ذهاب للمحتوى


صورة

مسارب التيه


No replies to this topic

#1 علي احمد ناصر

علي احمد ناصر

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 851 المشاركات:

تاريخ المشاركة 23 July 2009 - 01:16 PM

رواية
مسارب التيه


المسرب الأول

الفصل الأول


وجد زهير نفسه وحيداً ذات ليل مع سنواته الاثنتي عشرة في مرج من الأقحوان البري والفجيلة المزهرة، تحت نور القمر الفاضح مكنونات منازل "كوع السعدان " المتناثرة هنا و هناك، والتي تتعرى عادة للاعتراف لظله الحليم.
كانت قهقهات أخيه الأكبر تنطلق بين حين و آخر ترافقها كهكهات زوجته الماجنة، والفرح يكلل نكاتهم البذيئة طلاء للمنزل الجديد.
في الطرف الآخر من المرج الصغير كان فانوس الكاز الشاحب يرسم ظلاً هائلاً للوالدة على جدار غرفتها الصغيرة المسقوفة بالقصب المسجى فوقه اسمنت غير مسلح بالحديد ، بل ببعض الحصى البحرية، بسماكة سنتمترات خمس لا أكثر.
إنها المرة الثانية التي يبكي فيها ،أو هكذا يظن! هذه المرة كانت بنحيب لم يصل نافذة الأخ المشرعة بالضحكات، رغم هز ه لقلب الأم في كوخها،و التي أخذت منذ بضعة أشهر فقط لقب الزوجة القديمة إثر رحيل الأب للزواج بأخرى .
كانت دموع النحيب الأول للطفل تبكي الأم التي هجَّت إلى بيت أهلها بعد خلاف حاد مع أبيه.قد تكون شكوكها بنيته الزواج عليها أحد أسبابه، أو اختلافهما على طريقة تزويج أخته الكبيرة..أو لسبب آخر منعته سنوات الطفولة من إدراكه. المهم أنه بكي عليها بمرارة شديدة أعجب خلالها من قدرته الباهرة على النحيب! كان يقلد أمه في مناحاتها التي يذكرها دوماً و هي تندب حظها من هذه الحياة الغادرة ، التي نشأت فيها يتيمة الأم بالولادة، و تربية الخالة حتى الزواج الميمون بعد هيام و عشق لم يدم أكثر من أيشهر بعد الزواج!
نظر إلى البدر الساطع بقوة في السماء الصافية ،و الدموع تنهمر بغزارة على وجهه النحيل، وهتف بصوت قطعته العبرات ، و شهقات القلب الواثب نحو حياة بدأت تغازلها الأشواك ، تماماً كما تفعل شويكات المكان:

" إيه ، يا ملك السماء، أيها القمر البدر، ترى كل شيء من عليائك، أنت تنيرها فترى كل كويكبة فيها، و هذه الأرض المسطحة كالصحن تحتك ، تعرف دقائقها، لا تغيب عن عينيك لحظة واحدة بكل ما يدور داخل النوافذ المفتوحة لهواء الصيف، و لأصوات الخيانة تنطلق بضحك متواتر سهاماً تغرز في بطني الجائع، في قلبي الموهن، في رأسي الصغير الذي لا يستوعب ما يجري في كون العائلة المتلاطم!
أنت ايها الحاكم السماوات بنورك المبهر، ألا ترى الظلم! ألا ترى الوجد!
أمي هناك تبكي خيانة الأيام...خيانة الوفاء الذي أقسمت عليه مهما حصرمت الليالي في عينيها حامض عنبها!
و أنا ابن العاشرة واثنتين! أشتهي كلمة حنان من أخ احتل مكان الأب في هذه الدار الحزينة!
لماذا أنام جائعاً و هو يتلمظ بالفاكهة بعد الدسم الحلم! و هل وُجِدَت الفواكه كي يتفكه بها السعداء فقط!
ألهذا تنطلق طلقات ضحكه لتصيب قلبي سهاماً تفطره في العمق؟ لماذا لا ترديني قتيلاَ. فأحقق أمنية أمي لنفسها ، عندما تناجي ربها أن ينقذها من هذه الحياة بإرادته و حكمته قبل أن ترى بيتها و قد تنازعته الأهواء، فصوت السيل ينذر به، إني أسمعه الآن مع كل قهقهة داعرة تنطلق من تلك النافذة التي يتوجها الاحترام والإجلال نهاراً!
أيها البدر العالي في ملكوتك! ارتضاك ربي شاهداً فاشهد! إن لم يكن الآن ففي محكمة السماء! هناك حيث أنت، أما أنا فليس لي سوى الانتظار حيث أنا، أنتظر ابتسامتك، فلا تضن بها... أصلي كي لا تضن علي بها!"

- زهير.. زهير! أين أنت يا بني!

لم يكن من عادته الابتعاد عن البيت كثيراً، تعرف الأم أنه يخشى الظلام ، لكن حجم هم قلبها المفجوع حديثاً أنساها تحوله المفاجيء، فالصدمة لم تكن تشملها لوحدها في بيت صغير قد تزلزل أركانه صرخة طفل رضيع!فظنت أنه نائم في الغرفة الأخرى!
الغرفة الغربية لم تفصح عنه، فداخلها الرعب، أين يمكن أن يكون زهير، ليس لديه أصدقاء سوى أديب ، و ليس من عادته زيارته قبل إعلامها، لم يخبرها، أين هو إذن؟
هل ذهب إلى بيت أخيه! ربما، فهو طفل صغير ، قد يرغب ببعض حنان الأب..

أفكار تداخلت مع جراحات قلب الأم ، جعلتها تمشي الهوينى نحو بيت كنتها اللئيمة.
في الطريق سمعت شخيراً أخافها لوهلة، خالته شخير قط بري، أو ابن عرس! لكنها فوجئت بزهير نائماً يشخر و قد التوى على نفسه كهر تلسعه نسيمات باردة خارج باب بخيل.
اقتربت الأم ، يسبقها قلبها الكبير..
- يا حسرتي! ماذا جاء بك إلى هنا، قد تلسعك أفعى أو يلدغك عقرب.. ياللمسكين! أليس من الحيف أن يكبر يتيم الأب بسبب تلك الملعونة التي اختطفته بعيداً. هجرة الأب يُتْمٌ للولد.

تلمست خديه الورديين بحنان، كان خط الدمع رطباً لم يجف بعد، تلمع قطرتان كبيرتان في محجرين صغيرين كفصي قشرة فستق .
مسحتهما بطرف منديلها الأبيض الطويل، وحاولت حمله، لكنها لم تستطع.
- زهير! ، حبيبي، هيا يا ولدي ، انتصف الليل و أنت في الخارج! هيا ننم في البيت!












الفصل الثاني


كانت الرحلة من " كوع السعدان " إلى حمص مغامرة حقيقية للفتى، يشعر فيها أنه صار رجلاً يعتمد عليه!
لم تكن المسافة تزيد عن سبعين ميلاً، مع ذلك كانت الرحلة تستغرق ساعتين أو ثلاث ساعات.
استيقظ زهير متأخراً كالعادة، و في رأسه فكرة السفر إلى أبيه في حمص، عله يأخذ بعض الليرات منه ثمن الزيت الذي نفذ منذ أيام، ومؤونة الطعام الذي لا يكفي حتى نهاية الأسبوع.
نظر إلى نفسه و هو يتمطى في سريره، إنه جاهز فعلاً. ثيابه ما تزال عليه، فهو ينام ويقوم بها، بعض الماء والصابون يكفي لغسيل الوجه ، و لديه ليرتان كاملتان تكفيان أجرة للطريق و للباص الداخلي في حمص، وربما لسندويشة فلافل!
إبريق الشاي و صحن الزيتون جاهزان ، ينتظرانه، وضعت الأم قربهما رغيف تنور كوجه قمر البارحة، فيه بعض سمرة يحبها زهير، وفقاعات بنية شهية تجعل بعض الرغيف بسكويتاً حقيقياً، ربما كان ألذ من البسكويت المستطيل أو الدائري الذي يشتهيه مع راحة الحلقوم بين وقت وآخر.ولا تبخل الأم بشرائه أن تفضلت عليها بيضات الدجاجات الخمس، رأسمالها المتحرك والوحيد!
نظر قلب الأم من عينين لم تغفلا ليلاً و هما تراقبانه يتقلب يميناً وشمالاً، قالت:
- ماذا رأيت في منامك يا بني؟ عسى خيراً! لم تثبت لحظة على فراشك، خفت عليك كثيراً.
- لم أشاهد أي منام! بالأحرى لا أذكر شيئاً أبداً.
- هيا إذن تناول طعامك فقد شارف الوقت على الظهر! لم أشأ إيقاظك باكراً، فلا مدرسة تنتظرك في الصيف، و لا شيء وراءك، و لم تهنأ بنومك كما خمنت!
كان وابور الكاز الصغير قد حمي رأسه ، و صار لهبه أزرق حاداً،فوضعت الأم إبريق الشاي حتى يسخن عليه أكثر، بينما كان زهير يغسل وجهه قرب حافة البركة المتصدعة أمام البيت.
- أريد السفر إلى حمص!
- لماذا! كي ترى والدك! لقد تركنا نتعذب هنا ، دون رعايته واهتمامه، فلماذا تذهب إليه؟
- لا يوجد فلوووس! كيس الطحين على آخره، و هذا الزيتون بدون زيت لماذا؟
- اسأل والدك! لم يترك " إقة " زيت واحدة في البيت – نتنوزف – بخبز مغموس بها! الزواج أهم من العائلة و الأولاد لديه!الله يسامحه!
- إذن لابد من بعض الليرات لشراء إقة زيت و بعض الزيتون ، أو الجبنة ، حرام أن نأكل جبنة؟! صباح تغني :" ع البساطة البساطة، بتغديني خبز و زيتون وبتعشيني بطاطا" بالتأكيد تسخر من البسطاء أمثالنا، ولكن أين البطاطا؟ حتى البطاطا صارت محرمة علينا، سأذهب للعمل في لبنان مع أصحابي هذه العام، ولن يمنعني مخلوق، تلدون الأبناء وتقذفونهم في حلق الجوع!
هزت الأم رأسها وهي تتأوه، لم تكن ذات يوم صاحبة قرار في البيت، صاحب القرار بعيد مع عروسته يأكلان اللحم والأرز المطبوخ بالسمنة البلدية، أين له الشعور بالبطون الخاوية هنا، وكيف يرضى بسفر صغيره للعمل في قلع البطاطا في عكار مقابل الحصول على بعضها؟ أسئلة لم تستطع الأم الإجابة عليها.
- من أين البطاطا يا حسرة!
- من حمص! سأشتري كيلو بطاطا من حمص، هناك أرخص، أبو عبدو يستغلنا هنا، يشتري البطاطا بالشوالات و يحاسبنا بالغرام و بالسعر الذي يريد، أليس هو الدكان الوحيد! يقولون: "حقه يا عمي حقه،" من أعطاه هذا الحق! هل تعرفين؟
كان الخبز المبلل بالشاي يعوض للزوجة الزيت المطلوب مع الزيتون، لقمة من الخبز المبلل تتبعها حبة زيتون مرة ، ورشفة شاي مرة ثانية! الزيتون غال، رغم كرومه المنتشرة تحت مسقط العين في كل مكان وعلى مد البصر، و لكن من لا يملك الأرض و الشجر، لا يحق له أكل خيرات الأرض و الشجر.
صحيح أن بعض الجيران ، بل معظمهم يتصدق على الأسرة المنكوبة بشيء مما لديه، لكن الشعور بالحاجة كابوس يحطم كل الصدقات!
اللبن، بعض الخيار في موسمه، أو الكوسا و الباذنجان، خضار أخرى لم يضن بها الفلاحون على الأم و ابنها من وقت لآخر، مما جعل الحياة تستمر، و تستمر.
- لا يقطعنا الله يا ولدي! اتكل على الله.
- و هل أتكل على أخي؟ طبعاً أتكل على الله، لكن المدرسة على الأبواب،أريد أن أشتري بنطالاً جديداً، ألا يحق لي أن ألبس جديداً مرة في العمر! الناس يشترون لأولادهم ملابس جديدة كل عيد، فهل نحن بقر! بقر أم بشر!
- اتق الله يا بني و لا تتلفظ هكذا كأبناء الشارع. أنت ابن عائلة كريمة و كبيرة. جدك رحمه الله كان يضع على مائدته عشرين ملعقة ، سبعة مخصصة للعجايا!لم يجع جاره يوماً، اتق الله يا بني!
- و أين جدي الآن ها؟
و شهق بدموعه فاقتربت و حضنته بدفء و صدر عطر بالحنان.
- لا ولدي، أبق إيمانك بالله كبيراً! أنت شاب الآن ما شاء الله، من لي في الدنيا غيرك! هيا كل، كل ، غداً أوقظك في الصباح الباكر كي تلحق بالبوسطة ، و تشم الهواء عند أبيك! الله لا يخليكي يا حمص عدية!ولا يشمت الأعداء بي!





الفصل الثالث


لم تستطع الأم إيقاظ زهير باكراً، كان نومه ثقيلاً جداً، فالسهرات الطويلة بقراءة الروايات أو دواوين الشعر كانت تطيل ليله إذا لم يكن أديب معه!أما في حال تواجد الصديقين فهناك ألف فكرة وفكرة متجاذبة بينهما قبل نومهما متقاربين على ذات السرير. لم يكونا يملان الحديث، عن أي شيء! لا تعلم، فكانت الأم تفضل الابتعاد عنهما، كيلا يزعجهما دخان سيجارتها ولتعطيهما مجال حرية أكبر، فأديب شاب مهذب و عاقل ومميز، و كان من الصواب اختيار زهير له صديقاً، برأي الأم.

- صار الوقت ضحى يا زهير، هيا يا عيني، راحت البوسطة الخضراء منذ ساعتين تقريباً أما الزرقاء فمرت بعيد الفجر. كيف ستسافر إلى حمص ، إن كانت نيتك بالسفر ما تزال قائمة؟
- بالمواصلات العابرة! إنها أرخص!
- يا ويلي! بالشاحنات أو الصهاريج؟
- لم لا؟
- لا و حياة..
- لا تقسمي و لا تحلفي! أنا أعرف كيف أتصرف.
ضربت الأم كفاً بكف، و هي تتأوه:
- يا عيني يا روحي، السائقون معظمهم مصدر رعب! إنهم يسرقون الأولاد ويبيعونهم لمن ليس لديه ولد!
- جميل! قد يشتريني رجل غني! في هذه الحال ستتغير حياتي كلها، ربما يضعني في مدرسة خاصة ، و يدرسني في الجامعة فأصبح مهندساً كبيراً أبني العمارات الشاهقة!

لوعة وألم وحسرات تداخلت في مخيلة الأم، تصورت زهير مفقوداً، وهي تبحث عنه في شوارع المدن و أزقتها، تدق كل باب، ولا تصدق فاتحيه، حتى ترى بأم عينها أن لا وجود له في غرفة ما، في الحمام، في السقيفة، على السطح، أو تجده مفقوء العينين لأنهم بحاجة لعينين لأعمى ما في مشفى ما!
- أوعا يا ابني تفكر هكذا! أنا مجنونة بدون ذلك، أرجوك!
أحس زهير بالفاجعة تغزو عيني أمه فسارع لطمأنتـها و هو يضم كتفيها بيديه و صدره:
- أمزح يا أمي أمزح، وهل تتصورين وجودي بعيداً عن ذراعيك! دعيني الآن أذهب ، وعلى الله الاتكال.


قبل زهير يد أمه التي سحبتها بقوة من شفتيه وهي تردد" استغفر الله أستغفر الله، يا الله! يا رب الملائكة! احمه من كل عدو."
خلال لحظات بدأت رحلة السفر بالانتظار على الطريق العام، سيارت الشحن القادمة من المرفأ بحمولاتها الثقيلة كانت تمر قربه دون أن يرفع يده لإيقافها. يجب أن يختار سيارة خفيفة الحمل، أو صهريج محروقات عائد إلى مصفاة حمص، سيكون حتماً فارغاً يستعجل الزمن كي يعود إلى أسرته أو إلى المصفاة من أجل الحصول على مركز متقدم في دور التحميل. أسرار كثيرة جمعها زهير خلال سفرياته المتكررة إلى حمص، كان يختار نوع السيارة مرة، لونها ، شكلها، وأحياناً جِدَّتها! لم يكن يفكر بوقت الوصول إلى المدينة أثناء فترة الانتظار، بل كان جل ما يشغل مخيلته كيفية الذهاب ، بأية سيارة، وما هي الأجرة التي قد يطلبها السائق منه!
كان يناقش السائقين كثيراً أثناء رحلاته معهم، وكان في كل مرة يشعر كما يشعرون معه تماماً، يدخل كابينة السائق صغيراً لا يتجاوز طوله المتر ونصف المتر، وعندما يتحدث معهم، وخلال ربع الساعة الأول كانت ترد العبارة المفخرة: " أنت أكبر من عمرك يا ولدي، حماك الله."

ها هي سيارة بيك أب صغيرة، جديدة، لا شك أن البحر يُخرجُ سيارات لدول الخليج، سائقها ليس مالكها في هذه الحال. إذن يمكن مناقشة مسألة الأجرة. رفع يده و خلال ثوان وقفت السوزوكي كلعبة جنت فرحاً لعبث طفل بها، أو كحلم يقظة يستيقظ حقيقة.

- إلى حمص، كم تريد أجرة!
- طريقي إلى دمشق، تنزل في حي المحطة، الأجرة ليرة واحدة!
- و هل تتوقع أكثر من ليرة! لا يا أخي ، نصف ليرة، بليرة أسافر بالبوسطة ، حتى الكراج في وسط حمص!
- هيا اطلع، لا أريد مناقشة الأمر طويلاً، بسرعة قبل أن يراني أحدهم.
سيارة جديدة لم تغسل بعد من شحوم المصنع، وجهتها بعيدة ، سائقها يوصلها و يعود بطريقته الخاصة ، مائة ليرة يحصل عليها خلال أسبوع واحد فقط، يا للربح الوفير.كلمة " ياليت" لن تزيد عمره عشراً وتعلمه قيادة السيارات بلحظة يتناول بعدها الكبة المقلية والعيران!
سرح خيال زهير بأفكاره الطفولية كما كان الهواء يسرح في كم قميصه المشرع من نافذة السيارة الصغيرة التي تتجاوز الشاحنات وصهاريج الوقود كطفل يركض بين أرجل كبار أهله هنا و هناك بكل مرح و سرور.
*
ماذا لو تبناه غني موسر، يملك منزلاً واسعاً من الاسمنت المسلح، يتوسطه درج ملتف حول نفسه كإعصار يشب للأعلى حيث غرف نوم وردية أو سماوية الألوان، وسقوف فاهية الزرقة، رسمت عليها غمامات بيضاء كسحابات الصيف. ومن خلال النوافذ الواسعة تحاول الستائر الطيران نحو الفضاء. لكنها لا تلبث أن تعود بعد سكون الهواء.
في المنزل الجديد مكتبة ضخمة تضم جميع كتب فيكتور هيجو ، خاصة نسخة من "البؤساء" كتلك الكبيرة التي سرقها من مكتبة أخيه، واستغرق في قراءتها أربعة أيام كاملة ، لم يعرف بسرقتها أحد، فعادت بصمت إلى نفس المكان حيث لم تلمسها يد منذ سنوات،قرر زهير فوراً:
" سأسمي ابنتي الأولى كوزيت" !
نعم، و في المكتبة أيضاً روايات تشارلز ديكنز ومكسيم غوركي، وإحسان عبد القدوس، وجميع كتب جبران خليل جبران.
" لابد أن أخي قد قرأ جميع كتب المكتبة،أليس كبيراً!"
يا للروعة! ربما تكون للأب الجديد ابنة شقراء الشعر خضراء العينين هيفاء القد! من يعرف! ستكون له أختاً رائعة ، وسيكون لها الأخ المحب الذي يضحي من أجلها بكل شيء! أو ربما عندما يكبران يصبحان زوجاً وزوجة فلا حليب رضاعة بينهما ولا صلة قربى ، والمشكلة أن شعور الأخوة سيطغى مع الزمن على أي حب طاهر بينهما.
لا يهم، أخت أخت ، جميل أن تكون للولد أخت صغيرة يحكي لها جميع القصص و الروايات التي قرأها من قبل، أو قد يقرؤها فيما بعد.


ها هي المصفاة تزفر دخانها، وسمومها المحروقة ، يا لها من منشأة شامخة ترحب بضيوف حمص. اللهب الذي يعلو مداخنها يذكره بسيجارة جبارة لعفريت من الجان تصوره للحظة, حاذت السيارة سور المصفاة وبدأت رائحة غاز البوتان تتغلغل ثقيلة في الصدر الصغير. يالرائحة المجارير المكشوفة في كل مكان! ما هذا؟ ألا يستطيعون بناء مصفاة النفط في الصحراء؟ بعيداً عن المدينة و الناس ومخلوقات الله التي تتنفس!
أفاق زهير من خيالاته على وكز السائق له:" نص ليرة يا أخونا! اتفقنا على نصف ليرة أم نسيت؟"




الفصل الرابع

أبنية حي المحطة متناثرة على شكل فلل لا تزيد أعلاها عن أربع طبقات، تحيط بها الأشجار فتفصلها الواحدة عن الأخرى بساتر جمالي دائم الخضرة.
من هناك و بعد الإشارة المرورية الثانية كان على زهير أن يأخذ طريقه ماشياً حتى ميدان الساعة الجديدة، مخترقاً شوارع عديدة تزداد ازدحاماً مع كل شارع جديد باتجاه مركز المدينة. ها هي الساعة الجديدة تطل بشموخها معلنة قدسية الوقت وبهاء المكان. بناءا المحافظة والبلدية، يبشران باقتراب سينما حمص، هناك تمتد مكتبته المفضلة التي جمع منها حتى الآن عشرين رواية ، معظمها مترجم عن الانجليزية لتشارلز ديكنز راويه المفضل، ربما لتشابه البؤس بين أبطال رواياته من الفتيان مع واقعه.
على حافة السور الاسمنتي للحديقة المجاورة للسينما وفي الأسفل على الأرض كانت الكتب فاكهة متراصة و شهية لا يدرك مذاقها أصحاب البطون!
تقدم زهير، حيى البائع باحترام صديق قديم، وبدأ مشوار الاطلاع على الكتب من جديد. يقرأ كل كتاب منها بنظرات سريعة لكن متفحصة ثاقبة، وكالعادة يسرق عبارة من هذا الكتاب وأخرى من خاتمة ذاك حتى يستقر على قرار الشراء، نعم ، " الآمال الكبيرة " تبدو صورة بطلة الرواية رائعة الجمال، لابد أن تكون كذلك أحداث الرواية، ترى ما اسمها، و يعيد تقليب الصفحات، اسمها " استيلا " اسم رائع قد ينضم إلى " كوزيت " إذا أعجبته شخصيتها في الرواية، وهذا لن يعرف قبل الغد أو بعد الغد، حين تصبح بعض الليرات في طمأنينة الجيب غير المثقوب!
تعرض دور السينما أفلاماً باهرة العناوين، هل سيتمكن من حضور أحدها! سؤال سيجيب عنه موفور الجيب أيضاً.
ها هي الكبة الشهية تتربع قرب سيخ الشاورما أمام سينما أوبرا، ترى كم يبلغ ثمن القرص الواحد! لا بد أنه مرتفع جداً ، ففي داخله لاشك لحم خروف، و هذا ليس من مأكول زهير،ستأتي الأيام وتأكل ما تريد يا زهير!..
تنهد بصمت وهو يشيح بنظره عن مصدر الرائحة الجذابة، يبلع لعابه المنساب بغزارة، لكنه لا يستطيع ابتلاع كل اللعاب، فيتسلل إلى رئتيه، ليفاجأ بسعال شديد وضيق تنفس ، و دموع تغطي ناظريه، لم يعد يرى أمامه، سارع بائع الشاورما إليه بكأس ماء، خذ يا بني ، ماذا أصابك! خذ جرعة ماء، و ادخل إلى المطعم كي تغسل وجهك. هيا هيا!
المطعم شعبي يبيع الحمص و الفول و الفتة، رائحة البصل وغازاته التي تعبق الجو في الداخل أعادت حالة اختناقه إلى البداية لكن ماء الصنبور البارد أعاد وعيه قليلاً ، نظف أنفيه وعينيه وغسل وجهه، ثم خرج محاذياً سيخ الشاورما الشامخ صاحب المشكلة الأساسي مع ما يتكيء عليه من أقراص كبة كبيرة! رمقها على حذر و انطلق نحو محطة الباصات الداخلية قرب برج الساعة القديمة.


الفصل الخامس

كان الشيخ محمد يحظى بحب الجميع، بفضل اسمه الراجح بين رجال الدين الذين يحترمون قفاطينهم. لم تكن مواعظه تقتصر على خطب الجمعة التي كان يرتجلها بعربية بليغة و أمثلة مقنعة من آيات و أحاديث و حكايات من الكتب المقدسة الأخرى، بل كان بيته المكون من غرفتين فقط جامعاً هو الآخر، يكتظ فيه الزوار من طالبي المعرفة و الفقه أو الدعاء و البركة.
غرفة المنزول هي الأوسع، لذلك هي للضيوف، فرشت بمدَّات من الاسفنج أو القطن تحيط بها مساند من القش المضغوط بقماش سميك نقشت عليه بعض الرسوم الهندسيةالمحاكة بخيطان ملونة باليد. كان الجدار عار إلا من صورتين لشيخين جليلين هما الجد و الأب يمنحان المكان مهابة من لحيتين بيضاوين كثتين و وقار عظيم.
الشيخ و أربعة من ضيوفه يتحلقون حول طبق دائري من القش عليه طعام الغداء بينما كان هناك شابان ينقلان الصحون والماء والمرق وبعض الصحون الملونة بأنواع متعددة من الطعام من المطبخ ، لم يلبثا أن حشرا نفسيهما بين الآخرين للمشاركة بالطعام.
في هذه الأثناء كان جرس الباب يقرع.
قال الشيخ : أحب هذا الطارق مع بداية الطعام.
نهض أحد الشبان بسرعة هامساً :
"سأفتح الباب"
- السلام عليكم
- و عليكم السلام تفضل!
لم يعرف زهير الشخص الذي فتح الباب له، كذلك الحال كان مع الشاب، مع ذلك أصر بتعجيل دخول الضيف الصغير فالطعام على المائدة، والجميع بانتظار معرفة الطارق الجديد.
- لا سلام على الطعام ، هذا ابني زهير ، تفضل يا ولدي خذ مكاناً لنفسك.
قبَّل زهير يد والده و جلس في الفرجة الكبيرة التي فسحت له حول الطبق.
اتسعت حلقة المائدة و قدمت الصحون أمام ابن الشيخ و الكل يرمقه من طرف عينه!
- زهير هو صغير أولادك يا سيدي الشيخ أليس كذلك!
- نعم ، نعم.
كان البرغل الأبيض المغطى بلحم الدجاج المسلوق يحتل الطبق الأكبر في الوسط ، بينما توزعت صحون صغيرة من لحم الدجاج المقطع والمقلي مع كمية كبيرة من البصل و زيت الزيتون، عدا عن زبادي اللبن و بعض شرائح الخيار والطماطم .
قرأ الشيخ الفاتحة و بعض الأدعية التي تشكر الله عز وجل على نعمه التي لا تحصى ، و منها أن جعل هذا الطعام حلالاً لآكليه ، و صلى على النبي العدنان و جميع رسل و أنبياء الله و عباده الصالحين من بداية الخليقة إلى يوم الدين، وكرر حمد الله والثناء على منِّه ، و بسمل داعياً الجميع للشروع في الطعام.

كانت طقوس حديث أبيه الشيخ مثيرة جداً لاهتمامه، ذكر الله و رسوله هو الوحيد المسموح به، قد تحتل السياسة بعض الوقت ، لكن ليس أكثر من تعليقات بعد نشرات الأخبار المحلية أو من مونت كارلو أو البي بي سي. فالوقت وقت حرب ، تقول ذلك جميع التحركات في الشوارع وعلى ساحات التدريب المكثف، أو حتى من إذاعة العدو.

انتهى الجميع من الطعام ، و كان بمقدور زهير البقاء لساعة أخرى عله يعوض بعض جوع قديم له أو عن أمه.
- زهير بطيء جداً بالطعام، هو كذلك منذ الصغر،يأكل كالعصفور، يفتت الخبز أمامه، لو وضعتم صوصاً أمامه لشبع من فتاته! كل يا بني لا تخجل، فقد أتيت متأخراً و كنت على سفر.
لكنه وقف حامداً الله على نعمه ، و بيده بعض الصحون استعداداً لنقلها إلى المطبخ، لكن صوتاً جعله يرتجف في مكانه ، و كادت الصحون تسقط من يديه النحيلتين.
- أقسمتُ بالله، لن تأخذ صحناً واحداً يا ابن عمي! ماذا نفعل نحن هنا؟ اغسل يديك وتعال حدثنا عن الساحل و أهل الساحل!
نظر زهير حواليه محبطاً ، ثم انطلق إلى باحة الدار يغسل يديه بالماء والصابون المعطر الذي يستخدمه أهل المدينة فقط. وعندما عاد كان الجميع يتحلقون حول أبيه كمن يتابع درساً صعباً في فقه الدين!وقد نسي الجميع أنه كان يحضر نفسه للإجابة عن أسئلة ادَّعوا انتظار أجوبتها منه!
أنصت زهير بقلب مفتوح وذهن متوقد لدرس في السيرة النبوية الشريفة، ألقاه بحنكة المعلم والده الشيخ على أسماع ضيوفه كباراً و شباناً يزيده أصغرهم بضع سنوات!

بعد رحيلهم جلس الأب إلى ابنه يبثه شكواه:
" مات والدي و كنت أصغر منك سناً، و عشت ملازماً أخي الشيخ محمود رحمه الله، و لولاه لما كنت على ما أنا عليه الآن من وعي وإدراك لأمور ديني، غير أن الفقر كان مشرعاً سيفه على رقبتي منذ الطفولة فطردني من مسقط رأسي إلى الديار الشرقية، حيث أهل الكرم والإيمان و الثقة المفرطة بقضاء الله و عدله، هنا استطعت أن أبني لكم بيت عز و شرف و إباء. لكن أولادي سلطوا علي أيضاً سيف العقوق، رفضوا زواجي الثاني، حتى أنت رفضت ذلك كما قال كبيركم، و هذا ما آلمني أكثر! الفقر والزوجة و الأبناء اجتمعوا ليقتصوا مني، لماذا؟ لماذا؟"
لم يجرؤ زهير على الرد، و كيف يجرؤ و هو الطفل الذي ما استطاع حتى اللحظة النظر بعيني والده بشكل مباشر للتحقق من أنهما خضراوان مشوبتان بالزرقة أم العكس!
صحيح أنه لم يرض عن زواج أبيه ، لكنه لم يصرح بذلك لأحد، و لم يجب على سؤال أخيه الكبير عندما دبج رسالة عقوق للأب بسبب الزواج من ثانية غير أمهم أو لأسباب أخرى لا يعلمها زهير.
ما هي مصلحة الكبار بالكذب! و هل يستطيع اتهامه بالكذب و هو الأخ الأكبر!
تململ على طراحته دون أن ينبس بحرف واحد! كيف له معارضة أبيه العالم العارف،و مهما كان يحب والدته فالأمر بين الكبار يفهمه الكبار فقط، هذا ما يؤمن به، لكن لا لسان له أمام أبيه، خوفاً من غضبه ، أم خشية من عصبية قديمة قد تشحذ نظرات عينيه فينطلق شررهما.. لم يقر إلا الصمت، لا مجال لمناقشةٍ مضمونة الخسارة من ناحيتين و ليس من واحدة، فالأمر المحسوم أن الزواج قد تم، و الزوجة تقرقع الصحون بغسيلها في المطبخ، أما الثانية فاحتمال منع المصروف، و ليس لديه أجرة طريق العودة إلى الأم المنتظرة على نار.


الفصل السادس
الجزمة هي السبب!

" الجزمة هي السبب!
اشتراها والده كبيرة المقاس لأسباب كثيرة لم يقنعه واحد منها!
إنها من الكاوتشوك! رخيصة ، واسعة و طويلة العنق!
" أقسم لو رسبت في الصف لاتهمتها! هي سبب تخلفي في كل شيء، حتى في سرعة الركض، لثقلها و اختفاء قدمي فيها، فكيف عند تحريكها؟!
هي سبب تأخري عن المدرسة يومياً لخجلي من منظرها.
هي سبب خنوعي لتثبيتي بالوحل الذي تغوص فيه، وعنادها الطويل بالبقاء في بقع مياه الأمطار، بينما تهم أقدامي الطرية النحيلة بالخروج منها نحو المدرسة!
عنقها الطويلة تعقر ركبتي و تحفر صابونتيهما! ماء المطر السائل عن سروالي داخلها يشكل بركة داخلية أخوض فيها أثناء المشي كما عند الوقوف! و تبقى صافية إلا من بعض صباغ قد يهرب من لون الجوارب الرخيصة!
الطريق تمتد إلى اللانهاية قبل الوصول إلى(الفزرة) التلة التي تفصل السهل عن الوادي الذي تتوسطه المدرسة! حيث تقبع وحيدة هناك!
الطمي في وسط الطريق لزج و خطير! ومسارات عجلات الجرارات الزراعية العميقة تخفي نصف قامة أي تلميذ منا في طريق المدرسة!
- امش على الحافة المعشوشبة! لا طين هناك ولا خطر التزحلق في مسار إطارات الجرارات الزراعية الضخمة!

اغتنم فرصة توقف المطر وأطلق لساقيك العنان!
بيت الشيخ حامد المهجور هو المظلة الوحيدة من المطر والمصد الفريد للريح الشرقية!
وازن بين سرعة الرياح الحاملة للغيمة القادمة وسرعة ساقيك!
المعركة شبه يومية مع الرياح والمطر ووحل الطريق والأميال الثلاثة حتى المدرسة .
معركة تجيد قيادتها! ليست السنة الأولى وليست الأخيرة على هذه الطريق!
المظلة تمزقت و قضبانها المعدنية تشوهت و ما تزال تتشبث بها؟!
ثمنها خمس ليرات! من أين تأتي بخمس ليرات يا ولد! أعد المظلة و سوِّ اعوجاج أسياخها، تنفعك في الأيام الهادئة من رياح ترسلها لك سيبيريا محملة بالصقيع الكافر وذرات المطر الإبرية!
الجزمة هي السبب!
تنهض فيها رجلي مرات و مرات قبل أن تخرج من طين الطريق، تعقرت قدماي و ركبتاي وسال الدم الحار على برد الجزمة و ما تزال واسعة رغم كل التورمات التي سببتها !
حتى ظهري تألم و شكت فقرات عمودي الفقري جهد الخروج من طين ظننته سهلاً! و لكن اخش السهل حتى تتأكد من سهولته! لا تثق بأحد قبل اكتشاف كل أسراره!"

يا لها من ذكريات!
تنهد زهير و هو ينهي قراءتها من دفتر قديم.



المسرب الثاني
1

بناء عال، شامخ يكاد ينطح غيوم العاصمة، بوابته المشرعة ضاقت على الشهادات العالية لطالبي العمل .
صرخ موظف الذاتية:
- هل تريد أن تصبح وزيراً! هيا ارحل، فتش عن رزقك في مكان آخر! قلت لك الف مرة لا يوجد وظائف شاغرة،
لا يوجد شواغر، أي ليس لدينا مكان لشهادتك المحترمة! الناس يدفعون مئات الآلاف ولا يستطيعون الحصول على شاغر مستخدم!
هيا عد إلى حيث كنت، والله عجيبة!! يتركون العز في أوروبة ويأتون! أية عقول يحملون؟

أُوصدت بوجهه البوابة الحديدية، فألفى نفسه في دوامة البطالة.
" أين الشعارات التي حلمنا بتحقيقها؟ الرجل المناسب في المكان المناسب، أين هذه المقولة من تلك البوابة الحديدية؟!"
ببراءة تلميذ نفذ جميع الوصايا وفهم كل النصائح.
كان زهير يفكر بألم الصدمة الأولى، الفاجعة التي لم يصدق وقوعها يوماً، كان رفاق الدراسة في أوروبة يسخرون من سذاجة توقعاته،
و يتهكمون على طموحاته:
- سيعينوك في المطاحن، هناك يمكنك التخطيط على بياض!
- وما العيب في ذلك؟ يمكنني العمل في أي مكان يحتاج لمعارفي!
أين المطاحن الآن؟ لا مطاحن ولامخابز تقبله موظفاً فيها،هل اكتفى البلد من المخططين؟ هل أصبحت خططنا ناجحة في التطوير والتحديث؟ لِمَ يسبقنا العالم عشرات السنين من التطور والتقدم و البناء الصناعي والتقني؟ أليس خطأ التخطيط ، إن وجد، هو السبب؟
كانت الحكومة ترسل مندوبين إلى بلاد الحضارة تلك لدراسة التطور هناك و العودة بأفكار واقتراحات تهدف لتحسين الانتاج الزراعي والصناعي والتقني، وكان زهير يلتقي بوفود عديدة، يقدم لهم العون في الترجمة والزيارات الرسمية، لكنه تخاذل عن الاستمراء في المساعدة عندما يطلب ذو باع طويل تسهيل الحصول على فتاة ليل!
توقف في وسط الرصيف شارداً، فصدمه المشاة خلفه و عرقل سيرهم العَجِل! هتف زهير وهو يتنهد ويصفر بعجب:
- ترى؟ هل أبو العز هو السبب؟ له صولات وجولات في السلطة، ولاشك أنه يجمع التقارير بانتظاري! لعن الله النسوان ومشاكلهم وكل دنيء يلهث خلفهن!

كان أبو العز يرأس وفداً رسمياً ذات يوم، وفي روما تعرف على زهير في المطار،سر الاثنان بالتعرف على بعضهما، رسول الوطن للمعرفة والتطوير و طالب دراسات عليا ينهي سنته الأخيرة بدراسات استرتيجية موضوعها " تطوير الاقتصاد في البلدان النامية سورية-مثالاً."
تناول الغداء على مائدة الآخر أعضاء الوفد المبهورين بكل شيء خاصة الشقراوات.
بعد أيام من بناء ثقة كبير فوجيء زهير بالطلب الحقير:
- أمَّنَّا الحريم في الفندق، تحت القفل و المفتاح، والدور عليك يا شاطر، أنت الآن ابن هذا البلد اللطيف، اشتقنا لِلَّحم الأبيض، وأنت لاشك خبير بالبئر وغطائه.
صعقت المفاجأة زهير فوقف يرتجف أمام كرش رئيس الوفد الغائر في كرسيه وقد تملكه الخمر، ورفع عقيرته بتوبيخ لم يتوقعه أحد من أعضاء الوفد الذين اختفوا خلف الطاولة كصيصان تخشى باشق يجوب السماء، حتى زبائن المطعم الفخم فوجئوا بصراخه، وهو يوبخ مضيفه بعصبية زائدة،ثم يخرج يرتطم بكل ما يعترض طريقه.
- أنصحك بعدم العودة إلى الوطن، إذا أردت النجاة من فعلتك أيها المثقف الكريه!
*
تذكر زهير قصة قميصه الأحمر، تلك القصة المشؤومة التي طردته من الوطن، وكان هروبه مفتاح فرج لم يستفد منه كثيراً.
عاد بذاكرته يوم اجتاز امتحان الثانوية بتفوق على مستوى القطر، يومذاك كان من المكرمين في بيت المختار، مختار " بيت الياسمين" الاسم الذي حولته فعلته الشنيعة بارتداء القميص الأحمر إلى " كوع السعدان" بأمر الرجل المسؤول نفسه، أبي العز ذاك.

حضر مندوب الحكومة لتكريم الطالب زهير عبد الوارث، وكانت كلمات الترحيب جاهزة من قبل المختار والأعضوية ومدير الناحية وجميع المسؤولين.
لكن زهير تأخر بالحضور!
فتش زهير عن قميص مناسب لارتدائه للمناسبة فلم يجد! جميع قمصانه باليه، خجل من ارتداء أحدها ، فتوجه إلى فارس ابن المختار، الشاب المتيم بجميلات القرية، يحفظ قصائد زهير ويلقيها على مسامعهن، أو ينسخ أشعاره ورسائله و يرسلها لهن باسمه.
حان الآن موعد تسديد ديون زهير من فارس.
ذهب بسرعة لبيت صاحبه طالباً قميصاً جديداً لمقابلة المسؤول، وكان الجواب مطمئناً، خذ القميص الأحمر، إنه جديد، ومناسب.
خاف زهير من لون القميص، وصرح بذلك لصديقه:
- يا رجل ما هذا اللون؟ أحمر! أتريدني أن أرتدي قميصاً أحمر؟ الأحمر للبنات وليس للشباب.
- وهكذا ستهجم عليك الصبايا يا غشيم! بصراحة، أنا لا أعيره لأي كان غيرك، أفضالك سابقة أبو الزوز! خذه تمتع به، وليكن هديتي لك، روح يا عمي نقشت معك! مبرووك!
ارتدى زهير القميص الهدية فصار لون وجهه أكثر احمراراً منه.خال جميع الناس عيوناً تنتقده في الطريق إلى مضافة المختار، وهو يحمل الجريدة التي تحمل اسمه ودرجاته بالثانوية العامة.
كانت المضافة تعج بالوجهاء من مركز المدينة، سياسيين ومثقفين ومسؤولين ومباحث ، بالإضافة للمدرسين الذين حضروا لينالوا كلمة شكر لتربيتهم الناجحة وتعليمهم المميز اللذين أنتجا زهير عبد الوارث.
دخل زهير بزهو ينكصه من حين لآخر لون قميصه المخجل، أحمر؟ ومنذ متى تلبس اللون الأحمر أيها المراهق الكبير؟ كنت تقرع فارس لألوان ملابسه الزاهية، وها أنت تلبس اليوم قميصاً أحمر!
وسط الصالة الصاخبة بالضحك والهرج تقدم زهير وعيون الإعجاب تحيط به، تقدم ببطء شديد، وكان يظن نفسه قد اخترق المكان بسرعة صاروخ.
جميع الاباء كانوا يرون به ابنهم المثقف النبيه، صاحب المستقبل المشرف للقرية ، كلها بل للمحافظة وربما للبلد كله، اليس الحائز على المركز الأول في البلد وقد أوصى رئيس الجمهورية شخصياً بتكريمه!
نظر المختار بحسرة، وقال لنفسه:
" اين أنت يا شيخ محمد، لترى ابنك يكرم على أعلى المستويات، وأنت غائب ، ربما لا تدري ماذا نفعل الآن!"

- قف مكانك!
صرخة مدوية، حولت الضجيج إلى صمت، والصمت إلى دهشة.
إنه المسؤول السياسي الأكبر.
- ماذا تفعل هنا أيها الشيوعي؟
ووجه سبابته الغليظة نحو زهير.
تلفت زهير حواليه يبحث عن الشيوعي المتهم، فلم يجد أحداً لا يعرفه، وكذلك فعل الآخرون.
- عميان أنتم جميعاً، أين تنظرون أيها الحمقى؟؟
بحث الآخرون بعيونهم فلم يجدوا أحداً غريباً. وحده مدير المدرسة حمحم ولمعت عيناه بذكاء لم يورثه لابنه الحائز على علامات ضعيفة في امتحان الثانوية، وكان ينظر بعين الحسد والاشمئزاز لزهير اليتيم الفقير المشرد وهو يحصد علامات النجاح بين يديه وأمام عينيه، دون أن يستطيع فعل أي شيء لابنه المدلل.
كانت أوامر المدير صارمة في تحطيم علامات زهير في الصفوف الانتقالية، بالضغط على المدرسين المتملقين، كي يساوي على الأقل بين نتائج ابنه ونتائج زهير.
وقف السيد مدير الثانوية متمايلاً وهو يمسح غرته الطويلة المصبوغة بالسواد، وحمحم ثانية وقال للجميع:
- يا جماعة ألم تفهموا قصد الرفيق؟؟ ومن يكون الشيوعي غير صاحب القميص الأحمر؟ إنه زهير طبعاً.
- أنا شيوعي؟؟؟
صرخ زهير بصوت لم يسمعه أحد، بحته غطت رجولته.
- أخرجوا هذا الشاب الشيوعي من هنا قبل أن أضعه في السجن بنفسي.في تجمعنا الشريف هذا ممنوع على الشيوعيين الملحدين التواجد فيه.
- لكن سيدي هذا هو....
- أرجوك يا مختار، كلامي واضح تماماً.
- وهل تريد إزعاج الرفيق يا مختار؟ بيعنا سكوتك!
- قال المدير كلماته معتبراً لسانه لا ينطق عن جواهر الحكم.

أخرج زهير بقميصه الأحمر الممزق من شد رجال الشرطه له والقي به في الخارج، هناك صادف فارس صاحب القميص فخلعة بوجهه والدموع تطفر من عينيه الحارتين.
= خذ قميصك، لعن الله تلك الساعة التي جئتك بها من أجله، أعرف أنني ملعون منذ ولدت، فلماذا التكبر على الأمر؟
- هدئ من روعك يا صاحبي، كله يهون، المهم الآن يجب أن تهرب فوراً، هذا الرفيق قد يتذكرك بعد قليل ويطلب زجك بالسجن. أبي يحكي لنا حكاياته القذرة، قد تكون أنت رشوة منه لرفيق أكبر ويتهمك بانقلاب أو مؤامرة. هيا، ما لك إلا لبنان. الهرب الهرب.
في لبنان، كانت الأحزاب تتصارع في الشوارع بشكل أكثر جرأة وعنفاً، وهناك كان شيوعيون حقيقيون بانتظاره. لم يتوقع زهير أن تصل أخباره قبله إلى بيروت، فقد فوجئ بطلاب سوريين في الجامعة الأمريكية يحيونه ويروون قصته ويحييون فيه جرأته وتحديه بارتداء القميص الأحمر ، رمز الشيوعية الأفضل ومقابلة أكبر مسؤول في المنطقة.
وفجأة وجد نفسه في إيطالياً يدرس على حساب منظمة خيرية لبنانية!
إنه أمل أحمر قادم إليك يا سورية!
إنها فعلتك يا أبا العز! وسوف تندم عليها.


*

نظر زهير حواليه، التقت عيناه بعيون حادة وشرسة، وبأخرى نائمة لأشخاص يسيرون خلفه، وأصحاب متاجر يصطنعون اللامبالاة نحوه!
- قد يكونون من أتباع أبي العز! ياللمصيبة، نسيته ونسيت قصته،هل من ذباب أزرق سيجدني في مكان موعود!

" من أنت يا زهير كي يضعك أبو العز على قائمته السوداء؟ ومن هو كي يملك الحق بقائمة سوداء أو بيضاء؟ دع الخلق للخالق يا أخي."

تابع زهير جر قدميه المتورمتين من السعي في شوارع العاصمة وهو يناقش مشكلته مع أبي العز و إمكانية ورودها مورد الحقيقة والتهويل والقدر!

2

رائحة الفلافل تنعش الشارع عرضاً وطولاً، تنشق الرائحة بقوة فامتلأت رئتاه برائحة الزيت المقلية فيه أقراص الفلافل ، صرخ شيء في أحشائه، ذكره بطفولة مرة كانت (ساندويتشة) فلافل وقتذاك كحلم الكافر بالجنة بسبب قروشه المفقودة!
توجه لمحل الفلافل، الإغراء فاحش هنا، أقراص كبيرة، زهرية اللون وذهبية، تتوزع حبيبات السمسم على أطرافها، قرص كبير شهي غمسه البائع بصلصة الطحينية المثومة وقدمه لعينيه الجشعتين:
- تفضل أستاذ، بالهنا والشفا!
تردد قليلاً قبل أن يمد يده بخجل، تناول القرص الشهي ولعابه يكاد يسيل من فيه، قال لنفسه:
" لا يهم سأدفع ثمنه مهما كان!"
تلمظ باستحسان، تحولت عيناه للبائع بامتنان كبير أسعد البائع فضحك وهو يرحب بالزبون الجديد:
- مئة أهلين أشتاز( أستاذ) تذكر أنك تأكل أفضل فلافل في البلد، فلافل أبو العز.
تراجع زهير للخلف مرعوباً من الاسم الذي نزل عليه كالصاعقة، غص باللقمة وباللعاب وكاد يختنق ، سعل بقوة وطفرت من عينيه الدموع والسوائل من فمه وأنفه!
فقد للحظات أحسها ساعات كل إحساس بالأمان وبالحياة!
تقدم منه أبو العز بائع الفلافل،وهو يربت على ظهره بقوة:
- سلامتك أشتاز(أستاذ) أرعبتنا عليك، اسم الله عليك، شو صار بالدني(بالدنيا) والله أعرف أنها أطيب فلافل بس موللموت(لكن ليس لحد القتل)!
محسوبك أبو العز على حد السيف! سندويشتك ببلاش ولا يهمك!


3
- تركت أوروبة لتأتي إلى فتات بلدك؟ مجنون لا محالة!
- وطني يا ناس، وطني، أفديه بروحي!
- و تبيع الوطنيات أيضاً؟ تبيع الماء في حي السقائين؟!
سخروا منه وطردوه بعيداً عن أسوار الدوائر الحكومية.

عاد إلى بيت ذويه الذي لم يستقبله أيضاً بما توقع!
" لماذا تغيرت يا وطن! لماذا تصد قلبي و عقلي وعلمي الذي طلبته مني قبل سنوات الغربة المرة. لماذا؟ لماذا؟"

تساؤلات تقلقل ذهن الدكتور زهير. حتى أخوانه في البيت رفضوه بُعَيدَ أيام من وصوله خالي الجيوب، إلا من شهادات ورقية لا تنفعهم، و لا تغني من لا يملك مفاتيح التسلق كي يرفعهم معه!
تناقلت رياح المدينة اقتراحاتها عليه:
- لو ترك له أخوانه ما ورث لرشى ووصل!
- لو جاء بزوجة أوروبية زرقاء العينين فاتنة الجسد.....
- لو امتلك دهاء أخيه....
- مائة ألف في مكتب المدير العام تفتح له أكبر مكتب في الدائرة!
- لو...لو...
على مقاعد المقهى تربعت أفكار الرواد تساعد زهير.

عاد ليحدق في شموخ هذا البناء الذي كان قيد التأسيس يوم سافر، و كان يحلم بغرفة أنيقة في أحد أدواره العالية، و قد كتب على بابها " مدير التخطيط".
تخطيط؟
راودته الكلمة الحلم، فقفل راجعاً إلى المقهى وقد نبتت في ذهنه فكرة " التخطيط."

4
شاب يرتدي بزة أنيقة و ربطة عنق على شكل فلة سبق أبا عبده إلى باب المرسيدس الفارهة وفتحه بانحناءة لم يفعلها أبو عبده مذ وهن جسده.
ترجل المدير العام بزهو و سأل:
- من أنت يابني؟ هل أنت عبده؟
- أنا زهير يا سيدي، أساعد العم أبا عبده، أنا خادمكم الأمين!
- هل تقود سيارة يا زهير؟ هيا ضعها في الموقف؟
تراجع أبو عبده للخلف موقناً أنها آخر أيامه كبواب للوزارة! وتقدم من الشاب الغريب يستعطفه و الشرر يتناهى من عينيه الموهنتين وكأنه آخر رمق ينساب من عنفوان ولَّى و هوى أو بدأ حقيقة الانهيار أمام جاذبية هذا البواب الجديد.
- من أنت أيها الشاب، كيف تأتي و تسحب رزقي ومصدر معاش أبنائي !
- لا تخف يا عم ، لا يستطيع أحد أكل رزق غيره، اطمئن.
- و ماذا تفعل أنت الآن إذن آه؟ قل لي؟
هول المفاجأة ضعضع أعصاب أبي عبده المصاب بالروماتيزم المزمن، و الذي يعمل بواباً للوزارة منذ عشرين عاماً، و قد كسب عطف المدير العام و الوزير نفسه عدة مرات و نال بعض صدقاتهم العينية مقابل خدماته في بيوتهم أو مزارعهم!
هدأ زهير أيضاً، و جلس قرب أبي عبده على كرسي متهالك ، و قال له:
- انظر يا عم، لا أريد قطع رزقك، لكنني بحاجة لوظيفة في هذا المكان، بحاجة لعمل، فهل تساعدني؟

يحلم الغريق بقشة! يصطنعها من زبد البحر، يصنع الوهنُ من قبة الموجة قصراً، يستقبل فيه الحوريات، يدللهن ، ويسبغ عليهن اللباس والذهب والفضة! أليس هو الأميرالشاب؟
في عيني البواب تختلط صور الشباب والمجون، بدمع الأبناء الجياع. تصبح الأيام القادمة مرآة مشوهة لماض كان الحلم فيه مشروعاً، فالسماء التي لم تمطر يوماً ذهباً ولا فضة كانت تعده بحبات مطر تخفض سعر الخبز، وتجعل الرز وجبة أسبوعية مميزة بفخذ دجاجة كبير، وربما بدجاجة كاملة!
كانت الصواعق الحارقة بوادر أمل بقطاف بعض الفطر في حديقة الوزارة، في الغد يصنع غداء مجانياً إذا لم يتنبه عليه سائق الوزير المخادع!
ويأتي الشاب اليافع ليسرق كل الأحلام قبل أن ينجز واحداً منها، قبل أن يفيق من حلم الحوريات و المن والسلوى!


- لا تحلم يا عزيزي، و اعلم أن خطتك فاشلة، و الآن ارحل، هيا، ارحل.

نهض زهير و ابتعد و الدموع تملأ عينيه الساهمتين، تعثَّر وسقط على الأرض، قام وتابع طريقه في شوارع كان يحلم ذات يوم بتقبيل زواياها فور حصوله على الوظيفة.
5
الوطن هناك! هل صحيح ما يقال أن موطن الرزق هو الوطن الحقيقي؟ هل حب جاسمينا و دفء أنفاسها هو الوطن؟ أم شركة أبيها التي أشرعت أبوابها أمامه! أحبه صاحبها و مدراؤها، و لم يغر أيهم من طموح قد يتملكه فيمتلك قرار الشركة كما امتلك قلبي مؤسسها وابنته من قبل؟

هل الوطن هناك حيث ابتسامات الجيران وأبواب شققهم المفتوحة بالتتابع ليلقي عليه سكانها تحية الصباح أو المساء؟


قال أخوه ذات يوم:
- ساعدناك بمالنا بعد نفاذ حصتك المقدرة من ميراث أبيك، وحصلت على شهادات لم نحلم بها، و تعود لتنهب أقوات أبنائنا؟

قالت أخته التي تقاسمت حصته أيضاً:
- بعت أغلى أسوارة ذهب لدي ذات يوم ليرسل أبوك ثمنها لك كي تحصل على دراستك العليا.
يعرف أن أباه ترك ثروة طائلة و أن حصته من الميراث باقية في حصص أخوانه، و أن الوالد المتوفى قد وزع الحصص عادلة، و أن أحداً من أخوته لم يدفع فلساً له من ماله الخاص. لكن الوطن خنجر في الحلق. ودموع جاسمينا في المطار خنجر في الذاكرة.

اصطدم بعمود إنارة، ضحك أطفال الابتدائية العائدين إلى منازلهم:
- لو كان الوقت ليلاً لأضاء العمود طريق الرجل!
- ربما تحرك العمود فجأة و غشه فوقف في طريقه!
- بل نسي نظاراته في البيت!
- من الرجل أم العمود؟

حتى أطفال الوطن يسخرون! لا بأس فعمود النور هو الآخر يقف في طريقه!

قال الأب:
- استثمر أرض أخيك حتى يرد لك قسط دراسته الأخير، لا أملك الآن المال الكافي له.
استثمرت الأرض و أعطت كما لم تعط من قبل. الأرض تحب أيضاً، و هل هناك أسمى من حب الأرض، و هل هناك أكرم من عطائها.

ازدادت ثروة الأخ المستثمر فاشترى متجراً في المدينة، ثم قطعة أرض مجاورة، و ضم القطعتين ليؤسس أكبر مشروع زراعي في المنطقة، و حين همس له الأب على فراش الموت:
- الأرض لأخيك يا بني، لا تنس اتفاقنا، لقد ردت عليك أضعاف ما أقرضته...
- لكنك قلت أن أستثمرها حتى يعيد هو بنفسه لي ما أقرضته إياه من مال!
- صحيح و لكن..
الحمى وارتفاع ضغط الدم ووهن الشيخوخة ودهاء الأبناء ختم معاناة الشيخ الهرم بدفنه عاجلاً، فالحياة تبدأ بعد رحيل كابوس الأبوة!

- أخي أيها الحبيب، أعد لي أرضي سأعمل بها فلاحاً و لا أريد الوظيفة أو المناصب!
ضحك الأخ الكبير و قلب على قفاه، بينما تقدمت أثداء زوجته الضخمة نحوه و شخرت بصوت جرحه النيكوتين وسد بعض طريقه قطران السجائر المحلية التي تدخنها:
- اسمع يا ولد، ليس لدينا شيء لك، حرمنا أنفسنا اللقمة من أجل دراستك، و أرضك التي تدعي ملكيتها نزفنا الدم في إصلاحها وغرس أشجارها، والآن بعد أن بلغت وبدأت تثمر أتيت حضرتك بالدكتوراه كي تحرثها و تعيد ديونك، هيا ، ارحل وعد إلى أوروبة، هناك احرث و ازرع.

لم يحرك الزوج لسانه ليسكت امرأته، و يطيب خاطر أخيه، بل تململ و هو يرى الدكتور زهير يخرج منهاراً كشجيرة غضة تتناوب على هزها قبضات الرجال.

6
- شاي أستاذ؟
- هات شاي، هات قهوة، و إن كان لديك سم هارٍ هات أيضاً.
- لاه، لاه، يا أستاذ! في الصباح كنت تنشر الحبور فينا! ماذا حدث، من غير شر!
- حتى " بوَّاب " لا يقبلوني في هذا البلد، ماذا أفعل، بربك انصحني!
- إذا كنت تقصد ثمن الشاي في المقهى، فلا تشغل بالك، على حسابي كل الشباب الطيبين، (ولوّ) دكتور! لو انتهى الناس الطيبون من الدنيا لخربت، توكل على الله يا رجل، ستفرج لا محالة، البلد بحاجة إليك يا أخي، انتظر وسوف تراهم يركضون خلفك!
ضحك زهير، ضحك ساخراً ، من كلام عامل المقهى أم من نفسه، لم يستطع تحديد سبب الضحك، لكن نوبة ضحك جنوني اكتسحته، فسر العامل و هتف منتشياً و هو يطلب الشاي بصوت عال:
- هه! هكذا تكون الأمور، اضحك عليها تنجلِ! واحد شاي سكر قليل للدكتورررر.

لم يدب اليأس فيه، واجب الأرض والعرض والشرف، واجب رد الدين لطين درب المدرسة، لشقاء السنين، لأمل الأب الذي لم ير الشهادة العليا لابنه على جدار البيت، لجاسمينا التي ترك طمعاً بحب أكبر في الوطن، حب الوفاء!

*

سمع استغفار أبي عبده الغاضب عندما فوجيء به أمامه:
- استغفر الله العظيم، يا فتاح يا عظيم! ماذا تفعل هنا ثانية يا بني! فتش عن رزقك في مكان آخر، هيا ارحل قبل أن يأتي الوزير، إنه يشك بكل الناس، مرافقوه سيهينوك، يبدو عليك أنك ابن ناس، ارحل أرجوك!

تجمع فجأة عدد من الشبان الأقوياء أمام البوابة، دون أن يعره أحد اهتمامه، و ما هي إلا لحظات حتى وصل موكب الوزير، فانتشر هؤلاء في زوايا المكان، وعيونهم ترصد كل حركة حتى لو أتت من غصن إحدى أشجار السور الأخضر!
فتحت أبواب سيارات الصالون و تقدم فرسانها من سيارة فخمة كانت قبيل ثوان تتوسط الموكب و صارت وحيدة أمام بوابة جانبية للبناء لم يلحظها زهير من قبل، ولا تقل فخامة عن البوابة الرئيسية للوزارة رغم هدوء مكانها .
تلاقت نظرات زهير و الوزير لثوان، تبادلا خلالها دور صرصار قميء و هر انتهى للتو من التهام وجبة دسمة!

قال زهير لنفسه:
- لن أكون صرصاراً أبداً، و لن تكون هراً أيها الوزير!
أجابت نظرات الوزير المتعالية:
- رأس كبير لصرصار صغير! كم أخشى الصراصير!

ضحك زهيرو قال:
- أنا بوابك يا سيادة الوزير، لا تخف!
لبط الوزير رخام المدخل ليزيل غباراً لم يصل حذاءه بعد،ودلف قلعته الحصينة بينما دار زهير حول نفسه، بصق بقوة على خنفساء صغيرة ظهرت للتو وركلها بعيداً.

المسرب الثالث
1
تمضي الأيام سريعة كريح كانون الشرقية!يتغير الزمان والمكان، وتبقى الآه.
أحجار البازلت المتناثرة شواهد تاريخ جبل عامل كانت تراقب كتل الحديد الضخمة تزحف نحو الشمال، تخترق بساتين التفاح وكروم العنب و التين فتضوع تحت سلاسلها تعانق تراباً علت فوقه بضع سنين فقط.
الزيتون المقدس في الوديان والمنحدرات، شاهد آخر شُوِّهَتْ نظراته فسالت دموعاً اختلطت بدماء الوطنيين المدافعة عن بقايا الأرز المتناثرة هنا و هناك تحكي متقطعة الأنفاس حكايا بطولات تتكرر عن صراع خير قديم لأنكيدو و جلجاميش.
تنهي الدبابات حوارات الطبيعة الغناء، و تغطي سحب سوداء آليات معادية دمرتها وحدة سورية متمركزة في مكان ما غير بعيد، فتشظت على شجر الزيتون. الزيتون أيضاً قدم شهداءه ، أبى أن يكون ستار حماية لقوى البغي الصهيونية.

ما أصعب أن تتقاتل أصابع اليد الواحدة!
وما أسهل أن تجرح بعضها إذا ما استخدمت نصال الغير الشريرة.
بدأت بعض دكاكين الخياطة تصنع أعلام المستقبل، كان الأزرق يخط أطراف القماش الأبيض نهرين تتوسطهما نجمة خماسية نبت لها قرن سادس.
هي ذات الأعلام ترتفع فوق هوائيات الدبابات المغيرة.
إنها معركة الرايات، تعددت ألوانها بتعدد أشكالها، صارت تتوزع أركان بعض البيوت، وتنازعت و تصارعت في ذات غرف النوم الهادئة.
تصارع الصليب و الهلال ، و السيف والمنجل، و شجرة الأرز صارت موديلات، وتصارعت النجوم على الرايات ، رباعية وخماسية وسداسية!
تمزقت ألوانها داخل بيوت حامليها، الأبيض والأخضر والأزرق و المخطط و ذو البندقية ..
حتى أرزة علم لبنان تغيرت أشكالاً فجاء الحطابون وقصوها بأشكال هندسية مختلفة ، لفوها بالأحمر و صنعوا منها مثلثات و دوائر.
لبنان يا بلد الأرز، باسم الأرز نذبحك، باسم الحرية المطلقة نطلقك، باسم الدين نضعك فداء طائفيتنا و حزبيتنا وعيشنا.
انسل رجال المخيمات بعيداً، معركة فلسطين تجاوزت حدودها، كان لابد من اجتثاثهم في خيامهم البائسة كي يرفرف العلم الأبيض ذو النهرين في كل مكان من أرض الميعاد.
ضحك قائد العدوان شارون و اهتز كرشه الضخم:
" سجل أيها التاريخ أني فاتح بيروت، اسرائيل الكبرى ، اشهدي أنِّي صانع مجدك في الشمال، ستشربين منذ الآن من ينابيع الأرز الخالد الرقراقة، ستتدفق نحو الجنوب، إلى مدنك الممتدة نحو الشمال، ها هي حدودك تتمطى، مجدك نكتبه بدماء الأعداء العرب، مسيحيين ومسلمين ، كما أقسمنا منذ الأزل، فلتشهد تاريخ يهوه أنني قائد الفتح الجديد....
صبرا أيها المخيم البائس الحقير، تركك الرجال، ليقنصوا من دباباتي ما أرادوا، و ما علموا أن المعامل لا تتحرك، و لا تدمر ، نساؤهم مصانع مستقبلهم ستتوقف الليلة..
مصانع أخرى للحالمين ببيوت شردناهم منها قبل سنين..سندمرها أيضاً.... مصانع شاتيلا.

ما أجملك أيها الأحمر الفلسطيني تغادر عروقك، تخضب أرض الأرز بنصال تغمدت بالسيدر..باسم الأرز..."

2
لم يكن فيما مضى للدموع مكان في عيني زهير الشاب القوي..ومثل عيني زهير آلاف العيون في الوطن الجريح.
الأرز يبكي، و الزيتون، و التين، الدوالي تقطعت، وكروم السفوح النضرة في كل مكان ، مرج عيون، حاصبيا، راشيا، بيروت بيروت بيروت..
حتى حصى الشاطيء تئن و تبكي...
بيروت كنت الحلم و الجمال، كنت الرؤى ونبض القلب وكل ما يبهج الروح و ما يمكن أن يقال.
درة البهاء أنت، شريان صار شريانين، و تبقين رمز البقاء.
- ما اسمك؟
- جو..ززز..ييييييف!
- مسيحي! اقتلوه...
نسي أن اسمه بيروت منذ الأزل، لكنها بيروت تأكل أبناءها..
- ما اسمك؟
- ع...م..م...رررر!
- مسلم! اقتلوه...
صار الدين فوهة بندقية و حد سيف،وصارت بيروت مقصلة الحبيبين...
- بيير! بالأمس كنا أصحاب، سبحنا في مياه الروشة...
- اقتلوه...

- اسرائيل هي العدو يا ناس.. حاربوا عدو الجميع..

- اسرائيل شمس الزمان، جاءت بنورها..

- و الدماء؟

- نذر الخلاص، صليب الرحمة!
3
- زهير ! حبيبي! انتهت الحرب أو كادت، ها هم يجتمعون في الطائف السعودية، كأن شيئاً لم يكن!
- كم أود لو نسفتهم جميعاً، أمراء الحرب. هؤلاء لهم الموت فقط، الموت يشفي غليلي فقط!
- حبيبي أيها الرومانسي العربي، أراك نسيت نشيج الأرز، لقد سئمت دموعك. سئمت حياتك.ارجع أيها السوري و عش في بلدتك بعيداً عني وعن ذكرياتك الحمقاء!
- جاسمينا، ياابنة الألوية الحمراء، أراك تنكصين!
*
الخدمة العسكرية الإلزامية دفعت بالملازم زهير لقيادة سرية دبابات لتشارك في صد الهجوم الإسرائيلي على طريق ظهر البيدر الشريان الأكبر بين بيروت ودمشق.و كانت وحدته تنتقل من مكان لآخر حسب أوامر القيادة.
هناك قضى بعض أعز أصدقائه، أصدقاء الدم والوفاء، أصدقاء الصمود و التصدي في حراج و منحدرات جبال لبنان العريقة.
استشهد مروان ، و استشهد ميشيل، ذبح حسين بحربة قبل وصول رصاصة معادية إليه!
حتى جاسمينا حملت أمميتها معها تاركة ملايين والدها للدفاع عن مبادىء نذرت نفسها فداءها.
هناك التقت بزهير مصادفة في بيت المقاومة، بعد انقطاع تواصل استمر عدة سنوات ، كان خلالها قد تزوج وأنجب، و كانت رسائلها تموت في منتصف الطريق بينهما حيث غيرة الزوجة وأسباب الأخ الحريص!

لم يصدق عيناه عندما فوجيء بها مع صديقهما الفلسطيني في بيت المقاومة، غرفة عمليات إحدى المنظمات اليسارية، ظن لثوان أنها كانت تخونه مع صديقه الذي استوطن الغربة، بعد احتلال صيدا، لكن لطمة سريعة و ارتماءة أسرع على صدره أيقظاه من شروده.

- أنت أيها الخائن، ماذا تفعل هنا؟ من يخون حبه يخون كل شيء!
كان الهدوء يلف المكان، فقد توقف القصف الاسرائيلي قبيل عصر يوم الجمعة، و لا يفضل اليهود الحرب يوم السبت، لذلك كان بيت المقاومة يغص بالفلسطينيين وبعض القوميين واليساريين و المتطوعين العرب و الأجانب الذين جاؤوا لنصرة معتقداتهم. والهدف هو الاستعداد لبدء هجوم على أحد المواقع الاسرائيلية.
لما كانت وحدة زهير قد تمركزت في هذه البقعة فقد صادفت زهير القادم للتنسيق والتوقيت والتعاون التكتيكي.

كان وليد صديق زهير في الغربة و زميل الدراسة قد سهل لجاسمينا الوصول من دمشق إلى بيروت براً ،بعد أن فشلت جميع محاولات اتصالها بزهير.
في غرفة جانبية كان حبيبا الأمس يفكان خيوطاً تشابكت وتعقدت، و كادت أن تملح حلو ذكرياتهما و شقاواتهما الجامعية.

غابت خضرة عينيها خلف دمعتين..
الشعر البني الملتف المتطاير، ابتسامة طفلة، ورائحة الزمن الحبيب..
ذكريات تداعت للحظة..
- كبرت يا زهير! أراك و كأن العمر أسرع بك إلى الشيخوخة، لحيتك شبه بيضاء، وفي صوتك أنين! هل هي جميلة!
- من؟
- زوجتك!
- لست أدري!
ضحكت جاسمينا، انتبه زهير لنفسه و اكتشف جوابه فضحك أيضاً.
عانقته بقوة، شدها إلى صدره، أحست عظامها تتحطم، بكت من الألم و بكى من الشوق.
دفعها عنه بكره و غضب و راح يضرب رأسه بالجدار ويصرخ:
- مجرم، مجرم، مجرم!
ارتعبت جاسمينا و كادت تخرج طلباً لمساعدة وليد، لكنها تراجعت عن الباب و قد تذكرت هستيريا مشابهة كان يقع فيها عندما كان يتذكر حوادث في الوطن جرت له! قالت لنفسها:
" ما زال يعاني قسوة الوطن و هو فيه."
أسرعت ووضعت رأسه على صدرها بحنان، وهي تمسد على شعره الأغبر المتسخ.
- عجيب أمر الشرقيين!
زهير شعلة من العواطف المتأججة، عندما كان يتحدث عن استيلاء اليهود الصهاينة على فلسطين قطعة قطعة و كأنها كعكة ميلاد،
كان يثور وكان الدم يندفع في عروقه والعرق يتصبب من جبينه، و أصابع يديه تتقلص بقوة في قبضة لم يكن أحد من رفقائه يستطيع فتحها في منافسات الفتوة أيامذاك.
كان صوته يعلو و يعلو حتى يصبح قالعاً كالبارود، و هو يرجو الله أن تشتعل الحرب ويكون في جبهة القتال.
يقاتل ويقاتل، لا يهم الموت بل المهم إشعال فتيل يدمر رتل دبابات دفعة واحدة.
كطفل مُهجَّر كان يحكي قصة انتصار و انتقام.
ها هو الآن في ذات الميدان، مع بعض رفاق الدراسة الذين سمعوا محاضراته و توعداته سابقاً. لكنه يبكي كطفل فقد أمه!

إنه اللحظة زهير الذي بكى يوماً زواج أبيه وحرمانه أمه من نفقات الحياة، يبكي جوعهما وفقرهما و الخير العميم تحت ذات السقف، لكن في الغرف الأخرى حيث يعيش الأخ الأكبر مع زوجته و ولديه.
اللحم و الرز طعام الإبن و الكنة، و القهوة البرازيلية والفواكه بعد الطعام ملذاته، بينما الخبز البائت و قليل الزيت و الزيتون طعام الأم وابنها.
إنه زهير الطفل الآن، و ربما كان بالأمس زهير الفدائي، فقد حكى وليد قصص بطولاته لجاسمينا، كان خلال استراحته التي لا تتجاوز ساعات قليلة يهرب من سريته لينفذ عملية فدائية شخصية فيدمر دبابة أو يفجر دورية معادية، قبل أن يعود إلى وحدته العسكرية النظامية.
- أنا خائن يا جاسمينا!
نظرت جاسمينا بعجب و بلاهة، و هي تسمع اعتراف زهير الخطير.
هل يخون هذا الحمل الوديع وطنه! هل يخون الثائر قضيته، لم يكن يوماً سوى مشروع قائد حكيم، يعج بالحيوية والنشاط والتفاني،
با ستعداد دائم لتقديم روحه في سبيل وطنه السليب كما كان يقول، هو السوري الذي يدعي أن فلسطين أرضه و أرض آبائه و أجداده، الأمر الذي لم تكن تفهمه جاسمينا في البداية.
- كيف لا تفهمينني و تدعين أنك أممية، عمال العالم أخوة، لا فرق بين عامل أبيض وآخر أسود، الراية الحمراء تجمعهم، و ليس اللغة و التاريخ و الدم!
نحن عرب يا جاسمينا، أبناء جد واحد وجدة واحدة، كان العلم العربي الواحد يرفرف على دور العرب من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي شرقاً، بل من حدود الصين و الهند إلى حدود فرنسا ذات زمن!، نتكلم لغة واحدة، و ندين بحب وطن واحد، الاستعمار الأوروبي فرقنا وتقاسمنا كما يتقاسم المحتفلون كعك العيد. و تقولين أنت سوري و هذا فلسطيني! تعلمي الجغرافيا و التاريخ يا ابنة الأمم!
- خائن!
- نعم، هل تتخيلين ذلك؟
- طبعاً لا، و لكن قل لي، هل شربت شيئاً قبل دخولك! أذكر أن زجاجة بيرة واحدة كانت تجعلك أضحوكة!

رفع رأسه المصدع عن صدرها الطري، وقال:
- بأي حق ألقي رأسي المذنب هذا على صدرك!
- أنت حبيبي!
- شهق بغصة كادت تخنقه فسارعت لكوب ماء قريب.
مسك يديها و الكوب ما يزال في كفيهما، قبل رؤوس أناملها، مدت وجهها نحوه تريد تقبيله، اقترب من شفتيها و توقفت الشفاه على بعد سماع الأنفاس.
- ألم أقل لك بأنني خائن حقير حقير حقير!مجرم كريه كريه كريه.
- هون عليك يا صاحبي، و قل ما تشاء، أنت زهير الذي خلتني فقدته، و نساني!
- اسمعي سننفذ اليوم عملية رائعة!
- و هل ستأخذني معك!

تحول القط الأليف فجأة إلى قط بري، تربع أمامها على السرير الحديدي الضيق وبدأ يشرح خطته كطفل صغير حفظ نشيده للتو.

- و الخيانة! نسيت أنك خائن! قل لي أولاً عن الخيانة هل ستخونني أم تخون رفاقك أم جيشك أم ماذا؟
تذكر زهير شيئاً فهدأ و اقترب من جاسمينا بجسده و كأنه سيغطيها و هي ما تزال قابعة وسط السرير.
- لقد خنتك يا جاسمينا فتزوجت، و ها هو قلبي يعود إليك فيخون زوجتي!
- إذن تحبها!
عاد الطفل التائب إليه، شفتاه ممطوطتان، عيناه مسبلتان.

الحزن و الألم ، الخوف القديم من المجهول، علاماتٌ في عينيه الغائرتين في غيوم مظلمة.
- أقول صادقاً، حاولت حبها، تماديت بتقديم قلبي لها، لكنها لم تصدقني، كانت تتهم قلبي بالضياع فيك!
لم تكذب، لكنني كنت وفياً لها و لم أتصل بك رغم جراحاتي وعذاباتي من شكوكها اللامتناهية، حفاظاً على أسرتي،
نحن شرقيون يا جاسمينا، لا نستطيع الخروج من سور الأسرة، القلب لدينا ماكينة تضخ بترول الحياة، أما الحب، فهزل شباب،
لا نعترف جهاراً به، وإلا ما وجدتِ بيتاً عامراً بأبناء وبنات بين أبوين رحيمين .
- و ماذا كنت تفعل برسائلي، بالكتب ودواوين الشعر التي كنت أرسلها لك كل شهر!
- ماذا؟
- ماذا ماذا؟؟
انتصب زهير مبتعداً عنها، و نشب سبابته في أنفها:
- أنت كنت ترسلين لي رسائل و كتباً؟ متى و إلى أي عنوان؟
- و هل أعطيتني أكثر من عنوان؟

4
لم تكن علاقة جاسمينا بزهير علاقة حب متميزة فحسب، بل كانا صديقين حميمين يحترم كل منهما الأبعاد الفكرية للآخر رغم اختلافهما في كثير منها، لكن الفكر المستنير لهما جعل صداقتهما تتخطى حدود ما يظنه أصدقاؤهما ، إلى اتجاه آخر ابتعد عن توقعات الجميع.
رغم اختلاف ثقافتيهما و مجتمعيهما والطبقة الاجتماعية لكل منهما فقد كانا شفافين في عواطفهما ومشاعرهما،ساعدته جاسمينا في البداية على تخطي حاجز اللغة الأدبية التي لم يكن يدرسها في الجامعة، الاقتصاد والتجارة وقوانين السوق والتخطيط الإداري كانت مواد دراسته الرئيسية، أما الشعر والأدب فكانت جاسمينا المعلم الصديق الذي ساهم بتنمية ملكة الشعر بلغة ليست لغة الأم أو الأب.
مشاعر الحرمان الذي عاناه زهير في الغربة و الوطن على حد سواء وجدها في دفء جاسمينا عاشقة الشرق والحب العذري الذي وجدته ضالة مجنونة يجب أن تبلغها، و لم يكن باستطاعتها تحقيقها في غرب مادي كرهت فيه المال وعلاقات الرياء المرافقة له.
و هكذا و جد الضالان نبع الحب، شربا منه حتى الثمالة!
أصابعهما المتأرجحة معاً فيما بينهما كانت تعقد اتفاقاً روحياً لم توقعه الأيدي يوماً،كانت القصائد الغزلية مشتركة، وحين يبتعدان يتخاطران بمقاطع شعرية لا تلبث أن تجد نفسها عند اللقاء مصراعين لنافذة روح واحدة.
قال له وليد ذات يوم:
- نراكما يناسب أحدكما الآخر، لم لا تتزوجان!
- الزواج عقد دائم، يا صاحبي!
- و هل قلت غير ذلك؟
كشف زهير جميع أوراقه، الزواج عقد دائم وليس مؤقتاً، ولا يكون دائماً إلا لأبناء الوطن الواحد!

قال وليد:
- أليس الحب وطناً، و هل يوجد أكبر من هذا الوطن!

صمت زهير.
الحب! و من يعرف الحب أكثر من زهير! وجد الحب هنا، تعرف على الحب هنا، هنا خفق قلبه بعد خيانة حب المراهقة الذي فطر قلبه وكاد ينزع منه كل حب، لكن الغربة والبعد عن الأم وتراب الوطن أعادا قسوة الوطن عشقاً للوطن الأرض المسلوبة من ذويها والمتحدة معه في ذات السلب، هو مسلوب من أمه، من عطف أهله، من هواء الوطن العليل، هذا الهواء الذي حاولت جاسمينا تعويضه برومانسية طالما حلم بها فكانت حقيقة تنبعث من ثنايا عاشقة الشرق، من خلايا جسدها المسمر بأشعة شمس قادمة من شرقه البعيد، من فوق صحرائه ذات البعير والخيام والنفط والبداوة!
وجد الحب عند جاسمينا، وجده في الرعاية التي حظي بها في الجامعة التي كانت تغدق عليه الهدايا المعنوية و المادية، كانت مجلة الجامعة تنشر له قصائده دون حاجة لتصحيح فكان مدرسو اللغة يفاجؤون بمستواه اللغوي، حتى أن السؤال الممل كان يتردد دوماً على مسامعه بإلحاح شديد:
- لماذا تدرس التخطيط الاقتصادي و لا تدرس الأدب، بل لماذا لا تتفرغ للشعر يا شاعر الجامعة!
- بلادي بحاجة لاقتصاد قوي، و ليس للشعراء، الشعراء كثر في بلادي، و الفقر كساء الشعراء، الشعر لا يشتري قوت اليوم.
عندما قرر زهير الزواج رحلت جاسمينا بعيداً عنه وأقسمت ألا تحادثه أبداً، أقسمت كطفل خانه صديقه الحبيب،وبرت بقسمها كمحارب قديم عرف أسرارالحرب، غضبت وبكت، وكادت تنتحر لولا قناعة ابتكرها لها ذات يوم، واقتنعت بها، بأن الصمود في وجه المحن أقوى من الانتحار.
لم يستطع زهير يوماً العودة للحب الرومانسي الذي عاشه مع جاسمينا! هذا الحب كان قصيدة عصماء لم يدخل زهير سكرتها إلا يوم بدأت زوجته الهجوم على ذكرياته.

فراق الصديقين لم يمح صورة جاسمينا من ذاكرته، أو من خيال زوجته الافتراضي .
عندما تغط جاسمينا في عالم النسيان كانت الزوجة توقظها:
- أنت لا تحبني!
- و من قال ذلك؟
- أنت مشغول عني دائماً باجتماعاتك و أعمالك، حتى الكتب التي تضيع بين صفحاتها بت أكرهها، أود لو يأتي حريق يلتهم المكتبة كلها!
- في المكتبة أبنائي، و بنات أفكاري!
- كل قصائدك لنساء عرفتهن قبلي!
- و قصائدي لك، حبي الذي..
- لم تكن من قلبك! كل شيء لها، لها.
- من هي؟
- لست أدري؟ هناك واحدة غيري في قلبك!



5






المرأة كيان واحد لا يتغير بتغير المكان أو الزمان، شرقية أم غربية، شمالية أو جنوبية، شقراء، سمراء، زنجية، أم صفراء، كل النساء سواء.
تفترب جاسمينا بوجهها الرطب من خد زهير، تهمس بأذنه والأنوثة تعبق بالجندي المحارب تغطي كل قوانين الجيش واحتياطات الحرب:
- زهير! حدثني عن زوجتك!
هل هي الغيرة أم شعور النصر أم اقتناص الفرصة؟ هل تحب جاسمينا حقاً معرفة خاطفة حبيبها لتسعد بمواصفاتها أم لتسخر من جمالها، لِمَ تزدحم المشاعر في الغريم؟ لكشف الند المنتصر باحتكار قلب الحبيب؟! أسرار النساء هي أبعد ما كان زهير يفكر به، خاصة في ميدان الحرب الذي نذر نفسه له، فرصته الوحيدة لإثبات حبه للوطن العربي الكبير الذي تشرب عشقه مذ دخل المدرسة الابتدائية وتعلم مبادئ حبه في منظمة الشبيبة التي عمل فيها قيادياً يبث حب الوطن في زملائه من طلاب الصفوف الدنيا، ولم يقف نضاله في الجامعة خارج الوطن يوماً، ولم تمنعه هناك المؤامرات التي كان يحيكها ضده زملاؤه من الأحزاب المناوئة لسياسة بلده القومية.
- زهير، هيا، قل لي كيف تعرفت على زوجتك؟ في مكتبة ما كما حصل معي؟
قهقه زهير ضحكة لم تعهدها جاسمينا، كان بؤبؤا عينيه يدوران في محجريهما كما كان رأسه يدور في زوايا الحجرة، كدجاجة أصيبت بالطاعون، دار الرأس حول محوره أو هكذا خالته جاسمينا!
كانت سمية ابنة عمه والتي أصبحت زوجته طفلة مدللة عندما حدث طلاق والديها، وصارت ابنة زوج غير مرحب بها بين ليلة وضحاها، صادف ذلك وجود زهير في الوطن بإجازة صيفية بين عامين دراسيين، كان فارق السن كبيراً بينهما، سنة واحدة كانت تفصل زهير عن نيل شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، و سنة واحدة أيضاً كانت تفصل سمية عن نيل الشهادة الثانوية.
زوجة من الوطن ، ابنة عم، ضمان من زواج بأجنبية قد تسبب الاستيطان في الغربة!
أحس زهير بأنه ينقذ الفتاة من زوجة أب غير رحيمة بها في سن عصيبة من عمرها، وأنه ينقذ نفسه أيضاً من هجرة دائمة لبلد أعطاه العلم والخير، يجذبه للعيش فيه بقوة الحب والمال والجمال. إغراءات غرق فيها كثيرون، لكن وطنية في قلبه منعت إبهار الحضارة والرقي واختراق الزمن!
فضل العودة للوطن الفقير حيث خبز التنور، وزيت الزيتون وكأس شاي الأم المعتق تحت (الميزر).
حصلت سمية على الثانوية والتحقت بالجامعة وهي زوجة و أم، تعلمت الحياة في مدرسة زهير، لكنها لم تنجح في الوفاء له، كان زهير الهرم الأكبر عند الزواج، وصار بتواضعه أمامها الفأر المستكين الطالب صك البراءة ليل نهار، البراءة من خيانة ربما حدثت قبل الزواج.
- هل تريدني أن أصدق عفتك في أوروبة! غش غيري.
6

في الصمت ضجيج الكون، في الصمت موسيقى الحياة، فيه كل الحنين، و به تتوفر لأعظم براكين القهر فرصة الغليان والتفجر الفريد.
نسيمات عبرت ياسمينة حضنت شباك الغرفة، وتسللت إلى رئتين كانتا قبيل قليل بحجم ثمرة جوز صغيرة، و صارتا بها ملء الفضاء.
غزا الصمت حديقة البحر الهادئة، فالليل قد انتصف والمتنزهون عادوا إلى سجونهم، ولم يبق في حديقة الحرية سوى شاب و فتاة.
قمر السماء ونجومها كانت تراقب أفكاراً تجول بأشعار!
الحوار في هدأة الروح يتجاوز كل الكلمات. تتحول النجيمات إلى قبل، و هفهفات الأغصان إلى لحن الخلود.
موج البحر يخفق قلباً أكبر، أوسع، فيه من ملوحة الزمان ما لم يستطعمه الشابان بعد.
تذوقا حلاوة اللحظة، ووشاهما بريق الجمال، غدٌ قادم والليل عاتم ظالم و لكن ما يزال في البعيد.
ما أجمل الجهل بالمستقبل!
تنادت نجمتان و هما تراقبان مشهد مستقبل ليس بعيداً..
صدران يخفقان و شفاه تتغذى بروح الواقع الجميل.
و في الغد جبين وعبوس، في الغد ليل مدلهم بالبكاء والنحيب.
7
دمعتان انحدرتا كبيرتين، و أجهش زهير بالبكاء كطفل شريد.
- مابك؟ عدنا للبكاء!
- تذكرت سهرتنا في حديقة البحر.
ضحكت جاسمينا، ضحكت على أول لثمة لزهير. أول قبلة بادرته بها و لم يبتعد أو يجفل.
كانت ليلة المؤامرة، قررت أن تغازل الشرقي فأغرقته بشعر الحب، وفي لحظة خيال راح فيها العقل برحلة هيام،
اقتربت شفاه أربعة وعقدت رباط حب من نوع جديد.
صممت جاسمينا منذ تلك اللحظة أن هذا الحب يجب أن يدوم، ولا يمكن لأية قوة أن تحطمه.
لم تبح بحبها العارم، كانت القبلة من فَعَلَ. لكنه لم يفهم، بلادةٌ كَسَتْهُ من الرأس حتى القدمين، متعة مؤقتة ، و رغبة أوروبية، و شبق لا يكتمل بل سرعان ما يزول!
هنا العقدة التي لم يفهمها أيهما! فلم يحاولا حلها.
تحول الرومانسية من كلام إلى فعل جسدي محدود بالقبلة وضم الصدر للصدر كان الحنان والوطن الذي افتقده زهير منذ عمر!
هذا لن يغير في المبدأ شيئاً، لن تصل الأمور حدود الجنس، فالجنس زواج شرعي لا يقدر عليه، صحيح أن أملاكه في الوطن كبيرة، لكن شره أخيه و تسامح أبيه، و غربته وحاجته للمال الآتي من الوطن أبواب مغلقة أمام زوجة غريبة و غربية في آن معاَ.
لم تكن أموال جاسمينا تهمه أو يفكر بها، حتى إصرارها مشاركته بدفع فواتير العصائر والساندوتشات كان يبوء بالفشل.
" في بلادنا الرجل يدفع."
كان يعرف وقتذاك أن الرجل من يدفع فواتير إفطار أو غداء أو عشاء، و ربما شراب! لكنه فهم الآن وبعد الزواج أن الرجل يدفع كل الفواتير معاً، و ليست المرأة سوى الجابي الذي لا يرحم!
يوم تزوج مخلصاً لزوجته قلبه، بدأت الجباية:
- أنت لا تحبني، جسدك معي و قلبك معها!
- من؟
- أنهن لا شك كثر؟
- .........
- و هل يبقى الرجل سنوات في أوروبا دون امرأة، لست ملاكاً و لا يمكن أن تكون.

كانت الزوجة من تفتح أبواب الذكرى ولا تقفلها.يا لها من جباية، و يا لها من ضرائب.
كانت تراقب كل الحركات و السكنات وجميع أحرف كلمات المجاملة التي تصدر عنه أمام صديقة أو جارة أو عابرة طريق.
ضرائب الزواج ليل مبهم، لا قمر فيه أو نجوم. لا غيم فيه ولا مطر.

قال زهير:
- لم تصدق زوجتي يوماً أننا لم نقم علاقة جنس؟
- المجنون فقط يصدق!
- أنت تمتدحينها إذن!
- بل أؤكد أننا كنا مجنونين من الدرجة الأولى!
- هل تصدقين أن الجنس كان أبعد ما كنت أفكر به معك !
- لو طلبته يوماً لما استمرت صداقتنا، و لما وقعت فعلاً في حبك!
- و لكن!
- كانت تلك غلطتنا الكبرى! لولا عقلك المتحجر وخيانتك لكنا أسعد زوجين!
- و تقولين خيانة!
- المرأة إذا أحبت يا عزيزي شعلة متوقدة من العواطف، تطفئها نظرة حب من قبل امرأة أخرى، وأنت تزوجت على حبي! كنت أظن أنك ملاكي الذي لا يموت لكنك بزواجك صرت هلاكي الذي لا يموت.

- ستذهبين معي الآن لتنفيذ العملية.
- خلتك ستمنعني إن طلبت المشاركة!
- لِمَ أمنعك؟
- لأنني ظننت أنك ما زلت تحبني و تخشى أن يمسني سوء!
- لأنني أحبك أريدك معي، متعة الانتصار لا تفوقها متعة.
- هل أنت واثق من كلامك؟
قالت ذلك و غمزت بعينيها، فهم قصدها بسرعة فتابع:
- .....حتى متعة الجنس.
هنا وقفت جاسمينا منتصبة بالبزة الخاكي المموهة ، كثيرة الجيوب كجندي متمرس ، نزعت المسدس و حزام الوسط المثقل بالذخيرة ووسائل الدفاع الشخصي الميداني وارتمت عليه بكل جسدها كعاصفة هوجاء، رضخ لها، إذ لم يتوقع هذا الهجوم المفاجئ.
- الآن عرفت فقط كم تحبني!
اهتز السرير المعدني تحتهما، و تحرك قليلاً على الأرض الاسمنتية، فأصدر صوتاً لم يسمعاه جيداً فللقبلة عالم آخر لا يسمع إلا الصمت.

تحت السرير لمح زهير حقيبة سفر عرف للتو أنها لجاسمينا، نهض و سحبها خارجاً ثم فتحها، أوروبا تخرج منها لتعود إليه، سراويل نومها الطويلة البنفسجية نفسها. بسيطة خفيفة وهادئة الألوان.
- أعرفك لا تسمح لنفسك العبث بأشياء الآخرين.
قالت جاسمينا ذلك و شعور غريب بالإثارة بدأ كالسكر يتغلغل في أوصالها و تخضع له مستسلمة لنشوة حرمت نفسها منها لسنوات، قشعريرة لم تتحسسها منذ أمد بعيد.
لم يجب زهير بل بدأ يفك أزرار سترتها و ينزع ملابسها بهدوء، أمام ثورة الأنوثة و الحرارة التي بدأت تتأجج في كيانها.
- الباب غير موصد! ما بك! هل ثورة الجنس اجتاحتك فجأة.
تابع زهير خلع ملابسها دون مقاومة، جاسمينا المتمنعة صارت لعبة بين يدين طالما ندمت على عبث كهذا لم ترتكبه من قبل.
حاولت الانسحاب نحو الباب لتوصده، لكنه ضمها لصدره بقوة فتراجعت إليه و تابع مهمته حتى صارت شبه عارية!
شاهدها شبه عارية بثياب البحر مرة واحدة فقط على بلاج حديقة البحر، فوجيء كل منهما بالآخر يومذاك، فقد كانا كل مع رفاقه، و كان اللقاء دون ميعاد سابق. يومذاك أشاح بنظره خوف خلل عذرية صداقة اتفقا ضمنياً عليها. لكنه لم يتراجع أمام شجاعة اكتسبها مع الأيام، شجاعة الصمود أمام المغريات التي امتحن نفسه بها كثيراً عندما كان طفلاً أمام مشاهد الإغراء السينمائية.
- ليس الوقت مناسباً يا زهير. الرفاق ينتظروننا في صالة الاجتماعات.
الفتاة عارية ، وحقيبة السفر مفتوحة أمامه، سحب منها منامة مطوية بعناية ،و شرع يلبسها إياها كأم تدلل ابنتها الصغيرة.
صدمة لم تتوقعها! لم تكن مشاعر الحب تؤجج فيه تعريتها إذن!
اختلطت فيها المشاعر، تمنت لو استطاعت ركل أنفه القريب من ركبتها لتسيل دمه على إسمنت الغرفة!
سحبت منامتها من يديه و أرجلها و صرخت:
- أعرف كيف ألبس ملابسي!
- دعيني هذه المرة فقط!
- لم تتغير أبداً، بدوي جلف، و بعير غليظ!
تقدم زهير ببطء نحو الباب، أمسك قبضته والتفت نحوها للخلف دون أن ينبس ببنت شفة!
- كم تمنيت لو قبَّلْتَ عُنُقي مرة، عذرية حمقاء عشناها، وأحمق كل عذري! ماذا جنينا من رومانسية بلهاء ؟ قصائدنا يسخر منها رفاقي ورفيقاتي حتى الآن! والحبيب العذري جاء بجسد امرأة من بلاد البداوة ليمارس حيوانيته التي ادخرتها عذريتي! أليس هذا صحيحاً؟
أوصد الباب بالمفتاح، أطفأ النور، و عاد إليها يلاطفها وعادت تتمنع في سرير عسكري مفرد خصص لشخص تأبى قساوة قش فِراشِهِ وحفرته الإغفاءَ عليه طويلاً.
قبيل الفجر سمع ميشيل يصيح كالديك فعرف أن وقت العملية قد حان، أيقظ العذراء النائمة قربه بقبلات على العنق و الصدر العاريين.
- أجمل حلم، و أهنأ ليلة نمتها حتى الآن، دعنا فالنهار لم يطلع بعد، اعذرني على وقاحة الأمس، لم أقصد ماقلته!
- إذن تسمحين لي بتلبيسك منامتك!
- و لكن!
- سنذهب في مهمة الآن ، عاشقان يوقظان اليوم الجديد، هل تذهبين معي!
- قد تكون آخر ليلة لي إذن، قبلني، أريد أن تغمرني بكل العواطف المخزونة فيك منذ قرون! أحب همجية البدوي فيك، خشونة البعير التي وصمتك بها ولم تكن سوى حملي الحبيب.
- الشباب ينتظروننا.
- أمنية وحيدة في العمر، اقضها لي، أحبك، أحبك أحبك حتى الموت، بضع دقائق فقط، وسأكون في قبري مطمئنة، أو قد تتوزع أشلائي بحب على أشواك لبنان! لا يهم.
غمرها بذراعيه و ضمها بقوة ثم همس بأذنها وهو يلثمها:
- من قال أنك ستموتين، سنحيا يا حبيبتي، أعدك بذلك! سنعود لحبنا الذي لا يموت، و سيجمعنا في عش خالد إلى الأبد.
استسلمت له يضع عليها منامتها و يتأبطها خارجاً.

نسمات ربيع بحمدون تلسع خدها فيزداد حمرة، القمر في الطرف الآخر من السماء يعلن الرحيل، و نجمة الصبح توزع قبلات الصباح لعاشقين يتجهان نحو أبواب جهنم.
- أحس بالبرد الشديد، لو ارتديت الخاكي !
- لا يا عزيزتي، هكذا بثياب النوم لن يشك بنا أحد.
وأخذ يصفر لحن الحب و هو يقترب من معسكر صهيوني مؤقت، و يقبلها بين الحين والآخر.
- لم تقل لي أننا سنقترب هذا القدر من العدو.
- نحن الآن حبيبان فقط، انسِ كل شيء عدا الحب، سنفترش الأرض تحت شجرة الزيتون تلك، تكلمي بالطليانية أفضل!
سمع الحارس اللغط الإيطالي وأدريانو تشيلينتانو يغني على لسانيهما معاً.
- هيه، سيجارة من فضلكما!
- لدينا سجائر محلية فقط!
- لا يهم، السيجارة تشعرني بالدفء والأمان.
تقدم الحارس منهما، كانا بثياب النوم، ولا مكان للسلاح في ملابسهما ، اطمأن و تقدم ليأخذ سيجارة من العاشقين.
- أراكما ما تزالان مستيقظين!
- بل استيقظنا الآن، سنسافر بعد قليل، نرجو أن يكون المطار مفتوحاً اليوم.
- إذا حالفكما الحظ.
كان عقرب الدقائق يقترب ليتم الساعة الخامسة عندما سمع انفجار في الطرف الآخر من المعسكر، فانبطح الجندي أرضاً وأمرهما بالانبطاح معه والاستعداد لأمر طارىء.
- انبطحي أرضاً حبيبتي و اشبكي يديك فوق رأسك و أذنيك، لا تغلقي فمك بل عينيك فالانفجار قوي قد يتبعه آخر.

نفذت الفتاة أوامر زهير، أما هو فقد سحب مدية كان قد ثبتها على فخذه، و شق بها ظهر الحارس الصهيوني، وركض نحو شجرة
سامحني خنتك كثير
بعرف ما بقى بكير
يا قلبي.
العمر رح يولي
و الصبر عم يقول لي
شبت من صبرك
و شبعت تعتير
من حبك و حبي!



إضافة رد



  


1 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 1 الزوار, 0 مجهولين