ذهاب للمحتوى


صورة

عبد المنعم عواد يوسف: الرؤية والفن


  • Please log in to reply
7 replies to this topic

#1 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 02 December 2004 - 12:20 PM

نشرت هذه الدراسة في مقدمة الأعمال الكاملة (الجزء الثاني) لعبد المنعم عواد يوسف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شعر عبد المنعم عواد يوسف
الرؤية والأداة

بقلم:أ.د. حسين علي محمد

(القسم الأول)
الشاعر عبد المنعم عواد يوسف (1933- … ) واحد من الشعراء الذين أسسوا لقصيدة شعر التفعيلة في الشعر العربي المعاصر، وهو مع كوكبة من زملائه: صلاح عبد الصبور، وكمال نشأت، وكامل أيوب، ومجاهد عبد المنعم مجاهد، وعبد الرحمن الشرقاوي، ومحمد مهران السيد … وغيرهم، كانوا الصوت المصري الأصيل في سيمفونية الشعر الجديد في العالم العربي.
وفي هذه القراءة التي نُقدِّم بها المجلد الثاني من أعماله الكاملة، نتوقف أمام بعض ملامح شعره الموضوعية والفنية.
ملامح موضوعية
تكشف أشعار عبد المنعم عواد يوسف المبكرة عن انتمائه للطبقات الكادحة التي تحلم بالحياة الكريمة، وإذا كان شعراء الأجيال السابقة ـ مثل حافظ إبراهيم وأحمد الزين ومعروف الرصافي ـ دعَوْا في شعرهم الاجتماعي إلى "العطف" على الفقراء والمُحتاجين والأرامل، فإن الرؤية الاجتماعية في شعر روّاد شعر التفعيلة ـ وعلى رأسهم عبد المنعم عوَاد يوسف ـ جعلتهم يكتبون عن مُعاناة بعض طوائف المجتمع، كالفلاًحين الفقراء. لكنهم لم يكتبوا من الخارج، إنما استبطنوا مُعاناتهم، وجعلوا الصّامتين يتكلمون ـ حتى لا يظل الشعراء يتكلمون بدلاً منهم ـ ومن ذلك ما كتبه عبد المنعم عوَاد يوسف في قصيدته "الكادحون"، على لسان أحد الكادحين من الفلاحين الأُجراء، الذين لا يمتلكون الأرض التي يزرعونها، والذين يغرسون القمح، ويقتاتون الطين!
يقول في المقطع الأول مصوِّراً عودة الفلاحين الفقراء من حقولهم عند مغيب الشمس، وهو يُحسون إحساساً طاغيا بالذل الذي يُحاصرهم، والهموم التي تجثم فوق قلوبهم:
الكادحونْ
عادوا إلى أكواخهمْ عندَ المغيبْ
يتعاقبونْ
عادوا، وفي نواظرهمْ ذلُّ السنينْ
عادوا، وبيْنَ ضُلوعهمْ همٌّ دفينْ
يتتابعونْ
والبؤسُ يبدو في اختلاجات العيونْ
وفي المقطع الثاني يقول إنه واحد من هؤلاء الذين توارثوا الذل ابناً عن أبٍ عن جد، وأنهم يغرسون الحقل قمحاً، ويأكلون الطين!!
وأنا أعودْ
متكاسلاً مثلي كمثلِ العائدينْ
الراكنينَ لذلِّهمْ، مستسْلمينْ
مثل الجدودْ
كانوا كذلكَ مثلَنا مستعْبدينْ
القمْحُ غرسهمو ..
ويقتاتونَ طينْ
جيفٌ ودودْ
السوْطُ يُلهبُهمْ، فلا يتكلَّمونْ!
وإذا كان الشاعر قد عبَّر في بواكيره عن أزمة مجتمعه، فإننا نراه في مراحل أخرى من حياته الشعرية حزيناً؛ لأنه لم يجد الطريق مهيئاً أمامه للشدو؛ فقد انكسر الشاعر المُعاصر أمام هذه المدينة الغليظة، الصخرية القلب، التي يضطر فيها الشاعر أن يسير مغمض العينين، حتى لا يرى ما يسوؤه:
أسيرُ في الطريقِ مُغمض العينين
أُودِّعُ التفكيرَ عندَ بابِ دارِنا
وأتركُ الشعورَ في سكونِ منزلي الصَّغيرْ
يا ويْلَهُ منْ كانَ واسعَ العيْنيْنِ في زمانْنا
يا ويْلَهُ منْ كانَ نابغاً ذكيا
يا ويْلَهُ منْ كانَ مُرْهَفَ الشعورْ
لعله ـ كالشعراء الرومانسيين ـ رأى موت البراءة في عالمنا الذي تتنازعه الصراعات المسلحة والأحقاد، ومن ثم تقوده هذه الرؤيا الفاجعة إلى ضفاف الحزن.
يقول في قصيدة "هاملت يموت أبدا" متحدثا عن اغتيال البراءة في عالمنا:
لأنَّ في زمانِنا الأطفالَ يولدونَ ميْتينْ
ويرضعون الموتَ كلَّ يومْ
فينشأون ميّتينْ
ويكبرون ميْتينْ
يملؤنا التوقُّعُ الحزينْ
… ومن ثمّ يهجو صاحبنا عصره، لأنه يرى الناس يقتتلون فيه بلا سبب، وتنشب بينهم النزاعات والصراعات التي تستعر لمدد طويلة، ويطول حزنه إذا اشتعل الصراع بين العرب، فأزهق الأرواح، وأهرق الدماء التي حرّمها الله!
يقول في المقطع الأول من قصيدة "هجائيات" (وواضح أنه كتبها بعد اشتعال الحرب اللبنانية ـ اللبنانية، وبعد تفرق العرب وابتعادهم عن مصر حينما قام الرئيس الراحل بمبادرة الصلح مع إسرائيل عام 1977، فالقصيدة تحمل تاريخ كتابتها: 1980م):
أتقتلونَ بعْضَكمْ بلا سببْ
وتنْتقونَ للَّهيبِ أجْودَ الحطبْ
وكلُّكمْ يظنُّ نفسَهُ محمَّداً ..
وكلُّكمْ أبو لَهَبْ
وتدَّعونَ أنَّكمْ عَرَبْ
إنْ كانَ منْ أراهمو أمامَ ناظري عَرَبْ ..
فقدْ كَفَرْتُ بالعَرَبْ
أجلْ .. كَفَرْتُ بالعَرَبْ
دَمُ الشَّهيدِ لمْ يَزَلْ
على الدروبِ يصْطَخِبْ
مُنقِّباً عن السَّببْ
يقولُ في غَضَبْ ..
منْ أجْلِ ماذا تُهْدَرُ الدِّماءُ أيُّها العربْ؟!
يا أيُها الذين تدَّعونَ أنَّكمْ عَرَبْ
وفي ظل هذا الجو الذي يمتلئ بالحزن تكون الصداقة هي الواحة التي يفيء إليها قلبه المتعب، ويستريح إلى ظلها الأخضر، وتكون فجيعته كبيرة عندما يفقد واحداً من أصدقائه.
يقول في قصيدة "دمعة عليه" التي يُهديها "إلى صلاح منصور .. أخي الذي فقدت":
من أيْنَ تبتدئُ القصيدهْ؟
والحزنُ يبرزُ أخطبوطاً مدَّ أذرعَهُ العديدهْ
الحزنُ يخنقني فيمتنعُ الكلامْ
الحزنُ فاجأني صباحَ اليومِ
يبرزُ منْ خلالِ سطورِ أعمدةِ الجريدَهْ
يا أيُّها الشيءُ الخرافيُّ الرّهيبْ
يا أيُّها الحزنُ العجيبْ
منْ أينَ جئتَ إليَّ في هذا الصَّباحْ
منْ ذلكَ الأحدِ الحزينْ؟!
من أينَ جئتَ إليَّ، نصلُكَ ذلك المسمومُ ..
كيفَ غرسْتَهُ في غوْرِ أعماق الضلوعْ
أوّاهُ يا قلبي الطَّعينْ
منْ أينَ جِئْتْ؟
يا أيُّها الحزنُ اللَّعينْ ..
يا زارعاً في الصَّدْرِ حقْلاً منْ جِراحْ ..
يا أيُّها الحزنُ الذي قدْ زارني هذا الصَّباحْ
منْ ذلكَ الأحدِ الحزينْ؟!
ليقولَ ماتِ أخي صلاحْ
لكن ممّا يُحمَد لشاعرنا أننا نرى في أشعاره ـ رغم علو نبرة الحزن ـ بصيصاً من أمل، وإشراقة ضوء. إنه يثق في أن الغد سيكون أفضل من اليوم ـ وهذه رؤية إسلامية ترى "أن مع العسر يسرا" (سورة الشرح: 6). يقول في قصيدة "إنه يُقبل في موعده"، متحدثاً عن الغد، الذي يفيض بالإشراق والفرح:
ارقبوهْ ..
إنّهُ يقبلُ في موْعِدِهِ
واهِمٌ منْ ظنَّهُ يُخلِفُ وَعْداً
واهِمٌ منْ ظنَّهُ ليس يجيء
إنه يُقبلُ وحْدهْ
غيرَ أنَّ الوعدَ المضروبَ مازال بعيداً، وسيأتي
دون أن ندعوهُ يأتي ..
ذاتَ يوْمْ ..
فاطْرحوا الشَّكَّ بعيداً ..
اطْرحوهْ ..
إنَّهُ يُقبلُ في موْعِدِهِ
فارْقبوهْ
غير أني كنت أتمنى أن يتأمّل الشاعر في قوله "إنه يقبل وحده، دون أن ندعوهُ يأتي .."، ولعله لو حذف هذين السطرين لكان أفضل، ففي هذين السطرين مجيء الغد الآمل، المُترَع بالإشراق والفرح، دون أدنى جهد منا.
ولكن لعل الشاعر يرى أنّنا لم نبذل ما فيه الكفاية لاستنبات زهور الإشراق والفرح في صحراء الوحدة والأنانية والحزن المحبط بأرجاء الكون، وهو مُحق في هذه الرؤية التي ترى أن الغد السعيد سيجيء، دون أن نبذل الجهد اللازم لاستقدامه.
ولعل قصيدته "النور يفترش الطريق" تُضيء جزءاً من رؤية الشاعر، حيث يرى الزارعين الذين يزرعون الحياة بالأمل، لا يجدون من يقدرهم ويحمل لهم التقدير، بل هم أنفسهم ـ الزارعون ـ جاءوا بلا مقدمات، وعلى غير موعد:
منْ أينَ يُقبلُ هؤلاءْ
منْ أينَ همْ يتسرَّبونْ
الأمّهاتُ تهرّأتْ أرحامُهُنَّ ويُقبلونْ
أصلابُ منْ يدعونهم آباءهم قدْ أجْدَبَتْ
ماتتْ خصوبتُها، ورغْم جفافِها همْ ينسلونْ
العائدونَ من الحقولِ يُردِّدون الأُغنياتْ
والزرعُ يبسمُ بالسنابلِ، والبيادرُ متخماتْ
شكراً لك اللهمَّ هذا العامُ أقبلَ بالكثيرْ
شكراً فهذا العام لم يُحلَمْ بمثْلِ ثرائهِ، ولا حلمتْ بهِ
كلُّ السنينَ الماضياتْ
والقاعدون على الطريقِ يُكوِّرونَ بُصاقَهمْ
يُلقونَهُ في أوجهِ الآتينَ ..
ما أقسى الحياةْ!!
الليلً يفترشُ الطريقَ ..
فلا بصيصَ من الأَملْ ..
عودوا إلى الحُفَرِ الكئيبةِ، هوِّموا فالليلُ آتْ
وكأنّما الحياة تُجدد نفسها، بإنجاب الأبناء الذين جاءوا رغم تهرؤ أرحام الأمهات، وجدب أصلاب الآباء. وسيبقى هناك من يندب حظه، ويردد: ما أشقى الحياة!، فكأنَّ عينيه قد عميتا عن إبصار أي بصيص من ضوء الأمل، ولهذا فهم يغنون لمجيء الظلام، ويسعدون بالخفافيش، وأغنيات اليأس، وشاعرنا لحسن الحظ ليس منها، ففي غنائياته نرى الأمل الذي يُشرق ـ دائماً ـ برغم المثبِّطات:
ويوماً ما ..
سينْقشعُ الضَّبابْ
يُطلُّ وجْهُ الصَّحْوْ
يشرق في ظلامِ الليلِ بدْرٌ
ينشرُ الأفراحَ والبشرْ
فلا تتعجَّلوا الأقْدارَ، كلٌّ في مواسِمِهِ


#2 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 02 December 2004 - 12:21 PM

(القسم الثاني)

الغربة وأثرها في شعره
منذ أوائل السبعينيات اغترب بعض المثقفين المصريين بحثاً عن الثروة، أو الحرية، أو فرصة العمل. ولكنّ شاعرنا الذي اغترب عقدين من الزمن في دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم اغترب نحو ثلاثة أعوام في المملكة العربية السعودية، يقول في المقطع الثاني من قصيدة "هجائيات":
مدانٌ أنا .. مثلما كلُّكمْ مدانونَ، ليس بريئاً أحدْ
تركناكَ يا وطني، نحسبُ أنَّا سنجمعُ تِبْرا
… ـ ألا ليتَ شعري ـ ومالاً لُبَدْ
ومرَّ الزمانُ وشيْئاً فشيئاً ..
نسينا البلادا
استحلْنا جمادا ..
دُمىً لا تحسُّ، نسِينا الدِّيارْ
وتركنا البلدْ
ألا فاخرجوا منْ جلودِ البراءةِ ..
ما فيكمو منْ بريءٍ .. أجلْ، لسْتُ أُعْفي أحَدْ
ومن الطبعي أن هذه الرؤية لا تنطبق على شاعرنا الذي ظل رغم غربته ملتصقاً بهموم الوطن، كما لا تنطبق على الكثرة الكاثرة من مثقفينا، ولكنه نوع من جلد الذات، واستعذاب الألم. وما يقوله في هذا المقطع يمكن أن يصف القلة القليلة من المثقفين، التي تخلع هموم الوطن عندما تُغادر ترابه.
فما زال الوطن حاضراً بشدة في قصائده، بل إن اغترابه عن الوطن جعله قادراً على رؤية التغيُّرات التي تُصيبه، كلما غاب عاماً أو بعض عامٍ، ثمَّ عاد. يقول في قصيدة "للحب وجه ثالث" متخذاً من المرأة إطاراًا، أو مفردة فنيةً يتحاور معها، معبِّراً من خلالها عن التغيير الذي أصاب المحبوبة / الوطن، وغيَّر صورتها وملامحها إلى الضد من تلك الصورة التي يعرفها. يقول في المقطع الأول:
لا، لمْ تكنْ أنْتِ ..
أقسمْتُ أَنَّكِ لمْ تكونيها
لا لا، ولمْ يكُ ملْمحٌ منْكِ ..
أو لمسةٌ فيها ..
الوجْهُ غيْرُ الوجْهِ ..
كان الوجْهُ بُستانا ..
وهذا الوجْهُ مسْخٌ كالِحٌ ..
أفعى، يطلُّ السُّمُّ منْ فيها
لا، لم تكنْ أنْتِ ..
لا، لمْ تكونيها
وبرغم أنَّ القصيدة تقترب من الغنائيات الرومانسية التي شاعت في الإبداع المصري الحديث في الأربعينيات، فإنك تجد فيها الوطن حاضراً بقوة، وتُتابع المقطع الثاني فترى جمال الأشياء الضائعة (أو المفتقدة): سحابة رحمة وندى، رحيق منى، طيب الشذا … تلك الأشياء التي يفتقدها الشاعر العاشق بعد أن صارت الأيامُ غير الأيام، وتحولت الحبيبة الجميلة إلى صورة أخرى، يُنكِرُها كلَّ الإنكار:
لا، لم تكنْ أنْتِ ..
لا، لمْ تكونيها
تلك التي قدْ أغلقَتْ في وجْهيَ البابا
هذا الصباحَ، وأدْبرتْ عنِّي
لا، لمْ تكونيها
إنَّ التي بالأمسِ صافحني ..
طيبُ الشَّذا فيها ..
كانتْ سحابةَ رحمةٍ ونَدَى ..
كان الغمامُ رضىً يُوافيها
كانتْ رحيق منىً يُباركُنا

كانتْ فهلْ يتغيّرُ الإنسانْ ..
قولي .. هلْ تغيِّرتِ
لا، لم تكنْ أنْتِ ..
لا، لمْ تكونيها
وإذا كان الشاعر في بعض مراحل تطوره الشعري قد اقترب من عوالم المتصوفة، فإن صورة الوطن لم تغب عن تجلياته الشعرية، بل ظلت ماثلةً في قصائده. ويظل الوطن هو "البحر":
هو البحُرُ عشقٌ وموْتٌ
وتُقسمُ لوْ عُدْتَ للبرِّ يوْماً ستُقلِعُ عن عشقِكَ للبحْرِ
حتى إذا ما اسْتقرَّ المقامُ
وأضْجَرَكَ العيْشُ بالبَرِّ
نفسُ الأحاديثِ، نفسُ الرُّؤى
شَدَّكَ العشقُ للبحْرِ،
عُدْتَ إلى حِصْنِهِ عاشقاً، أثقَلتْهُ التَّباريحُ
علَّقْتَ نفسَكَ فوقَ صواري السَّفائنِ
أرْسلْتَ طرْفَكَ في روْعةِ الحُلْمِ
هذا قضاؤكَ هذا اخْتيارُكَ
رحلةُ عمْركَ بينَ المماتِ وبيْنَ المَعادْ
وهموم الوطن هي قضاء الشاعر واختياره، ومن ثمَّ وجدناه في قصائده يهجو السلبيات التي تُحاصره، يقول في المقطع الثالث من قصيدة "مشاهد فوق مرآة مشروخة":
أبصرتُ القردةَ هذا اليومْ
تتجوَّلُ في أبهاءِ المسجدْ
تعبثُ بنقوشِ سجاجيدهْ
وتبولٌ على رأسِ العُبّادْ
أبعدها النّاسُ عن السجّادْ
ودعوها تعبثُ بالعُبَّادْ
لمْ ألمحْ أحداً ممتعضاً ممّا يجري
لمْ تبْدُ فرائصُ مرتعِدَهْ
لمْ يسألْ أحدٌ صاحبَهُ
منْ فتحَ البابَ لتلك القردَهْ؟
ويقول في المقطع الثالث من قصيدة "مجرد ملاحظات"، معبراً عن اختلاط القيم والمفاهيم، وعموم الحيرة والبلبلة:
عمى الألوانِ عمَّ النّاسَ في هذا الزَّمانِ ..
فلمْ تعُد تتميَّزُ الألوانُ ..
ذاب اللونُ في اللونِ
فأصبحَ أخضراً ما كانَ أحمرَ أمسِ في عيْني
وأصبح أبيضاً ما كانَ أسودَ منذُ يوْميْنِ
وشيوع هذه الهجائيات لبعض الصور السلبية التي تُطارده في فضاء الوطن، يكشف عن رؤية الشاعر المثاليّة لواقع يتخثَّر يوماً فيوماً، ويكشف عن عدم قدرة الشاعر على الاندماج في هذا الواقع الآسن ـ الذي يرفضه ـ وتكشف هذه الهجائيات عن رؤية حالمة تتجاوز ما هو كئيب وأسود، وتحلم ـ كما قدّمنا ـ بغد أفضل، سيجيء في موعده، دون أن نبذل من أجله ما يستحقه من عمل وعناء، لأننا غير قادرين على هذا العطاء المطلوب!
ملامح فنية
1-المفارقة التصويرية
تعدُّ المفارقة التصويرية إحدى السمات الفنية في الشعر العربي المعاصر، وهي إحدى الملامح البارزة في شعر عبد المنعم عوّاد يوسف، فهو أحد الشعراء الذين تبرز في شعرهم المفارقة في صورة جلية، ويمكن من خلال المفارقة عنده أن نتعرّف على إحدى التقنيات الجديدة في القصيدة المعاصرة، وهي تقنية "المفارقة"، وكيف يستثمرها في شعره الذي يغني فيه القيم النبيلة، وهموم الإنسان وأحلامه، دون غموض مفتعل أو ادّعاء حداثة مرذولة تنفصل عن ذائقتنا العربية.
و"المفارقة التصويرية" هي "إحدى السمات الفنية في الشعر العربي المعاصر، يستخدمها الشاعر لإبراز التناقض بين طرفين متقابلين بينهما نوع من التناقض … والتناقض في المفارقة التصويرية فكرة تقوم على استنكار الاختلاف والتفاوت بين أوضاع كان من شأنها أن تتفق وتتماثل … والشاعر المعاصر يستغل هذه العملية في تصوير بعض المواقف والقضايا التي يبرز فيها هذا التناقض، والتي تُقدِّم المفارقة التصويرية بدور فعّال بإبراز أبعادها"( ).
ويُمكن إدراج أنماط المفارقة عند الشاعر في أربعة أنواع، هي: المفارقة الجزئية، ومفارقة الموقف، ومفارقة العنوان، ومفارقة السياق (وسنتناولُها في دراسة مُقبلة،مفصلة)، لكننا هنا سنتوقف أمام بعض قصائده التي تتجلّى فيها "مفارقة السياق":
ويُقصد بمفارقة السياق أن المفارقة قد تمتد لتشمل سياق القصيدة كاملاً، فكأن القصيدة تقوم على مفارقة سياقية كبيرة، ومن هذا النوع قصيدة "أنت بعثتني":
وحينما أغمضْتُ عيْنيّا
أستقبلُ الموْتا
أتيتَني أنتا
تبدو المفارقة من المقطع الشعري الأول، فالشاعر يغمض عينيه بعد مجاهدة ومكابدة لم يُرد أن يحدِّثنا عنها، ولكنه بدأ مقطعه الشعري بالواو، وكأنه يكمل كلاماً (مسكوتاً عنه في النص) دار في داخله، إنه ينتظر الموت يأتيه، وفي استخدامه "أستقبل" ما يبدو وكأن الموت أمل حبيب، سيخلِّصه من معاناة طويلة، فنحن لا نستقبل إلا الأحبة والأصدقاء ومن نحب، ولكنَّ شخصاً مباغتاً يحضر ليبعثه من جديد (وكأنه كان مات بالفعل!).
ومن المقطع الثاني تتضح المفارقة بين الخطر الذي كان يتهدَّده، والإنقاذ الذي ساقه الله على يدي هذا "الزائر" المنقذ:
يا مُنقذي:
من أينَ أقبلْتا ؟
أنا كلُّ ما أدريهِ أنَّكَ حينما جئتا
وطرقتَ بابي
كنتُ قدْ أغمضْتُ عيْنيّا،
أستقبلُ الموْتا
فبعثْتني أنْتا
لما طرقتَ البابَ
كنتُ أظُنَّكَ الموْتا
تمتمْتُ: أهْلاً بالخلاصِ أتى!!
مضيْتُ لأفتحَ البابا
رباهُ!!
لا، لمْ يكُ الموْتا
هذا الصَّبوحُ الوجْهِ، هذا المجتلى سمْتا!!
ويجيءُ صوتُكَ دافئَ النبراتِ،
يشجبُ ذلكَ الصَّمْتا
- هلاّ سمحْتَ لنا ؟!
- يُشرِّفُ نورُكَ البيْتا
يستخدم الشاعر في المقطع الثاني "التبقيع"، وهو أن الفقرة التي وردت في المقطع الأول وجدناها في المقطع الثاني بألفاظها نفسها تقريباً، لكنه أضاف ملامح أخرى( )، منها دهشته لمجيء هذا القادم الذي أعاد إليه نسغ الحياة "من أينَ أقبلْتا؟"، وكأن اليأس كان يحيط بأقطار روح الشاعر فلا تنتظر أملاً ولا نجاةً فإذا به تُشرق النجاةُ أمام عينيه.
وتتضح ملامح المفارقة في أن الشاعر كان ينتظر الموت، فإذا به يجيئه الخلاص (بالحياة وليس بالموت) دون سعيٍ منه:
كنتُ قدْ أغمضْتُ عيْنيّا،
أستقبلُ الموْتا
فبعثْتني أنْتا
لما طرقتَ البابَ
كنتُ أظُنَّكَ الموْتا
تمتمْتُ: أهْلاً بالخلاصِ أتى!!
مضيْتُ لأفتحَ البابا
رباهُ!!
لا، لمْ يكُ الموْتا
هذا الصَّبوحُ الوجْهِ
إن هذا الذي يحلم بالموت خلاصاً يجيء له الخلاص في الحياة؛ الحياة المعشبة المانحة، التي تحوِّل الحياة إلى حديقة غنّاء في جو معطِّرٍ صحوٍ، فكأنَّ الزَّائر / المُخلِّص أعاد هذا اليائس الذي ينتظر الموت إلى الجنة القديمة التي خرج منها أبونا آدم:
ودخلتَ ..
شاعَ الصَّحْوُ،
ذاع العطْرُ ..
أودعَ خطوكَ المغداقُ كلَّ حنيَّةٍ نبْتا
الزهرُ في الدِّهليزِ، في الحجُراتِ،
يطْلُعُ أينما سِرْتا
ورداً ونسرينا،
ندىً كُنتا
ومكثتَ عندي مثلما شئتا
ورحلْت عني وقتما شئتا
خلّفْتَ عندَ رحيلِكَ البُرْءا
وتركتَ روحَكَ تمْلأُ البيْتا
ولعلنا لاحظنا في هذا المقطع المفردات التي تشير إلى الحياة المبهجة التي أدخلها الزائر، ومنها: الصحو، العطر، المغداق، الزهر، ورداً ونسرينا، ندى …
لقد كان مجيء الزائر إيذاناً بولادة جديدة تركت أثرها في البيت المقبِض الذي كان ينتظر الموت:
أودعَ خطوكَ المغداقُ كلَّ حنيَّةٍ نبْتا
الزهرُ في الدِّهليزِ، في الحجُراتِ،
يطْلُعُ أينما سِرْتا
ورداً ونسرينا،
ندىً كُنتا
إن البيت لم يعد ـ بعد رحيل الزائر ـ كما كان من قبل، لقد تركه يضج بالبُرء والحياة:
خلّفْتَ عندَ رحيلِكَ البُرْءا
وتركتَ روحَكَ تمْلأُ البيْتا
ومن خلال "التبقيع"، تعود القصيدة دائرةً إلى ما بدأت به، لكنَّ النهاية هذه المرة غير البداية الأولى؛ فقد رأينا الحياة التي أودعها في البيت اليائس، وصاحبه. ومن ثمِّ فنحن نقرأ المقطع الأخير وكأنه امتنان وشكر لهذا الزائر الجميل ـ الذي لا يعرف الشاعر من أين أتى ـ وكأنه رسول السعادة والحياة!:
يا مُنقذي:
من أينَ أقبلتا ؟!
أنا كلُّ ما أدريهِ أنَّكَ حينما جئتا
وطرقتَ بابي
كنتُ قدْ أغمضْتُ عيْنيّا،
أستقبلُ الموْتا
فبعثْتني أنْتا
وفي قصيدة "صور" يقدِّم لنا الشاعر ثلاثة مشاهد تبين قدرته على التقاط الشعري من النثري، وفي هذه القصائد يُقدِّم الشاعر ثلاث صور للزيف، وخواء الرحلة التي تكون غالباً بلاهدف، والخداع الذي نراه يُحاصرنا أنَّى توجَّهنا، حتى فيما لا نتوقَّعه.
يقول في المقطع الأول:
حينً أَمَمْتُ المسجدَ
كانَ الكلُّ يُصَلِّي
إلاّ هذا الواقفَ في الصَّدْرِ إماما
كانَ يقولُ كلاما
يُلقيهِ قعوداً وقياما
نفسٌ فارغةٌ من تقوى اللهِ
ورأْسٌ يتفصَّدُ أرقاما
إنها صورة جميلة تنبض بالمفارقة، وتكشفُ عن صورةٍ قدْ نراها في واقع حياتنا، فنستنكرُها؛ فمن المفترض أن يكون الإمامُ قدوةً للمصلِّين، لكنّ شاعرنا أبصر المأمومين يقومون بشعيرة الصلاة في خشوع، ويُقبلون عليها إقبالا يكشف عن التقوى والإيمان، لكن إمامهم ـ المفترض فيه أن يكون قدوةً لهم ـ ليس على هذه الدرجة المطلوبة من التقوى والخشوع، إنه يقبل على الصلاة في جمود، عرفنا ذلك من قول الشاعر عنه:
كانَ يقولُ كلاما
يُلقيهِ قعوداً وقياما
إن كلمات الله التي "يُلقيها"، وكأنه يريد أن يتخلَّص منها، ووصف القرآن بأنه "كلام"، هنا يخلع الشاعر عنه صفة القداسة من نفسِ هذا الإمام / التاجر.
من المفترض على هذا الإمام (الذي جعل من نفسه إماماً) أن يتلوَ آيات الله في خشوع وإنابة، ومن المفترض أن تتسلّل هذه الآيات البينات إلى روحه، فتضفي عليها نوعاً من السكينة، لكن هذا الإمام / التاجر يُلقي الكلمات في آلية كأنها كلام عادي. والشاعر بهذا النصَّ القصير المُكَثَّف يقنعنا أنه رأى تاجراُ تزيّا بزيِّ الإمام، ومن هنا تأتي هذه المفارقة الفاتنة. وكأن القصيدة تدعونا أن نبصر أكثر من ذي قبل، وأن نرى الأشياء على حقيقتها، وألا ننخدع بالمظاهر، وأن نُحاول أن نرى ما وراء ظواهر الأشياء من حقائق كامنة أو مستترة.
لقد استطاع الشاعر أن يلتقط من نثر الحياة اليومية مشهداً واحداً بسيطاً ذا بعدين، ظاهري وباطني، عبّر به عن إدانته للخداع، ولكل شيء خادع في حياتنا، خارج وداخل النص معتمداً في ذلك على الطاقات الدلالية اللغوية لخدمة نصِّه المنجَز.
ويقول في مقطع آخر عن الخداع والزيف الذي يستشري في نفوسنا، لعدم قدرتنا على الرؤية الحقيقية، وكأنه يُدين "الأنا" هنا ـ لا الآخر ـ فهو الذي فاجأه السِّحْرُ الكامنُ في عيْنيْ هذه الحسناء المبتسمة، وهو الذي رآها تبتسم، فظنها تبتسم له، وكان هذا الظن غير حقيقي:
فاجأني السِّحْرُ الكامنُ في عيْنيْها
أقبلْتُ عليْها،
وأنا مجْذوبٌ بالبسمةِ في شفتيْها
لم أكُ أحسبُ أنَّ فتاةً ..
تملكُ هذا الحسنَ ستبسمُ يوْماً لي ..
لكنْ حينَ وصلْتُ إليْها،
خلَّتْني ومضَتْ.
كانَ ورائي منْ تبسمُ لهْ
إن المفارقة في شعر عبد المنعم عوّاد يوسف تكشف لنا عن شاعر محب للحياة، تسوؤه رؤى الزيف والخداع التي تستشري في حياتنا، فتُسهم قصائده في اكتشاف ظواهر الزيف والخداع لتعود للحياة بهجتها، وتصبح جديرة بالحياة. وهكذا كان وراء "المفارقة" رؤية بصيرة، وليست حيلة فنية تُجمِّل القصيدة فحسب.


#3 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 02 December 2004 - 12:24 PM

(القسم الثالث)

2-جمالية السرد
تتواشج فنون الأدب، وتتداخل وسائطها الفنية، فنرى القصة تستعير المشهد السينمائي، والتقطيع، والحوار المسرحي، واللغة الشاعرة. ونرى الشعر يستعير من السينما التقطيع السينمائي، والفلاش باك، واللقطات المركزة الموحية. ويستعير من القصة القصيرة بعض ملامحها الفنية في الحكي، والعقدة، وتعدد الأصوات، ولحظة التنوير.
وفي شعر عبد المنعم عواد يوسف نرى إفادته من بعض تقنيات السرد القصصي. ففي قصيدة "إنه يُقبل في موعده" نراه يكتب الأقصودة (وهي القصيدة ـ القصة القصيرة)، وتبدأ القصيدة بهذا المشهد:
ذات ليْلهْ
جاءني
دقَّ على بابي برفقٍ
حينما أبصرتُهُ بالبابِ غَشَّاني الفَرَحْ
لم أكدْ أُبصرُهُ حتّى اخْتفى
لمحةً .. وانْصَرَفا
إن هذا المشهد السردي يكشف عن عنصر القص في هذه القصيدة، والأفعال: دق، غشاني، أبصره، اختفى، انصرف: تكشف عن الطابع السردي الذي احتوي النص، والذي بدأ بشبه الجملة: "ذات ليلة"، ليُحدِّد السارد الوقت الذي تخلد فيه النفس إلى السكينة، وتتأمّل في أحلامها التي تحققت، وأمانيها المُجهضة، ورغباتها التي تتوق إلى تحقيقها.
وينتظر القاص / الشاعر هنا صديقه، لعله الحب، لعله السلام .. أو لعله قيمة من القيم التي تُناضل البشرية من أجلها، كالعدل والحرية، والسعادة! ومن ثم فإنه يصور حضور ذلك المُنْتَظَر (بفتح الظاء) الذي تشوّق إليه الشاعر حضوراً يشبه حضور الأطياف:
دقَّ على بابي برفقٍ
لم أكدْ أُبصرُهُ حتّى اخْتفى
وتقوم اللغة الشاعرة مع السرد بتحويل النص من سردي نثري إلى شعري شفاف، وكأننا نرى الحياة من وراء ستارة (وهذا عين ما تفعله لغة الشعر في المسرحيات الشعرية ـ أيضا ـ مهما كانت قضاياها ساخنة، ومهما كانت موضوعاتها مستمدة من كتب التاريخ أو منتزعة من الحياة، ومشتبكةً معها).
وأحياناً تكون اللقطة السردية مُفتتحا لنص كما نرى في قصيدة "الظلال":
طغت الظلالُ على الظلالْ
الظلُّ يزحمُ بعضُهُ بعضاً ..
ويلتهمُ المجالْ
ما عادَ منْ شيءٍ هنا غيْرُ الظلالْ
الظلُّ يزحفُ ما يزالْ ..
الظلُّ بالظِّلّ استطالْ
الظلُّ يلتهمُ الرجالْ
ويتكون النص بعد ذلك من ثنائية سردية غنائية، حيث تتلو المشهدَ السريَّ أبياتٌ غنائية، وتظل هذا الثنائية حتى ينتهي النص.
وهناك ملمح سردي في نصوص أخرى، يتمثّل في عدد من اللوحات المتوازية، وكل لوحة تُضيف بُعداً آخر للوحات السابقة، حتى يتم رسم المشهد. ومن ذلك قصيدة "مرثية نهر كان يضج بالحياة"، ففي المقطع الأول يصور ضفتي النهر الضيقتين بقيدين يلتقيان في عنف حول مجرى النهر، وكأنهما يدان ضخمتان تخنقان النهر، فيُحاول بكل قواه أن يتخلّص منهما ليحتضن البحر:
صوتُ انكسار البحر عندَ المُنحنى الصخريِّ
مُرْتَدٌّ بأعماقي صداهْ
والنهرُ ضاقتْ ضِفَّتاه
قيْدان يلتفّانِ في عُنْفٍ على عُنُقٍ تضِجُّ بها الحياةْ
فيظلُّ يهْدِرُ رغمَ عُنْفِ القيْدِ، ما كلَّتْ قواهْ
غَرزَ الأظافرَ في نتوءِ الصَّخِرِ لمْ تضْعُفْ يداهْ
يطْغى حنيناً للخروجِ من الإسارِ،
.. إلى احتضانِ البحْرِ كمْ حلمتْ رؤاهْ
هذا الحنينُ إلى انفساحِ الأفقِ منْ يدري مداهْ؟!
وكل مقطع تنويعة أخرى موازية، لتكتمل صورة موت النهر، حتى نراها جلية في المقطع الأخير:
مدت إليه يد المنونْ
الصَّمْتُ عانقَ كلَّ شيءْ
وحشٌ كئيبُ السَّمْتِ يمْرُقُ في الظّلامْ
اغمضْ عيونَكَ كيْ تنامْ ..
اغمضْ عيونَكَ كيْ تنامْ ..
فالنَّهْرُ ذابَ ولنْ يعودْ
ما عادَ إلاَّ صفحةً جوفاءَ في سِفْرِ الوجودْ!
ولا تكاد تخلو قصيدة من قصائد عبد المنعم عواد يوسف من مشاهد سردية، يسوقها في لغة سلسة عذبة، رأينا نماذج منها في المقتطفات السابقة، ممّا يجعلنا نتساءل في النهاية:
لماذا لم يُجرِّب شاعرنا عبد المنعم عوّاد يوسف كتابة المسرحية الشعرية، وهو يمتلك هذه المقدرة السردية؟ ولماذا لا يُجرِّب كتابتها في المستقبل؟، فأكاد أثق يقيناً أنه سيكتب نصوصاً مترعةً بالجمال، وأنّنا سنكسب شاعراً مسرحيا متميِّزاً يُضيف إلى رصيد المسرح الشعري صوتاً عذباً، كما أضاف رصفاؤه: صلاح عبد الصبور، وعبد الرحمن الشرقاوي، ومحمد مهران السيد، وأنس داود.


#4 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 19 December 2004 - 07:13 PM

عبد المنعم عوّاد يوسف
ودوره الريادي في حركة الشعر الحر
حاوره: بهاء عوّاد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أولا: نهنؤك على صدور المجلد الأول من أعمالك الشعرية الكاملة، والذي يضم خمسة دواوين، هي: هكذا غنى السندباد، وبيني وبين البحر، ولكم نيلكم ولي نيل، وكما يموت الناس مات، وأغنيات طائر غريب.
وسؤالنا: ماذا يبقى للمجلد الثاني؟
-المجلد الثاني الذي سيصدر قريباً يضم ستة دواوين: أربعة منها سبق نشرها منفردة، هي: للحب أغني، والشيخ نصر الدين والحب والسلام، والضياع في المدن المزدحمة، وعناق الشمس. واثنان لم يسبق نشرهما، هما: المرايا والوجوه، وعندما نادتني عيناك.
*هل يُمثِّل هذا كل نتاجك الشعري؟
-لا بالطبع، هناك ثلاثة دواوين للأطفال هي: «عيون الفجر» الذي نشرته دائرة الثقافة بالشارقة، إلى جانب «ساحرة الأفق الشرقي» و «الطفل والزهرة» اللذين نشرتهما الهيئة المصرية للكتاب، والمسيرة مستمرة بإذن الله، ولهذا كنت أُفضِّل أن يكون العنوان «الأعمال الشعرية» فقط، لا الأعمال الكاملة باعتبار أن الاكتمال لا يكون إلا عند التوقف عن كتابة الشعر، وأنا ـ ولله الحمد ـ مازلت مستمرا في كتابته.
*ونحن أيضاً نرجو أن يتواصل العطاء، وسؤالنا التالي:
جاء في النبذة المنشورة على الغلاف الأخير من المجلد الأول هذه العبارة «والشاعر عبد المنعم عواد يوسف أحد روّاد الشعر الحديث الذين امتلكوا ناصية اللغة وحسَّ التركيب، وتواصلوا مع التراث والحداثة معاً». فهل تتفضَّل بإجلاء دورك في الحركة الشعرية المعاصرة؟
-يوضِّح هذا الدور الدكتور صلاح رزق في مقدمته للمجلد الأول بقوله «ينتمي عبد المنعم عواد يوسف إلى تلك الكوكبة الرائدة التي امتلكت جسارة الاجتراء على تحويل تيار التدفق الشعري إلى منعطف جديد مشرب بروح الاستكشاف ولذة الافتراع .. تلك الكوكبة التي ضمّت في طليعتها صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب وعز الدين إسماعيل ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وأحمد عبد المعطي حجازي، وفي ركبهم سار حسن فتح الباب وكامل أيوب وكمال عمار وكمال نشأت ومجاهد عبد المنعم مجاهد ومحمد الفيتوري ومحمد مهران السيد … وغيرهم.
لقد سجل عبد المنعم عواد يوسف مكانه في صدارة جهود الفريق الأول بقصائده: زهرة تذوي، والكادحون، وكما يموت الناس مات».
ويؤكد هذه الحقيقة من قبل الدكتور علي شلش في كتابه «اتجاهات الأدب ومعاركه في المجلات الأدبية في مصر» حيث يقول في ص99 من الكتاب المذكور: «لم يحدث قبل عام 1952م أن نشرت المجلات شيئاً من محاولات الشباب في كتابة الشعر القائم على التفعيلة الواحدة، مما سمي بعد ذلك باسم «الشعر الحر» وقد اتخذ هذا النوع معنى مختلفاً عن معنى الشعر الحر الذي ساد في الثلاثينيات والأربعينيات، ورأينا بعض نماذجه هنا، حيثُ قامت على تعدد البحور. فقبل أسابيع من توقف «الثقافة» انفردت بنشر بعض محاولات الشعراء في هذا المجال، ولم تكن هذه المحاولات قد توسّعت في نظام التفعيلة الواحدة بعد؛ وقد شارك فيها صلاح عبد الصبور وعز الدين إسماعيل وعبد المنعم عواد يوسف».
وأذكر أنني حينما نشرت قصيدتي «الكادحون» عام 1952م قابلني صديقي الشاعر محمد مهران السيد ثائراً، واتهمني أنني أسعى إلى إفساد شعرنا العربي بمثل هذه المحاولات الدخيلة عليه ـ على حد قوله آنذاك ـ وحينما تيقّن مهران أن الدافع الحقيقي إلى كتابة هذا اللون هو التطور ومسايرة روح العصر، لا الإفساد أو التخريب أقبل على كتابته حتى أصبح من فرسانه المعدودين.
*وهل تتحقق الريادة بمجرد السبق والنشر؟
-لا بالطبع، فمن يرجع إلى قصيدتيَّ «الكادحون» و«كما يموت الناس مات» سيلمس نضجاً فنيا أشاد به النقاد، ويكفي أن قصيدتي «وكما يموت الناس مات» كان يعدها ناقد مرموق ـ هو المرحوم الدكتور عبد المحسن طه بدر ـ فتحاً جديداً في الشعر العربي، ويؤكد ذلك تأثر شعراء كبار بها، ويكفي أن الشاعر الكبير أمل دنقل قد ضمَّن إحدى قصائد ديوانه «مقتل القمر» مقطعاً منها.
*الأمر الذي لا شك فيه أن هذه التجربة الإبداعية التي امتدّت إلى ما يُناهز نصف القرن قد تحددت في سمات موضوعية وفنية محددة، نطمع أن تفصل لنا ذلك.
-أستطيع من الناحية الموضوعية أن أُجمل تجربتي الإبداعية في عدة محاور، منها المحور العاطفي الذي يدور حول قصائد الحب والوجدان، ومنها المحور الصوفي الذي يدور حول المواجيد والإشراقات الروحية، ومنها المحور الذي يدور حول الغربة والبُعد الطويل عن أرض الوطن ومُعاناة الاغتراب، ومنها المحور الوطني الذي يتبلور حول قضايا الوطن السياسية ومعاناة الواقع والمجتمع. ومنها المحور القومي الذي يتبنى مشكلات وطننا العربي الكبير وقضاياه المصيرية كالقضية الفلسطينية مثلاً. وأخيراً المحور القائم على تأمل قضايا الوجود الكبرى وما وراء الطبيعة.
هذه بإيجاز أهم المحاور الموضوعية لتجربتي الإبداعية.
أما من الناحية الفنية، فأحاول إثراء معجمي الشعري مع الحرص على واقعيته وبساطته وتنوع موسيقاه وشفافية صوره، والارتكاز على الرمز وتوظيف الموروث العربي والفرعوني والإنساني، وخصوصية البناء الكلي للقصيدة.
وعن البناء الموسيقي للتجربة، فأنا أعتمد على التنوع الإيجابي في التشكيل الموسيقي. وإيماناً مني بدور الموسيقى في تشكيل بنية الشعر، وما يُمكن أن تؤديه في إنجاز هذه المهمة الفنية بالصوت واللفظ والتركيب والترديد والتكرار في كل سياق. كما أعتمد على عنصر التدوير الموسيقي، بحيث تتواصل عدد التفعيلات مع الوقفة الشعورية المراد التعبير عنها، فتصل أحياناً إلى أكثر من مائة تفعيلة لتنتهي بقافية تتوحّد في بقية المقاطع التي يشكل كل منها هذه الدفقة الشعورية.
هذا إلى جانب التكثيف الشديد في بعض التجارب التي تشكل ما يسمى بشعر اللقطة القائم على المُفارقة.
*هذه التجربة الثرية، وهذا العطاء الكبير الذي وصل إلى أحد عشر ديواناً .. هل تعتقد أنه لاقى المُلاحقة النقدية التي يستحقها؟
-الحقيقة أن غيابي عن مصر فترة طويلة جعلني بعيداً عن دائرة النقد، ولكنني بعد عودتي إلى مصر ـ ويبدو أن البعيد عن العين بعيد عن النقد ـ قد لاقيت عناية خاصة من النقاد بأعمالي الشعرية تبلورت في عدد من المداخلات النقدية الهامة بالإذاعة والصحف لنقاد مرموقين من أمثال الدكاترة صلاح فضل وأحمد درويش ورمضان بسطويسي وحسن فتح الباب، وصلاح رزق، وحسين علي محمد، ووليد منير، ومحمد عبد المطلب، ومجاهد عبد المنعم مجاهد، ومصطفى الضبع … وغيرهم.
كما أن أكثر من رسالة جامعية تعرّضت لأعمالي الشعرية، وآخرها رسالة دكتوراه بكلية دار العلوم للدكتور قطب عبد العزيز، هذا إلى جانب رسالتين للماجستير إحداهما بكلية اللغة العربية ـ جامعة الأزهر، فرع دمنهور، والأخرى بآداب بنها، تم تسجيلهما حول تجربتي الإبداعية، ودراستها فنيا.
كما أسعدني أخيراً أن تخصص لي مجلة «الثقافة الجديدة» ملفا خاصا تناول فيه تجربتي الإبداعية بالدراسة والنقد أكثر من ستة باحثين ونقاد، والشكر لله على كل حال.
*ورد في حديثك عن مجمل أعمالك الشعرية أن لك ثلاثة دواوين للصغار .. فما مدخلك إلى أدب الطفل؟
-أحاول في شعري الموجّه للصغار أن أحببهم إلى هذا الفن الجميل، ومن ثم فقصائدي للصغار ليست مجرد أناشيد، وإنما هي قصائد حقيقية تتواءم مع مدارك الطفل الذي أتوجّه إليه بالخطاب، مع الحرص على توفر كل القيم الفنية التي يتطلبها الشعر الحقيقي من معجم شعري موحٍ، وتشكيل بالصورة، واعتماد على الرمز، مع بناء موسيقي رفاف يتعانق مع التجربة، مع تجنب الوعظ والإرشاد وإزجاء النصيحة.
*حصلت منذ سنوات على جائزة الدولة في الشعر، (وكان ذلك عام 1994م)، فما الجوائز الأخرى التي حصلت عليها؟
-حصلت على الجائزة الأولى في الشعر عام 1960م من مهرجان دمشق بقصيدتي «الأطفال والذرة»، كما حصلت في العام التالي (1961م) على الجائزة نفسها من مهرجان دمشق أيضاً عن قصيدتي «قصة لاجئ». كما حصلت على جائزة الشعر الأولى من رابطة الأدب الحديث عام 1962م عن قصيدتي «ولدي علاء»، كما حصلتُ على شهادة امتياز من جمعية كفافيس العالمية على دوري الريادي في الشعر.
*يُقال إن لك موقفاً ضد قصيدة النثر .. فما قولك في ذلك؟
-أولاً: أنا لستُ ضد قصيدة النثر بشكل مطلق، وإنما أنا ضد قصيدة النثر التي يكتبها أدعياء وعاجزون لا يستطيع الواحد منهم أن يكتب سطراً واحداً موزونا .. وأنا لا أرفض قصيدة النثر لمجرد خلوها من الوزن، فليس بالوزن وحده يتحقق الشعر. فإذا ما توافرت في القصيدة الشروط الفنية التي تجعل منها شعراً حقيقيا فسوف أقبل عليها حتى لو خلت من الإيقاع الخارجي؛ فالقصيدة لها إيقاعها الداخلي الذي به وحده يتحقق الشعر.
كيف أرفض قصيدة نثر جيدة يكتبها شعراء حقيقيون أمثال محمد الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس ومحمد صالح … وغيرهم.
وأنا لي شخصيا قصيدة نثر يتيمة أشار إليها الدكتور محمد عبد المطلب في كتابه الذي تناول فيه هذا الإبداع بعنوان «النص المُشكل» .. وأكرر إنه اتهام باطل من أساسه، فالقصيدة الجيدة تستأثر بمشاعري سواء أكانت موزونة أم غير موزونة، المهم أن تتحقق فيها العناصر الفنية التي تجعل منها فنا شعريا حقيقيا؛ فالوزن وحده لا يُحقق الشعر وإلا لكانت ألفية ابن مالك شعراً.
*ما رأيك فيمن يقولون إن الشعر لم يعد فن العربية الأول، وأنه قد تخلى عن عرشه الذي طالما احتله للرواية؟ فهل حقا نحن في عصر الرواية؟ وهل يغلب عليك التشاؤم حول مستقبل الشعر؟
-الشعر بخير، ولا يعيش مأساة كما يتصوّر البعض، وما يتصوره البعض انزواء، أراه أنا دليل صحة. الشعر يعيش انتعاشة غير مسبوقة، وكثافة نوعية. وسيظل الشعر ديوان العرب .. ربما يكون الزعم بأننا نعيش عصر الرواية يكمن وراءه أن كثيراً مما يُنشر من الشعر لا يجد المتلقي ذاته فيه، ربما بسبب الغموض المفتعل في بعض النماذج في الوقت الذي مازالت تحرص فيه الرواية على أن تكون مرآة لمجتمعها، أو أن المعطيات والمستجدات الاجتماعية تفرض روحها بقوة على الروائي، كما أن الرواية غنية بالتفصيلات الإنسانية والاجتماعية فتعبر عن ذوات متعددة لا ذات واحدة كما هو الحال في القصيدة، فالمتلقي يجد نفسه دائماً في الرواية على أية صورة من الصور، وربما رأى بعض المتلقين في غموض القصيدة ما يعني أنها أدارت له ظهرها، فكان أن أدار لها ظهره .. ومع كل ذلك أُكرر أن الشعر بخير.
*عشتَ فترةً طويلة في دولة الإمارات العربية، فما تأثير هذه الإقامة الطويلة في تجربتك الإبداعية؟
-اعتز اعتزازاً خاصا بهذه الفترة العزيزة من حياتي التي قضيتها في دولة الإمارات، وكان حصيلتها مجموعة من الأصدقاء الأعزاء من أدباء الإمارات وكتابها الذين مازالت تربط بيني وبينهم أواصر عميقة من الصداقة الحقة، كما أن هذه الإقامة الطويلة قد تركت بصماتها على تجربتي الإبداعية، ومن يقرأ ديواني «بيني وبين البحر» و «هكذا غنى السندباد» سيجد أصداء كثيرة لما ترسّب في نفسي من رؤى وتجارب عزيزة على نفسي بحكم هذه الإقامة التي امتدت إلى ما يقرب من ربع قرن.
إن الحياة في الإمارات بطبيعتها ومناخها الخاص وحياة الناس فيها قد شكّلت ملامح أساسية في هذه التجربة، بل أستطيع القول: إن بعض قصائدي في هذين الديوانين اللذين أشرت إليهما تعتبر تسجيلاً لتجارب ذاتية عشتها في هذه الدولة العزيزة على نفسي، بحيث أعتبر هذه القصائد جزءاً من سيرتي الذاتية.




#5 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 23 May 2005 - 09:18 AM

مقدمة كتاب «الرؤية الإبداعية في شعر عبد المنعم عود يوسف»
للدكتوريْن: خليل أبو ذياب وحسين علي محمد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(من إصدارات سلسلة «أصوات مُعاصرة»)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الرسول المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين، وبعد:
فهذا كتاب يتعرّف على الرؤية الإبداعية في شعر عبد المنعم عواد يوسف.
والشاعر عبد المنعم عواد يوسف (1933- … ) واحد من الشعراء الذين أسسوا لقصيدة شعر التفعيلة في الشعر العربي المعاصر، وهو مع كوكبة من زملائه: صلاح عبد الصبور، وكمال نشأت، وكامل أيوب، ومجاهد عبد المنعم مجاهد، وعبد الرحمن الشرقاوي، ومحمد مهران السيد … وغيرهم، كانوا الصوت المصري الأصيل في سيمفونية الشعر الجديد في العالم العربي.
وهو عضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر، وعضو أتيليه القاهرة، وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وعضو جماعتي نصوص 90 والفجر الأدبية.
وقد فاز في مسيرته الأدبية بعدد من الجوائز، منها: جائزة الشعر الأولى من مهرجان دمشق عام 1960م، وجائزة الشعر الأولى من مهرجان دمشق عام 1961م، وجائزة الدولة التشجيعية في الأدب عام 1995م.
وقد نشر مئات القصائد والدراسات الأدبية في الصحف والمجلات العربية.
وهو من مواليد محافظة القليوبية بجمهورية مصر العربية. وقد حصل على ليسانس آداب القاهرة ـ قسم اللغة العربية وآدابها عام 1956م، وحصل على دبلوم الدراسات العليا في الأدب العربي عام 1964م، وقد عمل مدرسا بوزارة التربية والتعليم بمصر حتى عام 1968م، ثم عمل بالتربية والتعليم بدولة الإمارات العربية المتحدة حتى عام 1991م، وقد عمل رئيساً لقسم الثقافي بجريدة «البيان» بدبي عام 1992م.
وقد صدرت له تسعة دواوين شعرية، هي: «عناق الشمس» 1966م، و«أغنيات طائر غريب» 1972م، و«الشيخ نصر الدين والحب والسلام» 1976م، و«للحب أغني» 1976م، و«الضياع في المدن المزدحمة» 1980م، و«هكذا غنى السندباد» 1982م، و«بيني وبين البحر» 1982م، و«لكم نيلكم ولي نيل» 1992م، و«كما يموت الناس مات» 1995م.
وله مجموعتان مشتركتان، هما: «أغاني الزاحفين» 1957م، و«العزف على الأوتار الخمسة» 1981م.
وقد أصدر ثلاث مجموعات شعرية للأطفال، هي: «عيون الفجر» 1990م، و«ساحرة الأفق الشرقي» 1996م، و«الطفل والزهرة» 2000م.
وله ثلاث مجموعات شعرية تحت الطبع، هي: «المرايا والوجوه»، و «قمم إسلامية»، و «أناشيد الصباح».
وله تحت الطبع أكثر من دراسة، منها "نجيب محفوظ شاعراً"، و"قطوف من الأدب الإسلامي"، و«القصيدة الجديدة وتجلياتها عبر الأجيال»، و«الشعر بين النقد والتذوق» .
***
وقد أصدرت مجلة «الثقافة الجديدة» ملفا عن شعره في العدد (133) يوليو 1999م، ضم خمس دراسات عنه، هي:
1-كلمة في البدء، للدكتور صلاح رزق (ص ص39-45).
2-قراءة في ديوان «الضياع في المدن المزدحمة»، للدكتور حسين علي محمد، (ص ص46-51).
3-الاتجاه الواقعي في شعر عبد المنعم عواد يوسف، للدكتور حسن فتح الباب ( ص52-55).
4-حول ديوان «الوجوه والمرايا» للدكتور رمضان بسطاويسي محمد (ص56،57).
5-البنية السردية الدالة: قراءة في ديوان «وكما يموت الناس مات»، للدكتور مصطفى الضبع ( ص62-67).
كما ضم العدد شهادة للشاعر اللبناني أحمد فرحات بعنوان «من المؤسسين للحداثة الشعرية في مصر» (ص67)
***
وهذا الكتاب الذي تصدره سلسلة «أصوات مُعاصرة» عن الشاعر عبد المنعم عوّاد يوسف في سلسلتها التكريمية لروّاد أدبنا المُعاصر، يقع في ثلاثة أقسام:
القسم الأول، وعنوانه «دراسات في شعر عبد المنعم عواد يوسف» يضم أربع دراسات في شعره، ثلاث منها كتبها حسين علي محمد، والرابعة كتبها الأستاذ الدكتور خليل أبو ذياب.
والقسم الثاني، وعنوانه «وثائق» يضم جزءاً من مقالة ذاتية طويلة، كتبها عبد المنعم عواد يوسف في مقدمة ديوانه «وكما يموت الناس مات»، تمثل مدخلاً إلى سيرته الذاتية التي نود أن يكتبها قريباً، لتكون مِفتاحاً للحديث عن تجاربه الشعرية الطويلة والممتدة أكثر من نصف قرن، ويضم حواراً مع الشاعر أجراه ابنه بهاء عوّاد (وهو شاعر أيضا).
والقسم الثالث وعنوانه « قصائد مختارة من شعر عبد المنعم عواد يوسف» يضم خمس قصائد، هي: «رسالة من شاب عربي إلى الرئيس أيزنهاور»، و«كما يموت الناس مات»، و«الكادحون»، و«صور»، و«الحب له وجه ثالث»، تُلقي الضوء على إبداعه توضح مسيرته الشعرية.
نرجو الله أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وصلى الله على محمد وآله.
أ.د. حسين علي محمد
الرياض في 15/10/1421هـ
10/1/2001م




#6 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 23 May 2005 - 09:23 AM

قراءة في ديوان «الضياع في المدن المزدحمة»
لعبد المنعم عواد يوسف

بقلم: أ.د. حسين علي محمد*

(1)
ديوان «الضياع في المدن المزدحمة» من أصغر دواوين عبد المنعم عواد يوسف حجماً، وأكثرها تمثيلاً لشاعريته، وقد صدرت طبعته الأولى عام 1980م، والثانية عام 1998م، في أربع وخمسين صفحة من القطع الصغير.
ويضم الديوان خمسة عشر نصا، تكشف عن حزن صاحبها، الذي أخذ بتلابيبه وهو يكتب هذه النصوص مغترباً عن وطنه في الإمارات العربية المتحدة على امتداد اثني عشر عاماً، يقول في قصيدة "دمعة عليه":
من أينَ تبتدئُ القصيدهْ
والحزنُ يبرزُ أخطبوطاً مدَّ أذرعَهُ العديدهْ؟
الحزنً يخنقني فيمتنعُ الكلامْ
ماذا أقولُ وكلُّ ما حولي ظلامْ؟ ( )
إن المقطع السابق يكشف عن الكتابة التي تعني عند الشاعر أنه يدخل إلى عوالم النور، ويدع الظلام الذي يُحيط به من كلِّ جانب فلا يترك فرْجةً لدخول نسائم النور الحياة. وما يعوق القصيدة عن البدء هو ذلك الحزن، الذي صوّره في صورة فاعلة، ليست جامدة؛ فهو كالأخطبوط له أذرع عديدة، ويُحاول أن يخنقه، فيمتنع الكلام، الذي هو ميلاد القصيدة / بدء ميلاد الحياة.
ولأن القصيدة تعني الحياة عند عبد المنعم عوّاد يوسف، فإنه في هذا الديوان يكتب القصيدةَ المُجابهة، التي قدْ تعلو نبرتُها أحياناً، والتي تُشير إلى مواطن الخلل التي يراها. ولأنه ليس ناثراً يكتبُ الفكرةَ في وضوح، فإن وضوح الرؤية الشعرية، يأتي من خلال الصدق الفني الذي يُشعرك أن التشكيل الشعري يُفصح عن مُراده. يقول في قصيدة «الظلال»:
طغَتِ الظلالُ على الظلالْ
الظلُّ يزحمُ بعضُهُ بعضاً ..
ويلتهمُ المجالْ
ما عادَ منْ شيْءٍ هنا غيُر الظلالْ
الظلُّ يزحفُ ما يزالْ
الظلُّ بالظلِّ استطالْ
الظلُّ يلتهمُ الرجالْ
والناسُ قدْ أضْحوْا ظلالْ
يا ويْلتاهُ على الرجالْ
يا ويْلتاهُ على الرجالْ
ونحْنُ في زمنِ الظلالْ!( )
إن «الظلال» هنا قد تكون أفياء النعمة التي يركنُ لها الناسُ في عصرنا (من ثروةٍ، وسلطانٍ، وجاهٍ، ومدنيةٍ مزعومةٍ تقضي على الجانب الإنساني الأصيل في نفوسهم …)، فتحيطُهم بألوان من الضلال العصري، الذي يجعل الشخص يتوهّم أنه يعيش إنساناً، ولكنه فقد كل ما يميزه، فقد أضحى ظلاً متداخلاً مع ظلال غيره، وفقد إحساسه ببكارة الأشياء والتعاطف الإنساني مع غيره من البشر المأزومين!
ومن ثم نرى الشاعر في قصيدة «المأزق» مُخاطباً ولده، الذي يرمز إلى البكارة، أن يُنقذه من هذه الظلال ـ التي تُشير أيضاً إلى عدم القدرة على الرؤية الحقيقية المحددة للحياة والأشياء، فهل تكون الطفولة منقذة للحضارة من شيخوختها الآسنة:
يا ولدي، خُذْ بيدي ..
أرشدني، إني تُهتْ ..
أتعثَّرُ في ظُلماتٍ لا أدري أوّلَها منْ آخِرِها
أخشى أنْ تُهلكني عثْرةْ
أن أسقُطَ في حُفرةْ
يا ولدي خذْ بيَدي( )
والقصيدة ـ كما نرى ـ في مستوييْن:
المستوى الأول، وهو مستوى المقروء، حيثُ نرى شيخاً كبيراً يطلب من ابنه أو حفيده أن يأخذ بيده، فقد أصبحت عيناه كليلتين، ومن ثم فهو يخشى أنْ تُهلكه عثْرةٌ، أو أن يسقُطَ في حُفرةٍ.
والمستوى الثاني، المرموز إليه، في دائرة ضياع الإنسان المعاصر في مدينته المزدحمة بالرؤى الضالة، دعوة ـ رومانسية ـ أن تعود الحياة لتسترشد بقيم الطفولة في البكارة، والبعد عما يُهلك الحياة أو يجعلها غير قادرة على إسعاد الناس وتواصلهم.
(2)
وكثير من قصائد الديوان تحمل نبرة هجائية انتقادية ساخرة، تبدأ بالذات وتنتهي بالآخر. يقول في المقطع الثاني من قصيدة "مشاهد فوق مرآة مشروخة"، كاشفاً عن التناقض الذي يحياه، حيثُ يزعمُ أنه يصلي الصلاةَ في وقتها، بينما يفعلُ دائماً ما يتناقضُ مع الصلاة، التي تنهى عن الفحشاء والمنكر:
هذا يومٌ مثل جميعِ الأيّامْ
أدَّيْتُ صلاتي فيهِ، ومارسْتُ الأفعالْ
واغْتبْتُ فلاناً وفلاناً
وتركْتُ عنانَ النظراتْ
لتُعربدَ في جسدِ امرأةٍ حسناءْ
تتجوّلُ عبْرَ الثدييْن
تتسلَّقُ فوقَ الساقيْنْ
ورجعتُ إلى البيْتِ مساءً، كيْ أقرأَ وردي الليْليا
وأنامَ سعيداً مرضيا( )
وإذا كانت الذات تسقط في هذا المستوى المُحبِط، حيث تفعل الشيء ونقيضه فإن حال المجموع (الذي هو جمع لمثل هذه الذات المتناقضة المحبطة) يبعثُ على الحسرة والتفكُّر في الحال الذي آل إليه. يقول في المقطع الثالث من القصيدة نفسها، وقد أرانا العبث بالمقدس، فلا تثور النفس، وكأن الناس استنامت إلى العبث بما يدفعُ الدم إلى الغليان في العروق، ولكن حال المجموع لم تعد تملك فضيلة الثورة على ما تراه خطأً صُراحاً:
أبصرتُ القردةَ هذا اليومْ
تتجوَّلُ في أبهاءِ المسجدْ
تعبثُ بنقوشِ سجاجيدهْ
وتبولٌ على رأسِ العُبّادْ
أبعدها النّاسُ عن السجّادْ
ودعوها تعبثُ بالعُبَّادْ
لمْ ألمحْ أحداً ممتعضاً ممّا يجري
لمْ تبْدُ فرائصُ مرتعِدَهْ
لمْ يسألْ أحدٌ صاحبَهُ
منْ فتحَ البابَ لتلك القردَهْ؟( )
وقد تكون القردة هنا إشارة إلى «أبناء القردة والخنازير» من يهود، الذين يعيثون فساداً في المسجد الأقصى بعد نكبة 1967م، ولا أحد يبدو «ممتعضاً ممّا يجري» بتعبير الشاعر!
وإن فقد القدرة على الإحساس بما يمض، ينطلق من عدم القدرة على الإحساس أو الفهم، بل هو عرَضٌ يكشفُ للنفس المبدعة عن هذا التبلُّد العام الذي يكتب عنه الشعراء والقصاصون وعلماء النفس والاجتماع. ويعني أن الكلمات فقدت معناها، وصارت لوناً من ألوان الضجيج، أو التلوث الصوتي!
يقول في المقطع الرابع من قصيدته «مجرد ملاحظات» إنه لم يعد يسمع أصواتاً، وإنما كل ما يسمعه ضجيج، لا تبين فيه الكلمات. بل إنه فقد القدرة على التمييز ما بين الأنين والضحك!:
ضجيجٌ كلُّ ما في الكونِ،
ما عادتْ تُميِزُ أذننا الأصواتْ
أنينٌ كلُّ ما أسمعْ؟
أم هذا صدى ضحكاتْ ..
وكلٌّ يشتكي وصْلاً ..
وكلٌّ يُرسلُ الآهاتِ
وليلى لم تعدْ تسمعْ،
تاهتْ سائرُ الأصواتْ( )
وكأنه يُشير في السطور الأخيرة إلى ادعاء الوطنية وإرسال الآهات ـ التي لا تعني شيئاً ـ إلى الوطن المهزوم، فقد تاهت سائر الأصوات عن أن تبلغ مُناها!
ولأن الوطن يعي أفعال أبنائه، لم يعد يعبأ بأصواتهم، وماذا تُغني الكلمات عن الأفعال؟!
(3)
لقد اغترب بعض المثقفين المصريين ـ بعد هزيمة يونيو 1967م، حيث اختلطت الأصوات، ولم يعد الشاعر يميز الصدق من الكذب مما يسمع، وأصبح الإحساس حادا بعدم جدوى الكلام، فكم قلنا وكم غنينا من الشعر أعذبه حتى جاء أبناء القردة واحتلوا بلادنا بعد أن عملت أجيال على تحريرها. ومن ثم فإننا نرى بعض مقاطع هذا الديوان تمجِّد الصمت!
يقول في قصيدة «المأزق»:
إنَّ الأفضلَ ألا نهمسَ همسةْ
نتوارى، نقبعُ في ركنٍ لا نأتي حركةْ
لكنْ ..
هلْ نملكُ هذا حقا؟
هذا أيضاً لا نملكُهُ ..
ما أضْيَعَنا في زمنٍ، لا يملكُ فيه الواحدُ فينا حقَّ الصمتْ( )
وقد عبر عن ذلك في ديوانه التالي «هكذا غني السندباد» (1982م) بموت الشاعر موتاً معنويا، فلا نبصرُ إلا الموت في نظرته، ولا نسمع إلا الجدب في نبرته (والجدب مرادف للموت، نقيض الحياة). يقول في قصيدة "عودة الشاعر":
فهذا الذي عرفناهُ بالأمسِ ماتْ
وهذا الذي لم يزل ماثلاً ليس إلا رُفاتْ
ألا تُبصرُ الموت في نظرته؟
ألا تسمعُ الجدْبَ في نبْرتِهْ؟( )
ولقد ظن البعض في الهجرة والترحال خيراً، فهي تُنقذه من معاناته اليومية على المستوى الشخصي، وتُنقذه من جوِّ الهزيمة التي كان يُعاني منها الوطن. وقد كان شاعرنا واحداً من الذين سافروا. يقول معبراً عن هذه التجربة في قصيدة "من يوميات حكيم جوّال":
وقالَ الناسُ لي: سافرْ، ففي الأسفارُ سبعُ فوائدٍ
سافرْت ..
أقولُ لكمْ:
لقد كانتْ إذن خدعهْ!!
لقدْ عُدنا من الأسفارِ،
لمْ نغْنمْ سوى الأسقامِ واللوعهْ!!( )
ومن قصائد «الضياع في المدن المزدحمة» تتبدّى لنا قسوة الغربة المكانية، بعد الغربة الروحية التي أصابته بها نكبة هزيمة 1967م.
يقول في قصيدة «مرثية نهر كان يضج بالحياة»، وهي قصيدة مكتوبة عام (1975م)، بعد عبور نفق الهزيمة، وانتصارنا في حرب التحرير من يهود عام (1973م):
صوتُ انكسار البحر عندَ المُنحنى الصخريِّ
مُرْتَدٌّ بأعماقي صداهْ
والنهرُ ضاقتْ ضِفَّتاه
قيْدان يلتفّانِ في عُنْفٍ على عُنُقٍ تضِجُّ بها الحياةْ
فيظلُّ يهْدِرُ رغمَ عُنْفِ القيْدِ، ما كلَّتْ قواهْ
غَرزَ الأظافرَ في نتوءِ الصَّخِرِ لمْ تضْعُفْ يداهْ
يطْغى حنيناً للخروجِ من الإسارِ،
.. إلى احتضانِ البحْرِ كمْ حلمتْ رؤاهْ
هذا الحنينُ إلى انفساحِ الأفقِ منْ يدري مداهْ؟!( )
فها هو النهر الذي ضاقت ضفتاه من كثرة الأسفار، لا يرى في هذا السفر الطويل إلا قيداً، وهاهو يحلم بالخروج من الأسر، ويحتضن الحياة المتسعة الأفق من جديد.
ونرى في بعض القصائد هجاءً لمن اغتربوا وتركوا وطنهم في محنته ـ والشاعر واحد منهم ـ يقول في قصيدة «هجائيات»:
مدانٌ أنا .. مثلما كلُّكمْ مدانونَ، ليس بريئاً أحدْ
تركناكَ يا وطني، نحسبُ أنَّا سنجمعُ تِبْرا
… ـ ألا ليتَ شعري ـ ومالاً لُبَدْ
ومرَّ الزمانُ وشيْئاً فشيئاً ..
نسينا البلادا
استحلْنا جمادا ..
دُمىً لا تحسُّ، نسِينا الدِّيارْ
وتركنا البلدْ
ألا فاخرجوا منْ جلودِ البراءةِ ..
ما فيكمو منْ بريءٍ .. أجلْ، لسْتُ أُعْفي أحَدْ( )
ولكن اغتراب الشاعر وغربته شحذا فيه الهمة لرؤية هموم وطنه، فحاول أن تتماس مع قصائده، التي يُغلفها برداء رومانسي حزين، كما رأينا في بعض نصوصه السابقة!!
(4)
يختفي من النصوص الشعرية التي يضمها هذا الديوان زخم حب المرأة، فلا نُبصر فيها تلك القصائد الوجدانية التي تتخذ من المرأة إطاراً لها، أو مفردة فنيةً تتحاور معها، إلا في قصيدة "للحب وجه ثالث"، وقد عبَّر فيها الشاعر عن التغير الذي أصاب المحبوبة، وغيَّر صورتها وملامحها إلى الضد من تلك الصورة التي يعرفها( ).
وافتقاد المرأة المعشوقة ـ بعد أربعة دواوين سابقة للشاعر حفلت بصور متعددة للمرأة ـ يجعلنا نتساءل:
هل ابتعد الشاعر في هذا الديوان عن المرأة ليكون أكثر قرباً من عوالم أخرى: كالمتصوفة، وهموم الغربة، وأمراض السلطة؟ أم ابتعد ضجراً (أو قرفاً) من الصور التي ابتذلها شعر التفعيلة عن المرأة: عشيقة، وصديقة، وصاحبةً، أخذ الشعراء يُخاطبونا من خلالها، حتى مللنا خطاب المرأة في الشعر العربي الحديث؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*من كتاب «الرؤية الإبداعية في شعر عبد المنعم عود يوسف»
للدكتوريْن: خليل أبو ذياب وحسين علي محمد
(من إصدارات سلسلة «أصوات مُعاصرة»)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



#7 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 23 May 2005 - 09:38 AM

قراءة في ديوان
«وكما يموت الناس مات»
بقلم: أ.د. حسين علي محمد( )

(1)
تعدُّ المفارقة التصويرية إحدى السمات الفنية في الشعر العربي المعاصر، وكان أول من تنبّه لها الدكتور علي عشري زايد في رسالته للدكتوراه التي ناقشها في مطلع السبعينيات، في كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة، والتي طُبعت عام 1978 في ليبيا بعنوان "استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر" حينما تحدّث عن قصيدة أحمد عنتر مصطفى المنشورة في مجلة "الآداب" ـ نوفمبر 1972م بعنوان "أوراق مطوية من مذكرات سيف الله المغمد" حيث قال: يستغل الشاعر شخصية القائد المسلم خالد بن الوليد … لإبراز روح المفارقة بين روح الجهاد المتوقدة التي كانت تضطرم بين أضلاع المجاهد القديم وروح الضعف والانكسار التي تسري في أوصال خَلَفه، والشاعر هنا يُبرز المفارقة منذ عنوان القصيدة، فخالد بن الوليد الذي يتحدث عنه ليس "سيف الله المسلول" وإنما هو "سيف الله المغمد"، إنه ليس ذلك البطل المنتصر الذي لم يُهزم في حرب قط، وإنما هو خالد معاصر، بلغت الهزيمةُ نخاعَه، حتى أنه ليشرب نخب انتصار عدوِّه:
أوّاهُ يا مخزومْ
الشَّوْكُ في الحُلقومْ
والقائدُ المهزومْ
يشربُ نخْبَ الرُّومْ( )
ثم أصدر الدكتور علي عشري زايد كتابه "عن بناء القصيدة العربية الحديثة"، وخصص فيه فصْلة لدراسة المفارقة التصويرية( ) درس فيها نماذج لبدر شاكر السياب، وممدوح عدوان، وحامد طاهر، ونزار قباني، وأحمد عنتر مصطفى، وصلاح عبد الصبور، وأمل دنقل، وعز الدين المناصرة.
وقد اشتركت مؤخراً في مناقشة رسالة الماجستير المقدمة من بدرية السحيباني التي أعدتها بإشراف الدكتور مسعد بن عيد العطوي بعنوان "المفارقة في الشعر العربي المعاصر"، في 314 صفحة من القطع الكبير، ورغم أنها تعرّضت لشعراء كثيرين من السعودية، ومصر، واليمن، والعراق، وسورية، والسعودية، والسودان ومن أقطار أخرى .. إلا أنها لم تذكر ـ ولو لمرة ـ نموذجاً واحداً لعبد المنعم عواد يوسف، رغم وجود المفارقة التصويرة في كثير من قصائده.
وكم كنت أتمنّى أن تُشير إلى "المفارقة التصويرية" عند عبد المنعم عوّاد يوسف لسببين:
الأول: أنه يُعدُّ رائداً من روّاد الشعر العربي الحديث، فهو "أحد الذين أسهموا في حركة الشعر الحديث في الخمسينيات يوم أن نشر قصائده الأولى في مجلة "الرسالة" ومجلة "الآداب" البيروتية"( ). وقدّم قصائد عذبة في شكل شعر التفعيلة، لم تبتعد عن الإيقاع، والتقفية التي تتكرّر في قصائده تُكسب قصائده حسًّا موسيقيا عذباً آسراً.
الثاني: أنه أحد الشعراء الذين تبرز في شعرهم المفارقة في صورة جلية، ويمكن من خلال المفارقة عنده أن نتعرّف على إحدى التقنيات الجديدة في القصيدة المعاصرة.
وسوف نتوقف أمام بعض قصائده التي تتجلّى فيها "مفارقة السياق" في ديوان "وكما يموت الناس مات".
(2)
تكشف المفارقة في ديوان "وكما يموت الناس مات" (1995م) للشاعر عبد المنعم عواد يوسف عن شاعر رومانسي، يفر الحلم منه كلما أوشك أن يتحقق. في المقطع الثاني من قصيدة "صور" يرينا الشاعر شخصية "بشر الحافي" (وهي شخصية متصوفة استدعاها صلاح عبد الصبور من قبل) رمزاً للتحقق الإنساني، والطمأنينة المستقرة، والنور الذي لا يخبو. إن الشاعر ـ في هذا النص القصير المكتنز ـ لا يتعامل مع شخصية بشرية حقيقية، وإنما يُطلعنا على رمز كلما أوشك أن يُمسكه طار وابتعد عنه:
لمْ أكُ يوماً أحلمُ أني سأراهْ
ها هو يقْبعُ في زاويةٍ منْ ميْدان التحريرْ
أقبلتُ عليْهِ بكلِّ خشوعِ اللحظهْ
حين رآني أقبلُ نحْوَهْ،
هبّ سريعاً
وتأبَّط خفَّيْهِ،
وألقى ساقيْهِ للريحْ!
يا بشْرُ الحافي،
أخبرني باللهِ ـ متى ستقر؟
متى ستقر؟
إنه لم يلتق "بشر الحافي"، وإنما التقى رمزاً واعداً. ربما كان شاعراً ربانيا نادراً من شعراء عصرنا الذين يندر أن نجدهم في المدينة المعاصرة. وقد اختار "ميدان التحرير" ربما لواقعيته، حيث يمتلئ بالسعة والصخب، وكثرة الناس والسيارات، وتشع المصالح فيه، في الوقت الذي يشي فيه التعبير "ميدان التحرير" بأنه الميدان أو المكان أو الأفق الذي يتحرر فيه الناس من كل ما يكبلهم: كالمصالح الذاتية، والاغتراب، والغضب!
ورغم قصر النص فإنه نص ثري، يكشف فيما يكشف عن غربة الإنسان وحيرته وعدم استقراره في عالمنا المعاصر، وفي المدينة بوجهٍ خاص، وعدم قدرة الشاعر ـ التي هي قدرة الإنسان المعاصر ـ على تحقيق ما يريده من أحلام ورؤى إنسانية يسيرة، تتمثل في التواصل الإنساني، الذي يكشفه تكرار جملة يسيرة من لفظتين، تعتمد على الاستفهام الحائر "متى ستقر؟".
ويبدو أن هذا الاستقرار بعيد المنال عن مدينتنا المعاصرة، التي نعيش فيها غرباء!
(3)
وفي نص ثان تتعمّق هذه الرؤية التي أرهص بها الشاعر في نصه الأول ـ المشار إليه في الفقرة السابقة ـ فحينما أصبح الشاعر من سكان المدينة، لم يعد في استطاعته أن يستشعر جمال الكون، ويمثل لذلك بـ"القمر" في قصيدته "عمرنا يولد في ضوء القمر". فإذا كان العمر لا يولد إلا عندما يستشعر الشاعر الجمال، فمن الطبعي أن يتحسر الشاعر لأنه لن يشعر بوجوده ـ أو حياته في المدينة ـ ولن يستطيع أن يغني كما يحلو له الغناء!
في المقطع السادس يرينا الشاعر هذه المفارقة السياقية بين القمر الزاهي والصحراء، حيث يوقظ القمر النشوة في القلوب المتعطشة للجمال الساحر. أما القمر في المدينة فغريب كغربة الشاعر، وكلاهما يبحثان فيها عن التواصل الإنساني فلا يجدانه!
حينما كنتُ رفاقي في المدينهْ
لمْ أكن أدرك ما يعْني القمرْ
حينما يُشرقُ في الليلِ على تلْك الصحارى
فيحيلُ القفر نبْتاً وزَهَرْ
آهِ، ما أبهى القمرْ
في ليالي الصَّحَراءْ
حينما يبزغُ منْ خلفَ الأُفُقْ
يوقظُ النشوةَ في قلْبِ البَشَرْ
فنغنِّي للهوى، للحبّ في ضوْءِ القمرْ (ص66)
ولعل الشاعر حينما رأى ضوء القمر بهيا ـ في الصحراء ـ تذكّر غربتهما هو والقمر في المدينة المعاصرة، فخاطبه مخاطبة الغريب للغريب حينما يلتقيان بعد طول فراق:
يا غريباً في المدينهْ
يا حبيبي، يا قمرْ
يا غريباً في يلادٍ لا تُحبُّ الغرباءْ (ص66)
إنه يناديه من بعيد "يا غريباً"، ولكنه سرعان ما يشعر بقربه منه، فتفر منه الكلمات، وتصبح الكلمة الواحدة قادرة على الإشعاع والتعبير عن مكنونات القلب "يا حبيبي، يا قمرْ".
ولكنه يتذكّر رحلته الماضية، فيرثي للأيام السابقة، مازجاً بيم مأساتهما (القمر والإنسان) التي تتمثل في الغربة.
لقد جعل من المدينة "بلاداً" شاسعة واسعة، لا يدركها حصر، لكنها تتفق على رفض الغريب وكراهيته "بلاد لا تُحبُّ الغرباءْ".
لكن الشاعر في الصحراء المترامية التي تخلو من البشر والأحقاد والضغائن والكراهية، يحس بذاته، وأنه يسترد نفسه الضائعة منه في المدينة.
لقد أصبح يشعر بذاته كما يشعر القمر بذاته في الصحراء!
هاهنا في الصحراء
هاهنا تلقى الذي يحفلُ بكْ
فتعالْ
نحنُ مازلنا حنيناً ينتظرْ
نحنُ من نعشقُ في الليلِ القمرْ
نحنُ أبناءُ الصحارى
عمرنا يولد في ضوء القمر (ص66، 67)
وكأنه يُرينا أنه اتحد الشاعر بأبناء الصحارى فصار جزءاً منهم، نلمح ذلك في قوله "نحنُ أبناءُ الصحارى".
إنه ينتمي للقوم الذين يعشقون القمر عشقاً أصيلاً وفطرياً، ويحتفون بالغرباء ـ من أمثالهم ـ حتى لا يشعر القمر بغربة بينهم.

(4)
وفي قصيدة "أنت بعثتني" تكشف المًفارقة عما يحدثه التواصل الإنساني عند الشاعر، فقد كان ينتظر الموت فإذا به يستقبل الحياة في استقبال صديقه:
وحينما أغمضْتُ عيْنيّا
أستقبلُ الموْتا
أتيتَني أنتا

يا مُنقذي:
من أينَ أقبلْتا ؟
أنا كلُّ ما أدريهِ أنَّكَ حينما جئتا
وطرقتَ بابي
كنتُ قدْ أغمضْتُ عيْنيّا،
أستقبلُ الموْتا
فبعثْتني أنْتا
لما طرقتَ البابَ
كنتُ أظُنَّكَ الموْتا
تمتمْتُ: أهْلاً بالخلاصِ أتى!!
مضيْتُ لأفتحَ البابا
رباهُ!!
لا، لمْ يكُ الموْتا
هذا الصَّبوحُ الوجْهِ، هذا المجتلى سمْتا!!
ويجيءُ صوتُكَ دافئَ النبراتِ،
يشجبُ ذلكَ الصَّمْتا
- هلاّ سمحْتَ لنا ؟!
- يُشرِّفُ نورُكَ البيْتا

ودخلتَ ..
شاعَ الصَّحْوُ،
ذاع العطْرُ ..
أودعَ خطوكَ المغداقُ كلَّ حنيَّةٍ نبْتا
الزهرُ في الدِّهليزِ، في الحجُراتِ،
يطْلُعُ أينما سِرْتا
ورداً ونسرينا،
ندىً كُنتا
ومكثتَ عندي مثلما شئتا
ورحلْت عني وقتما شئتا
خلّفْتَ عندَ رحيلِكَ البُرْءا
وتركتَ روحَكَ تمْلأُ البيْتا ( )
وهكذا تكشف المفارقة التصويرية في ديوان "وكما يموت الناس مات" للشاعر عبد المنعم عواد يوسف، عن بقايا رومانسية تشد الشاعر الواقعي إلى الجانب الإنساني الباحث عن التلذذ بالجمال، (والابتهاج والتواصل مع القمر في الصحراء مظهر من مظاهر ذلك)، والرغبة في التواصل مع الآخر الحبيب الذي يمنح الحياة، ويُعيد إلى الحياة القاحلة بهجتها وربيعها الدائم الموصول.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*من كتاب «الرؤية الإبداعية في شعر عبد المنعم عود يوسف»
للدكتوريْن: خليل أبو ذياب وحسين علي محمد
(من إصدارات سلسلة «أصوات مُعاصرة»)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



#8 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 24 February 2006 - 09:32 PM

للـــــــــرفـــــــــع




0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين