمقم الكتاب الشيطان أو الإله ، إلى فضاء رحابة الإنسان عبر عمل سيرفانتيس الخالد.
لا يمكن للأشكال الزَّنخة إذن ،أن تستمرَّ في التقولُبِ مع مستجدات الروح بسياساتها ومضامينها وشكلها القديم ، إذا سعت قوى التغيير إلى تفكيك تلك السياسات الجاهزة ،وتمزيق بكارة معناها الموسوم بالعِفَّة في الغالب، وتشويه شكلها .وهذا ما اعتمَد عليه المضمون الما- بعد بنيوي (للتوضيح فقط ). وهذا ما قامت عليه التجربة الأدونيسية بشقيها الشعري والفكري اللذين لا يمكن الفصل بينهما من اجل تحديد زمن الإبداع وزمن الإتباع ،أي زمن المعنى، وزمن اللامعنى ،كما أوضح ذلك المفكر الجزائري أحمد بوعلام دلباني في كتابه الأخير " مقام التحوُّل " ،كحوصلة للتجربة الآدونيسة التي امتدت إلى ما يُنيف عن نصف القرن.
هذه التجربة التي أكَّدت عند بدايتها بأنه من العبث تحديد شكل الكتابة في قوالب معرفية جاهزة ،بقدر الاعتراف الإنساني الخالص بوجود "الكتابة فقط" كنشاط تحرِيري وتحرُّري ،يفتح مجالات عدة للقراءة والتأويل؛ أي التواصل والاستمرار،بدل التقوقع والقهقرى والفناء .وهذا ما دفع بالعديد من سجَّاني الشعر العربي إلى التأهُّب من اجل إعلان موت الشعر ،لإيمانهم العتيق – ويا للأسف- بعجزهم داخل شرنقة المحدودية الشكلانية التي ابتدعوها للشعر هم أنفسُهُم ،بدل الشكلانية اللامحدودة له.
ومن منطلق المغامرة ،والكتابة فقط، يمكن استدراج تجربتي الشعرية\ الفكرية البسيطة جدا نحو النقد ،والتي بدرت في الجزء الأول من كتاب الهوامش الكونية،والتي تُعدُّ تجربة نيتشاوية في العمق،لا يمكن الفصل فيها بين الديونيزوسية والأبولونية لأنَّهما يمثلان الحياة بمفهومها الواسع.


س2: نقرأ شعركَ ومقالاتك فنشعر أن تربتك الأساس فلسفية فكرية وفي ذات الوقت شعرية جمالية، فهل الفلسفة متكأ الشعر أم الشعر متكأ الفلسفة؟

ج2 :
الغريب أمام هذا النوع من الأسئلة يا عزيزتي نوارة ،هو أن الإجابات القطعية أو الشمولية ،ستضعنا في مواجهة صارمة مع تاريخ مسارنا الفكري، وتعكس بالمقابل أرضيتنا الثقافية التي تصوِّرُ الجسد المعرفي الذي نتحرك بفضله عبر النسيج العالمي – إذا شئنا توسيع دائرة تفاعلنا – أو النسيج المحلي – إذا شئنا تبسيط جهدنا – أو النسيج الذاتي – إذا شئنا تقزيم الفعل البشري- .ولكننا بالمقابل نجدُ أنفسَنا أمام معضلة تكوين النسيج العالمي الذي يتطلَّبُ البدء بالنواة الصغيرة أولا – أي الذات- ثم الانتقال إلى النسيج المحلي، للوصول من ثمة إلى النسيج العالمي.أي أن مجموع الأجزاء التي تشكِّلُ الكلّ ،هي أكبر من الكل في حدِّ ذاته. من هنا ليس بالإمكان تحديد جل العناصر التركيبية التي تشكل بنية أنواع الخطابات على اختلاف أنواعها. ومن هنا لا يمكننا في العصر الحديث ،ونحن نقرُّ بالانفتاحات والإنجازات العظيمة التي حققتها العلوم الإنسانية في البلدان المتطِّورة أن نتكلَّم عن علم أو فن وحيد يختزل باقي العلوم أو الفنون في نظام وحيد خالي من التوابع ومن المكوِّنات.
فهل إن الشعر هو متكأ الفلسفة أم أن الفلسفة هي متَّكأ الشعر ؟ طبعا ،فإن الحالة هنا ،هي حالة فردية ،لم تؤسِّس بعدُ لشكلها المستقل طالما أنها مازالت تخوض غمار تجربة جزائرية تحاول أن تخلق لها مكانة عالمية ،رغم كل ظروف الإعاقة القوية محليا. هي تجربة كتابة تنقع من معين الفلسفة لأنها أم العلوم بامتياز،ومن معين الشعر لأنه لسان حالنا القديم الذي لا يمكن له أن ينتهي،ولأن الرابط بين كل هذه الاجتهادات الكتابية ،هو الجمال لا غير،رغم تشويهنا الاحترافي الشنيع لهذا المصطلح التصوُّري البائس.

س3: تقول:" تمنحُناَ الأشياء فعلا فرصة الاقتراب منها، و لكنها في نفس الوقت تتنصَّلُ من أفعالنا" فماذا تمنحنا الكتابة؟يعني أي فرصة تمنحها الكتابة؟

- ج3 :
سوف لن أحيد عن هذا المنحى أو الالتزام الذي ارتضيتُه لنفسي عبر هذه العبارة – التيّاهة- .فبالموازاة من إيماني الخالص بأن الكتابة فعل حضاري راق ،لطالما حاول أن يُبعدَ عن الشعوب العربية تلك الميزة الأنثروبولوجية العتيقة التي تقول بمشافهاتنا الثُـرَّة التي حملت زوّادة همومنا الـ " ثقافية" لعدَّة قرون، وتجذّر صفة الكلام فينا حتى أعمق أعماق النفسية العربية، فإنني لا زلت على قناعة عميقة أيضا بما على ثقافة الكتابة اليوم من مسؤولية كبيرة ،تتحدَّى سلطة الأحكام العربية القمعية المُسبَقة ،وتتجدَّد عبر أدواتها ومناهجها وبرامجها التكوينية التي لا يمكن لها أن تكون تلقينية – كما لا زال جاريا حتى الساعة في منتديات الخطاب الأدبي المغالي في التعريب Arabophile"،وتحتكُّ بالتجارب الكتابية العالمية ،عبر تعميم اللغة ،بدل ذلك التعنُّت الشوفينيي المقيت الذي تربت عليه الشعوب العربية في سلوكياتها الوطنية البالية التي أثبتت فشلها اليوم من خلال ما نشهده من مستوى متدني لمختلف أنواع الكتابة الأدبية ،وتواطؤ مخجل مع صوت السُّلَط القمعية السياسية التي تحدُّ بشكل علني جدا من حرية التفكير،مما جعل المادة المعروضة أمام جمهور القرّاء الذي أنهكته ضروريات الحياة البالية – أو "الباهتة" على حسب تعبير بودلير- ، لا تفي بالإجابة على سؤال الساعة ،كي تَصرِف في الأخير القارئَ أو المهووس بالمطالعة إلى غير ذلك من النشاط الذهني. فتدنَّت بذلك درجة المقروئية ،وأُعْدِمَتْ عدد النسخ التي تطبع لأشهر الكتَّاب إلى نسب صغيرة جدا لا تضاهي عدد نسخ أبسط كِتاب في الضفة الأخرى،وانتشرت سياسة الطبع المصلحاتي بدل الطبع النوعي،كي نتأكد للمرة التي لا تحصى من المقولة العبثية الرائعة التي جاءت كعنوان لكتاب القصيمي الرائع : " العرب ظاهرة صوتية" والتي عارضها الكثير من الماركسيين والقوميين العرب،والذين فشلوا حتى الساعة في شوفينيتهم، بانتصار العبثية على مصير الصرامة الفارغة. هذه الصرامة التي لا نريد أن نعترف بأنها لا تستطيع ترويض أي شيء في الوجود إلا بقوة العقل المتعقِّلة.هذه الصرامة الفارغة التي يتعداها فعل الكتابة إلى تحرير ذاتها من ربقة الذات الكاتبة دوما، كي تحيا باستمرار على موت مسوخ النصوص والأب والمؤلّف؛ لأن "الحياة دائما ،هي موتُ أحدِ ما " مثلما علَّمنا أرتو في "مسرح القسوة Le théâtre de la cruauté "...
من لم يمنح الكتابة فرصةً لتحرير نفسها منه ،فإن الكتابة لن تمنحه أبدا فرصة تحريره من أي قيد معنوي أو مادي. ربما لهذا تعدُّ الكتابة دستور الكاتب المحترف الذي ينتهي بقتل أحد الطرفين في لعِبه الناري مع الكلمات : قتل الكتابة أو قتل الذات. لا مكان للتعايش بينهما إلا بقوة إرادة العيش وحفظ النوع وحرق أنانية الذات لأجل بقاء الآخر.
تمنحنا الكتابة فرصة التحرُّر من أنفسنا أو لا تمنحنا شيئا البتة. إنها حرب على البقاء لأجل كتابة تاريخ الإنسان رغم أمِّ أنف المعنى المستعصي أو المُستتر خلف ضمائر النحو المتعدِّدة ،وكثرة شيفرات لعبة الفرز المصيري التي تتطلَّبُ عمرا يفوق عمر الجهد الفردي .

س4: هل التنكر للمحلية الذاتية واجب ضروري في عرف المفكر النقدي؟
ج 4 :
ليس من السّهل أبدا الانبثاق من العدم ،لأن الإنسان كائن تاريخي . للذاكرة دورٌ رئيس هنا. هناك العديد من المجالات التي قد تسمح ديناميتها أو سياسة حركيتها أو كرونولوجيتها الداخلية بزمن استئصالي مُعين لا يجمع محفزات الذاكرة في نفس الطبق الذهني، ولكنَّ الخطاب المعرفي في كنف مجتمعات عربية يصل فيها تعداد الأميين إلى قرابة المائة مليون نسمة تقريبا ،يوجِبُ نوعا خاصا جدا من القراءة التي تتعمَّقُ في مسبِّبات التخلف والأمية التي تنخر سعادتنا كبشر لهم الحق في الظَّفـَـر بالسعادة والعيشة الهانئة ،مثلهم مثل جميع الشعوب التي حققت رفاها لا بفضل رخائها المادي –مثلما هو الحال عندنا ،ولكن بشكل مغاير تماما لسياسة الصرف النقدي الحكيمة !- ،ولكن بفضل رخائها الروحي وحكمة القوى التنفيذية فيها ،ومكانة استعداداتها النفسية لتقبُّل التغيير ،مثلما هو الحال مثلا في بعض دول شرق آسيا العملاقة.
من هنا، فإنَّ التنكُّر للمحلية التي لا تريد أن تنهض من ركام خنوعها وتقاعسها وتتجاوز جهالتها وتؤكّد على تعاستها ،وتتقوقع في ضمورها واقتعادها المخزي لكرسي الجمود ، ورغم اعتباري شخصيا بأن هذا سيدخل ضمن بعض الحالات الإكلينكية النفسية المستعصية أحيانا ،فإن التنكُّر للمحلية قد يأخذ عذره الشرعي إذا كان نابعا من خيار واعي ومؤسَّس يجمع أغلب الرهانات التي تعود بالواقع المتأزم إلى ساعة الصفر التي لا بُدَّ منها للانطلاق . ساعة الصفر التي تمْسَحُ كل كرنولوجيا الماضوية والقهقرى المفروضة على الإنسان العربي المحاصَر كالوحش في قفص الأخلاقيات اليابسة .
" القطيعة والتفكيك والخروج" : هي استعدادت نفسية في الأساس قبل أن تصبح متنا للمناهجِ الفكرية.ولذلك فإن استيراد الحياة بشكل مُعلَّب لا يمكن له أن يكون من منطق الصحَّة إلاَّ فيما ندر. التواصل مع كرنولوجيات التعرية التي بدرت في تراثنا العربي الإسلامي،وتخطِّي حواجز محو الذاكرة الإنسانية الخالصة هو المسار الذي أراه حكيما في تعاملنا مع واقع الدَّحض الذي نعيشه اليوم. والتفاعل مع مختلف الثقافات الأخرى كـ" اقتراب نقدي Approche critique "حتمي ، ضرورة لا بُدَّ منها من أجل أنسنة معارفنا فيما بعد. وهذا هو الهدف الأسمى الذي ارتضاه لمشواره البروفيسور محمد أركون.

س5:كيف تقرأ الخطاب النقدي الجزائري و الخطاب الفكري والأدبي؟

ج5 :
أنا شخصيا لست من هوَّاة الحفر في ثنايا هكذا نوع نقدي.لا أعتبر نفسي ابن هذا النوع من الخطاب. كَوَّنْتُ تصوُّري عن العالم بمنأى عن دائرة المعارف المحلية"إلاَّ فيما يخصُّ العالم الروائي الجزائري- وبخاصة المكتوب باللغة الفرنسية ،والذي أعتبره طفرة فنية نادرة جدا " .كان المخيال المشرقي ربما، هو أكبر ما تغلغل بين طيات تربية ذائقتي. مكتبة العائلة كانت تزخرُ بأجمل الترجمات التي تصدر في بيروت.بالموازاة من ذلك، كانت الفرنسية هي اللغة السائدة بَتْريَـرْكِيًّا،أي أن اتصالنا مع العالم كان متعدِّدَ اللغات من جهة،وعالمي من جهة ثانية.
الخطاب النقدي\ الفكري في الجزائر،لم يتبلور إلاَّ بأشكال متقطِّعة زمنيا،ومتباعدة فيما بينها. لا دخل في حديثي هنا إلى الخطاب النقدي الآكاديمي الذي يَعُـــدُّ مئات العناوين المتداخلة فيما بينها ،والذي لم يُؤسس أبدا للمواليد الإبداعية. يحضرني هنا اسمٌ وحيد في السبعينيات.واسم آخر في الثمانينيات،واسم ثالث في التسعينيات تم اغتياله جسديا ،كما تم اغتيال زملائه في الهمّ معنويا –رمزيا - ،ثم اسمٌ آخر في القرن الحالي.أي أن النبوغ النقدي و الفكري في الجزائر ،لا يبدُر إلاَّ في مراحِل تقارِبُ العِقـدَ من الزمن.ولذلك فإن الاستمرارية لا يمكن لها أن تحدُث في ظل هذا التباعُد الشاسِع النَّاجم عن جهودِ شخصية -عصامية-. النخبة عندنا لم تأخذ دورها بعدُ في توجيه الخطاب الآكاديمي،والتأثير على اتجاهات القرار وقنوات الاتصال الجماهيري. النخبة الفاعلة ثقافيا وإبداعيا ،معزولة ومحاصَرَة بخطاب شُرَطِي قمعي يتحكَّمُ في أدنى شروط الحياة الكريمة ،ويستصغرُ الفعل الفردي ،ماحيا إياه في الصوت الجماهيري التعبوي\التابع. لا زالت بعدُ موسيقى الموت الجماعي تُعزف على مشارف الصوت النقدي\الفكري البنَّاء. نوعٌ من اشتراكية الموت التي تربينا عليها منذ زمن،والتي حاربْنا من خلالها كلَّ من خوَّلت له نفسه الخروج عن ثناياها. وحتى الأصوات التي خمدَت مع الزمن فإنها ارتأت لنفسها نوعا من الـ "مياكولبا Meaculpa" التي تحفظُ لها بعضا من الكرامة بعد كثرة خيانة الأصدقاء،وتجبّر القمع واستفحال فيروس الرضوخ للأمر " المقضي ! "...أليس هذا شبيها بذلك التحسُّر المرير الذي عبّر عنه محمد أركون في الفصل الأخير من كتاب "الفكر الإسلامي" ،في حواره مع هاشم صالح؟!!.. لقد كان ذلك الحوار، إعلانا دامغا عن المكانة المتدنية للخطاب الفكري في الجزائر،وعن ضياع معالم الإشارة من الطَّليعة السياسوية التي تبنَّت شعار المثاقفة. لم يكن خطاب أركون الثقافي الرائع عن مكانة المثقَّف النقدي أو الثقافة النقدية La culture Critique جديدا، فقد شهدت الجزائر أيضا ،موت محمَّد ديب في منفى الـ "المياكولبا" الذي اختاره،بعد أن رفَضَت السلطات الجزائرية لتلك المرحلة التكفّل بعلاجه ،مثلها مثل قرار السلطات الفرنسية التي لها مبرّراتها الشافية للرفض . وشهِدَت الجزائر أيضا اغتيال بختي بن عودة الذي عرف كيف يطوَّع السؤال الجزائري الهارب لأوَّل مرة في تاريخ الوطن المستقل، وعرف أيضا كيف يستدرج يد الموت السوداء التي تعلن بشكل فاضح عن سيطرة الرديء والشُّرَطِي والسلطة على كل الأشكال التي تحاول الإجابة عن ذالك السؤال.
ولكي تنتفي الإجابة عن ذلك السؤال كلية ،فقد تمَّ تهجينُ معلَم الكُتَّاب الرَّسمي"إتحاد الكتاب" ،وأصبح مؤسسة \نافذة سلطوية تطلُّ مباشرة على همومنا الهاربة ومشاريع استشرافنا ومخططات انقلابنا على مجتمع الأمية العارمة وقلْب أنظمة السلطة التي لا زالت بعدُ جاثمة على جراحاتنا،ولا زالت شمولية حتى بعد انتفاء فلسفة الشمولية ...
ولكي تنتفي الإجابة عن ذلك السؤال كلية ،أصبحت كل الأنشطة الثقافية في جزائر الرضوخ الرؤيوي ،تنطلي بشكل مخجلٍ جدا تحت لواء أكبر سلطة في البلد. وأصبحت حتى المجلاّت الثقافية التي من المفروض أن تُعدَّ منابر متحرّرة من السلطة –مهما كان نوعها-تبتدئ افتتاحياتها بكلمة غريبة جدا لملمثل الأكبر للـ "ثقافة" في البلد ،أو للممثل الأكبر منه مباشرة.!..

هذه هي قراءتي المحدودة جدا ربما وبشكل بسيط –لأن الحوار لا يتسع لأكثر من هذا-لمكانة الخطاب النقدي والفكري في الجزائر اليوم. لمكانة خطاب لم يتأسس بعدُ ، ولن يتأسس أبدا إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه الآن.
لا أخفيك عزيزتي نوارة، بأن الوضع مزري للغاية ،وفقير وبائس جدا.


س6:ترجمت لمالك حداد رواية"التلميذ والدرس"،كيف أشرقت فكرة ترجمتها بالذات ،هل عن حب حقيقي للكاتب أم عن دهشة عالية للرواية أم لأن ترجماته محدودة مثلا؟

ج6 :
التعامل مع نتاج مالك حداد الروائي والرؤيوي والشعري والنقدي ،رغم قلّته ،يتطلَّبُ نوعا من التحايل الذهني الدقيق جدا،والفراسة المتمرِّسة كي لا تأسرنا مجازات اللغة القوية التي حَوَت أعمال ذلك الكاتب العملاق،الذي تشهدُ له الكثير من الجمعيات الروائية العالمية بذلك.
ولأنني ذُهلتُ عند اكتشافي لـ"رصيف الأزاهر لن يردLe quai au fleurs ne répond plus " وغدوت أكتشف نفسي عبر ذلك الكتاب المهول،فإنني قرّرت مواصلة لعبة الاكتشاف اللذيذة تلك،عبر كل رواياته،كي تحدُث الصدمة الكبرى فيما بعد ،عبر" التلميذ والدرس L’ élève et la leçon " التي أعتبرها (شخصيا) ، من بين أفضل الأعمال الروائية التي شهدها تاريخ الرواية على مرِّ العصور.
إن النصوص القوية، تشكِّل خطرا مستحبَّا عند بداية مشوارنا الأدبي أو المعرفي ،وتغدو مع مرور الزمن نوعا من الأسر المستحبّ الذي علينا التملُّص من لذاذة ربقته، لأن سياسة النصوص في العمق ،هي سياسة دحض ،لا سياسة تعايش سلمي من شأنه التكرار لا الخلق.
وعند اكتشافي لأنتونان أرتو ،ولجيل دورلوز ولجاك دريدا ،تيقنت بأن الحياة فعلا " هي موت أحد ما" ،وبأنه لا يمكننا أن نستمر في العيش إلاَّ من خلال الميتات التي تمنح فرص الحياة للـ "آخر" بشكل أسرع. قرَّرت حينها التخلي عن حبي لمالك حداد ،بقتل النص " المالكي " فيَ ،والخروج إلى العالم باسمي، بالإشارة إليه: " هذا هو اسمي" مثلما فعل أدونيس . فارتكبت جرم ترجمة :" التلميذ والدرس ".

س7: ما الذي حققته تحديدا في ترجمة مالك حداد ،ما الذي أضافته لك الترجمة ماذا قدمتْ ماذا أثمرت في ذهنك في مخيلتك في إحساساك الفني الأدبي؟

ج7 :
بترجمتي لمالك حداد ،حققتُ حلم التحرّر من قوة النَّص وسلطة الكلمات ."التلميذ والدرس" الذي بحوزتي ،ليس هو نفسه "التلميذ والدرس" الذي بحوزة مالك،ولن يكون طبعا "التلميذ والدرس" الذي هو بحوزة أي مترجم آخر. النُّصوص تجد حياتها بتعدّد لغاتها.ولذلك تعدُّ الترجمة من أكبر العلامات الدّالة على الانتشار الواسع للثقافات المحلية ،كي تأخذ طابع العالمية.ولذلك تعدُّ سياسة تعميم اللُّغات وتشجيع اللغات المحلية من أجل انتشارها، من بين أهم علامات التحضُّر اليوم، بدل ذلك التقوقع الشوفيني المتخلِّف جدا الذي يعكسه خطاب الانغلاق على لغة وحيدة كمرآة هوية ...!
لم تنتشر الثقافة الإسلامية في عصورها الذهبية إلا بفضل الترجمات التي كان يؤتى صاحبها وزن ترجَمتِه ذهبا . الترجمات حينها كانت تفوق بعشرات المرات ،بل بالمئات تعدادَها اليوم.
كلما تعدَّدت اللغات،كلما اغتنت المكتبات ،وانتشرت ثقافة الاختلاف والتعايش ،ومهدَّت الثقافة القائمة لعقد المواطنة السليم بتعدّد هوياته واختلاف مشاربه ومعتقداته .
الكتاب كان سيرى النور منذ مدة ،بعد تعاقدي مع المعهد العالي للترجمة التابع إلى جامعة الدول العربية ،وموافقة لجنة المراجعة ،تحت رئاسة دكتور من الجامعة الأمريكية ببيروت على النشر، ولكن صاحب دار النشر Média + ،الذي يحتكر حقوق نشر أعمال مالك حداد، رفض التعامل مع المعهد ،مما جعل العمل المطلوب عربيا يقتعدُ رفوف الانتظار والمماطلة الإدارية والتعسُّف الذي لا علاقة له،لا بالإحساس الوطني ،ولا الفني ،ولا بصاحب العمل شخصيا "مالك حداد" الذي خانه أبناء وطنه في "الإنصات إليه" حين "ناداهم" وحَلُم بقراءته باللغة التي حاول جاهدا التغني بها...
هناك مشروع مَصْري لترجمة العمل ذاته – أصبح جاهزا ربما !- سوف يرى النور قريبا في القاهرة،وسوف يكون له السبق حتما، لأننا نحن الجزائريون الأجلاء ،لا نحسن أبدا المحافظة على الأشياء الجميلة التي بين أيدينا ،ولأن سلوكياتنا الإقصائية، ذهبت بعيدا في غورها بدواخلنا .


س8 : صدر لك في القاهرة كتاب "الهوامش الكونية" ماذا تحكي عنه ،و لماذا الهوامش، وهل الهوامش الكونية هي بشكل أوفر الهوامش الإنسانية؟

ج8 :
هذا الكتاب "الشامل" الذي يجمع الشعر والفكر والمقال الأدبي و الفلسفي ،والذي ارتضيته فاتحة لمساري الفكري،رأى النور في جزءه الأول عند بداية هذه السنة ،ضمن منشورات "مركز الحضارة العربية " بالقاهرة، وهناك مشروع إعادة طبعه في الجزائرعند نهاية السنة ربما .
كتابٌ ضخم على شاكلة الكتب الكلاسيكية التي تنفِّرنا بمجرّد رؤيتها. لذلك حاولت تقسيمه إلى جزأين ، وآمل أنني لم أعبث بهذا الأمر !.
تقنية الكتابة "النيتشاوية" التي تغلب عليه ،تُعدُّ تجربة عربية قليلة التداول .ولذلك أُقيمت بالقاهرة ندوة على هامش صدوره ،ناقشَتْ هذه التقنية الكتابية الجديدة على القراء العرب .وأمَّا في وطني ،فإن صوت الهامش ،لا يزال بعد مغلوبا على أمره .
لا يمكنني أن أُقرَّ بفضل المركز على الهامش وأنا عند بداية عطاءاتي الفكرية ،لأنني عانيت الكثير من إقصاءات المركز لي،ولأن قوّة العمر في حدّ ذاته (على حسب تعبير سيمون ديبوفوار) لا يجبُ عليها أن ترضخ ،وهي عند بداية مشوارها الإبداعي، لأيَّ نوع من أنواع المبايعة أو التبعية أو التهجين . هناك جذوة اختلاف يجب اكتشافها عند بداية الطريق إلى المحرقة . ولا سبيل إلى إخماد نار تلك المحرقة إلا عن طريق تفجير المحرقة في حدِّ ذاتها بتلك الجذوة المكتشَفَة عند بداية الطريق. ربما تلعبُ هنا الحظوظ الكرونولوجية دورا مهِمًّا في هذا الاكتشاف ، إذ إنه من المستحيل القاطع تأجيل هذا الاكتشاف إلى حين عمر عتيّ .فالإحساس بالحرية ورغبة التحرُّر وطلب الآخر الصديق ،يجب أن يكون مطلبا ابتدائيا .ولا مكان لنا،وبخاصة في ظل الأوضاع المرزرية التي تعيشها بلداننا المتخلِّفة من إحداث ذلك "الانفجار العظيم" إلا إذا انبثقنا من الهامش،لا غير !.


س9: الكتاب يحتوي على قسمين:"شذرات في عمر تأمل في حياة معدمة" و "اقترابا من الحياة المعدمة"،هل هناك نقاط تقاطع بين التأمل والاقتراب؟ هل هناك حياة غير معدمة بينهما؟

ج9 :
طبعا هناك اختلاف بيِّنُ بين المفهومين : فالتأمُّل باب فلسفي مفتوح على نوع من النباهة والفطنة الفكرية التي تتطلَّبُ مراسا طويلا وأجواء واستعدادت نفسية جدُّ خاصة ،كي تصل إلى نوعٍ من النوافذ الفكرية المفتوحة واسعا على الإنسان في مختلف تجلياته وقناعاته المتناقضة والمتيقِّنة ،المؤمنة والملحدة ،السوية والمجنونة.التأمل ؛ووفق تجربة شخصية خالصة ،يعدُّ بمثابة "المِشحاذ" الحادّ الذي يتقن لعبة تشريح جسد الفكرة في أسرع وقت ممكن ،ودون إلحاق أضرار بجوهر "السليخة". وأمّا الاقتراب، فهو تعامل ٌ محسوب له سلفا تجاه مختلف النصوص ،يستعين بمرجعية منهجية وبنسق فكري معين ،ويمكن تحديد معالمه دون جهد كبير.
طبعا هناك العديد من نقاط الاشتراك بين التأمُّل والاقتراب ، بدءاً من المُتعامِل معهما في حدِّ ذاته ،والذي يُعدُّ الرابط الرئيس بينهما، مرورا بالتِّـيمة أو الموضوع الذي يخضع في كل مرة تتطلبها ضروريات فن الكتابة إلى نوع معين من النشاط الذهني. والنشاط الأدبي عادة يمنحنا فسحة أكبر لتغيير أشكال ومضامين أدوات التعامل .ولذلك فإن النصوص اليوم ،تنعم بالكثير من حرية التشكُّل، وتتملَّصُ من النقد بشكل أكبر من ذي قبل. ولذلك تطوَّر هذا الأخير –أي النقد الإبداعي بوجه خاص- مع تطوُّر سياسة النصوص ، وأصبح من جهته أيضا يعترف بتعدّد المنطوقات Les énoncés ،ولا يلجأ إلى النتائج بقدر لجوؤه إلى التأويلات ،ولا يفضح أسرار النص بقدر اقترابه منها .
المجال اليوم واسع للممارسة الكتابة ،ويبقى الفرق بين ممارسٍ وممارسٍ في طريقة تناول الكتابة في حدِّ ذاتها .فهناك الطريقة الاحترافية، وهناك طريقة "الهواية الأبدية L’ éternel amateur "! . وهنا يكمن الفرق بين الكُتَّاب . آلاف الأشخاص يمارسون الكتابة يوميا،وقليل منهم فقط من يعدُّ كاتبا بالمعنى المسؤول للكلمة.



س 10: "الدّعامة الوحيدة التي يجبُ أن أؤمن بها أنا شخصيا ككاتب ، هي المغامرة . مغامرة الفكرة"هكذا تقول ،هل المغامرة هنا كنوع من الحرية و الطموح أم كنوع من التجريب ؟
ج 10:
المغامرة كحق في التجربة البشرية التي بإمكانها أن تُخرجنا عن صمت الحملان الحزينة .

س11:معالجة النصوص ومقاربتها وتأويلها هل يرجع عادة إلى معطيات النص أم إلى تركيبة الكاتب النقدي ومزاجيته ومتكآته الفكرية الفلسفية المسبقة؟
ج11 :
يرجع إلى كل هذا ويزيد . فالنصوص المتعنِّتة ،التي لا يمكن اختراق شيفرات صمتها أو انغلاقها على منطوقاتها ، تلين وتغدو مطواعة بحسب تكوين الناقد في حدِّ ذاته. هنا تدخل درجة التكوين إذن ،ويدخل المِراس أيضا كتجربة ،ويدخل المنهج المتَّبع ،والذي يتغيَّر بحسب تغيّر التيمات. لذلك لا يجب على المتمرس في النقد أن ينتصر لمنهج على حساب آخر ،وأن يظل مفتوحا على رياح التغيير وضروريات الحالة، مستبعدا الأحكامَ المطلقة التي رأتها بعض المناهج الوضعية أو الإسلامية ..إلخ ..
لقد أثبتت سياسة الديبلوماسية المتأنية والتعقُّل في طَرْق الأبواب المغلقة لأيّ نوع من أنواع الخطابات المختلفة ،بأنها هي الأنجع في استدراج النصوص،وفي خلق النصوص الموازية بالمقابل،بعد فشل سياسة كسر الأبواب ،والرؤية الأحادية ،والنتائج "النهائية " والخلاصات التبشيرية .
وأمَّا فكرة المزاجية ،فهي مطروحة أمام الإنسان دوما ،ووحدها موضوعية التداوُل أو المُباشَرة Objectivité de l’entretien هي التي ستوضَع أمام محكِّ التاريخ من اجل محاكمة "تاريخ مسار الثقافة" فيما بعد، على حسب تعبير برنار هنري ليفي.

س12: هل من نظرة /فكرة تفاؤلية على هوامش الختام ؟
ج12 :
لو سألتِ "نيتشه " الذي توافِــقُ نفسيتي نفسيَّته في مثل هذا الظرف لأجابَك بأننا لسنا أبدا أشدُّ عقابا إلاَّ على أنفسنا " وبأن الحياة "لا تصلح إلا لأن تكون تراجيديا". ولأجابكِ كاتب ياسين بأنّ " الأحياء لا يحسنون لا الحياة ولا الموت "،ولعرّج عليك مالك حداد بأن "الزمن بلا ذاكرة " ،ولاختتمها نيتشه من جديد بأنه " إذا كنت تريد أن تكون سعيدا فما عليك إلا أن تقبع وسط القطيع "...
لا أخفيك يا صديقة بأن التفاؤل لا يزال بعيدا عن أرضٍ يعاني أكثر من نصف سكانها فاقة العوز، أي أن نصف سكان هذا الوطن تزوَّدوا بالاستعدادات المُشرهة لتقبُّل الموت كخلاص أخير لهم . لست من المبشرين بالجنة .

لا شيئ يضيع
كـــل شيئ يتراكم
و للقلب وحده أنـَّـــــة ُ القراءة

#823 شريف صالح

شريف صالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3783 المشاركات:

تاريخ المشاركة 25 September 2008 - 05:03 AM


ش.شكري
...............
مرهق جدا هذا الحوار

ويحتاج إلى تأمل عميق
..............
الحس التفكيكي فلسفيا.. والتمرد شعريا.. هما من أهم خصائص الحوار الذي بدا أقرب إلى مقال من عدة زوايا
.........................
سؤال على الهامش
هل مقام التحول كتاب مهم وما موضوعه الأساسي وكيف يمكن اقتناؤه؟
...................
إطلالة لأخرى على مدونتك .. تغسل الدماغ قليلا laugh.gif
.............
محبتي

#824 شرف الدين شكري

شرف الدين شكري

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1259 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 November 2008 - 01:57 AM

عزيزي الرائع شريف...
عذرا لأنني تغيبت كثيرا عن المنتدى بسبب بعض الإنشغالات المهنية .أعلم مسبقا بأنك ستسامحني ،وأشكرك جزيل الشر على رأيك في الحوار - رغم صبغته المُتعبة ! smile.gif ...
عموما ،كتاب "مقالم التحوُّل" معروض الآن في معرض الشارقة الدولي ،لدى دار التكوين السورية،مع آخر مُنجَز لأدونيس : محاضرات الإسكندرية...مل أن تحصل عليه.
أدعوك الآن معي - إذا سمحت - إلى تتبُّع تحليلي البسيط لقضية الرأي العام التي ضربت الساحة الإعلامية الجزائرية و العربية طيلة الأسابيع المنصرمة ،وهي قضية زيارة ادونيس إلى المكتبة الوطنية بالجزائر العاصمة ،وما نجم عنها..قراءة ممتعة.
تحياتي..
شكريزش



****




بيــــان .

إنهم يغتالون الديمقراطية في الجزائر!





أدونيس


خليدة تومي


لمين زاوي

"الابن، عند العربِ، يُولدُ أباً "

أدونيس \محاضرات الإسكندرية


-1-



تردَّدتُ كثيرا قبل أن أتخِذَ قراري بمواصلة كتابة هذا التقرير ،بعد انقضاء أسابيع على زيارة الشاعر السوري أدونيس إلى الجزائر،ولكنني عزمت في الأخير على المضي في ذلك ، محاولةً مِنِّي للاقتراب من تحليل حالة ثقافية مزرية في جزائر اليوم، بعد جنوح القائمين على السُّلطة في البلاد ،إلى قرار تنحية الدكتور لمين زاوي عن إدارة المكتبة الوطنية،ومصادرة كل أعمال أدونيس من معرض الكتاب الدولي ،ومنع دخولها إلى التراب الوطني، في خطوة همجية لم تشهد البلاد مثيلا لها من قبل أبدا ،وقرار الرئيس – بوتفليقة - بتعديل الدستور لصالحه إلى أمدٍ مفتوح، وإعلانه الفوز مسبَّقا ،وبثه لنوع من الوهن الذهني السِّياسي لدى غالبية الشعب ،كي يؤمنوا بأنَّه ، قدرهم الحتفي المحتوم..!..
ورغم كثرة التبريرات التي أدَّت إلى ذلك القرار الوزاري، فالرئاسي الخطير في حق الكاتب، الدكتور لمين زاوي ، وفي حقِّ الثقافة كمفهوم حديث مستقل، ثمّ الثقافة كفعل حضاري مسؤول ،فإنَّ العقل الفطِن ، يقول بعكس ذلك تماما، وبأن ما طَرَحتْه الساحة الإعلامية من ثوران محافِظ ، مُساند لحكم التنحية، وثوران ليبيرالي، معارض حتما لذلك الحكم، طرَحَ الكثير من الحيثيات التي تكتنف تفاصيل هذه القضية ،وتظلُّ خافية عن العيان، ومعروضة أمام العقل كي يتفكَّر فيها ،بعيدا عن اللَّغط الإعلامي الكبير،والذي جعل التكتُّلات النخبوية على اختلافها تتكاثف فيما بينها من أجل الصراخ سوية بآلامها تارة ،من تردِّي الوضع الثقافي في الجزائر،والعودة الشنيعة لصوت الأحادية والشمولية، والتواطؤ المهول للدولة مع صوت الأوصوليات المتطرِّفة تارة أُخرى...علما بأنَّ الصراخ في الغالب، ليس بإمكانه أن يمنَح العقل فسحةً للتفكير،واستجماع مختلف الحيثيات التي تشكل بنية القضية، لأجل الخروج بتحليل بانورامي تنبُّؤي، يسمَحُ باستخلاص العِبَر من جهة ،وباتخاذ القرارات المصيرية الفاصلة التي نحن في حاجة ماسَّة إليها من جهة أُخرى،لأن القضية في العمق ،ليست مجرَّد أحداثٍ عابرة أو مجانية تخِط مُمَارسة الفعل الثقافي في دولة مستقلَّة، دفعت الكثير من أجل الوصول إلى تنويع أصوات الاختلاف فيها ،ولأن الزمن الحديث لم يعد يؤمن بالفعل المجانيL’acte gratuit،ولأن القضية المطروحة هي قضية رأي عامOpinion public بامتياز. أي قضية مصير الثقافة ومكانة الصوت المختلف المعارِض...رغم كل هذا ،فإن الصراخ من شأنه أن ينبئنا بأنه قد يكون آخر تنبيه للإنسان الجزائري ،بأنه في طريقه إلى الهلاك غرقا في وحل الشعوب التي تتهدَّدُها الديكتاتوريات...

****


إنَّ أول ما يتبادر أمام رجل الثقافة في قضية خطيرة كهذه ،مسَّت مسار الثقافة البشرية الحديثة لا محليا فقط ،وإنما بشكل عربي وعالمي واسع ،وأدَّت إلى نشأة بذرة الموقف المُستقل الذي علينا أن نَعتبر به إذ أنّا نُمَثِّلُ المرآة العاكسة لدرجة وعي مجتمعنا،هي قضية "دريفوس" التي أثرى تفاصيلها الروائي والطبيب الفرنسي الكبير "إميل زولا" سنة 1898 في جريدة "أرور- Aurore ،عبر رسالة وجَّهها إلى رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك ،كان عنوانها الناري الخالد : إنِّي أتَّهِم J’accuse " . تلك الرسالة التي جعلت الوعي الجماهيري كلّه يتابع حيثياتها التي امتدُّت حينها لأكثر من أربع سنوات،ويُدلي برأيه في قضية السيِّد المواطن الكابتن ردريفوس Dreyfus ،بفضل صوت رجل الثقافة النَّبيل ،السيد "إميل زولا"،الذي حمَّل رئيس الجمهورية الفرنسية عبء مكانة المواطن بمفهومه المُستقل ،بعيدا عن اختلافاته العقائدية والعرقية ،وعنف المؤسَّسة القمعية العسكرية ،التي كانت مكانتها دوما فوق مكانة الصَّوت الجماهيري الضعيف.
تختلف جذريا ربما، بعض العناصر المكوِّنَة لتفاصيل سيناريو قضية "دريفوس" عن عناصر قضية "لمين زاوي" ،على اعتبار أنَّ الوعي الجماهيري في فرنسا – حتى أثناء تلك المرحلة - كان وعيا قابلا للتصحيح ،نأى عن تشدُّده الابتدائي،وسعى في الأخير إلى الموقف المساند لـ "زولا" الذي انتهى به الأمر، إلى أن ينتصر على المؤسسة القمعية ،أو سلطة القوَّة ،وعلى اعتبار أنَّ الوعي الجماهيري ،في جزائر اليوم ،مُحاصرا باحتكار المعلومة وتغييبها من قِبل أدوات الاتصال الجماهيرية الواسعة : السمعية البصرية ،ظلَّ وعيا أركاييكيا رجعيا ،مساندا في أغلبه للتعتيمات الشنيعة التي تُمارسها المؤسَّسة الدينية التابعة لسلطة القوَّة تلك، والموجَّهة تَوْعَوِيا من قبل مؤسساتها الإعلامية المُحتكِرة لذلك الحقِّ الجماهيري . ممَّا جعل الصوت النخبوي الليبيرالي، صوتا ضعيفا ،مغلوبا على أمره ،ومقهورا ،سرعان ما تمّ إخمادُ فورانه وبرامجه السلمية التغييرية .
تشترك (قضية دريفوس) مع (قضية زاوي)، في المكانة الاجتماعية التي ينتمي إليها كلا الطرفين. فدريفوس كان مواطنا عسكريا تابعا إلى المؤسَّسة الاستعمارية الفرنسية التي حملت على عاتقها حماية منجزات الجمهورية القمعية وراء البحار،وعبر حدود فرنسا التي كانت تحت تهديد القوات الألمانية، و"زاوي" كان مواطنا مدنيا، خاضعا لبنود نظام مؤسَّسة شَرْطية Conditionnelle،لا يمكنها أن تخوض شوطا طويلا في امتداد منجزات الديمقراطية .أي أنَّ كلا الشخصين كانا موظِّفين في مؤسَّستين تابعتان إلى الدولة من جهة ،وتحتكران الحقيقة من جهة ثانية. كلاهما كانا مُلزمان بتقديم تقرير أخلاقي ونشاطي للهيأة العليا التي تقوم على النظام. وخير دليل على ذلك هو شهادة "لمين زاوي" شخصيا ،بتقديمه دوما لنسخة مطابقة للأصل عن المداخلات التي تجري في المكتبة الوطنية ،إلى رئاسة الجمهورية ،أو إلى بعض الجهات المُمَثِّلة للفعل السياسي- الثقافي كجمعية العلماء المسلمين مثلا ،والتي كانت سببا غير مباشر في تفجير القضية، قبل عرضها على الجمهور !..أي أنه ليس بالإمكان الحديث عن ممارسة ثقافية حديثة حرة بالمفهوم الواسع للكلمة ،لرجل الثقافة الذي يعتلي منصب المسؤول العالي في الجزائر،أو للضيف المُحاضِر ،مثلما جرى مع أدونيس.
كلنا نعلم في الأخير ،ما آلت إليه قضية "درويفوس "التي شدَّت الرأي العام الفرنسي لأزيد من عشر سنوات ،وكيف أنه تم تبرئة السيد "دريفوس " من تهمة التجسُّس التي أُلصقت به ،وكيف انتصر الروائي العظيم المُلتزم بقضايا تحرير الرأي :إميل زولا ، وتغلَّبت القوى اليسارية الإصلاحية على قوى "لامونارشي" المحافِظة المدعومة دوما من قِبل العسكري ورجل الدين، وتم تعديل المسار الثقافي الفرنسي أبدا ،كي يكون مسارا معارضا دوما لسلطة الهيمنة التي تعكسها الحكومات المركزية ،وهامشا لا بُدَّ منه من أجل ترجيح قوَّة التوازن لصالحه حتى الساعة .
وكلنا نعلم أيضا ،ما آلت إليه قضية "زاوي" التي شدَّت الرأي العام الجزائري والعربي مؤخَّرا ،وكيف انه تمّت إدانة "لمين زاوي" بالتحريض على جلب الأصوات "المعارِضة، والملحدة ،والمفسدة لقيم أصالتنا الواهمة" ،وكيفَ خسِر الروائي جولته تلك،وتغلَّبت القوى الراديكالية الرجعية على قوى التجديد ،وانتصر السياسي الأجدب ورجل الدين المتواطئ،وتمَّ تحريف المسار الثقافي الجزائري إلى أجل غير مُسمَّى،كي يكون مسارا مهادنا ،مُــهَــدَّدا دوما بالدَّحض وبالزوال من على خريطة مكانيزما الثقافة المُنتِجة كلما فكَّر بالتخلّي عن لعبة المهادنة ،وسعى نحو إرساء دعائم الاختلاف وتمزيق البروتوتيب \المطابقة الشكلية ،الذي ارتضته له سياسة المصالح الدنيئة التي تمارسها مؤسسات الدولة الشرطية L’état conditionnel .

****


طبعا، لا يمكنني أن أستحضر ضمن فضاء هذه الصَّفحة الصغيرة كلَّ الأقاويل الخارجة عن أدبيات التعامل الحضاري العَصْري، بعد زيارة الشَّاعر والمفكِّر العالمي أدونيس للمكتبة الوطنية ، ومحاضَرته هناك ،ومحاورته من قِبل العديد من الصِّحافيين، صغارا وكبارا، والذين من بينهم من تطاولَ على الرجل حتى، بأسئلة باردة لا تُمِتُّ للمسار الفكري الأدونيسي بشيء، ومنهم من كان يعكس حقَّا رُقيّ السُّؤال المعرفي الذي نحن في حاجة ماسة إلى الاقتراب من بعض إجاباته وتأويلاته في وضعنا الرَّاهن،لا احتكارا للحقيقة مثلما جاء على لسان بعض " فقهاء" الثقافة الجمهورية التشيزوفرينية الذين ابتُــلِيَت بهم أرض هذا الوطن .. ولكن، جسًّا لنبض قلب الآلام العارمة التي تعصف بنا يوميا ،والتي يراد لها أن تظلًّ خامدة على سرير السُّبات الطويل الذي يمارسه رجالٌ جعلوا الدِّين مطية لأهوائهم ومصالحهم في هذا الوطن، وبورِكوا بِشكل "قَـبَليTribal " فاضح من طرف القائمين على غاب السُّلطة\ السياسة.
لا يمكنني أن أستحضِرَ جلَّ معالم المشهد الرَّجعي الذي وشم دينامكية مسار الخطاب الصِّحافي لأيامٍ عدة ،والذي جعل كالعادة،خطاب الإقصاء العقائدي الوصائي و الحَجْرِي البالي يطفو على السَّاحة بعنف، مؤسِّسا عبر مشواره الذي لم ينته بعدُ للمزيدِ من محاكم التفتيش الزَّنخة، وتجمُّعات الطوائف الدينية المتزمِّتة التي اشتَهرت عبر التاريخ بسموم فِتنها ومحارقها ولعْنَتِها التي أصابت جهابذة الرأي الحرّ في التاريخ الإسلامي ، مؤكِّدة للمرة التي لا تحصى ولا تُعَد، بأن الذِّئاب التي تتمطّى الدين،والتي أوصَلَت وطني الحبيب فيما مضى إلى مجازر بشعة...لا تزال تنعم بالدفء بيننا،وتنام ملء جفونها طمأنينة.
لا يمكنني أن أستحضر خبر إقالة الدكتور لمين زاوي ،الذي استقبل أدونيس بعد إلحاحٍ مرير عليه ،دام لعدَّة سنوات.إلاَّ لكي أتأكَّد بأنَّ أدونيس كان رائياًّ كبيرا إذ كان يُرجئ في كل سنة خبر تعرية واقع المثقف الجزائري إلى حين .
كان مجيء أدونيس (المتأخر) ،تأجيلا حكيما لإعلان موت رجل الثقافة في الجزائر ،وميلاد الفقيه والسياسي الغبي ،بأنانية وتجذُّرٍ متينين يندر،بل يستحيل مشاهدة مثيلهما اليوم في واقع العديد من الدُّول التي تخلَّصت من شبح الأصوليات والوصاية الدينية، وقطعت صلتها بها إلى الأبد.
كان أدونيس يُرجئ عرض المشهد الأوَّل المخيف لمكانة المثقَّف الجزائري،ويتضامن مع آخر النبلاء على هذه الأرض، كأنما ليُودِّعهم إلى غير رجعة !

-2-


والمشكلة التي يمكن استشفاف تفاصيلها التي ارتقت إلى إشكالية تنخر الفضاء الفكري في العالم العربي – على وجه الخصوص - تتمركز دوما في ذلك السياج الدوغماتي المغلق،الذي أسَّس للاحتكار العنيف للرمز المتطرِّف في ثقافة تلك المنطقة، والميلاد العتيد من ثمَّة ، لجبهة سوسيوثقافية موالية ،لا زلت بعدُ تجهل قراءة أبجديات الخطاب التحرُّري والتحُّريري للحضارة الإنسانية، وبالتالي للخطاب الأنسي. تلك الجبهة السوسيوثقافية التي أثبت التاريخ دوما بأنَّها لا تنمو إلاَّ في ظل غياب العدالة وانتشار الفقر والبطالة واستفحال الظواهر الاجتماعية المرَضية ،التي تؤسِّسُ بدورها لقوة كبيرة مجابهة لديناميكا زمَنَيْ : الخروج والانطلاق، مبقيةً فقط على زمن "الخَلَف الصالح".
من هنا، لم يعد هناك زمن يصلح لتصريف أفعال تلك القوَّة السوسيو- ثقافية وفق النَّهج أو المنطق الصَّحيح لكرونولوجيا الحركة إلاّ عبر ذلك الزمن. من هنا تنشأ ،ونشأت مكامن الخطاب الأصولي الرَّجعي،التي تسبحُ بنيتها الذهنية ،ضمن فضاء الخيبات التي تعصف بالمجتمع، وتتكاثر على أرضية الجرح وفقد الثقة ،وتعمُّ بعد ذلك على مختلف البنى الذهنية ،كي تتشارك معها في نوعية القضاء على الآخر " المُهدِّد "أو "العدوّ" ،وتختلف ربما - فقط- في درجة التعنيف لا غير.
لذلك كان يرى الدكتور المُغتال "فرج فودة" ،بأن الحركات الأصولية تشترك كلها نوعيا فيما بينها، وأن الاختلاف ،لا يكاد يكون إلاَّ على مستوى الدَّرجات. لذلك أيضا، فإن البنية الذهنية الرجعية ،لا تحتكم في تفعيل حركيتها إلى الاختلاف الاجتماعي أو المكانة الاقتصادية أو المستوى العلمي ، بقدر اختلافها إلى تلك (الاعتقادات) الذهنية المتبناة،والتي تمَّت تحت وصاية الفقيه، واستمدَّت شرعيتها من الحِماية الفاضحة لها من قبل السِّياسي الممثِّل للمركز الديكتاتوري بامتياز.
نحن هنا إذن ، أمام مرجعيتي عنف : مرجعية الفقيه المُحَصَّن عرفيا وقانونيا،ومرجعية السِّياسي الذي ارتقى في مناصب القرار بطرائق لا علاقة لها البتة بالمسار الانتخابي النزيه والواعي ،والمحصّن أيضا قانونيا . نحن هنا أمام خطاب التعنيف المتولِّدِ من تجامع الأضداد التي لا تقوم إلاَّ في ذهنية من فقد العقل تماما. من هنا لا يمكن للخطاب الأنسي الحديث (كحلٍّ ممكن !)أن ينبثق إلاَّ ضمن احتمالية "غرامشي" الشهيرة التي تقول بإمكانية الانسلاخ من دينامية الواقع الحاضر المعاش أو " المعيوش" كما يُعبِّر الراحل المُغتال "بختي بن عودة"، وتأسيس واقع جديد بزمن آني خالص،وجاهز. سوف نفتح حينها أشرعة المغامرة الذهنية التي لطالما ناديتُ بضرورة تشريعها، مستبعدا بذلك (مؤقتا)المشاريعَ المتعقِّلة لأركون وأدونيس والجابري ، ومستقربا المشروع التاريخي الرؤيوي الفوكوي في خطاباته المطبَّقة. إلاَّ أنني لن افعل هذا الآن ،لأن الأرضية في العالم العربي اليوم ،لا زالت بعدُ غير مهيَّأة بما فيه الكفاية لكذا التزام صارم وقطيعة ابستيمولوجية وأخلاقية. من هنا أيضا ؛ ورُغم تلك الهالة الأصولية العارمة التي أضفت على تلك المشاريع الفكرية والفنية الإبداعية السَّالفة الذكر، طابع التكفير ، وتسامَحَت نوعا ما مع التفكير التوافقي ،كالذي طرحه الدكتور "حسن حنفي" ،فإنني أجدُ بأنَّ تلك المشاريع تشترك في العمق فيما بينها في المرجعيات، وبالتالي في زمن تصريف الفعل الحاضر،وتختلف في أهدافها النهائية ،لكي تعود من ثمة وتشترك من جديد معها في محطاتها النهائية التبشيرية.
لا يمكن للمغامرة إذن- كرؤية تفكيكية محضة - إلاَّ أن تكون فاتحة لكِتاب النَّار والهدم والخروج. تلك الفاتحة التي لم تتربى أجيال المدارس الفاشلة التي أنتَجت السياسي المنتمي ،والديني المتطرِّف عليها .تلك الفاتحة التي أنتجت وجها دراكوليا فضيعا، يقتات من الضُّعف والبأس اللذين يعصفان بالمجتمع، ويهلِّلُ للجواب الجاهز ،لكي يُرَبَّى فينا الذِّهنُ الخامل ،بدل الذهن النشيط الذي نادى إليه يوما ما ،ذات زمنٍ غريب في رزنامة قاموس الفكر الإسلامي البعيدة ،الغزالي وابن رشد والتوحيدي والمعري والمتنبي..وإلخ من الأسماء الكبيرة التي صنعت لنفسها وللـ " أقلية الساحقة " عبر تاريخنا، طبقة المغضوب عليهم !..

****



تحرَّكت الجهات الوصية على مآسينا إذن، بمجرَّد انتهاء محاضرة الأستاذ أدونيس ،كي تُشغِّلَ آلة الزمن من جديد لحسابها، فبرز "الإمام" الذي أخرج الدِّين عن روحانيته العالية ،وعن عِـزَّته التي مرَّغها مرارا بسكوته الطويل على مؤسسات التجهيل الحكومية ،ومشاركَـتِه الذليلة في تكميم أفواه المصلحين والمجدِّدين ضمن إطاره ذاته، ودعواته الحثيثة عبر منابر خطبه بالإبقاء والتأبيد للقوى المركزية الظَّلُومة التي لطالما شعرنا كمواطنين من الدرجة الدنيا ،بأنها هي المسؤول المباشر أمام قوى الطبيعة والتاريخ عن ضياع المجتمع الجزائري ،وبرز السياسي الذميم الذي تلطَّخت سجلاتنا الوطنية بمجازره عبر التاريخ ،وبتحريف مسار إنجازات ثورتنا الرائعة التي دفع لأجلها خيرة شباب هذا الوطن أرواحهم.
برز "الإمام" الموظَّف الذي ضَمِنَ لنفسه منحة الحياة المترفِّهة مدى الحياة، كي يُمارس للمرة التي لا تحصى ،رمية الرَّجم التليدة التي ذهب ضحيتها فيما مضى العديد من الأسماء العربية العالية ،في سماء التغيير والتطوير ،والتي أذكر من بينها : ابن رشد،الغزالي ،طه حسين،فرج فودة، الشيخ محمَّد عبده،نصر حامد أبو زيد، بختي بن عودة ،بشير بومعزة، بوخبزة ،جيلالي اليابس،عبد القادر علّولة ،والكثير من الأسماء التي مورس عليها نظام "الحَسَبة" مؤخرا كموضة قمعية ثنائية الأبعاد : سلطوية – دينية... برز " الإمام الموظَّفُ ،هذه المرَّة " في الجزائر أيضا ،والتي خرجت لتوِّها من حمَّام دماءٍ مهول لا يزال يتهدَّدُ جنباتها، كي يُلْقــي هكذا ،دون مرجعية معرفية ،إلاَّ من أفكار عامة يشترك فيها العامة والخواص مَّمن ذكرتُ أعلاه ،والذين لا يختلفون في النوعية، ويصرِّحَ مِلْءَ فمه قناعة بأنه المسؤول الأعلى للوصاية على ديننا ،وبأنه " ما كان على القائمين على الشؤون الثقافية في البلاد أن يجلبوا ملحدا ،كافرا ،مثل أدونيس ،وأن يمنحوه فرصة المحاضر ة !.."
وبرز السياسي الفاشل،الذي انفتحت بفضل أمِّيته قنوات سرقة أموال الشعب، وضاعت حرية الاختلاف في الأصوات، وتطوَّرت أساليب تغيير صناديق الاقتراع، وتضخيم النتائج ،وإفلاس مؤسسات التعليم ،وانتشار المحسوبية والرِّشوة حتى داخل المنابر الأكاديمية ،وخواء المكتبات ،ورفْع الدَّعم عن الكِـتَاب من أجل تشجيع سياسة التجهيل... برز السياسي الفاشل الذي أحسن جيدا كيف يحافظ على القدرة الشرائية لأعضاء البرلمان الغني جدا ،الذي (يُمَثـِـلُ) أصوات المهمَّشين والمحرومين\ المرحومين جدًّا جدًّا ...
وحدها البلدان المتخلِّفة ،يحرس فيها الأغنياء مصالح الفقراء ! وحدها البلدان المتخلِّفة ،تجتمع فيها متناقضات الجنون، بامتياز!
برز السياسي الفاشل الذي قفزت أمام نواضره كل حَصَانةُ دستور البلاد ،وامتطت صهوة اللَّامنطق من أجل مصالح الأغنياء الذين يتشابهون كثيرا فيما بينهم،كي يعبِّرَ بفضل كل تلك الخروقات الدنيئة التي جعلت من دولة الفقيه والسياسي ،دولة مجانين يحكموننا ،عن امتعاضه من زيارة أدونيس لأرض أمجاده التي جعلته برلمانيا وإمامًا ،ودعا إلى مُساءلة وزيرة الثقافة أمام برلمانـ(ه) ، وإلزامها بإعطاء تبريرات مقنعة لقبولها بزيارة الشاعر أدونيس للجزائر !..
طبعا ،لم تنته تفاصيل الرواية بالوزيرة إلى الوقوف أمام رجل البرلمان الغني جدا جدا ،والدِّفاع عن حرية الرأي والاختلاف التي وُجدت لأجلها في ذلك المنصب الرِّفيع، ولم تُحَاضِر الوزيرة في تاريخانية الصَّوت الحرّ، ولا في أخلاقيات الدفاع عن بكارة المعنى أمام من استنفذوا الرَّمز وصار العالم بسببهم متصحِّرا ،فقيرا ، يكرِّر معالم نفسهِ حتى السأم ،ولم تقدِّم استقالتها التي ستَكتُـب اسمها بحروف من ذهب في سجلِّ الدفاع عن حرية الرأي ،بل سارعت إلى التبرُّؤ من مسؤوليتها عن قدوم آدونيس ،وإلى التنكُّر إلى مبادئها الليبرالية التي كانت تُحسب لها في زمن التحرير القريب جدا جدا، الذي كانت تناضل لأجله ،وإلى تقبُّل سيناريو التواطؤ الزَّنخ الذي قام بكتابته رجلٌ منسي يرقد منذ أكثر من تسعين سنة في زاوية معلم قديم يتآكله الخبل،ويأخذ شرعيته من نوم الحِكمة في نظامنا السياسي الجزائري.
لقد فوتت الوزيرة المسكينة " خليدة تومي " فرصة خلودها ،ولم يَعُد اسمها مطابقا البتة، لفعلها. كان يلزمها القليل القليل من الفطنة فقط ،كي تخرج بالقضية من الحسابات الشخصية المعهودة التي كانت تتبادل تفاصيلها مع أمين المكتبة الوطنية ، وترجِّحَ الكفَّة إلى صالحها، بعد أن تلطَّخت لسنوات عدَّة بانتمائها الخَنوع إلى السلطة المركزية القمعية. ولكنَّ المتربِّع على كرسي السلطة في وطن متخلِّفٍ كالذي نعيش فيه ،يكثر فيه أشباه الآلهة ،يغدو ،إثر نقصٍ فضيع لديه على المستويين :الثقافي ، والتربوي – الاجتماعي ، وغيابٍ تام للأخلاقيات السياسية ،عُرْضة لوباء التعطُّش الأعشى للمسؤولية ،وتتربى بين جنباته أشواك الإيذاء التي تبرِّرُ لديه مساوئه وإيذاءه للآخر ،وتمنحه شرعية الهجوم والتنكيل ،وبالتالي ،شرعية محو الآخر المُختَلِف ،أو المُهدِّد لحلم الإله الصغيرفيه. نغدو إذن، في وضعية كهذه أمام حالة نفسية خطيرة يعاني منها المسؤول في الدول المتخلِّفة ،وهي حالة جنون العظمة ،والتي في الغالب ما تنتهي بصاحبها إلى الموت في عزلة التاريخ ،وانتقام الماضي ،والمثول الرَّهيب أمام محاسبة التاريخ لاحقا، كمجرم حضارة، لطالما اشتغل بشكل جنوني ،ولا منطقي ،ودون هوادة ،على صناعة الموت الجماعي ،أو الموت الاشتراكي كما كتبت في مقالاتي سابقا.

****


إنَّ السياسي الموالي أو المركزي في البلدان المتخلِّفة ،وبفضل الحصانة القانونية الجزافية التي سلَّحت مؤسسة القانون المتواطئ ،لم يرتق بعد في وعيه إلى مستوى الثقافة النقدية (نسبة إلى النقد Critique) ،بقدر ارتقائه إلى مستوى الثقافة النقدية التي تعود بمعناها إلى التبادل النقدي(نسبة إلى النقود)،أي التبادل المصلحي الخالص. من هنا ،أصبح من اليُسر الوفير تحديد فضاء تفكير السياسي الموالي ،و تهيئة سلوكيات التعامل المُسبق مع هكذا شكل بشري ، بمضمراته اللاَّواعية .
الكُمون الديني أيضا ،أصبح أخا حقيقيا للكمون السياسي ، بوصفهما -وكما ذكرت آنفا - يشتركان في نوعية التعنيف ،حتى وإن اختلفا في الدَّرجة، وتقاسما مختلف الطبقات الاجتماعية والعلمية أو المعرفية. هذا الاشتراك ، قد يكون جديدا على مستوى السَّاحة الجزائرية العصرية التي لم تؤسِّس للخطاب الديني بشكله المتطرِّف ،إلا في العقدين الفارطين من القرن المنصرم ،بعد دخول أفكار مدرسة " بيشاوار" إلى البلاد ،وتشجيع الدولة لقيام الخطاب الديني الآكاديمي والتربوي في المؤسسات والمدارس التابعة لها كمُقرَّرات إجبارية ،على الجميع الاحتكام إليها ،وتعمُّد القضاء على كل الاختلافات العقائدية التي تشكل بدورها أقلية اجتماعية ،لم يعد من المجدي التغاضي عن حقوقها اليوم .

****


كلمة أخيرة :[size=4]

إن اغتيال العقل الذي شهدته السَّاحة الثقافية والسياسية والدينية ،في الجزائر مؤخَّرا. وتأكُّد كِبَر نسبة عودة الأصولية المسلَّحة، بتشجيع من الدولة ذاتها، وكِبر حجم القوى اليمينية الأصولية ،وتغلغلها في صلب المجتمع ، وصِغر حجم القوى الديمقراطية، وتلاعب قوة السلطة بمكتسبات الشعب الجزائري الذي عانى من سنوات الإرهاب لسنين طويلة تريد الجهات القائمة استعادتها بعنف ، لإنذارٌ مباشر على عمق اغتيال العقل للمرة التي تحصى ،وتجريم المنطق،واستبعاد المعنى عن زهر لوز الأمل،واستحواذ القوى الشريرة على لغة الجمال والخير التي هي حقٌّ جماعي لا بُدَّ من تعميمه وذرِّه.
إنَّ اغتيال العقل ،والتلاعب ،واستغباء ذهنية المواطن الجزائري الذي استُعبّدَ في لقمة عيشه اليومي عنوة ،كي تخلو الساحة للذئاب المارقة ، ليدعو إلى التفكُّر طويلا في حالة هذا الشعب المتأزّمة ،والذي عَسُرَ ميلاد الديمقراطية فيه ،وإلى ضرورة الإسراع إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه ،تفاديا لخسارة كل شيء قد يَنجم عن الغرق الجماعي، وإنقاذا ربَّما ، للبذرة المباركة التي تحاصرها أوحال الزَّمن الدنيء ،أملا في زراعتها من جديد،و بعيدا عن الأعين الرمداء، في أرض أمل جديدة من أرض هذا الوطن الحبيب،بعد أن انكشفت كل أراضي زراعة الأمل ،وأُحرقت بقرارٍ من حمقى السياسية والدين.
لا شيئ يضيع
كـــل شيئ يتراكم
و للقلب وحده أنـَّـــــة ُ القراءة

#825 شاهر خضرة

شاهر خضرة

    عضو مميز

  • موقوفون
  • 2589 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 November 2008 - 03:01 PM

مقال شافي وافي ورهيب بآن معا يا شكري
لكثرة غناه بالفكر وبالتحليل النقدي وبالموقف السياسي
احترت أيها أقف إعجابا له
وفي النهاية
أنت كاتب كبير ومفكر حقيقي وناقد مختلف
وإنسان حر وموسوعي الثقافة والمعرفة
ومخزونك اللغوي والفكري لا يجعلك ناقلا
بقدر ما يجعلك عاقلا ومجددا
بوركت هذه الصباحية التي استغرقتها في ربوع فكرك وإبداعك
أيها الحبيب الكبير
كم يكون مثلي فخورا بمعرفتك وبصداقتك
دمت للحرية والعطاء يا أبا أيمن


بعرف كنت مجنون أو سكران

لكن بعد ما متّ صَـــــــحّوني

سحبوا ألف صوره من عيوني

وظلّت إطـاراتي لهــ الديـدان


من ديوان //غناء على مؤخرة الحياة //شاهر خضرة

http://shaherkhadra.blogspot.com/
http://www.arabicsto...?showtopic=5264
http://www.doroob.com/?author=673

#826 شرف الدين شكري

شرف الدين شكري

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1259 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 November 2008 - 04:04 PM

عزيزي شاهر..كنت دلئما السباق ف إحساسك بآلامي..
شكرا على وقوفك النبيل تجاه قضيتنا العادلة.أنا مستعدٌّ للمضي بعيدا لتأكيد إنسانيتي .والموت لأجلها حتى..
تحيات أبو خالد..
شكري.ش
لا شيئ يضيع
كـــل شيئ يتراكم
و للقلب وحده أنـَّـــــة ُ القراءة

#827 شريف صالح

شريف صالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3783 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 November 2008 - 06:13 PM

ش.شكري
.........................

مقال تحليلي مهم

هناك تحالف شيطاني بين ديكتاتورية السياسية وقداسة رجل الدين في العالم العربي

كله
...............
تحالف تغذيه مصالح آنية واستراتيجية وتضمن بقائه بيروقراطية يتولى شأنها ما يسمى التكنوقراط

...................
اعجبني إشارتك الذكية أن الزاوي نفسه هو بدرجة ما "تكنوقراط" في خدمة السلطة أومهارة ثقافية وعلمية تخدم القوة المسيطرة والتي أتت كما قلت في ظروف قهرية وليس بالانتخاب الطبيعي الحر
......................
كل السلطات العربية متشابهة

وللأسف يمدها بالبقاء أمثال الزاوي نفسه.. للأسف ليس لدينا وعي اميل زولا في أن يمارس حريته وحقه في النقد بعيدا عن منطق المصلحة أو التحالف العرق والايديولوجي.. وعي المثقفين لدينا وبعد اكثر من مائتي عام من واقعة "إني أتهم" أكثر تخلفا مما نأمل
.......................
لا أريد ان أكون متشائما.. لكن قصورنا الشديد في مسألة الحرية هو نفسه سبب توحش الديكتاتورية وصدور فرمانات تمديد الولايات الجمهورية لتصبح ممالك حتى الموت.. تماما كما المثل المصري "قالوا لفرعون مالك مفرعن.. قال لم أجد أحدا يردني"!
..................
ويبقى التضامن مع الفكرة العامة .. مع رفض هذا التسلط وذاك العقاب.. مع أدونيس كشاعر ومفكر عربي كبير.. مع الزاوي في حقه كمثقف وإنسان
...............
مودتي

#828 قادري عبد الخالق

قادري عبد الخالق

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1208 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 November 2008 - 07:36 PM

(شرف الدين شكري @ 7-11-2008, 02:56 am) عرض المشاركة


.............
وبرز السياسي الفاشل،الذي انفتحت بفضل أمِّيته قنوات سرقة أموال الشعب، وضاعت حرية الاختلاف في الأصوات، وتطوَّرت أساليب تغيير صناديق الاقتراع، وتضخيم النتائج ،وإفلاس مؤسسات التعليم ،وانتشار المحسوبية والرِّشوة حتى داخل المنابر الأكاديمية ،وخواء المكتبات ،ورفْع الدَّعم عن الكِـتَاب من أجل تشجيع سياسة التجهيل... برز السياسي الفاشل الذي أحسن جيدا كيف يحافظ على القدرة الشرائية لأعضاء البرلمان الغني جدا ،الذي (يُمَثـِـلُ) أصوات المهمَّشين والمحرومين\ المرحومين جدًّا جدًّا ...
وحدها البلدان المتخلِّفة ،يحرس فيها الأغنياء مصالح الفقراء ! وحدها البلدان المتخلِّفة ،تجتمع فيها متناقضات الجنون، بامتياز!
..............


الصديق شرف الدين شكري

مقال مهم جدا وقد ألم بكل الحيثيات والأسباب
والمسببات التي أدت بقضية الروائي الزاوي أمين .

لكن ألآ ترى معي يا أخي شرف الدين أن عندنا في الجزائر تواطؤ واضح
وتحيز حد الالتصاق للمثقف مع السلطة الفاسدة أحيانا بقبول المناصب
وأحيانا أخرى بالسكوت في انتظار الذهب ؟؟
فهل مثلا قرأت للزاوي مقالا يشجب فيه الاختراقات
الديموقراطية والاعتداءات على حرية التعبير للسلطة ؟
فهو ابن النظام شب وترعرع في أحضانه ولا يمكنه أن ينـأى
عنه إنها وعكة وستمر ثم يعود إلى الخدمة .وإلا ما سر سكوته لحد الآن ؟؟

قرأت لك في مكان آخر وقد أعجبت به ما معناه أنه
وضع يده في يد وصاية رثة ورضي بالعمل مع وخدمة نظام فاسد
يعزز الرداءة والرديئين وقد نال جزاءه ؟

من رأيي يا شرف الدين أمثال أولائك المثقفين لا يعول عليهم ،
ليس لهم مبدأ واضح ، هم أعداء الديموقراطية والدليل :
هل قرأت لحد الآن من مثقفينا رأيا حول الخروقات التي يقوم بها
جلالة الرئيس حول مكاسب 05 أكتوبر 88 والتي كانت السبب في عودته إلى الجزائر؟

تحياتي الخالصة لقلمك .




أن تكـن جــمــيـــلا أو قــبـيـحا

ستـكـون وحــيدا في قـبـرك

#829 شرف الدين شكري

شرف الدين شكري

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1259 المشاركات:

تاريخ المشاركة 17 November 2008 - 12:13 PM

عزيزي شريف وعبد الخالق..شكرا لكما على تضامنكما مع المفرد بصيغة الجميع....لم تكن قضية أفراد بقدر ما هي قضية انتماءات ومبادئ ثقافية تنعكس حتما على حياتنا وعطاءاتنا ..أي على مكانتنا في النسق الإجتماعي والمعرفي...
كل نفس بما كسبت رهينة

أدعوكما إلى إلقاء نظرة على كتاب أدناه. دمتما صديقَي...




“يجيب ألاَّ تسكــــتوا “


هكذا تكلَّم أدونيس عبر الهاتف اليوم: 17 ديسمبر 2008




انتظرنا عودته إلى البيت طويلا. كان هناك في الأرض البعيدة ،في أندونيسيا، ينشر أغاني “مهيار الدِّمشقي”. انتظرنا عودته لأكثر من شهر.

من جلبوه إلى البلاد، تمت تصفيتهم من الساحة الثقافية واحدا واحدا،تمهيدا للتصفيات النهائية !. لم يكونوا ليَسمحوا لأيَّ منبر في وطن(ي) بأن يتغنى خارج النشاز الذي يريدونَ له أن يعمَّ البلاد. كانوا منزعجين كثيرا من كتاباتنا الفكرية ،التي يقولون عنها بأنها تحريضية ،وبأنها مالت قليلا ،ثم كثيرا نحو السياسة

لم نكن نفهم ما معنى السياسة إلاَّ حين شعرنا باستدراج حرياتنا نحو الهاوية.

كانت لنا هواجس فوكوية ورشدية جديدة ودولوزية وطاهوية..إلخ من مراجع أسماء المغضوب عليهم والظَّالين .وكانت لنا بالموازاة من ذلك أيضا ،هواجس تتعلَّق بسعر البطاطس والطماطم والموز،وارتفاع ثمن حبوب منع الحمل ،والأدوية الأنتيبايوتيك لأبنائنا في هذا الشتاء القارّ،والواقي الذكَـري ،وعجز المواطن عن شراء علبة حليب صار يساوي ثمنها ستين مرة ثمن – مثيلتها- في المانيا!،وارتفاع دخل أعضاء البرلمان ثلاثين مرة عن نسبة معدَّل الدخل القومي،وما انجرَّ عن ذلك من مهازل لن يغفرها التاريخ لهذا الشعب الصَّموت…

كُنا نعي جيدا بأن رئيس الوزراء” أو الرئيس الأول ” أو لستُ أدري ممن يقف تحت الرئيس مباشرة الآن وتدخل ترقيته ضمن برنامج “التنمية المستدامة ! “، بأنه أغلق باب إنعاش الزيادات في الدخل القومي كلية ،وبأنَّ خزينة دولتـ(ه) لن تسمح بكذا رفاهية عالية للشعب ،لإيمانه التَّليد بفكرةٍ جزائرية خالصة، تقول : جوَّع كلبك يتبعُك ” …لذلك لجأ إلى مكافأة البرلمانيين الأجلاء من أجل التأكيد على سياسة التجويع تلك ،قبل دخولهم قاعة التعرية ،بما لم يكونوا ليحلُموا به مدى الحياة, فكافأوه بدورهم بأن رفعوا أرجلهم مباشرة ،حين طُلب منهم ….(رفع أرجلهم طبعا،وتناسوا سعر الواقي الذكري !)

كانت لنا هواجس أيضا ،في إلحاحنا على رفض تلك التغطيات الثقافية المنسوبة قهريا لجُلِّ ما نقوم به من أنشطة ثقافية، سعتْ مرارا إلى فكِّ لجام فرسِ الإبداع فينا ،وسعوا مرارا إلى تقييدها بلجام الرئيس - أقصد السُّلطان -.

كلُّ من كان يتبرَّزُ في أرض الثقافة، كان يشفُع لنفسه بغطاء “مولانا ” السلطان.

ولأننا سئمنا من تواجد فخامة مولانا السلطان تحت الأغطية وفوقها ،وبانت تباريح الخروج عن معطفه الزَّنخ . ولأنه تمادى في توغُّله في ثنايا الجرح، فقد أعلنَ الحربَ علينا ،هو وحاشيته من الإعلاميين الخونة ،والصحافيين المأجورين والشعراء المخصيين الذين لم يحسنوا الخروج عن أسوار الفراهدي ،والذين ارتقوا إلى مصفِّ القوَّادين في مناصب دولتـ(ه) العليا ،وأقال منبرنا الوحيد الذي كان يجلب إلينا ريح النقد والمعرفة والتغيير ، ويرفع عنا غُبنة نسيان العالم لنا ،وافتضاحنا أمام العنف والعصبية المُتبادلين الذين اشتهر بهما الإنسان الجزائري. ثم لجأ أخيرا إلى المسارح ،كي يُلجم لسان رجل المسرح المدحور،الذي تتآكله الديون وهروب المتفرجين عن ساحة الفُرجة ،إلى فضاء الرقص والتهليل للخالدَين :عمرو والشاب …وها هو ذا يلقي بظلاله الثقيلة على مسرح سكيكدة ،كما لو أنه افترس آخر فرس حرة على هذه الأرض !

***


انتظرنا عودته إلى البيت طويلا ،كي نتفاجأ بسماع صوته أخيرا عبر هاتف بيته في باريس،أنا وصديقي بوعلام دلباني،الذي سارع إلى نقل تحياتنا إليه ،وإلى اشتياقنا إلى سماع صوته العجوز الذي يقف عند خريف العمر بالرغم من تشبُّثه بالربيع. قصَصنا عليه فضائح النظام المتعفِّن الذي أفسد فرحتنا به. قصصنا عليه خبر إقالة مضيِّفه لمين زاوي.

تأسف كثيرا لهذا الخبر ،وأعلَمنا بأنه سمع بذلك وهو في أندونيسا،وأنه انزعج أيما انزعاج لحال الرَّجل، وطلب من صدقي أن يُطّْلِعَهُ على بيان ممثل جمعية العلماء المسلمين ،ولكننا أخبرناه بلا جدوى ذلك لأنَّه بيان بلا قيمة معرفية ،وذو غاية محدَّدة ،وبأن المؤسسة الدينية في الجزائر أصبحت على دين مثيلاتها في أفغانستان عهدَ طالبان…تكفِّر من تشاءُ تكفيرَهُ رغبةُ الرئيس- أقصد الأمير -

لم يستغرب غاية البيان ،ولم يستغرب سياسة الشمولية التي جعلت أخلاقيات الدولة الجزائرية ترتدُّ إلى الحضيض.

تأسفنا منه كثيرا باسم تلك الشعلة الشبابية المستنيرة التي لم تسكت على هكذا ظلم.وأسِفنا على حالنا في الجزائر ،بعد أن أخبَرنا بمستوى الرقي الذي وصل إليه الإسلاميون في أندونيسا ،بالرغم من ضعف البنية التحتية، وبمستوى التحضُّر والتسامح الذي أبداه الإسلاميون الإندونيسيون في حوارهم معه.ولكنَّه شدَّد على ضرورة مواصلة الكفاح ضدَّ قوى التجهيل والشمولية التي تدَّعي احتكارها للسماء والأرض،بهذه العبارة التي تتأرجح بين عربية قحة ،وشامية عطرة : يجبُ ألاَّ تسكتوا لهم أبدا…أنتم بكتاباتكم تزعجونهم …واصلوا “..! وهنا، تذكرت تلك العبارة التي صدَّرت بها غلاف كتابي الخارجي” الهوامش الكونية ” : ” سوف نواصل رغم اكتوائنا بخيانة الأصدقاء الكَتَبَة الذين لا يُفوّتون مآدب السلطان… سوف نواصل غنائيتنا التليدة على ندب جراحنا. سوف لن نبكي ملكًا دنِسًا ضيعه المتشبهون بالكتَّاب والشعراء. لا دخل للرومانسية في ثمرتنا المتوحِّشة. فمن عادة الثمرة المتوحشة أن تطلع دون بُستاني- مثلما علَّمنا “مالك حداد”-، ومن عادة الحزن أن يطلع من نسغ الفرحة… الفرحة البسيطة جدًّا جدًّا

لن تُنزِّلَ أفجارُ الوطنِ البالي الليلَ الجميلَ والعينَ الأجمل. الليلُ أشدّ ذكاءً من دسائس المركز وحاشيته. الليل أبدي."

وردَّدت : سوف نواصل غنائيتنا التليدة يا أدونيس،ونحن نعي سلفا، بأن القضية التي نحملها، هي دوما،أكبر منَّا .
لا شيئ يضيع
كـــل شيئ يتراكم
و للقلب وحده أنـَّـــــة ُ القراءة

#830 عايدة النوباني

عايدة النوباني

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1457 المشاركات:

تاريخ المشاركة 17 November 2008 - 06:08 PM

(شرف الدين شكري @ 17-11-2008, 01:13 pm) عرض المشاركة

وردَّدت : سوف نواصل غنائيتنا التليدة يا أدونيس،ونحن نعي سلفا، بأن القضية التي نحملها، هي دوما،أكبر منَّا .


أخي العزيز شرف الدين شكري

دائما هناك نقطة لا يدركها البعض لكننا نعيها تماما حتى لو كانت القضية التي نحملها أكبر منا... تلك النقطة التي نؤمن بها كبداية لأي درب مهما كان نائيا ومتوحشا....
عندما قرأت كتابك الأول وكنت قد اشتقت إلى التأملات كثيرا ... تلك التي لم انقطع عنها يوما رغم ما تعرف.... فكرت أن اتوقف كثيرا عندك كإنسان جزائري ..عربي يرغب بالحرية حدا لا يطاق وكأنه على حافة الهلاك عطشا لتلك الحرية التي أسمح لنفسي أن اقول عنها أنها لعينة ولا تستجيب مهما سعينا خلفها ... ثم فكرت بأدونيس كرجل ثقافة ... يحمل فكرا وشعرا ... أو لنقل إنسان في الاساس يريد أن يقول كلمة يؤمن بها... حتى لو اختلف معه الكون ....
من حق كل إنسان ان يعلن عما في نفسه حتى لو كلفه ذلك غضب الكون... الكلمة تلك التي اطلقها الخالق لماذا يعطي المخلوق لنفسه الحق في خنقها في الحناجر... فكرت برجال الثقافة والدين والسياسة وكل إنسان شكل لنفسه حيزا في هذا الفضاء الذي اصبح خانقا ولا يحتمل الجميع.. كأننا ذوات تدافع عن وجودها بافناء الاخر أو على اقل تقدير اقصائه....
السياسة تأتي دائما في المقدمة كفعل مشنقة في حقيقتها العارية بعيدا عما نطلقه عليها من تسميات مهما كانت فهي بمحصلتها تفضي إلى نتيجة واحدة ... إنسان يملك السلطة واخر اما يطيع او يقصى .... المحصلة التي يرزح تحتها عالمنا كله ..وليس العالم العربي وحده.... السياسة التي تحول الانسانية كلها إلى مجرد ايديولوجيات ... وكأننا لا نرى سوى جانب واحد سطحي من كل شيء.... على مستوانا كأفراد اولا ...ثم على المستوى العام...
فكرت أن اتوقف عند تلك الوزيرة التي تحدثت عنها بأسف او عند امين الزاوي ... ولكني وجدت انهما كنموذجين لا يستدعيان التوقف عندهما كثيرا فهما في كل مكان وفي كل نظام ..

الوطن ذلك الذي جعلت حرف الياء فيه منفصلة وكأنك تقدم لنا عبر حروفك ورسمها حسرتك العارمة تجاه ما يحدث ... فتفصل الياء التي تربطك به عنه وكانك بهذا تتنصل من وطن لم يعد يناسبك ... ليس غضبا على الوطن كفكرة وكمبدأ ولكن على الصورة الاخرى للوطن التي تحولت إلى ما يراد لها .. (بيت عنكبوت) يجذب إلية حراس للسلطة أو اعداء لها .. وفي كل الاحوال سيكونوا طعاما في النهاية لفم لا يشبع.....

قلت لنفسي يوما أن خنجر الخيانة قاصر لانه لا يستطيع أن يأخذ منا غير مساحة صغيرة في الظهر... هل نحن على استعداد لتقديم تلك المساحة ؟؟؟
قد تكون القضية التي نحملها دائما اكبر منا .... لانها حتما ستبقى بعدنا طويلا... اخي العزيز
سهل جدا ان نقف غير مبالين .. وسهل جدا أن نقول الكثير بعيدا وبشكل غير مباشر وغير صريح
لكن ليس سهلا أن نقف في العراء لنعلن ... اننا نرفض التدجين ...
ليس سهلا ابدا أن نفاجئ انفسنا في لحظة ساطعة جدا لنقف في مواجهة العالم...
لكنها صادقة جدا....

احييك و...

دمت بخير
وحيدةً ...
بلا قصيدة أعدو خائفةَ
على حرفين أخذتهما من دفتر قديم
وحيدة ...
بلا أرض أموت
وفي يدي سحابة
وفي قلبي عشق مستحيل

http://lelthakra.blogspot.com/


#831 شرف الدين شكري

شرف الدين شكري

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1259 المشاركات:

تاريخ المشاركة 18 November 2008 - 12:19 PM

ربما ...عادت بي الذاكرة إلى زمن بعيد في عمق هذه التأملات،التي حوت الكثير من نزقنا وألمنا،عند بدايتها ...تذركت تلك الإحتفاءات الحميمية الحارة التي تبدر حالما ننشر نصا جديدا مباشرة ...عبدو - الغائب-،شاهر الذاهب-العائد-الذاهب الجميل ،سمير الطيب،أيمن الجندي المرح،أحمد إبراهيم الرائع...
ربما ذهبنا مرارا ،ثم عدنا ،وأعدنا كرة الغياب إلى مالا نهاية ،حتى ذهابنا الأبدي الذي لا يعود..ولكن النص خالد حدَّ الجرح المفتوح على هواء عفن الحياة الخالد...
تعود عائدة - كما دلَّ عليها إسمها - بعد أن حاربت كثيرا لأجل استعادتها إلى المنتدى...وتذكرني بالذي مضى - على حسب تعبير إخواننا المصاروى-،كأنما هي تلج إحدى المسارح في لندن ،والتي ظلت تعرض مسرحية هاملت يوميا لأكثر من قرن من الزمن ،ربما لم تتوقف فيه إلا حين قصفت الطائرات الألمانية لندن في الحرب العالمية الثانية...
كثير من الأصدقاء شكك في استمرار التأملات ،وربما ذهب إلى حدِّ إتهامنا بالتشهير لها ،ولكنني يا اصدقائي ،لا أملك فيها إلا ذلك الفضاء الصغير الذي ينفتح لنصوصي بين الفينة والأخرى...هي ملك للعديد من الأصدقاء الذين أَرْشَــفوا طفولة نهودِ حروفِهم بداخلها زمنَ شباب موقع القصة العربية ذاتها .
هذه التأملات ،أصبحت كالمدرسة القديمة التي نعود إليها وقد شاخ بنا الزمن ،أو شخنا في الزمن ،كي نستذكر عبرها نزقنا وأفراح - الولدني -حسب تعبير الشوام - ...وها نحن ذا نتعرى للمرة التي لا تحصى امام نصوصنا ،ونؤكد للمرة التي لا تحصى ايضا ،على كبر مساحة ضهورنا المطعونة غدرا،وعلى إلحاحنا على قراءة بوح الأصدقاء،كي نشاركهم كبر القضية....
تحية إليك عائدة على هذا الحنين ...
لا شيئ يضيع
كـــل شيئ يتراكم
و للقلب وحده أنـَّـــــة ُ القراءة

#832 أحمد ابراهيم

أحمد ابراهيم

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 641 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 November 2008 - 06:33 PM

تحياتي ياشرف
وآسف لغيابي عن هذه المظاهرة لظروف صحية ..
التكميم والتعتيم الذي تمارسه السلطة الدينية والسياسية والإبعاد ، يجب أن نعي أنه نتيجة الحصار التام والفشل لمنظومتها التبريرية ، وكلما قامت حركة كتلك فإنها تنبىء بأن الوطن يمر بمخاض وإن كان يبدو طويلا ، لكنه نتيجة صيرورة طبيعية للتشويه الذي مورس عليه والوضع لدينا كما عندكم لكن بسوء أكبر ، والإعلام الإنترنتي أصبح مخرجا للمبعدين والمطرودين والمحاصرين ، والظاهرة الصحوية الدينية لازالت تمارس تلفيقها لدينا لكن الرائي للمشهد الآن يدرك أن هذه الحركة أصبحت تفرز نفسها من داخلها بظهور طبقة جديدة من النيوإسلاميين الذين مارسوا النقد ضد المؤسسة بشجاعة وحسبوا على التيار المثقف والعلماني الذي رحب بهم وهذه بداية لإن المشكلة التي تظهر على المؤسسة الدينية هو هذه الحملة الإعلامية الغير المسبوقة بنقدها ونقد مؤسساتها المريضة والمؤسسة السياسة المنافقة تقف هنا أو هناك لكي تساهم بالجدل بدون نتيجة بإبعاد المثقف عن نقدها وخوائها ولكن هذا الوضع هذا يبدو آنيا ، لإن الظاهرة الدينية استعملت إلى آخر نفس منها ولاتملك المؤسسة السياسية أي مراهنة عليها في الوقت الحاضر ..
يجب أن ندرك أن هذه الظاهرة التي تظللنا بهذا الوطن هي منظومة متلازمة من المحيط إلى الخليج وأنها فقدت مبررات وجودها بين الشعب المغيب الذي لازال يراهن على الإسلام النقي والأربع زوجات والغزو والغنيمة التي تأتي من العدو ..
لاأومن بالقطيعة الإبستيمولوجية وكم أتمنى أن تحصل لكن ظروفنا وواقعنا تجبرنا أن نقضي على هذه الأمية وأن نبحث عن شيء ما في هذه الوجود المغيب عن فسحة للنور ..
تحياتي

#833 شرف الدين شكري

شرف الدين شكري

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1259 المشاركات:

تاريخ المشاركة 30 November 2008 - 01:36 PM

عزيز إبراهيم
عودٌ أحمد
وصلتُ من خلال سؤال وجهته لي صحافية دولية إلى ذلك الجدار الذي تكلم عنه كافكا ذات يوم ،في مذكراته التي لم يحرق لعنتها صديقه ،بعد موته.... سؤال كان يدور حول الطبخة القبلية -بامتياز- ،والتي تلجأ إليها أنظمتنتا العربية غير المصونة بتاتا ،من أجل التمثيل الأبدي لصوت قبيلتها ،ومن والاها من القبائل الأخرى ...
وصلت إلى ذلك الجدار الذي علينا أن نخلخل أسسه منطقيا ،وبشكل جد نافذ ،وسريع ،وتشريحي...لأن الأوضاع لم يعد - ينسكت عليها - في هذه البلدان المتخلفة...هذا الجدار يقول لي بأن البلاد العربية ،تمارس ،وبشكل قديم جدا ،نفس الخطاب التأبيدي ،ونفس التخلف السياسي والمرجعيات المتخلّفة.
أهديك هذا النص السياسي الخالص. رغم انّ السياسة تقرِّفُني ...أنا مجبر على ذلك...ولست بطلا !

س- ياسمين صلاح الدين آغا: إعلامية أمريكية


ندوة خاصة بالجزائر في ظل الحديث عن تعديل الدستور
الجزائر إلى أين؟



· يتم الحديث عن تعديل الدستور في الجزائر. ما الذي يعني في نظركم تعديل الدستور، و كيف تقرؤون المرحلة القادمة في الجزائر إزاء ثالوث: الإرهاب/ التعددية السياسية/ و الحرّية التي تكفلها المواطنَة؟



ج- شرف الدين شكري: كاتب - الجزائر-

إن التطبيقات السياسة التي ترتبط في مرجعيتها بمنطق السّياسة الحديثة ،وما تفرزه من ممارسات مقنَّنة وفق منهج سلطوي واضح المعالم ،ويحدِّده الدستور ،لأجل ضمان حقوق وواجبات المواطن بحسب المسؤولية التي يشغلُها،لا تعني البتَّة التطبيق السياسي الموحَّد والمشتَرَك حوله من قبل كل أنظمة الحكم المختلفة التي تندرج ضمن سياق الجمهوريات مثلا،أو الفدراليات ...إلخ من أنظمة الحكم القائمة. فالجمهوريات ،عبر العالم تختلف في دساتيرها، وكذلك الفدراليات..، حسب ما يتم إنتاجه من قوانين ذات مرجعية تاريخية معيَّنة Référence historique prés-définie تخدم المصلحة العامة،وتُسنّ بموافقَة أغلبيَّة مختلف أجهزة الهيئات الانتخابية في الجهاز التنفيذي للدولة ،والممثّلة لـ "خيارLe Choix الشّعب.
وتُقاس بالمقابل، درجة ونوعية الحرية في الدول المتطوِرة ،بنسبة تأثير التيار المُعارِض ،وقيمة وكميّة التغيير الذي ينتُج عن هذه المعارضة .إذ لا يمكننا تصوُّر ،ولا حتى قياس نسبة تغلغل الحرية في أي مجتمع/وما ينجرُّ عن ذلك من نتاج مادي ومعنوي: من الناحية السوسيو-اقتصادية،والإعلامية والتاريخية..إلخ، إلاَّ بمعرفة مكانة صوت المعارضَة، ونوعية الحرية الممنوحة لها من اجل ضمان توليد نتاجها المذكور آنفا، بمعزل عن العزل والنفي والاحتكار وجور الأحكام القضائية ،والتغريبAliénation ،أو حتى القتل.
مجرَّد التحليل الإحصائي البسيط الذي يتأتى من عدد النّاخبين ،الذين أبدوا بأصواتهم في المرحلة الانتخابية الرئاسية الثانية للرئيس بوتفليقة ،والذين لم يتجاوزوا الخمسين بالمائة(50%) ، والذين لم تتحصل الرئاسة الحالية على نصف أصواتهم (25%)رغم كل التّحايلات الانتخابية المعروفة التي يعرفها القاصي والداني والتي لا تحتاج إلى إثباتات ، ينضاف إليه العدد الكارثي المتدنّي Dégradation du nombre de votants) للمصوتين في الانتخابات البرلمانية، والذي لم يتجاوز الثلاثين(30%) بالمائة إجمالا، يجعلنا نخلص إلى أنَّ المجتمع الجزائري فقد الثقة (Perte de confiance envers le pouvoir)بحكومته الحالية التي أخلفت بكل عهودها الإنمائية والتنموية ، وتستَّرت وراء ملايير الدولارات بسبب الظروف الاقتصادية التي جاءت قبل الأزمة العالمية الحالية، وتحصًّنت باللّوبي المافيوي ثنائي القطبين: الاقتصادي(التجاري) – السياسي.،فخلقت بذلك طبقة اجتماعية جديدة وعنصُرية Une nouvelle Strate Sociale et Raciale، وغيَّرت من المفهوم الأكاديمي ،وحتى العُرفي المتعارف عليه في المجتمع الجزائري ،لمفهوم المواطنةLa Citoyenneté أو المواطِن.
من هنا ،لا يمكننا الحديث عن تعديل للدستور في ظل غياب كتلة معارِضَة ،تفرض ديناميكا جدلية متعقِّلة Une dynamique Raisonnable ،وتستطيع خلق توازن في القوى داخل سلطة الجهاز التنفيذي ذاته، وتفرض حماية صوتها، كما هو الشأن في بنية الخطاب السياسي الحديث .
إنَّ التجمعات السياسية في الجزائر،لا تكاد تخرج عن بعبع تمثيل الامتدادات القَبَلية Les extensions Tribale ،التي جعلت الخطاب السياسي صوتا قَبَليا ،أكثر منه صوت دولة Une voix de tribut plutôt qu’une voix d’état ، ولذلك فإن الممثل الأعلى للسلطة في البلاد ، يعدُّ بمثابة الممثل الأعلى للقبيلة بامتياز. من هنا تسقُط كل الأنشطة الإدارية التنظيمية والمتعلّقة بالتسيير الإداري الحديث La nouvelle administration، وتغدو مجرَّد استهلاك لا منطقي لمدخَّرات البلاد من عملة، يتمُّ من خلالها تُغطّية التظاهرات السياسية المتعدِّدة التي تشفع للقائمين على السلطة بقاءهم ،وتمدُّهم بالشرعية التي سرعان ما يظهر وزنها الحقيقي عند اختتام تلك التظاهرات على منصة الأولمب الكُبرى (البرلمان)، فتميل الكفة فيه دوما إلى صوت التحالف القبلي المصلحاتي، ناسفة بذلك المعنى الحقيقي لكل ديكورات تلك التظاهرات سالفة الذِّكر.
لم يحدث في تاريخ حكم ما ،حديثا كان أم قديما ،أن تصرَّف القائم على السلطة بشراء ذمم الأصوات الانتخابية ،أياما فقط قبل تمرير مشروع تعديل الدستور،وذلك بمضاعفة دخل أعضاء البرلمان إلى 150 % - أي ثلاثين مرة ضعف معدَّل دخل المواطن الجزائري-، ممّا يجعل مصداقية المنتخبين في حدِّ ذاتهم ، تسقط ، ويجعل كذلك شرعية المُنتخِب البرلماني ،وأخلاقيات التمثيل معرَّضة إلى الطّعن وإلى إعادة النظر.
لقد بينت الدّراسات الإحصائية الخاصة بفساد الإدارة والرشوة التي أُجريت على العديد من الدُّول التي تعاني من هذه الظاهرة من طرف "المنظمة الدولية للشفافية "، والتي تدخل ضمنها الجزائر، بأن هذه الأخيرة، تُعذُ ضمن الدول الأكثر فسادا في العالم،ومن المؤكد بأن قرار الرشوة العلنية الذي لجأت إليه الدولة الجزائرية الحالية، يدخل ضمن هذا النّسق الدنيء ، مما يجعلنا نتيقن بأن القائم الأعلى على الرشوة في البلاد ،هو نفسه القائم الأعلى على الحكم.
في انتظار إلغاء تلك التعديلات الدستورية التعسفية التي مسّت جانب الحريات والموروث الرمزي لافتقادها للمصداقية - كاحتكار تاريخ الثورة، وعدم البحث في تفاصيله باعتباره ملكا للمؤرِّخين، وفتح الباب واسعا أمام صوت تأبيد الحكم ،وجعله حكرا على صوت القبيلة الأمية- ، لا يمكننا الحديث عن عدالة اجتماعية ،ولا استقرار ونمو اقتصادي ،وارتقاء في البرامج التربوية على اختلاف مستوياتها ،وجلب للاستثمار الدولي بمفهومه الواضح والشفاف ،ولا عن الحدّ من ظاهرة الإرهاب ،التي سُطِّر لبقائها من قبل قوى الخفاء المحلية والدّولية من أجل ضمان استقرار بعض المصالح الجيو-سياسية والاقتصادية (التجارية)،ولا عن حقوق مواطنة متحضِّرة وقائمة على التعددية العرقية ،واحترام الأقليات الدينية.
هناك سدَّاد لفوَّهة انطلاق أي نهضة ، تقومُ عليه الدولة في الجزائر، لا يمكننا بسببه الحديث عن أي ديناميكا من شأنها أن تمسّ كل الجوانب. وفي انتظار نزع هذا السدّاد بفضل الثورة السلمية، والمتعقِّلة والهادئة، سيصبح من نافلة القول الحديث أو التفكير في غير هذا.

بسكرة في 29/11/2008

لا شيئ يضيع
كـــل شيئ يتراكم
و للقلب وحده أنـَّـــــة ُ القراءة

#834 أحمد ابراهيم

أحمد ابراهيم

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 641 المشاركات:

تاريخ المشاركة 01 December 2008 - 08:04 PM

تحياتي ياشرف
في غياب الدولة الحديثة واستقلال المؤسسا ت القضائية يبدو أن الحديث عن البرلمان والنواب هرطقة مضحكة ..
القبيلة ، العشيرة والحزب يوفر الحماية لأفراده في وجود كيان مهترىء في العالم العربي اسمه الدولة ، الديمقراطية الغربية كما هو معروف تحتاج إلى مؤسسات لتحمي ميراثها ، وفي الدولة الرأسمالية كانت البورجوازية هي من أفرزتها طبعا لتحافظ على مصالحها ، لكن البورجوازيين الوطنيين هم بشكل أو بآخر إحتواء أو صورة مريضة للبناء القبلي الذي لن ينتج مصنعا او مؤسسة تعليمية أو مؤسسة اجتماعية ، إن البورجوا هي تقتات على الغنيمة والسلب كما يقول الجابري .
المثقف يحلم ويقفز عاليا ويرى لكنه مقطوع اليدين وهو أشبه بشخص خارج السياق التاريخي
السؤال الذي برز لي وأنا أقرأ اللقاء هل الصيرورة التاريخية تسير خارج نطاق العلم ورؤية المثقف والفنان ، يبدو كذلك التاريخ يحتاج إلى أن يصل إلى ذروة نتاجه المتخلف ليدخل دورة جديدة ..هل هذا يخدر المثقف أو يجبره على النظر إلى أطروحاته على مقاس الفرد العادي في الوطن العربي ..
إن الحرية تحتاج إلى أجيال لتعيد تشكيل فهمها لها ، السواد الأعظم لم يصل إلى الإحساس بالحرية بالشكل الفطري ، هو مولود القمع والتدجين والجينات اللعينة شوهته كثيرا ،
متى أعرف ماهي حريتي ؟
والوعي بالحرية ينتج فردا خائفا سوف يطردها بعيدا ، المستعبدون طويلا سيرفضون الحرية ، إنهامسوؤليته وليست مسؤولية الدولة أو الأب ..
لازلنا نعيش في ظلال الأب وحين نقتل الأب ، نستطيع أن نفكر بالحرية ..
دمت بحب

#835 شرف الدين شكري

شرف الدين شكري

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1259 المشاركات:

تاريخ المشاركة 03 January 2009 - 06:26 PM

عزيزي أحمد إبراهيم
دمت لهذا التواصل الفذ ،الذي دام لعدة سنين
سوف لن أحيد عن رؤيتك أعلاه ،وسوف أحاول الإجابة عن بعض الأسئلة التي وجّهتها إلي الصحافة الامريكية أمس ،وهي مفتوحة على قراءاتك دوما ...فلا تبخل بها علي
صديقك.شكري.ش


حوار مع الكاتب الجزائري: شرف الدين شكري



".... مُصادرة أدوات التشهير العلني لفداحة الموقف الرّاهن الذي يقف عليه أولو أمرٍ مشكوك في نزاهتهم، إقالة بيادق أرادت أن تتسلَّل إلى مناصب أعلى في طاولة شطرنج هذا الوطن ،بعد أن كانت على عهد وثيق ربما بميثاق الرضوخ، استحواذ السلطة المؤبَّدة على شرعية التاريخ ،وتعريته من سلطة النقد الآكاديمي ،وإلغاء محدودية الحكم الذي لا يمكن له أن ينتهي وسط مجتمعات مقموعة وذات نسبة عالية من الأميين ..كل هذا، وأكثر، يجعل من سيناريوهات السقوط أشياء محتملة يمكن للعاقل أن يتنبَّأ بها ، وبأعتى منها مستقبلا..."


***


س1: اتفق أغلب المثقفين الجزائريين على أن سنة 2008 كانت سنة للركود على أكثر من صعيد. ما رأيك؟
ج 1: لو تم طرح هذا السؤال خلال السنوات الفارطة على المثقف الجزائري الذي لا يقتات من سلة ما تدرّ به الدولة من صدقة على المثقفين، لكانت الإجابة دوما بنعم.
المثقف النقدي لا تحكمه الرُّقعة الجغرافية التي يتواجد فيها (والتي تتسم على تعدُّدها ببعض الصفات المُشتَرَكة) ،بقدر ما تحكمه نوعية الخطاب الثقافي السائد في بلده. ولذلك فإن إجابة المثقف النقدي في مصر أو سوريا أو المغرب ، أو أية دولة عربية أخرى ستكون شبيهة بإجابة المثقف النقدي في الجزائر ولكن بدراجات مختلفة نوعيا، وهي أنّ سنة 2008 ،كانت سنة ركود. الركود صفة يُنعِتُ بها الهامش المركزَ في الغالب ،إلا أن الثقافة السائدة في دولة ذات حقوق مدنية عريقية مثلا ،وذات مكتسبات ديمقراطية لا يمكن لها أن تحول، يختلف عن الركود الذي تشهدُهُ الدول الفقيرة إلى الحريات الشخصية والحقوق المدنية والمكتسبات الديمقراطية المتينة.
لم توجد الثقافة النقدية للتهليل أبدا مهما كان الخطاب السائد. فالقوةُ التي تستمدَّ منها السلطة مكانتها – مهما كان نوعها- هي ضعفُ الطرف المحكوم، لذلك وُجدت ثقافة النقد لأجل مراقبة طغيان قوة السُّلطة، والحدّ من عجلة ميل الكفة إلى الطّرف المُهيمِن ، والعمل بقدر الإمكان على جعل الكفتين في توازن متشابه. قليلةٌ هي المجتمعات التي حققت اعتدالا بين الكفّـتين، ولكنّ الأمر –أي تحقيق الاتزان- لم يعد مستحيلا في ظل توافر الشروط العقلية والاستعدادات العلمية والتقنية التي تسمح بذلك. إلا أن المرجعيات الذهنية –كما هو الحال في أغلب البلاد الإسلامية والعربية -،والاغتراب الحاصل بين الطبقة الحاكمة التي استأثرت بهرم الحكم وبالسلطة الرمزية؛ أي بالقوة المطلقة وغير العقلانية ، والطبقة المحكومة ، يجعل هذا التطبيق شبه مستحيل ، ويُسقط كل محاولات الإصلاح ،ويدفع بها إلى أجلٍ لا يمكن أبدا التنبؤ بزمن انقضائه.
هل كانت سنة 2008 سنة للركود على أكثر من صعيد ؟ أقول بأنها كانت كسابقاتها، منحدرا خطيرا يهوي بالعقل وبالنور إلى هاوية ظلماء ،تجعل هذا الوطن، مهما تكدَّست الأموال في بنوكه، يَسْـقُطُ أخلاقيا ، ويخسر اقتصاديا، ويُفلس في برامجه التربوية ومشاريعه الآكاديمية والبحثية شبه الغائبة عن عمق الأزمة...سنة بعد سنة.
***

س2 - شهدت السنة الماضية مصادرة للفكر بدأ بصالون الكتاب وما تعرض له من رقابة شديدة وصلت حد التضييق على الكتاب وعلى الناشرين.
• أيضا قضية منع إصدار كتاب لمحمد بن تشيكو ومداهمة المطبعة التي كانت بصدد طبعه بأمر صادر عن سلطات عليا، و عزل مدير للمكتبة الوطنية الروائي أمين الزاوي من منصبه .
• أليس هذا تراجعا في مسار حرية و أداء المثقف في الجزائر؟

• ج2-
إنَّ مسار حرية التعبير وأداء المثقف في الجزائر (أُحِبّ أن أتحدَّث دوما عن المثقف النقدي ،بمفهوم محمد أركون ،كي نميِّز بين صاحب الشهادة أو الموظِّف في حقل الأنشطة الثقافية، وبين المثقف صاحب الرؤية أو التصوُّر المؤَسَّس وفق مرجعية ومنهجية معينة..)..هذا المسار في الجزائر، يُعدُّ هشًّا جدا ، وحديث عهد إذا ما قورن بالمسارات المختلفة التي وخطت تاريخ الشعوب الأخرى. وهو مسارٌ حافلٌ بالمخاطر التي وضَعَتها في مجابهته مختلف الأنظمة الديكتاتورية التي حكمت البلاد منذ الاستقلال، والتي أرسَت دعائم صولجانها لا بالعقل ،بقدر ما اعتمدت في ذلك على التكتلات العشائرية المسلَّحة، والتمويهات الشعائرية. فالسياسي الحاكم عندنا ،لم تخنه أبدا فطنة دهائه -الثعلبية- في الارتكاز دوما على العصا والشفاعة أو شفاعة العصا، وظل يردِّدُ مطلقية حكمه دوما مع كورس المهللين، والذين يعتمدُ عليهم في تبرير تصرُّفاته، والذين لا يختلفون في العادة بين حاكم وآخر إلاّ شكلا ربما بسبب تكدُس سني – القِوادة- على كاهلهم وشحوب سحنهم التي استوفت تاريخ صلاحيتها، وظلت على تاريخ عهدة القوادة سائرة، من دكتاتورٍ إلى آخر.
مصادرةُ العناوين النقدية التي تمسُّ بالقواعد الهشَّة لتلك الحكومات الدكتاتورية، مَنْـعُ أسماء مهمَّة من تداول القراءات التفكيكية للبنية الزنخة لذهنية العربي والمسلم الواهنة ،وجعلها تشكُّ ربما للمرة الأولى بعد قرون عدة في المغالطات التاريخية الخطيرة ،وفي (مكتسباتها) الجاهزة، مُصادرة أدوات التشهير العلني لفداحة الموقف الرّاهن الذي يقف عليه أولو أمرٍ مشكوك في نزاهتهم، إقالة بيادق أرادت أن تتسلَّل إلى مناصب أعلى في طاولة شطرنج هذا الوطن ،بعد أن كانت على عهد وثيق ربما بميثاق الرضوخ، استحواذ السلطة المؤبَّدة على شرعية التاريخ ،وتعريته من سلطة النقد الآكاديمي ،وإلغاء محدودية الحكم الذي لا يمكن له أن ينتهي وسط مجتمعات مقموعة وذات نسبة عالية من الأميين ..كل هذا، وأكثر، يجعل من سيناريوهات السقوط أشياء محتملة يمكن للعاقل أن يتنبَّأ بها ، وبأعتى منها مستقبلا.
هل يعدُّ هذا تراجعا ؟..طبعا لا ! فهو استمرار للمسار الخطأ الذي انتهجته هذه الدولة في بناء ذاتها بعد الاستقلال مباشرة.
***


س3- طيب دعني أسألك عن موقف المثقف من كل ما يجري على الساحة الثقافية والسياسية في البلاد؟
• هنالك من يعتبر المثقف متواطئا مع هذا الركود لأنه لا يعمل على تغييره.
• لعلي قصدت انشغال المثقف الجزائري بالمعارك الشخصية التي انفجرت بين الأدباء ( حرب واسيني ضد الطاهر وطار، و حرب أمين الزاوي ضد أحلام مستغانمي) .

ج3- كما ذكرت أعلاه، هناك المثقف النقدي الذي يجابه شرطة المكان والزمان التي لا تهدأ أبدا، أي أنه يشارك في ديناميكا صناعة الحياة ،حتى ولو كان ذلك بشكل عسير، وحدَهُ الزمن سيذكره له – الزمن الآتي طبعا ! – وهناك المثقف السّطحي الذي وهبَته بورجوازية الأمية فُرصَةَ اعتلاء مكانة مرموقة في سلَّم الأنشطة الثقافية البسيطة جدا : كالكتابة الغرامية التي يقتات منها القراء المراهقون، أو الشوفينة الوطنية ،التي يعتمدُ عليها النظام الديكتاتوري القائم ،أو الدينية التكفيرية التي يعلقُ بها مجرمي المجتمع وضحاياه على حبل غسيلٍ واحد....
فهل هذا دليل على تواطؤ المثقف مع هذا الركود ؟ طبعا نعم ..وطبعا لا !
فالمثقف الذي عرف كيف يرسم الإنسان الجزائري بشكل مغاير في مرحلة الاستعمار الفرنسي الجائر والمشوِّه في العمق للهوية الوطنية ،هو نفسه من يرسم امتداد ذلك الاستعمار في شكله الراهن ،عبر مستغلِّي الرموز الاستعمارية ،والذين عرفوا كيف يوظفونها لأجل استعمار أبناء بلدهم اليوم. والمثقف الموظَّف –حسب تعبير أدونيس- ،هو نفسه من كان يتغنى بعيون الجريمة فيما مضى ،ولا يزال يتغنى بعيون الجريمة اليوم. وربما أفضل مثال سأسوقه الآن ،هو المثقف الموظف الذي يعتلي سدَّةَ أعلى هيأة ممثلة للكُتّاب في البلاد اليوم ،والذي تم تنصيبه من قبل وزارة الثقافة ،لأجل السكوت عن جرم تقتيل الثقافة في هذا الوطن ،وإبعاد صوت الأدباء والكتَّاب.وإلاَّ فبماذا نفسر سكوت اتحاد الكتاب الجزائريين عن قضايا الرأي الخطيرة التي مسَّت وضعية المكتبة الوطنية ،ومكانة أدونيس في الخطاب العربي الراهن بعد تكفيره بشكل طاعن من قبل هيأة دينية مفلسة وبلا غاية في الجزائر، وسكوته حتى على المجازر اليومية التي تطحن الإنسان العربي في غزة ..وأمّا الحديثُ عن برنامج إنعاش اقتصادي حقيقي يرسِّخ مكانة الكاتب والمُبدع الجزائري ،فهذا أمرٌ ،لا يزال بعيدا كل البعد ،عن القدرات الذهنية البسيطة لممثل هذا الإتحاد .
وأما المعارك الشخصية التي ذكرتِها والتي يحرِّكُ تفاصيلها بعض الكُتَّاب المعروفين ،فإنها معارك تدخل في سياق سلوكيات الدّلال الذي يحتكم عليه من نالوا حظهم من غنائم الحرب ضدَّ الأمية العالية التي تنخر البلاد.

***


س4- على ذكر أحلام مستغانمي فقد أعلنت أنها طلّقت فكرة الإشراف على جائزة مالك حداد احتجاجا على الواقع الثقافي الذي وصفته بأنه واقع تسوده الرشوة و المحسوبية و المعارك الخاسرة.
• طيب، كيف تفهم كمثقف و باحث الحملة التي تعرضت إليها الروائية أحلام مستغانمي و هي التي أسست مساحة للإبداع و فتحت المجال للعديد من الأدباء كي يظهروا عبر جائزة مالك حداد؟

ج4- لم اعرف مسابقة ثقافية نزيهة في هذا الوطن. لم اعرف حُكْما نزيها واحدا في هذا الوطن. "أحلام" ،كما يدلُّ عليها اسمها ،انقادت بشكل طيبٍ جدا وراء أحلامها بإرساء جائزة أدبية نزيهة، تكرِّس الأعمال المتميزة ،وتدفع بها إلى فضاء إشهاري أرحب كي ينال الأديب حقه المشروع . وحين اصطدمت أحلامها بمافيا القِوادة السياسية وآكلي لحوم الإبداع ،ومهرِّبي حقوق الأدباء ومستحقاتهم، وكومندوس الشوفينية المشوَّهة التي لا تكفُّ عن التصفيق لحكّام الأميين – وليس الأُمويين طبعا! -، واستحال الحلم إلى كابوس، خرجتْ في الطبعة الأخيرة لتلك الجائزة بكلمتها الشهيرة التي فضحت تأزُّم الوضع في البلاد على مختلف مستوياته، وأعلنتْ تعليق الجائزة أو نقلها إلى بلد آخر، كدليل على العلامة المميزّة الحالية التي لا نُحسدُ عليها أبدا ،والتي تعيشها البلاد موسومةً بسكوت شبه شامل.
وبطبيعة الحال ،لا يمكن لحادثة فاضحة كهذه أن تمرَّ دون أن تدافع الهيئات المتسببة بشكل مباشر على إفلاس هذا الوطن ثقافيا عن نفسها ، وأن تجنِّدَ كومندوس الرداءة والشوفينية ،كي تواصل بعد الضمان المسبق لأفول تلك الجائزة غناءها النشاز وحدها على غصن خيبتنا التليدة.
يبدو الأمر غريبا، ولكن "الجزائري يمتلكُ فعلا ،طاقة رهيبة لتدمير كل ما هو جميل "! حسب تعبير أحد الصحافيين الجزائريين في تسعينيات القرن المنصرم.

***


س5 - سأنتقل بك إلى سؤال آخر: حدثني عن الحركة الثقافية في مدينتك "بسكرة" و ما هي الميزات الإيجابية التي حققتها على الصعيدين الفكري والأدبي؟

ج5- مدينة بسكرة ، مدينة داخلية تقع في الشرق الجزائري، وتُعتبر بوابة للجنوب الكبير. مدينة تقبع بين الموت والحياة.مدينة استهوت الكثير من الرسامين والكُتّاب والفلاسفة .استهوت "أندريه جيد" الذي كتب فصولا عدّة من "الأغذية الأرضية"و"اللاأخلاقي" و"يومياته" فيها، وكذلك أنتول فرانس "، و"بونابارت الثالث"، و"بول مكارتنيه" ، و"ماركس"، والعربي بن مهيدي، ومحمد العيد آل خليفة ، وابن خلدون الذي عاش فيها تسع سنوات، وبدأ فيها كتابه الشهير "المقدِّمة" ...هي مدينة تقع بين طرفي الموت والحياة. فيها من الأخضر الشيء الكثير- أكثر من خمسة ملايين نخلة، فريدة الجودة عالميا-، ومن اليابس الكثير.مدينة كلّ المتناقضات. لهذا ربما، كانت دوما سبَّاقة إلى قيادة مسار الفكر في هذا الوطن منذ مرحلة الاستعمار الفرنسي. وكغيرها من مدن الجزائر ،فإنها تفتقد اليوم لذلك الطابع السياحي ،وتلك الروح الثقافية ،وتلك البنية المعمارية المحلية ، بعد انتهاج الدولة سياسة الإهمال المتعمِّد لكل ما من شأنه أن يُسعف الموروث الثقافي وينمِّيه كمكسب ديناميكي متجدِّد، يعكس هوية ديناميكية متغيّرة ومتأقلمة مع فضاءات المعرفة الجديدة. لقد تمكنت خلايا الحزب الواحد لعدَّة عقود من تسيير شؤون المدن الجزائرية بمطلقية تامة، بحجة الانتماء الثوري لا غير، ولذلك فإن المستوى التعليمي لتلك الفئات - عمومها طبعا - كان جدُّ محدود ،ممّا جعل المكتسبات القديمة تشيخ ، وتتآكل، وتندثر مع مرور الزمن، وتفقد طابعها النشيط، وتعجز في الأخير عن مواكبة مستجدات العصر، وتنعدم. إنها سياسة التجهيل التي تقود مصير هذا الوطن في العمق...وياله من مصير!

***


س6- هنالك من يقول بأن زمن المثقف انتهى و أنه زمن السياسة والمصالح؟

ج6 : هذه مقولة رومانسية خالصة. المعارف تتواجد وتتفاعل فيما بينها في كل العصور.وحده الفكر كفيل بإشعال فتيل انبثاقها. ربما نستطيع أن نطرح هنا سؤالا أركيولوجيا خالصا :لماذا يا ترى تتواجدُ هذه المعرف، بدل تلك ؟ لماذا يا ترى أصبح السياسي هو الذي يقود بدل الثقافي-جدلية سلطة السياسي والثقافي - ؟ لماذا ارتبطت فكرة المصالح بالنشاط الثقافي، وأُسيء استيراد فكرة مجازاة العمل الثقافي، بحيث ارتبطت هذه المجازاة بالمحسوبية والرّسالة المسيّرة والمنمَّقة وخدمة خطاب الحاكم ،بدلَ العمل على تنمية العمل الإبداعي الحقّ،الذي يؤكِّدُ على الجديد ،بدل تكريس تلك الأوجه الثقافية الباهتة؟
الخطأ لا يعود إلى المصطلح أو المفهوم كما أكّدتُ دوما ، الخطأ يعود إلى سوء استيرادنا لمفاهيم هي منّا براء، جعلتنا نغتربُ في تبنينا لها، وجعلتْ الفعلَ يتنافى مع مضمونها.
إن السياسة وُجدت أصلا لأجل خدمة المصالح الإيديولوجية ،وأما الثقافة فقد وُجدت لكي تتعارض مع هذا الاتجاه. ودوما كانت السياسة ذات منحى تدجيني ،والثقافة ذات منحى تحرُّري. ولذلك فإن الدول التي تحققت فيها الإنجازات الثقافية بشكل راق ومتطوِّر ،هي دول عرفت كيف تمنح السياسي عطلةً ذهنية ثقافية، واكتسبت شرعيتها من طلاق الثقافي من السياسي، وبالموازاة من ذلك تطوَّر السياسيُّ بدوره، واكتسب شرعيته هو الآخر. في الدول المتخلِّفة إذن، لم يتطوَّر أي خطاب، لأنه لم يأخذ شرعيته من تخصُّصه، مما جعلنا نعيش نوعا من البراغماتية المتوحِّشة، التي يمكن تسميتها بسياسة المصالح أو الانتهازية الظرفية التي أفرغت المعارف من أنساقها الصحيحة المُعدَّة لها .ولذلك وجب النظر اليوم في خبايا هذه السياسة المريضة ، من اجل التفكير في إمكانية تصويبها ووضعها على المسلك الصحيح الذي أُعِدَّت لأجله ،كلٌّ بحسب تخصُّصها ، وإلاّ فإن الكارثة التي نعيشها اليوم ثقافيا ، ستتفاقم أكثر وسوف يتواصل نزيف الفقد إلى مالا تُحمدُ عقباه، وننقرض مثل الشعوب القديمة التي لم يتبقى لها ما تعطيه للتاريخ ،مثلما عبّر عن ذالك أدونيس.

***


س7- ألم تُعلن وزارة الثقافة استقالتها إزاء هموم وحاجة المثقف إلى قانون يحميه إبداعيا وإنسانيا؟

ج7 - ينبغي هنا الحديث عن شرعية المؤسسة في حدِّ ذاتها. فالمؤسسة التي لا تتمتَّع بشرعية التمثيل، والتي يكون همُّها ، وشغلها الشاغل هو تشريع كل الحملات الإشهارية التي تخدُم الحاكم ،بدل العمل على حماية المثقَّف، وتنمية الوضعية الاجتماعية له ،وحماية العمل الإبداعي وتسطير ورشات تكوين والدفاع عن حرية الاختلاف التي تتعارض حتما مع هفوات الحُكم وإعادة تقييم المُكتسبات لأجل تطويرها، والوقوف إلى جانب القضايا العادلة التي تعكس همّ رجالات الثقافة ، والاشتغال على تنمية النتاج الثقافي المجدِّد والمتعقِّل ،بدل الفولكلور السّليقي الجاهل، هي مؤسسة وجب النظر في شرعيتها أصلا! ولكنّ هذا الـ" حلم" لا يمكن له أن يتأتى إلاّ ضمن سياق إصلاحي شامل يبتدئ من القمة ،كي يمتدّ من ثمة إلى القاعدة. الخطاب الثقافي، ليس خطابا منفصلا عن باقي الخطابات المؤثرة في حياة الشعوب، هو جزء لا يتجزَّأ من تلك الديناميكا وذلك النتاج المتولِّد عنها .ولنا أن نرى بأم أعيننا وضعية الإنسان الجزائري والعربي اليوم ،وأن نحكم على شرعية ونوعية ونظام السلطات التي تسيره. هي شرعيات واهنة ،عجوز، متشايخة، ودهاؤها صار يوحي بالضحك عليها أكثر من احترامها.

أجرى الحوار للصحافة الأمريكية/ ياسمين صلاح الدين آغا / 02 /01/2009

لا شيئ يضيع
كـــل شيئ يتراكم
و للقلب وحده أنـَّـــــة ُ القراءة

#836 أحمد ابراهيم

أحمد ابراهيم

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 641 المشاركات:

تاريخ المشاركة 14 January 2009 - 06:01 PM

تحياتي
يبدو أن الأيدلوجي الذي لاينظر بالضرورة عن مبدأ سياسي بقدر ماهو يقبع في أسفل السلم الإنتلجنسيا السياسية في محاولة تعميم جهله ، تخلفه ، وعبثيته وطلاقه الكامل عن العالم بزرع مايتفق ومجموعته من الثقافة السياسية ، إن السياسي لايملك نظريته الكاملة ، هذه عبقرية الفوضى التي يمتطيها السياسي مستفيدا من الفنان .. بالهذه السفالة ..
إن الحزب أو القبيلة اللذين يعممان نماذجهما في جميع مناحي الحياة لهو يحتاج إلى دراسة عميقة في طبقات هذا الفكر ، إنه أشبه بالشعيرة أو بالأصح مايمكن التعبير عنه بالطوطم الثقافي الذي يملك سياجه الدوغمائي على حد قول أركون .. إنه شعار هذه الطبقة الحاكمة في هذه الأمة ،
يبدو لي أننا كشعوب نحن نتاج طبيعي لهذه الطوطمية سوى أرادنا أم لم نرد ، نحن الذين ننتج الفرد الجاهل ونبرر وجوده ونستمر بتغذيته ..

#837 شرف الدين شكري

شرف الدين شكري

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1259 المشاركات:

تاريخ المشاركة 18 January 2009 - 01:23 PM

أسئلة لمسار التاريخ العربي


"..أمريكا هي الطاعون
والطاعون أمريكا "

م.درويش.












-3-


أوقَفَتْ إطلاق النار !
أبرمت مع الثانية معاهدة مقيـَّـدة دون أن تُستشار الثالثة حول حصَانَة حدودها !
طالبتْ الثالثة بضرورة وقف إطلاق النار الفوري بعد أن صرَّحت هي ،بمحض إرادتها، بوَقْفِ إطلاق النّار !
تبرَّأت الثالثة من أية أعباء قد تٌلزمُها بضرورة وجود مراقبين دوليين على أراضيها رغم انبطاحها الحتمي أمام أية مطالب تأتي من الأولى والثانية...لا مجال للجدال البارد والتهريجي يا أبا " الغيط " ...!
آخر أيام بوش..
آخر أيام إمبراطورية الحرب التي أدار تفاصيلها آل بوش بدءً من حرب الخليج الأولى..إلى حرب غزة التي تضامن فيها مع "تسيبني" وضمن لها فيها قتل أكثر من ألف فلسطيني انتقاما لدسيسة الكره العنيف المُبطَّــن تجاه الجنس العربي ..
الغطاء الأمريكي المباشر لأي ظلم يقوم به النظام الصهيوني تجاه الفلسطينيين بدءً من حركة " الهجانة" التي أسسها " بن غوريون" وباركها " ترومان" : أول من اعترف بأول دولة عنصرية في العالم ،مباشرة بعد إعلان الكيان الصهيوني عن تأسيسها...الغطاء الأمريكي المُباشِر لا يزال متينا وصريحا ،وممتدا في جثة الكيان العربي التي لم تجد سبيلا حتى الآن للانتقام لآلامها .
مئات الآلاف من الأرواح العربية، أرهقتها إدارة آل بوش..وعتَّمت حقائق تَجثُّـثِها أيدٍ عربية خالصة .
كوميديا تافهة لم تعد تفاصيلُها خفية،ولم يعد العالم يستغربها لأنّها واضحة ...بل وفاضحة ...!

-2-


تردَّدت كثيرا في نشر هذا الكتاب لخلوُّه من الإجابة وامتلائه بالأسئلة .وبعد إعلان إسرائيل عن وقف إطلاق النّار –غير المضمون طبعا والذي هو مستحيل في ظل أوضاع الاحتلال المتواصل ،واختلافه عن وقف إطلاق النار الذي تم في حرب تموز 2006 على لبنان -،وجدتُ بأنه من اللائق إعادة التأمُّل في بعض النقاط التي وَخَطَتْ مسار هذه الحرب التي لا زالت قائمة حتى الساعة ،و كذلك لأجل التأكيد على ضرورة تجاوز عاهة النسيان التي لطالما أُنعِـتَ بها الإنسان العربي.
لهذا، سوف استعيد كتابي أدناه وأنشره كما هو ،عساه يجد لدى القارئ بعض الإجابات النقدية تاريخيا والمطلوبة بشكل ملحّ لدى الإنسان العربي ،بعد تمايزه الغريب عن باقي الشعوب الأُخرى بغضِّه الطرف عن الأحداث الدينامكية غير المُباشرة التي ترسم مساره التاريخي ،وبتفاعله معها أثناء حركيَّتها المُباشرة بشكل عاطفي فقط .

-1-


لا أعرف كيف أكتب عن غزة، لكثرة ما قرأته من نواح ومغامرات رؤوية غريبة ،لا ترقى البتة إلى مصف الألم الطاعن الذي يبتر الجسد "الغزَّاويّ" .ولأنني عاجز عن الكتابة ،ولا أومن إلاَّ بالسلاح في مواقف كهذه ،فإنني سوف أفتحُ هنا بابا لمساءلة التاريخ أو للسؤال أمام مسرى التاريخ الذي لا يتوقَّف...وأجعله بابا يوميا لمن أراد من الكُتَّاب أن يفهم أو حتى يقترب من فهم بعض المواقف الغريبة التي تغلِّفُ ملفّ الحرب في غزَّة ،كي تُناقش بشكل علني وصريح ومؤسَّس
سوف أبدأ بطرح نوع من الأسئلة الأولية التي أدعو الجميع إلى المشاركة في الإجابة عنها ،والتمعُّن في ثنايا تفاصيلها مليا ،لأن التاريخ سيقرؤها حتما لاحقا ...وسوف أعمل بدوري على الإجابة عن بعض منها :

- أنا لا أستغرب موقف الولايات المتحدَّة الأمريكية الصريح من قضية الدولة الصهيونية ،بل وأحيي فيها عملها الدءوب على السَّهر على مصالحها في الشرق الأوسط عن طريق اليد الإسرائيلية التي خلقتها أوروبا (بريطانيا تحديدا) ،وجعلتها أمريكا تستمر ،وعملت بعض الأنظمة العربية على إبقائها خدمة لبقائها على سدَّة الحكم.. .لدينا مثلٌ جزائري يقول : أقتل الخادم ولا تقتل سيدهُ ...!

السؤال :
س1 - لماذا لا يقرأ العرب تفاصيل ميلاد الدولة الصهيونية، على اعتبار أنها المؤثر المباشر في الهوية العربية وأنها العامل الوحيد الذي من شأنه أن يمنح للوحدة العربية إمكانية التواجد ؟
س2- لماذا تتعمَّد بعض الأنظمة العربية إبقاء حال القضية الفلسطينية على ما هي عليه ، بل وتعمل بطرق ملتوية على ذلك . مثلا:
- عمل بعض الجهات اللبنانية على القضاء على المقاومة - الحق الشرعي الوحيد لاسترداد الأرض المُحتلَّة - والعمل على الأجندة الأمريكية بشكل صريح وعلني ،ومعاداة سوريا ،والقومية العربية ،والوقوف في وجه التعاون الإيراني- العربي في المنطقة؟
- غياب كل أنواع المقاومة في الجهة السورية المحتلّة (هضبة الجولان)،بل واعتبارها من أأمن المناطق في (إسرائيل) !
- غلق معبر رفح في وجه المواطنين الفلسطينيين ،والتعدّي على حق الشعوب في حالة الحروب باللجوء إلى الأماكن الآمنة (جريمة إنسانية فاضحة يرتكبها النظام المصري القائم ويسهر من خلال تأمين حالة الحراسة المشدَّدة على مرور الأسلحة على تطبيق مخطَّط القضاء على المقاومة الذي تم إبرامه يوم أمس بين كوندي المنتهية وليفني المؤبَّدة ).
- تدمير المعابر السريّة التحت أرضية من قبل النظام المصري و إخبار إدارة أولمرت على أغلبها (حوالى 500 معبر) ،و إيقاف الإمداد العربي بالأسلحة ،والتعاون الأمني مع إسرائيل من أجل ضمان ذلك ،وتصريح وزير الخارجية المصري -أبو الغيط - علنا بالسهر على ذلك ،رغم علمه الشنيع بالإمدادات الأمريكية والأوروبية لإسرائيل بالأسلحة التي خرجت لتوِّها من مخابر الأسلحة منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب...ودليل ذلك هو تعطيل إيصال باخرة أسلحة أمريكية إلى إسرائيل من ميناء يوناني،عن طريق جمعية سلام مناهضة للحرب.
- التضارب الإعلامي الخطير الذي تمارسه الحكومة المصرية في التعامل مع القضية من اجل التقاعس وتمديد فترة الصّمت حتى تُنهي إسرائيل مهمّة القضاء على المقاومة ، وغض الطرف عن جوهر الموضوع ،وهو : الوقف الرسمي لإطلاق النار ،وخروج القوات الإسرائيلية من المناطق الحتلة في غزة ،والتفاوض المباشر مع المقاومة من أجل تطبيق ذلك ،وفتح المعابر ،وإسعاف المواطنين ،وإدخال الإمدادات الإنسانية ،ومتابعة المجرمين الرسميين الصهيونيين المسؤولين عن مجزرة غزة قضائيا فيما بعد ،والعمل على توحيد الصف الفلسطيني دون تغليب طرف على آخر .
- متابعة الجهة المصرية الرسمية المسؤولة عن غلق الحدود ،وتضييق الخناق على الشعب الفلسطيني ،من اجل تفجير الوضع،وجعله على ما هو عليه الآن.
- متابعة مسار الأموال العربية والدولية التي تستفيد منها بعض المنظمات المصرية المسؤولة عن إيصال الإعانة إلى الشعب الفلسطيني ،والتي تشتغل بشكل تجاري بحت : بمبدأ الربح الخالص ؟ كجمعية أو مؤسسة سوزان مبارك .
- ضعف الكيانات العربية ، التي أعلنت ولاءها الخالص للقرار الأمريكي ، بتمويل وإعانة إسرائيل ماديا وسياسيا وعسكريا عن طريق كنز أموالها في البنوك الأمريكية ،
عجزالكيانات العربية حتى عن غلق سفاراتها وطرد ممثلي الكيان الصهيوني من أراضيها ،مثلما فعل القائد العربي الوحيد ،إيغو شافيز القح : موريتانيا ،المغرب ،مصر ،الأردن...إلخ من الدول العربية العميلة ،والضعيفة ...
- التأكيد على المبادرة المصرية لحل الأزمة ،رغم فشلها الذريع في احتواء الموقف ،وخلوُّها من أي فكرة من شأنها رد الاعتبار للإنسان الغزاوي ،وكأنما الدول العربية بمؤسساتها الطنّانة التي نخرت لُب مواطنيها خطبا وحلولا سماوية وأرضية ،خلَت من الحلول والمخطَّطات فجأة.علما بأن المؤسسة الصهيونية والأمريكية ما فتئت تشتغل في العلن مع النظام المصري القائم على إلغاء حتى فكرة التفكير العربي - العربي في إيجاد حل لهذه الأزمة وإيقاف الحرب غير المتكافئة. وها هو ذا يتأكد هذا الكلام ،من خلال تأكيد بعض الدول العربية جهارا نهارا على عدم رغبتها في المشاركة في القمة العربية الطارئة الخاصة بغزَّة بشكل مستقل ،والتي من شأنها أن تحتوي على بعض القرارات السياسية والاقتصادية الخطيرة التي من شأنها أن تمس الكيان الأمريكي اقتصاديا ،وبالتالي الكيان الصهيوني .
وها هي ذي كلٌّ من :
- مصر/ تمتنع ،وتتحجَّج بأوهام بالية ،وكأنما الجرح الفلسطيني لا يمكن النظر إليه إلا من زاوية واحدة ،مختومة أمريكيا وإسرائيليا.
- السعودية : التي منعت حتى التظاهرات الشعبية من الخروج إلى الشوارع ،والتنديد بجرائم هذه الحرب ،كي لا يستمرئ الشعب حلاوة التعبير عن المكنون ،وتغدوا عادة حميدة لطالما طالب بها الشعب السعودي ..السعودية هي الأخرى تمتنع ،وتتهاوى وراء القرار المصري ،مؤكدة على أن القاطرة التي تجر كلا النظامين واحدة ...
الكويت : لم تستطع أن تلغي لقاءها الاقتصادي - المهم جدا !- الذي من شأنه أن يطوِّرَ طرق الاستثمار في البنوك الأمريكية والإسرائيلية بملايير الدولارات العربية المسروقة من دماء الشعوب ويفتح سوقا عربية جديدة من شأنها أن تعيد للاقتصاد الأمريكي المٌنهار ثقله ماديا بعد تنامي الاقتصاد الآسيوي القوي في المنطقة ،وتعمَّده الإبقاء على التاريخ –الرسمي- له ،والتي أكد فيه رؤساء تلك الدول الممتنعة عن حضور القمة على حضورهم ،وتحججوا بعدم قدرتهم منطقيا على حضور قمتين اثنتين في نفس الأسبوع ! وكأنما اللقاء الاقتصادي العربي هذا أهمُّ من دماء الطفل الفلسطيني التي تراق كل ساعة أمام ناظرنا.
تونس : التجريم الرسمي لكل تظاهرة شعبية من شأنها أن ....! يعني نفس الوضع في السعودية ...وربما أعتى ،لعلمنا بمكانة الحريات المسلوبة في هذا البلد ،ونوع تلك الحريات السياحية الباذخة ،وتلك " الفَــترينا " القمعية للجهاز الأمني التونسي ،وتلك العلاقات الرسمية العلنية مع النظام الصهيوني ...
----
وأخيرا ،هناك الكثير من العرب الذين أصبحوا يؤمنون بفكرة : "ماحكَّ ظهرك مثل ظُفرك "،والذين آمنوا بفكرة أمريكية وصهيونية خطيرة جدا ،مفادها أن المقاومة الفلسطينية هي المسؤولة المباشرة عمَّا يحدث في غزة. والذين لا يختلفون كثيرا عن موقف عباس المُعلن برفضه لمتابعة مجرمي الحرب الصهيونيين قضائيا واعتذاره المُخزي عن ظهور قمة عربية مستقلة خاصة بغزة ،وذلك بعد أن وَجّهت له جهات نرويجية دعوات رسمية لرفع قضية أمام محكمة العدل الدولية ضد أولائك السفاحين ،ولكنه رفض هذه الدعوة،وأعلن عدم قبوله لهذا الإقتراح،ولا لاقتراح وزير الخارجية القطري بحضور قمة قطر :
- فهل يعني هذا بأن عباس هو الممثل الشرعي للجرح الفلسطيني النازف ؟
- من خوَّل هذا الممثل الفاشل ،لتمثيل شعب يمتلك من المثقفين والسياسيين ما يملأ الأرض نظريات ومناهج سياسية وفكرية؟
- هل يعني هذا بأن قدر الشعب الفلسطيني أن يواجه مؤسسة الظلم الأمريكي ، وأنظمة التقاعس العربية الدكتاتورية التي لا تمتلك حتى حق غلق سفارات الكيان الصهيوني لديها ،أن يظل معلَّقا دوما بين مطرقة الخيانة العظمى لتلك الأنظمة والمجابهة غير العادلة لمؤسسة الآلة الأمريكية القاتلة ،بصدور عارية ،مِلؤها الشّعب العربي الأصيل لا غير ؟
فلتعلم تلك الأنظمة ومن والاها ،بأن الشعوب العربية صارت اليوم تعي جيدا مكانتها ،وبأنها ستجابه حتما آخر عجلة ظلم لا زالت تشتغل بوقود الحضارة الأمريكية السّاقطة التي باشرت في عملية انتحارها الحتمي ،من أجل أفولها في المستقبل القريب..القريب جدا جدا ...وعلى الأنظمة العربية أيضا ،ألا تفرح كثيرا ببقائها الوهمي على جراحات شعوبها ،وألاّ ترمي بالكُرة دائما في وجه جيرانها ،فهي المقصودة حتما بانتفاضات الشعوب العربية في وجه الغطرسة الإسرائيلية تلك مباشرة..ولتعِي جيدا بأن ميقات أفولها هي أيضا ،قد قرُبَ ،وبأنه سيكون حتما بيد الشعوب الغلبانة التي مارست قهرها وسلطانها عليها لعدة عقود،وضحكت عليها ،,وجعلت شعوب العالم تضحك منها ،وتسخر على مكانة الإنسان فيها ،وتقتِّلُ الآلاف منها دون أن يندى جبين العالم لذلك !
لا شيئ يضيع
كـــل شيئ يتراكم
و للقلب وحده أنـَّـــــة ُ القراءة

#838 أحمد ابراهيم

أحمد ابراهيم

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 641 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 January 2009 - 05:06 PM

يفترض العرب ان امريكا باقية إلى قيام الساعة ومعها عروشهم الخائبة ، مؤمنين بوقوف التاريخ على أبوابهم ووقوف الحياة ، إن العاصفة عندما تبدأ يوما ما ستتهاوى قطع الشطرنج بطريقة فاضحة ومعها هذا النسيج الغوغائي الخطابي المليء بالعهر العاطفي من هذه الشعوب ونحن على رؤوسها بالفشل الذريع في قراءة مايجري ، إن توقف النمو الذي أصابنا بالهزال لهو يصح على جميع المستويات ..
جلد الذات لن يملؤنا غبطة ، لكن لننظر كمثقفين ماذا نستطيع أن نقرأ ، مع الأسف نحن نقرأ بلغة وعقلية غير عقليتنا ، فغاية خطاباتنا ممجوجة وأنانية ومليئة بالنرجسية ، إن المثقف العاطفي لايستطيع بأي حال أن يقرأ جيدا أو أن يعي ماهو الدور المناط به .

السؤال ياشرف يبقى مريرا ..
أيننا نحن مع هذه البنى المتوحشة من اللاعقلانية والتفاهة العاطفية والتظاهرات الصوتية ، العقل العاطفي هو شفهي بالدرجة الأولى ولذلك فهو قادر على اختزال الواقع بالمخارج الصوتية لحروف اللغة ، ياترى كم نحتاج من وقت لننظر أكثر من أن نتكلم ،أن نكتب موسيقى أعمق من الأغنية الممجوجة ، أن نحول الخراب إلى عمائر عالية من العقل ، ونخرج من الصحراء إلى الكوخ الذي يمتلك الأبعاد ..
تحياتي

#839 عبد الرحمن حلاق

عبد الرحمن حلاق

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 690 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 January 2009 - 06:42 PM

س1 - لماذا لا يقرأ العرب تفاصيل ميلاد الدولة الصهيونية، على اعتبار أنها المؤثر المباشر في الهوية العربية وأنها العامل الوحيد الذي من شأنه أن يمنح للوحدة العربية إمكانية التواجد ؟

العزيز شرف
مساؤك سعيد
لو قرأ العرب لعرفوا طريقهم ، لكن " لو " حرف امتناع لامتناع ، الأمية تقترب من50% والذين يجيدون القراءة لم يدركوا بعد القدرة على التأويل فهم فقط " يفكون الحرف "
فيما مضى كانوا يمتلكون القدرة على التغيير ولو بشكل انقلابي .. لقد كانت جراحاتنا ماتزال حارة ، إذ لم يمض وقت طيل آنذاك على خروج المستعمر ، مع تطور التكنولوجيا تطورت أنظمة الحكم وأدركت بغريزتها الأمريكية دور الأنظمة الأمنية الهام جداً في الثبات على الكرسي .
هذا التوصيف الذي أتحدث به الآن لاتنقصه السذاجة أدرك ذلك ، خاصة وأن الأنظمة العربية متوحدة ومتحالفة بشكل أبدي ـ على مايبدو ـ مع أمريكا لقمع أي حالة نهضوية يحاول هذا الشعب المقهور القيام بها .
أحياناً يبدو لي أن الخلل كامن في بنية العقل العربي ذاته .
فالمثقفون يدركون تماماً ماعليهم فعله ويستطيعون تقديم إجابات واضحة لأسئلتك المريرة هذه ، لكن ثمة حلقة مفقودة يتجاهلها الجميع وهي أن الشعوب لايمكن أن تستعيد طهارتها إلا بالدم والنار وإذا طرحت المسألة بهذا الشكل سيكون الجواب حاضراً ((( مضى زمن الثورات )))

أخيراً كل ما أتمناه ياصديقي أن يكون العالم ـ خاصة العربي ـ بعد غزة هو غير العالم قبل غزة
تحيتي لك
كل من يريد أن يكون مبدعاً في الخير وفي الشر ، عليه أن يكون أولاً مدمراً، وأن يحطم القيم .
كذا هو الشر الأعظم جزء من الخير الأعظم : لكن ذلك هو الخلق
نيتشه

http://hallak60.maktoobblog.com
hallak60@gmail.com

#840 شرف الدين شكري

شرف الدين شكري

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1259 المشاركات:

تاريخ المشاركة 20 January 2009 - 01:32 PM


الأوطان العربية لا تصلح إلا للموت




-1-


عزيزي إبراهيم...
عزيزي أبو نور...
ربما لم يسعفنا الحظ في التاريخ العربي أكثر من ذلك الحظ الذي صُغناه لغويا ،فعبّرنا عن مآسينا أكثر من تعبيرنا عن مخرجنا من تلك المآسي..
أصدقُكما القول ،أنه،حتى مشاريعنا الإصلاحية التي بدأت في بداية القرن العشرين ،جوبهت بالسيوف والنفي والإفناء ،أكثر مما لاقته من ترحاب وحفاوة ،فخدمت الاستعمار والجهل ،وديمومة الحكم العشائري التي امتدَّت فيما بعد حتى مراحل الاستقلال الأولى ، ودخلت بنا إلى مشارف هذا القرن...
الأصولية استوطنت الآن. الرأسمالية المتوحشَة تنخر الطبقة المتوسِّطة . التعامل الفاضح مع " عدو الأمس " الذي تحوَّل اليوم إلى جزار لحوم بشرية ،أصبح في العلن ...مات البطل الذي كان يبيع استراحة الشعوب المحاربة "حلما " ! الكوابيس أصبحت أكثر شراهة ،وتأكدت مقولة من قالوا بزوالنا ،وبإمكانية اندثارنا مستقبلا...
البعض يقول بأننا خير أمة ،وبأن في نواصينا الخير إلى يوم الدّين ،كخيول سماء ! ...والبعض يريد أن يُغلق مرسح المشهد العربي الذي أعلن إفلاسه، والبعض يريد أن يستنهض ذاته من رماد الفينيق...فأي فريق نصدِّق ؟؟؟
المشكلة بالنسبة لي ،هو أننا لا زلنا نبحث نعاني من مشكلة حضارية عويصة ابتدأت منذ أكثر من ستة قرون ،تتلخَّصُ في عقدة البحث عن الإجابة عن سؤال الحياة ،وأننا لا زلنا نخشى العيش في كنف السؤال . الكل يبحث عن إجابة ! الكل لا يدرك إمكانية العيش في السؤال ! هكذا ! لعنة تاريخية مميَّزة. لا أعرف لماذا لا نحسنُ العيش في كنف السؤال ؟ وإذا ما أجبنا عن سؤال ، لا اعرف لماذا لا نستمر في بسط نزيف الإجابات ، وأننا نكتفي فقط بإجابة واحدة ،موحَّدة ،ونغلق باب الإجابات الأخرى، ونؤكِّدُ على الإجابة الأولى كحلٍّ قاطع ؟ نصاب حينها بالوهن ،وبالفشل الذهني الفظيع ،ونركن دوما إلى إجابة واحدة ،وكأنما مصير السؤال دوما هو إجابة واحدة ! بل ونلفِّعُ الإجابة - الإنسانية - بقداسة السّماوي ،ونقتل الاجتهاد ،ونكفِّرُ المُجتهِدَ إذا ما تطاول بإجابة أُخرى ،فنقتل بذلك الإنسان والسماء ...
أحداث غزة التي عرَّت الهوية العربية حتى العظم ...وجعلت أمريكا " بوش الخسيس "، تفعل فينا فعلة الاغتصاب ،أكّدت على كلامي أعلاه .وأكّدت بأنّ الحقيقة التي صوّرت لنا مرارا واقعنا المرير جنةً أرضية مِلؤها الأكاذيب التاريخية والأخطاء الشائعة، كانت حقيقةَ أوهام، ومغالطات أشباحٍ مسرح فضيعة ...وحتى سيناريوهات المصالحات البليدة التي جرى فيها تبييض الألم الغزاوي أمس ببعض الدولارات (غير المضمونة طبعا...أكيد أنها غير مضمونة !)...حتى تلك السيناريوهات لا زالت تواصل عرض مشاهد المرسح المفلس ،ولا زالت تهرُبُ من حقيقة بطلان شرعيتها ،بالرقص على جثث ضحايا التّدمير الفظيع ،وتتناسى حتى متابعة مجرمي الحرب . بل ولا زالت تجرِّمُ الأبرياء وتتهمهم بدم القتيلة !
ما يجري في العالم العربي المريض ...هو نفسه ما كان يجري لحظة غباء تركنا فلسطين لمجموعة من الشرذمات الصهيونية المهاجرة من غيتوهات الحضارة الغربية،والتي شكّلت مجموعات حقيرة من المسلَّحين الدمويين الإحترافيين الذين دافعوا عن حلم البناء أكثر من دفاعنا عن حلم الإبقاء . تلك اللحظة التي صوَّرَ لنا فيها صاحب "أعمدة الحكمة السبعة " مسار طالعنا العربي ،وبثها في رؤساء القبائل التي رضت عنها إمبراطوريته التي لا تغيب عنها الشمس ،وتأكد من مبثوثه، فولَّى هاربا إلى مخدعه في لندن ،وفتح لنا أجمل كاباريهات القمار ،وبيوت القحبجة ،وغيتوهات التديُّن.
ما يجري في فلسطين اليوم لم يتغير منذ أكثر من ستين سنة. ولأننا ما زلنا نعتقد بأن الإنسان العربي سريع النسيان، فإن حلم تحرير فلسطين لن يتم إلاّ بتحرير البلاد العربية من مخلَّفات "لورانس العرب " التي بثت في ذهن أبناء أمس – أي حُكام اليوم – خزعبلة " الثورة العربية الكبرى "...هؤلاء الحكام الذين تتلمذت على أياديهم الجمهوريات والديمقراطيات العربية – الخاصة جدا- ،فصارت أبديةُ تصوير الطالع المريض من المميزات النادرة التي استأثر بها التاريخ العربي لذاته.
في انتظار هذا التحرُّر البعيد ،أُنبئكما صديقيّ، بأن الشمس لا زالت تشرق من المغرب ،وتأفل من المشرق .وبأن الخروج (عن) هذه الأوطان البليدة ،هو الحل الأمثل للموت بشكل كريم ،مثلما أشار إلى ذلك ّ "غودار " في حديثه عن حرب البوسنة : شاهدت رجالا، عاشوا بؤساء ،وماتوا بشكل كريم " ...في انتظار هذا التحرُّر ،أُنبئكما صديقي وياللأسف ، بأنّه وحده موتنا اليوم في أوطاننا ، بإمكانه أن يمنحنا جزءا من الكرامة البشرية ...ويا للأسف !


-----------------------------------------------------------------------------------------------

تغريبة عيسى التي لا تغنى على" الميجنا" بعد نجاته من الموت في غزة




رحيلُنا أو بقاؤنا... لا يهمّ.
لم يعد يهمُّ...!
مختبرٌ مُهيَّأ للموت... أمريكا فيه جرَّاحٌ،
وإسرائيل مبضع.
وحتى اللُّغة التي كانت سلاحُنا الوحيد الذي يثير فينا بعضا من رذاذ الهبوب، لم تعد تصلح إلاّ لأن تُرمى في أوّل مزبلة تقع عليها العين،إذ من عادة المزابل دوما أن تمتلئ باللغات ..!
هل مازال النّحوُ العربي يجادل في تقديم الفعل من تأخيره؟
والصّرفُ ...هل ما زال الصرف يمحي المفرد في موت الجماعة ؟
هل ما زال إمام الفرائض يتتبَّع مخرج البول كي يرمي عليه طلاق الطّهارة ؟
والعشائر العربية التي راقصَت "زيدًا " بسيف "حسينٍ" ،وانسلَّت مساءً تبيع مكَّة لراقصٍ آخر جاء من بلاد البَرْد ...هل ما زالت ترقص عند المعابر والمقابر ،وتدعو الله لحاكمها بأن يديم حكمه حتى تعودَ الأرضُ إليه ...أقصدُ إلى سمائه ؟
بلى ...ما زالت ترقص بسيف "زيد" على رأس "حسين" وتدثِرُه بشِماغ.
مازال التاريخ يُجادل في أصل " الحشاشين"، ومبعثِ "الأئمَّة"،
ومنبع الجزيرة ،
ومخرج الوحي ،
ومنبت الحياة،
ومنتهى الحياة... !
ما زالت تظاهرات القبيلة ترفع أمجاد آلهتِها الأرضية، وتدعو لها بالحياة رغم ابتعادها عن الحياة!
ما زلنا نحمل كل علامات الموت، شامةً غائرة لا يحكُها ظفرٌ ولا تزيلها نيران في ظهر عربي أجرب ..
"ونحن لم نعد نحبُّ الحياة " : مات قائلُها حين انفجر القلب إلى حنين لا يجيء..ولن يجيء .
"أيها المارُّون عبر الكلمات العابرة " ...لم تعد توقظكم الكلمات ،
لأنها لم تكن..أصلا لكم ... كانت لغيركم ممَّن أحكموا غلق أبواب الموت على أبنائكم ونسائكم وشيوخكم، وها هي ذي تغدو صوبكم الآن، أنتم العابرون أمام الكلمات العابرة.. أنتم ،وليسوا هم ... أنتم الكائنات التي لم تحسن قيامها، وقعودها. أنتم الكائنات التي لم تعرف كيف تستدرج حكمة الجلوس، ولم تُحسن كيف تخطو على معابر الحياة ... أوّلُها وآخرها!
حين تكثر الجراح، تغدو السّعادة ألما في وطن الجراح.
حين تموت الكلمات، يغدو الغناء نشازا في وطن الصّمت.
حين يسود دويُّ الانفجارات ،يغدو الهدوء منطق جنون .
حين تعبر الموتُ الجسدَ من دون خدش ، يُسائل الجسدُ مندهشاً أطرافَه التي تنتظر علامات مرور التاريخ. والتاريخ كقحبة، اليوم في فارشكَ ،وغدا تسرُدُ آلامك على فراش اللقطاء ...يُسائلها عن حكمة تعايُشها مع فجيعة الموت المنتَظَر. فلا حكمة في الموت إلاَّ في عادات الشعوب المريضة اليأسانة ،ولا حكمة في انتظار الأنبياء إلا في عادات الشعوب التي لم تعرف كيف تعيش زمانها ،فكلُّ أنبيائها المنتظرين لا يجيؤون إلاّ بالنهايات،
وكل الأنبياء يحمون إجابات الكون ويُغلقون نوافذ الأحلام.
ونحن اليوم أنبياء ذاتنا في رحيلُنا أو بقائناُ...
ونحن اليوم ..نَهُمُّ أو لا نهمّ.


لا شيئ يضيع
كـــل شيئ يتراكم
و للقلب وحده أنـَّـــــة ُ القراءة




0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين