ذهاب للمحتوى


صورة

نجيب محفوظ والرواية الصوتية "أفراح القبة" نموذجــا


  • Please log in to reply
2 replies to this topic

#1 شوقى بدر يوسف

شوقى بدر يوسف

    عضو جديد

  • الأعضاء
  • Pip
  • 3 المشاركات:

تاريخ المشاركة 21 April 2009 - 03:12 PM









اكتسبت التقسيمات الفنية فى الإبداع الروائى عند نجيب محفوظ أهمية خاصة فى تحديد مسارات هذا الإبداع خاصة بعد أن أنتهت مرحلة الرواية التاريخية عنده بصدور " عبث الأقدار " و " رادوبيس " وكفاح طيبة " وبدء مراحل جديدة للسرد الروائى عنده أخذت طريقها إلى الساحة مرتبطة بطبيعة التجربة والرؤية التى أراد لها أن تخرج بها، منذ القاهرة الجديدة ومرورا بهذه البانوراما الضخمة للسرد الروائى المتنامى شكلا ومضمونا خلال مسيرته الطويلة مع الفن الروائى العربى .
فكانت رواية المكان متمثلة فى العديد من النصوص أبرزها " خان الخليلى "، و " زقاق المدق "، ورواية الأجيال والمتمثلة فى " الثلاثية " بتنويعاتها المتدفقة فى المكان والزمان والشخصيات والقضايا والإشكاليات التى تحتويها، ثمة تقسيمات أخرى احتفى نجيب محفوظ فى أعماله الروائية منها تقنية تعدد الأصوات والرواة فى النص الروائى والتى بدأت برواية " ميرمار " عام 1967 وانتهت ب " أفراح القبة " عام 1981 ,
ولعل التصدى لأعمال نجيب محفوظ الروائية والقصصية كحالة خاصة من حالات السرد العربى الحديث، وإعادة تحليلها مرة أخرى بقراءات ورؤى نقدية متأنية، وإعادة إكتشاف هذا العالم الثرى لكاتبنا الكبير وما يكتنف عملية الصياغة الفنية لها من خلال قراءة تأويلية تشترك بحدسها ووعيها فى إعادة إكتشاف هذا العالم الفنى والفكرى عند نجيب محفوظ بغية الوقوف على ما لفت أنظار العالم إليه وجعل نوبل للأدب تستقر على صدر هذا الروائى المصرى الدؤوب، والتى كانت بلاغته وأدبيته تنبع أساسا من تجسيده لهموم الشارع المصرى، والحارة الشعبية بخصوصيتها وعبقها القديم، وبزخم التجربة والعلاقات الإنسانية المتشابكة التى أضاء نجيب محفوظ جوانبها الإجتماعية والسياسية، ووهج بحدسه الأدبى واقعية الحياة المتداخلة، والمتقاطعة بشرائحها النمطية المختلفة التى انتقاها بحسه التلقائى، وانتخبها بخبرته العميقة الطويلة، ونقلها من دائرة التسجيل إلى دائرة الفن، وحقق من خلالها هذه النقلة الحتمية للأدب العربى من دائرة المحلية العربية المحدودة إلى دائرة الآفاق العالمية الرحبة .
ولا أدرى ما الذى جعلنى أنتخب رواية " أفراح القبة " التى صدرت عام 1981 من كل هذه العوالم المتخيلة لكاتبنا الكبير ، وأن أحاول الغوص فى هذه المنطقة بالذات من مناطق الإبداع الروائى فى عالم نجيب محفوظ .
ربما لأن هذا النص بالذات كتبه نجيب محفوظ مستلهما فيه البحث عن المدينة الفاضلة وسط واقع مأزوم، ومهترئ، احتفى فيه أيضا بالمرأة فى صورتها الناصعة النقية التى قلما نجدها بهذه الصورة فى بقية أعماله الروائية الأخرى إلا من نماذج يسيرة للغاية .
أو لعل هذه الرواية لم تحظ بالمتابعة النقدية الكافية إلا من النذر اليسير الذى كتب عنها، فقد تناولها الناقد عبد الرحمن أبو عوف بدراسة متأنية بمجلة إبداع القاهرية عدد فبراير 1985 تحت عنوان " بعد الواقع وبعد الفن فى رواية أفراح القبة "، كما تناولها الأستاذ ثروت أباظة بمقالة افتتح بها مجلة القصة فى عددها الصادر فى يناير 1981 بعنوان " أفراح القبة قمة جديدة لنجيب محفوظ " . كما كتبت عنها أيضا الدكتورة فردوس عبد الحميد البهنساوى دراسة فى مجلة فصول فى عدد أبريل 1984 .
أو لعل هذه الرواية التى كانت صدى لتأثيرات نجيب محفوظ على بعض معاصريه ممن ساروا على دربه، والذى أرتد رجع هذا الصدى إليه فى مضمون هذه الرواية الذى جذبنى إليها، فقد عالج نفس الموضوع بأساليب لها خصوصيتها كل من سعد مكاوى فى روايته " شهيرة " 1959، ومحمد جلال فى روايته " حارة الطيب " 1961 . وهما من الأدباء الذين تأثروا تأثرا كبيرا بأعمال نجيب محفوظ، وقد أرتد البعد التأثيرى لهذين العملين عكسيا إلى قلب المسيرة الإبداعية لنجيب محفوظ فكانت رواية " أفراح القبة " وهو ما يفسر علميا بالتيار التأثيرى العكسى، بأن يؤثر الأديب فى بعض معاصريه فيرتد هذا التأثير عكسيا ويظهر واضحا فى أعماله الإبداعية المتأخرة .
البناء الفنى
تعد رواية " أفراح القبة " من الروايات الصوتية ذات الأبعاد والمدلولات الخاصة التى تعتمد على حكائية صوت الشخصية، وهى تتحدث بلغة المخاطب مثيرة بذلك نوعا من الجدل يأخذ بناصية الحديث ويجعله يتنامى ويتصاعد من خلال موقف الشخصية شيئا فشيئا والذى يصرح بخيوطه الأولى بحذر شديد مما يجعل المتلقى يشارك معه فى الإمساك بخيوط هذا الحدث، ومحاولة معايشته من خلال ممارسة الشخصية لطبيعتها على خريطة الواقع . وتعتبر صياغة الشخصية فى مثل هذا النوع من الروايات هو المحك الأساسى فى نجاح العمل، وفى إبراز الدال والمدلول الذى يسير ورائه الكاتب، وفى تحديد أبعاد الخط الرئيسى المكون لصلب الحدث . ويقول نجيب محفوظ عن سبب احتفائه بهذا النوع من الروايات والذى ظهر واضحا فى العديد من أعماله " ميرامار – المرايا – الكرنك – قلب الليل – حضرة المحترم " : أما عن أسباب تعلقى برواية الشخصيات فيرجع ذلك إلى الفسحة الرحيبة التى تتيحها لى عملية التجديد والتكرار فى اعادة صياغة شخصيات جديدة، ويمكنها أن تحمل صيغا ومدلولات وقيما تقعد الشخصية الواحدة عن الاحاطة بها، بل يستحيل أن تتجمع هذه الصياغة فى ذات انسانية واحدة نظرا لتضادها وتنافرها . ومن هنا كان اجتماعى على هذا النوع من الرواية الذى يتيح لى حرية الحوار والبناء والحركة، وينقل بجزئياته وخلفياته المتناثرة صورة الواقع " .
هذا ما توخاه تماما نجيب محفوظ وأتكأ عليه فى بناء رواية " أفراح القبة "، فليست هناك شخصية محورية بعينها تستأثر بمجريات الحدث، وتتولى هى عملية الصياغة الروائية من خلال همومها وطموحاتها وصراعها مع الشخصيات الأخرى المحيطة بها، والمشتركة معها فى نسيج الرواية وحدها، إنما هناك عدة شخصيات لكل منها أبعاد نفسية لها خصوصيتها، ولكل منها تركيبتها التى تختلف عن الأخرى، ولكل منها طبيعة تستند إليها فى جميع ممارساتها الحياتية، وهذه الشخصيات جميعها تشترك فى إثراء الحدث الرئيسى للرواية عن طريق تكرار موقف معين ينبع مما تعيشه كل شخصية فى ثنايا حكائيتها لمفهوم ما ترويه من وجهة نظرها، مع تضفيره بواقعها الحياتى والذى يكون سماتها الشخصية والموضوعية، والذى يكون أيضا هو المقدمة التى تسبق وقائع الحدث .
وقد استخدم نجيب محفوظ فى مثل هذا النوع من القص مستويات لغوية فى السرد والحوار، كانت عند كل شخصية من الشخصيات تبرز الصورة الفنية لما يجب أن تظهر عليه، مثل هذه الشخصية سواء كانت شخصية سلبية تتحرك داخل اطار ذاتها المأزومة سيكولوجيا، أو شخصية إيجابية تعايش الواقع وتتطور معه، وتساير الأحداث، ومجريات الأمور بكل ما تحويه من مدلولات ومغازى .
كما أن البيئة فى رواية " أفراح القبة " وهى البيئة الفنية .. وجو العاملين فى مجال المسرح كانت هى الأخرى من الشخصيات التى اعتمد عليها نجيب محفوظ فى تأطير الحدث، وهى سمة ارتبطت بأعماله منذ أعماله الروائية فى التاريخ القديم، مرورا بالقاهرة الجديدة والثلاثية والأعمال المتأخرة، كانت البيئة هى الشخصية المحورية إن جاز استعمال هذا التعبير عند الحديث عن الرواية الصوتية . فالشخصيات فى " أفراح القبة " جميعها تعمل فى مجال المسرح . وجميعها لها همومها الخاصة النابعة من تواجدها فى هذا الجو الذى صوره الكاتب وكأنه أشبه بالماخور . من خلال شخصيات متدنية هامشية من قاع المجتمع، وشخصيات أخرى برجوازية قفزت اجتماعيا لتستأثر بالتسلط والتحكم جسديا ونفسيا بكل من حولها من شخصيات وأمور اجتماعية .
الشخصيات
تنقسم الأصوات الروائية فى رواية " أفراح القبة " إلى أربعة أصوات رئيسية هى " طارق رمضان .. ممثل ثانونى – كرم يونس .. ملقن – حليمة الكبش .. عاملة تذاكر – عباس كرم يونس .. مؤلف مسرحى ناشئ "، هذه الأصوات التى تملئ تضاريس النص بهمومها، وممارساتها العامة والخاصة . والذى تتقابل عند نقطة واحدة هى الصراع بين بعضها البعض، والصراع النفسى الداخلى الذى يدور فى منطقة الطباع، من خلال الوقائع النفسية التى تعتمد على داخل الشخصية وتداعيات ممارساتها الذاتية . أما الأصوات المساعدة فى النص وهى أصوات خافتة إلى حد ما، تدور فى فلك الشخصيات الرئيسية وهى " سرحان الهلالى .. صاحب فرقة مسرحية – أم هانى .. خياطة الفرقة – عم أحمد برجل .. عامل البوفيه – فؤاد شلبى .. صحفى فنى " . وهى شخصيات مهمشة داخل النص، أشبه بالتوابع وإن كان دورها حيوى فى تأطير الدور الذى تقوم به الأصوات الرئيسية للرواية وتعميق أثرها فى خدمة الحدث الرئيسى .
وعلى النقيض، نجد ان الشخصيات التى استخدمها نجيب محفوظ فى النص تختلف اختلافا جوهريا وشكليا عما إلفناه من شخصياته التى استخدمها فى أعماله السابقة والتى تنتسب فى غالبيتها إلى فئات ومراتب الطبقة المتوسطة من تجار وموظفين وطلبة وحرفيين وهى شخصيات نابعة أساسا من البيئة التى كان يعايشها نجيب محفوظ فى حى الجمالية، حى التجار والحرف الشعبية . باستثناء " ميرامار " و " السمان والخريف " الذى استخدم لهما شخصيات نمطية عامة تمثل مجتمع الأشتراكية المتناقضة فى مرحلة من مراحلها المتدنية، والتى تواجدوا فى بنسيون " ميرامار " وعلى شواطئ الإسكندرية .
طارق رمضان
شخصية محيرة ومدمرة فى نفس الوقت، يعمل ممثلا ثانويا فى فرقة سرحان الهلالى المسرحية، ويحمل كما كبيرا من الحقد لعباس كرم يونس مؤلف المسرحية التى يعمل بها، وهى مسرحية " أفراح القبة "، يحاول طارق رمضان استخدام موضوع المسرحية لإتهام عباس يونس بالقتل، ويحاول أن يؤلب عليه أبيه كرم يونس، وأمه حليمة الكبش بأن أبنهما عباس هو السبب فى الزج بهما فى السجن بعد أن وشى بهما لدى الشرطة لإقامتهما صالة للقمار بمنزلهما .
من خلال شخصية طارق رمضان نستطيع أن نتعرف على البيئة التى يتحرك خلالها الحدث منذ أن بدأ طارق رمضان خطابه الروائى، وتحركه داخل النص . نحن فى مطلع الخريف .. والخريف له دلالة خاصة عند الشخصية .. دلالة التحول تحو الشيخوخة، ونحو العجز . ونحن أمام بروفة مسرحية " أفراح القبة " التى كتبها عباس كرم يونس العدو اللدود لطارق رمضان .. والذى انتزع منه عشيقته " تحية " وتزوجها بسبب هذا الخريف الذى بدأ يزحف نحو طارق فى هذا الوقت .
صوت طارق رمضان يصرخ بالإتهام ويتحدد من وقائع المسرحية دليل إتهام ضد عباس بأنه قتل تحية وابنها طاهر . هكذا تشير أحداث المسرحية، وهكذا تقول الدلائل . أن هذا الصوت الملئ بالكراهية والحقد ليس لديه دليل مادى واحد سوى مضمون نص المسرحية التى كتبها عباس والذى يتواءم موضوعها وأحداثها مع واقع حياته مع أمه وأبيه، وكل الممارسات التى عاشتها أسرته بدئا من سكنى طارق رمضان لديهم وحتى سجن أبيه وأمه وموت تحية وأبنهما عند خروج أبويه من السجن . لذا فإنه يحاول بشتى الطرق أن يلف حبل المشنقة حول رقبة عباس باتهامه هذا . يزور أبويه فى المقلى التى أقامها لهما ابنهما مكان المنظرة فى منزلهما بباب الشعرية . ويحاول أن يثبت أن ابنهما قاتل وحقير وعاق لأبويه . حتى إنه يتحرش بعباس عندما وجده يوما وحيدا فى منزله، ويتهمه بإنه قاتل محترف . ويتعرض لغضب سرحان الهلالى لأنه لا يتفرغ لعمله المسرحى، ويحاول أن يقيم نفسه محققا فى هذا الموضوع . يسمع عن اختفائ عباس . ثم أخبار انتحاره فيزداد لديه الشك فى جريمته .
لقد كانت كراهية طارق رمضان لعباس كراهية عميقة استمدت أصولها من هذا العجز الذى أطاح برجولة طارق، حين وجد تلميذا صغيرا ينتزع منه تحية التى كان يعتبرها كالحذاء المطيع فإذا بها تطّوح به بعيدا وتتزوج عباس . لم يكن يعرف انه يحب تحية إلى هذا الدرجة إلا بعد أن افتقدها تمام . " : عندما رأيت النعش يتهادى من مدخل العمارة .. اجتاح جوفى فراغ مخيف، تمادى حتى لفظنى فى العدم . هجم على البكاء هجمة غادرة فأجهشت . الصوت الوحيد الذى أثار المشيعين . حتى عباس كان جاف العينين . رجعت فى سيارة سرحان الهلالى . قال لى : عندما سمعت بكاءك .. عندما رأيت منظرك .. كدت انفجر ضاحكا لولا ستر الله .
قلت باقتضاب : كان مفاجأة لى أيضا .
لقد كان صوت شخصية طارق رمضان حادا إلى أبعد الحدو، مليئا بالانتقام، مفعما بالكره، كما أنه كان يستأنس بباقى الأصوات الهامشية لأنها على شاكلته . متدنية إلى أبعد الحدود هى الأخرى . افقدها الأفيون والكيف صوابها، فملأت المجتمع كراهية وحقدا وجعلته كالماخور الكبير .
وقد نجح نجيب محفوظ فى أن يسبر غور شخصية " طارق رمضان " وأن يجعل صوت هذه الشخصية يسير فى خطوط متعرجة مع باقى أصوات الشخصيات الأخرى فى الرواية بحيث حقق من خلالها أحد الأسس الأرسطية فى الدراما وهو البداية . كان صوت طارق رمضان هو بداية الحبكة القصصية فى رواية " أفراح القبة " .
كرم يونس
" كرم يونس " هو الصوت الثانى فى الرواية، شخصية سلبية، تجتر نذر الخريف هى الأخرى، هو يعرف البيئة التى يعيش فيها جيدا، لذلك فهو يوائم نفسه معها . حين تغترف من اللذة فهو معها، يبيح لها المحارم، ويغض النظر عما وجد نفسه فيه، وحين تتناول الأفيون يشاركها حفلاتها وجلساتها الخاصة، وحين تتطلع إلى المال يجهز لها موائد القمار فى منزله بين زوجته وأبنه، غير آبه بحرمة المنزل ولا بالحفاظ على ماء الوجه . وحين يتطلع إلى المال، لا يتورع فى أن يستخدم مسكنه سكنا للشخصيات المشبوهة، والمشابهة له فى الشكل والسلوك، شخصية رامزة تماما إلى عفن الحياة وتهرئها، وإلى نمط معروف يتواجد بكثرة فى جنبات المجتمع، يتحين الفرصة إلى القمة، وإذا واتته فالويل كل الويل لمن حوله .
تتناول شخصية كرم يونس خيوط الحدث من خلال نفس الموقف الذى عايشته شخصية طارق رمضان أثناء ممارسته لكراهية عباس، ومحاولته الدؤوبة فى تدميره فى كل مكان تتواجد ظلال عباس فيه " فى المسرح – فى المنزل – فى خواطره " . تبدأ الصورة الفنية للتعبير من خلال الصوت الثانى للرواية والذى يهمس بهاجسه الذاتى، ويرتفع إلى مرحلة الأعترافات . يزور طارق رمضان كرم يونس وزوجته حليمة فى المقلى، ويستقبله كرم يونس بامتعاض شديد . ومن خلال صوت الشخصية يبدأ الحوار بين الثلاثة " طارق رمضان يحاول الدس لعباس لدى والديه .. الأب كرم يونس يرفض أقوال طارق رمضان، وإن كان يتسرب إلى صدره بعض الشك .. الأم تكذب الأقوال كلي’ .. الأب يحكم العقل فيما يقول وفيما يقال .. بينما الأم تستخدم العاطفة فى تكذيب افتراءات طارق رمضان عن أبنها . تبدو شخصية كرم يونس هنا كاملة " : غصت فى بئر لا يمكن أن يجئ من آخر الدنيا ليلقى بأكاذيب يسير كشفها . إنه وغد ولكنه أحمق . لا قدرة لى على الإنفراد بوساوسى . نظرت نحو المرأة فالتقيت بعينيها تنظران نحوى . إننا غريبان يجمعهما بيت قديم . لولا اشفاقى من إغضاب عباس لطلقتها . عباس وحده الذى يجعل للحياة المرة طعما مقبولا . إنه الأمل الباقى " .
يحاول كرم أن يتصل بإبنه بعد أن ترك منزل الأسرة فى باب الشعرية ولكنه لم يجده . لقد اختفى عباس ولا يعرف عنه أحد شيئا . ويحاول كرم البحث عن الحقيقة ( تماما كما تفعل معظم شخصيات نجيب محفوظ )، البحث عن الخلاص، والبحث عن الذات الغائبة، والحقيقة المبهمة الغامضة . يتصل بسرحان الهلالى ويسأله عما سمعه عن المسرحية . ولكن سرحان الهلالى من منطق صاحب الفرقة الحريص على أمواله وعلى عمله بدد مخاوفه . وخرج من مسرح سرحان الهلالى وقد زادت مخاوفه وقنوطه " : انتهت المقابلة . غادرته وأنا أنوء بإحتقارى للجنس البشرى . ولا أحد يحبنى ولا أحب أحدا . حتى عباس لا أحبه وإن تعلق به أملى .. الغادر القاتل . ولكن فيم ألومه وأنا مثله ؟ لقد تقشر الطلاء فتجلى على حقيقته الموروثة عن أبيه . الحقيقة المعبودة فى هذا الزمان التى توشك أن تعلن ذاتها بلا نفاق " . إن تجمع الصراع فى بؤرة المتناقضات فى هذه الجزئية من النص يعيد إلى الأذهان صراعات أخرى متعددة أحتفى بها نجيب محفوظ فى بعض أعماله السابقة بحيث أن أيقاع هذا الصراع يتراكم دائما ليفجر معنى المأساة فى كثير من هذه الأعمال " الثلاثية "، " القاهرة الجديدة "، " الطريق "، " الشحاذ "، " ثرثرة فوق النيل " " الحرافيش " .
لقد عبرت شخصية كرم يونس عن المعادل الموضوعى الحقيقى الذى جسده نجيب محفوظ فى رواية " أفراح القبة " من خلال هذه الشخصية وهو البحث عن الهوية الذاتية من خلال بحثه عن أبنه عباس الذى يمثل بالنسبة له ولحليمة الكبش زوجته ما افتقدوه على المستوى الواقعى والرمزى من نقاء وخير وجمال . لقد ألزم نجيب محفوظ نفسه بصيغة فينة لها خصوصيتها يدور فيها البطل فى دروب الشك والبحث عن مصادر الحياة الحقيقية، ويطول بحثه وحيرته، فلما يوشك على السقوط فى منطقة الإعياء، إذا بالنور يلوح له، وإذا هو يمد يده إليه ليقربه إلى هدفه وبغيته . لقد بحث كرم يونس عن بقية من بقايا نفسه بدلالتها الإنسانية فى شخص أبنه عباس، كما بحث سيد سيد الرحيمى عن أبيه فى " الطريق "، وكما بحث عيسى الدباغ عن ذاتيته النقية فى ابنته من " ريرى " فى " السمان والخريف "، وكما بحث " كمال " عن هويته الذاتية فى " الثلاثية "، وكما بحث " عمر " عن ذاتيته وسط الإحباطات وتأزمات الواقع فى " الشحاذ " . لقد كانت جميع ممارسات كرم يونس مستمدة من تأثير المخدرات والغريزة واستسلامه لواقعه العفن منذ اكتشف علاقة أمه بالبشجاويش الذى كان يسكن منزلهم، وحتى اكتشافه سقوط زوجته، لقد بحث وسط هذا الركام والزخم المتهرئ المزيف عن بقعة ضوء أو بصيص ضعيف من النقاء يتشبث به إلا فى أبنه عباس الذى كانت تؤرقه وتزعجه سلوكياته المتناقضة وممارسته المتدنية التى دفع ثمنها من حريته .
حليمة الكبش
" حليمة الكبش " هى الصوت الثالث فى النص .. صوت نسائى تبدو فيه سمات بعض شخوص نجيب محفوظ النسائية التى تواجدت فى أعماله السابقة " نفيسة " فى " بداية ونهاية "، " حميدة " فى " زقاق المدق "، " ريرى " فى " السمان والخريف "، " نور " فى " اللص والكلاب "، " كريمة " فى " الطريق " . هى تأخذ من كل هذه الشخصيات بعض من نوازعها الذاتية التى تتبدى سيكلوجيا فى سلوكها كأم وامرأة مغتصبة، وكرمز للأسرة، وكباحثة عن الأمن والأمان العائلى لها ولأسرتها فى هذا الجو العفن المزيف .
وتعبر حليمة الكبش عن نفسها من خلال إجترارها لذكريات عايشتها على مستوى الواقع والخيال . فهى الزوجة التى شاركت زوجها عمله بكل ما يحتويه من ممارسات عفنة، بمنتهى الرضا حتى يدخلا السجن معا . وهى على الرغم من تبعيتها العمياء له . إلا أنها تكّن له بغضا نشأ نتيجة اكتشافها لشخصيته المتدنية المتهرئة، وأنانيته المفرطة، وإدمانه الأفيون واستحواذه على تبعيتها له، وهامشيتها للحياة العائلية، واستحواذه أيضا على حظها وقدرها وحريتها الأنثوية، وتلاعبه بأمنها وآمانها من خلال إنغماسه الكلى فى عالمه الخاص " : وكم أشعر بالتعاسة وأنا أنظف البيت القديم الكريه أو أعد الطعام . كيف قضى على بهذه الحياة ؟ كنت جميلة ومثالا للتقوى والأدب .. الحظ .. الحظ .. منذا يدلنّى على معنى الحظ " .
وهى الأم التى ترفض تماما أى شئ يلوث سمعة ابنها، أو يقترب من عالمه الخاص، حتى الاتهام بالعقوق الذى كان طارق رمضان يحاول أن يبذره لها بأنه هو الذى زج بها و بزوجها إلى السجن، ترفضه هو الآخر، وتحاول بشتى الطرق أن تدافع عنه بكل ما تملك .
وهى المرأة التى يحوم حولها الذباب فتسقط تارة فى شباكه العنكبوتية ، وترفض تارة أخرى التردى إلى مراحل أبعد من مراحل السقوط .
وهى الأبنة التى تبحث لنفسها عن فرصة التعليم، ولكن ظروف العائلة، وموت العائل يدفع بها إلى الحياة بغوائلها، ورزائلها لتسد رمق الأسرة الفقيرة، فتندفع فى تيار الحياة حتى تسقط، ولكنه سقوط مؤقت أملته الظروف، ولكنه ليس فى الطبيعة، بل ضدها على طول الخط .
إن عنصر الإنسانية فى شخصية حليمة الكبش عنصر عميق يستمد خطوطه العريضة من ممارستها الحياتية الدرامية التى ينجم عنها الصدام مع الشخوص الأخرى من خلال ضعفها وقلة حيلتها . وهو عنصر تواجد كثيرا فى أعمال نجيب محفوظ، بحيث يلمح المتعمق لعوالمه الروائية ثمة شبها كبيرا بين شخصية "حليمة الكبش " فى " أفراح القبة " وبين شخصيات نمطية أخرى ظهرت فى العديد من أعماله الروائية الأخرى . بل أن هناك شبها كبيرا بين شخوص الحارة المصرية، وبعض الشخوص فى الأدب العالمى، على الرغم من التناقض البيئى، إلا أن الملامح الإنسانية واحدة . وقد كان نجيب محفوظ باصالته وحسه الأدبى والبلاغى والأسلوبى يمنح كل شخصية من شخصياته ملامحها الدقيقة الخاصة التى تغلف ذاتها وتدفع بإطارها الفكرى والدلالى إلى دائرة الرؤية الذى يريد التعبير عنها .
إن من يتعمق فى شخصية " حليمة الكبش " أو أى شخصية نسائية عند نجيب محفوظ يجد نفسه أمام طبيعة بشرية تتشابه كثيرا مع شخصيات مثل " مدام بوفارى " لفلوبير، و " جوستين " للورانس داريل، " الأم الشجاعة " لبريخت، " لوليتا " لنوباكوف ، وغيرها من الشخصيات الذى خلدها الأدب العالمى، وإن اختلفت البيئة أو محور الحدث، إلا أن النفس البشرية تكاد تكون واحدة فى السلوك والتوجه والممارسات التى تعايشها الشخصية، إلا أن الرؤية والحدث وهما الثابت والمتغير فى نفس الوقت تبعا لإختلاف التناول من أديب لآخر .
إن " حليمة الكبش " هى جماع التناقضات فى مجتمع رواية " أفراح القبة "، وقد صورها نجيب محفوظ بحيث احتفى أن يكون صوتها الروائى معبرا عن الشعور البشرى الذى ينفصل فى لحظات الأزمة .. ولحظات الإنفراج . فقد كانت حليمة تبحث لأبنها عباس عن حاضره المضئ وسط بؤرة شديدة التركيز من التردى والتهرئ، وهى حين تعرف أن مسرحيته " أفراح القبة " قد قبلت، تتوهج أحلامها وترتد إلى شبابها طفرة واحدة وسط ما تعانيه مع أبيه من حاضر مزرى " : لقد أنطلقت من صدرى ضحكة كاللؤلؤة لم تترنم فيه منذ الشباب الأول، حتى أبوه تهلل وجهه، ما دخله فى الأمر، لا أدرى .. لقد كرهته كم كرهتنى .. حسن .. ها هو يستوى مؤلفا لا خرافة كما توهمت . طالما عددت مثاليته سفاهة ولكن الخير ينتصر " .
وقد أجاد نجيب محفوظ فى تصويره لشخصية " حليمة الكبش " بأن فجر المفارقة المأسوية لهذه الشخصية حين تصدم " حليمة الكبش " برؤية واقعها المزرى، بل والمفرط فى الإبتذال حين صوره أبنها المؤلف المسرحى الناشئ فى أول مسرحية له على خشبة المسرح، فيراه الجميع، ويصفق له، بينما هى قلبها يدمى لإتهام فلذة كبدها الصريح لها وإدانته لها كأم وزوجة وامرأة " : سرعان ما رأيت البيت القديم ترفع عنه الستارة تتابعت الأحداث . تجسدت أمام عينى عذابات حياتى . تجسدت بعد أن لم يبق منها إلا رواسب الأنين . وجدتنى مرة أخرى فى جحيم . وأدنت نفسى كما لم إدنها من قبل . قلت هنا كان على أن أهجره . هنا كان يجب أن أرفض . لم أعد كما كنت فى ظنى الضحية . ولكن ما هذا الجحيم الجديد ؟ ما هذا الطوفان من الجرائم التى لم يدر بها أحد ؟ وما هذه الصورة الغريبة التى يصورنى فيها ؟ أهذا حقا هو رأيه فىّ ؟ ما هذا يا بنى ؟ أنك تجهل أمك أكثر مما يجهلها أبوك وتظلمها أكثر منه . وهل اعترضت على زواجك من تحية بدافع الأنانية والغيرة ؟ أى غيرة وأى أنانية ؟ لا .. لا .. إنه الجحيم نفسه . انك تكاد تجعل من أبيك ضحية لى . أبوك لم يكن ضحية لشئ سوى أمه هذه صورة جدتك لا أمك . ترانى عاهرة محترفة وقوادة ؟ ترانى القوادة التى ساقت زوجتك إلى السائح طمعا فى نقوده ؟ أهو خيال أم جحيم ؟ انك تقتلنى يا عباس . لقد جعلت منى شيطان مسرحيتك .. والناس يصفقون .. الناس يصفقون " .
عباس كرم يونس
الصوت الأخير فى النص، وهو الصوت الذى تنداح عنه ذروة الحدث، وتنكشف عنه خيوط الحقيقة التى كان يرددها طارق رمضان، ويستجيب لها كرم يونس، وترفضها حليمة الكبش . لقد حقق نجيب محفوظ من خلال شخصياته الأربعة نظرية أرسطو للدراما على الرغم من اتخاذه شكل الرواية الصوتية بناء للأحداث . فقد حددت شخصية طارق رمضان ملامح الحدث، ووضعتنا أمام بداية الحبكة القصصية التى بدأت خطوطها تتضح من خلال الفعل النفسى الذى يمارسه طارق رمضان، ثم تنامى الحدث من خلال شخصيتى كرم يونس، وحليمة الكبش عندما وجدنا أنفسنا أمام شخصيتين متناقضتين على الرغم من ارتباطهما العاطفى حيث بلغت ممارستهما مع بقية الشخصيات حد الذروة، ثم جاءت شخصية عباس كرم يونس لتحقق نهاية الحدث وتضع النقط على الحروف، وتحيل الرؤية التى كنا نبحث عنها من خلال السطور إلى وضوح تام .
لقد صور نجيب محفوظ فى شخصية عباس أبعاد المثالية الذاتية التى تتصارع داخليا وتفرز فنا يدين الواقع المعاش، وتتبعها منذ نشأتها حتى بلوغ نضجها الفكرى والفنى بإضفاء سلوكيات رومانسية تفاعلت مع واقعها مما أدى إلى إثراء الحدث بالعديد من المفارقات والعقد المبرزة والكاشفة للعواطف الإنسانية، كما انه أهتم من خلال شخصية عباس أيضا بالبعد الرمزى الذى كثيرا ما احتفى به فى أعماله حتى الواقعية منها، وهو البعد الذى يبدو من وراء السطور ليدين به الواقع أيضا، لقد كانت شخصية عباس منذ نشأتها فى بيت حليمة الكبش تنبت وتنمو من خلال المثالية الفردية . فبيئة ليس فيها أى نوع من المثالية على وجه الإطلاق، وهو بذلك أيضا واقعه الذى يوجد نفسه فيه، ووجد فيه أمه وأباه، ووجد مجتمع الفن الذى نشأ فى أحضانه طفلا صغيرا بما يحتويه من تراكمات متدنية . فحقق من خلال الفن إدانته لكل الممارسات التى كانت تدوم حوله فى جميع الجهات، فى المسرح عالمه الأثير، وفى الشوارع، حتى فى أعز مكان لديه، فى بيته، لقد استل عباس من خلال مثاليته المفرطة قلمه الناشئ، وكتب به مسرحية " أفراح القبة "، والتى اسقط منها نجيب محفوظ أبعادها الرمزية على الواقع الفنى المعاش . وقد استخدم اسلوب المفارقة هنا بمهارة، حين أبرز مفارقة إدانة عباس لمجتمعه بإدانة هذا المجتمع لعباس نفسه واتهامه بقتل زوجته، لقد كتب عباس مسرحيته ليدين بها المجتمع، فاذا بالمجتمع متمثلا فى شخصية طارق رمضان يتهمه بأنه هو القاتل والدليل على ذلك هى المسرحية نفسها الذى كتبها بعاس ليدين بها المجتمع والواقع العام والخاص .
ولعل شخصية عباس المتنامية، والتى تطورت وتنامت مع صراعات وأحداث مجتمعه . فاجأت الجميع بهذا العمل الفنى الذى قبله " سرحان الهلالى " على الفور ليقدمه على خشبة المسرح . لا ليدين به المجتمع هو الآخر . ولكن ليحقق من خلاله مكسبا ومغنما هو أحوج إليه على الصعيد المادى . وقد أتى نجيب محفوظ بشخصية منفردة فى نهاية الرواية ليعزو إليها الجوانب الإيجابية والعواطف الإنسانية النقية المعقدة . وإن كان لم يوفق فى جزئية تصويره لزواج عباس من تحية . فلم تبرز هذه المنطقة من الرواية، حتى لنشعر من خلالها بخلل فى توازن الإيقاع الروائى عند أحد الشخصيات الهامة فى العمل .
ولعل الصفات التى تحلى بها عباس والتى قدمها نجيب محفوظ مناقضة تماما للشخصيات الأخرى تدعو إلى التساؤل حول النزعة السلوكية التى ارتبطت بها شخصية عباس، طبيعة الحدث الذى شكل منه نجيب محفوظ محور الرواية . لقد بدا عباس رومانسيا فى ممارسته، مثاليا فى نشأته، وكانت العلاقة بينه وبين مجتمعه علاقة منفصلة تماما، فإمه وأبوه يعيشان واقعهما من خلال المادية والنفعية المتدنية، أما عباس فيعيش عالمه الخاص . فى برج عاجى شكله بنفسه من خلال الكتاب، ورؤية المسرح والمثالية المدرسية . لذا فإن سلوكياته جاءت متناقضة تماما مع المجتمع المحيط به . وحين قدر له أن يصطدم بواقعه ويحيل هذا الصدام إلى فن من خلال المسرحية التى كتبها، وأدان فيها الجميع وعلى رأسهم أمه وأبوه . جاءه رد الفعل من المجتمع المتهرئ ، بإتهامه بانه قاتل وعاق . وكان هذا الإتهام شديد التأثير على حساسية عباس لدرجة انه لم يظهر للجميع .. وكتب لهم بانتحاره ثم اختفى تماما . كما فعل " عاشور الناجى " حين اختفى واختفت معه ابنته الفاضلة التى صنعها بفتوته وقوته للخير والجمال والعدالة . اختفى عباس لأنه اصطدم بواقع متهرئ عفن ولم يستطع أن يواجهه لطبيعة فى النفس . فأثر أن ينسحب إلى عالم آخر يستطيع فيه أن يحقق ما لم يستطع أن يحققه فى عالمه الذى نشأ فيه .
المعادل الموضوعى والخروج من النص
إن وقائع رواية " أفراح القبة " وقائع تثير الدهشة، كما أن ممارسات الشخصيات فى هذه الرواية تثير السخرية، وتثير الجدل هى الأخرى، ولعل المعادل الموضوعى الذى تثيره هذه الرواية هى الإدانة المرة لمجتمع الفن، والإدانة المطلقة للمجتمع كله . إن شخصيات طارق رمضان وكرم يونس وحليمة الكبش وعباس كرم يونس وهى الأصوات التى قامت على عاتقها الرواية، وهى الشخصيات التى دار بينها محور الصراع، كما أنها هى الشخصيات أيضا التى كانت محلا للرواة، وهى الحدث فى نفس الوقت . ولعل الجدل العمبق بين شخوص النص، والصراع الفكرى والذاتى بين طموحاتها ذات الدلالة الرمزية والتى عن واقعها الخاص من خلال اسقاطات واضحة على الواقع العام للمجتمع هى الذى أراده نجيب محفوظ ليعبر به عن كنه احساسه نحو مجتمع هو عايشه بالدرجة الأولى واصطدم بشخوصه، وأطل داخله، وعرف وخبر كل مكوناته، فكان هذا النسيج الروائى ذى الرؤية المحددة والمطلقة . ولعل الرؤية التى اتكأ عليها نجيب محفوظ فى استخدامه لعناصر الصوت الروائى للتعبير عن الحدث العام هى التى جسدت معنى هذه الجدلية التى أتى بها من خلال الشخصيات الحية التى تكرر عندها الحدث أكثر من مرة ولكن لم تتكرر الطبيعة ولا الممارسات . فالعلاقة بين طارق رمضان وعباس كرم يونس هى علاقة مهدت لحوار استهله طارق رمضان حول المسرحية التى سيضطلع ببطولتها لأول مرة على خشبة المسرح . انه يريدها مستند واقع للإتهام ضد عباس بقتل زوجته التى كانت عشيقة طارق رمضان . لقد كان منطق الجدل حول هذا الموضوع هو محور الاستهلال الروائى أو البداية الأرسطية التى بدأت بها أحداث الرواية . والعلاقة بين كرم يونس و زوجته تبدو جدليتها من خلال العواطف الباردة المتواجدة داخلهما والتى توحدت عندما اختفى ابنها عباس . فكان لزاما أن تستثار فيهما العواطف، وأن تتقارب الأحاسيس بعض الشئ، ويبحث كل منهما عن الآخر فى شخص عباس الذى بدأ البحث عنه فى كل مكان حتى فى الأماكن التى تحمل ذكريات بغيضة إلى النفس .
إن الرواية عمل تحكّمى يأتى معه بسلسلة من الآثار التحكمية، وإن الفن هو استخدام أقل حجم ممكن من الحياة الخارجية من أجل بعث أعنف حركة ممكنة فى الحياة الداخلية، فليست مهمة الروائى أن يقص علينا أحداثا عظيمة، بل أن يجعل الأحداث الصغيرة ذات مغزى وحيوية مثيرة للأهتمام . وهذا ما فعله نجيب محفوظ فى رواية " أفراح القبة " وفى رحلته الروائية على اطلاقها . وهذا هو ما جعل نجيب محفوظ يتربع على عرش الرواية العربية، وأن تخرج أعماله إلى العالمية من خلال النظرة الموضوعية إلى قمة من قمم الأدب العربى المعاصر .


#2 شريف صالح

شريف صالح

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 3783 المشاركات:

تاريخ المشاركة 21 April 2009 - 04:43 PM

اشكرك أستاذ شوقي يوسف

على هذا الجهد الطيب........."المطول" wink.gif

أمور كثيرة تحتاج إلى مراجعة في إبداع محفوظ، هذه نقطة أتفق معك فيها تماما
..........................
لا أدري لماذا لم تشر لدراستك تحت مصطلح شائع هو "تعدد الأصوات".. بدلا من "الراوية الصوتية" التي تحمل إيحاءات ملتبسة، الايقاع مثلا
...................................
لبكل تواضع لا أتفق مع التقسيمات الذائعة ( وغير الدقيقة) عن المراحل الفنية في مسيرة محفوظ والتي تذكرني بطريقتنا التقليدية في دارسة الشعر العربي.
فمثلا أنت تعتبر "زقاق المدق:" رواية مكان.. و"الثلاثية" رواية أجيال.. فهل هي لا تصلح رواية مكان؟
...............
دمت بخير

#3 سمير الفيل

سمير الفيل

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 9230 المشاركات:

تاريخ المشاركة 21 April 2009 - 05:57 PM

(شوقى بدر يوسف @ 21-04-2009, 04:12 pm) عرض المشاركة

إن الرواية عمل تحكّمى يأتى معه بسلسلة من الآثار التحكمية، وإن الفن هو استخدام أقل حجم ممكن من الحياة الخارجية من أجل بعث أعنف حركة ممكنة فى الحياة الداخلية، فليست مهمة الروائى أن يقص علينا أحداثا عظيمة، بل أن يجعل الأحداث الصغيرة ذات مغزى وحيوية مثيرة للأهتمام . وهذا ما فعله نجيب محفوظ فى رواية " أفراح القبة " وفى رحلته الروائية على اطلاقها . وهذا هو ما جعل نجيب محفوظ يتربع على عرش الرواية العربية، وأن تخرج أعماله إلى العالمية من خلال النظرة الموضوعية إلى قمة من قمم الأدب العربى المعاصر .


دراسة في غاية الروعة أستاذ شوقي

استمتعت بها كثيرا ..

نتمنى الا تحرمنا من مساهماتك النقدية الجادة

................

شكرا لك.



سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/





0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين